مَسْألَة: إذا قتل المسلم في معركة مع المشركين لم يصل عليه في أصح الروايتين:
نقلها حنبل، وصالح، وهو قول الشافعي - رضي الله عنه -.
ونقل إسحاق بن إبراهيم: يصلى عليه، وهو اختيار أبو بكر الخلال، وأبو بكر عبد العزيز، وبه قال أبو حنيفة، ومالك رحمهم الله تعالى.
وروي عن أحمد رحمه الله التخير في الصلاة وفي تركها، فقال في رواية جعفر بن محمد في الصلاة على الشهيد: إن صلي عليه فلا بأس.
وكذلك نقل المروذي عنه فقال: الصلاة عليه أجود، وإن لم يصل عليه أجزأ.
وكذلك نقل يعقوب بن بختان.
ولأنه تختلف الرواية 1 أنه لا يغسل.
وجه الرواية الأولة: ما روى أبو عبد الله بن بطة في سننه عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما -: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يجمع بين الرجلين من قتلى أحد
الجزء: 4 - الصفحة: 188
في ثوب واحد، ثم أيهم أكثر أخذًا للقرآن، فإذا أشير إلى أحدهما قدمه في اللحد، وقال: "أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة" وأمر بدفنهم في دمائهم، ولم يصل عليهم، ولم يغسلوا.
وروى أيضًا بإسناده عن الزهري عن أنس - رضي الله عنهما - قال: مرَّ نبي الله - صلى الله عليه وسلم - بحمزة عمه - رضي الله عنه - يوم أحد وقد مثِّل به فقال: "لولا أن تجد صفية في نفسها لتركته تأكله العافية حتى يحشر من بطونها"، فدعا بنمرة، وكانت إذا مدت على رأسه بدت رجلاه، وإذا مدت على رجليه بدا رأسه، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "اجعلوا على رأسه"، وقلَّت الثياب، وكثر القتلى، فكان الرجل والرجلان والثلاث يكفنون في الثوب الواحد، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسأل: "أيهم أكثر قرآنًا؟ " فيقدمه إلى القبلة فيدفنهم ولم يصل عليهم.
قال ابن مشيش: قلت لأحمد: حديث الزهري عن أنس - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يصل على قتلى أحد، فقال: يحدث به أسامة بن زيد عن الزهري وكأنه ضعفه، وقال: الليث بن سعد يحدثه عن الزهري عن عبد الرحمن بن كعب عن جابر بن عبد الله، قال: أخلق به أن يكون حديث الليث بن سعد أشبه الصحيح، فقد رجح حديث جابر على حديث أنس في الصحة.
فإن قيل: يحتمل أن يكون صلى عليهم في غيبة من جابر وأنس فلم يشاهد الصلاة.
قيل: لما لم يجز أن يقال في ترك الغسل مثل هذا لم يجز أن يقال
الجزء: 4 - الصفحة: 189
في ترك الصلاة كذلك، وعلى [هذا] 2 إذا بقي الحكم على الإطلاق وجب نفيه كما قال علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يحجزه عن قراءة القرآن شيء إلا الجنابة و [ ... ] 3 ذلك، ولأنه لا يجوز أن يقال: إنهما نفيا ذلك من غير علم بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - تركها؛ لأنه يؤدي إلى الجرح والقدح في دينهما.
فإن قيل: يحتمل أن يكون صلى على بعضهم ولم يصلِّ على بعض، ولكن أمر غيره بالصلاة.
قيل له: قوله: "لم يصل على قتلى أحد" إشارة على جميعهم، فلا يجوز حمله على بعضهم؛ لأن الصلاة على البعض يمنع الإطلاق في الكل.
والقياس: أنه لا يغسل فلا يصلى عليه، دليله: الشهيد إذا اختلط بالكفار.
فإن قيل: هناك قد وجبت الصلاة عليه إلا أنا لا نعرفه فلا نتوصل بالصلاة عليه.
قيل له: كان يجب أن يصلى عليه بالنية 4 نحن إذا اختلط بهم غير الشهيد؛ لأن الغسل شرط في صحة هذه الصلاة، بدلالة أنه إذا صلي
الجزء: 4 - الصفحة: 190
عليه قبل الغسل لم تصح الصلاة، فإذا كان كذلك سقط الغسل يجب أن تسقط الصلاة، دليله: الكافر والسقط إذا لم يصور.
فإن قيل: إنما لم يصل على الكافر لانقطاع الموالاة، وأما السقط فلأنه لم تجر فيه الروح.
قيل: أما قولك: إن المولاة منقطعة بيننا وبين الكافر، وها هنا هي باقية، فيبطل بالسقط الذي جرت فيه الروح، وإذا خرج ميتًا الموالاة باقية ولا يصلى عليه عنده، وعلى أنه لا يمتنع أن تكون الموالاة باقية، وتسقط بالشهادة كالغسل.
وأما قوله: السقط لا روح فيه، فلا معنى له؛ لأن عنده لو كان فما جرت فيه الروح لم يصل عليه.
فإن قيل: إنما سقط الغسل لأنه يراد تطهيرًا له، والشهادة طهارة.
قيل له: كما استغنينا بفضيلة الشهادة عن الغسل كذلك في الصلاة.
ولأنها صلاة من شرطها الطهارة فما أسقط الصلاة قياسًا على الحيض والنفاس في حال الحياة.
ولأنه ليس في ترك الصلاة كسر للميت، فجاز أن يسقط بالشهادة كالغسل.
واحتج المخالف: بما روى شداد بن الهاد - رضي الله عنه - أن أعرابيًا جاء إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: إني أريد أن أهاجر معك، فغزا معه فقسم له من الغنيمة فقال: لم أهاجر معك لهذا، وإنما هاجرت لكي أرمى في هذا
الجزء: 4 - الصفحة: 191
- فأشار إلى حلقه - فأموت فأدخل الجنة، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لأن صدقت صدقك الله"، قال: فجاء سهم فوقع في حلقه فمات - رضي الله عنه -، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "صدق الله فصدقه" ثم صلى عليه فقال: "إن هذا عبدك خرج مهاجرًا في سبيلك فقتل شهيدًا وأنا شهيد عليه".
والجواب: أنه يحتمل أن يكون صلى عليه بمعنى: دعا له كما قال تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ أي ادع لهم.
وكما قال الأعشى: تقول بنتي وقد قرَّبتُ مرتحلًا ... يا رب جنب أبي الأوصاب والوجعا عليك مثل الذي صليت فاغتمضي 5 ... نومًا فإن لجنب المرء مضطجعا ولأنه محتمل أن يكون مات بعد انقضاء الحرب، فلهذا صلى عليه.
واحتج: بما روى شعبة عن حصين بن عبد الرحمن عن أبي مالك الغفاري - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنه صلى على قتلى أحد وعلى حمزة - رضي الله عنهم -، يؤتى بتسعة وعاشرهم حمزة فيصلي عليهم ثم يحملون، ثم يؤتى بتسعة وحمزة مكانه، حتى صلى عليهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وروى ابن عباس، وعبد الله بن الزبير - رضي الله عنهم -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يوضع
الجزء: 4 - الصفحة: 192
بين يديه يوم أحد عشرة فيصلي عليهم، ثم يرفع العشرة وحمزة موضعه، ثم يوضع عشرة فيصلي عليهم وعلى حمزة.
والجواب: أن أحمد رحمه الله ضعف هذه الأخبار، فقال مهنا: سألت أبا عبد الله قلت: أليس قد صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على حمزة؟ فأنكره وقال: ليس له إسناد.
وقال الميموني: قلت: حديث حمزة أنه صلى عليه وهو شهيد فذكر من يرويه عن الشعبي وغيره ممن يرويه من الكوفيين هذه الأسانيد لا تكافئ ذلك.
وهذا يدل على ضعف ذلك، وعلى أنا نحمل ذلك على أنه صلى عليهم بمعنى دعا لهم، أو على أنهم لم يموتوا في الحال وإنما ماتوا بعد زمان، وتكون الدلالة على صحة هذا ما تقدم من أخبارنا الصحاح.
فإن قيل: فأخبارنا مثبتة، وفيها زيادة، وأخباركم نافية، وفيها نقصان، والمثبت أولى.
قيل له: الزيادة ها هنا مع النافي؛ لأن الأصل في الموتى الغسل والصلاة، ولأن العلم بالترك والعلم بالفعل سواء في هذا المعنى، ولهذا نقول: إن من قال: صبحت 6 فلانًا في يوم كذا فلم يقذف فلانًا 7 قبلت
الجزء: 4 - الصفحة: 193
شهادته كما يقبل في الإثبات.
واحتج: بما روى عقبة بن عامر - رضي الله عنه -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى على قتلى أحد بعد ثماني سنين.
والجواب: أن هذا متروك بالإجماع، فلا يحتج به، وعلى أنه محمول على أنه دعا لهم.
واحتج: بما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "صلوا على من قال: لا إله إلا الله".
والجواب: أن هذا عام وخبرنا خاص، والخاص يقضي على العام.
واحتج: بأن الصلاة على الميت تفضيل وتشريف، ألا ترى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلي عليه تشريفًا له؟ ! وكذلك سائر المسلمين صلي عليهم تشريفًا لهم، والشهيد يستحق التشريف والتفضيل، فوجب أن يصلى عليه كسائر الموتى.
والجواب: أن فضيلة الشهادة أسقطت الغسل جاز أن تسقط الصلاة؛ لأن العلة فيهما واحدة.
يبين صحة هذا: أن هذه الصلاة لا تصح إلا بطهارة فما أسقط الطهارة يجب أن يسقط الصلاة كما قلنا في الحيض والنفاس في حال الحياة.
فإن قيل: ليس علة الصلاة علة الطهارة؛ لأن الطهارة تراد للتطهير من الذنوب، والشهادة تكفير للذنوب.
الجزء: 4 - الصفحة: 194
قيل له: ليس الأمر كذلك؛ لأن الطهارة تجب للتنظيف والتطهير من حدث الموت 8 أن هذا يوجب أن لا يغسل الصبي، ولا الأنبياء؛ لأنهم مطهرون من الذنوب، ويجب إذا أحدث ثم أسلم أن تقوم طهارته بالإسلام مقام طهارة الحدث.
واحتج: بأن سقوط الصلاة على الميت في الأصول متعلقة بانقطاع الموالاة، ووجوب البراءة كالكفارة، والقتل على وجه الشهادة يؤكد الموالاة ولا يقطعها، وليس كذلك الغسل؛ لأنه قد يغسل من لا يصلى عليه، وهو أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر عليًا - رضي الله عنه - أن يغسل أبا طالب.
والجواب: أن هذا المعنى أن يغسل السقط ويصلى عليه إذا جرت فيه الروح إلا أنه خرج ميتًا؛ لأن الموالاة غير منقطعة بيننا، ومع هذا فقد قال أبو حنيفة رحمه الله: لا يغسل ولا يصلى عليه، وعلى هذا المعنى لما أسقط الغسل مع تأكد الموالاة جاز أن يسقط الصلاة، وما ذكره من أنه قد يغسل ولا يصلى عليه وهو الكافر لا نسلمه، وأما حديث أبي طالب فقد تكلمنا عليه بما فيه كفاية.
ووجه الثالثة: أن الأخبار متعارضة في ذلك، فلهذا كان مخيرًا كما قلنا في رفع اليدين إن شاء إلى الأذنين، وإن شاء إلى المنكبين، والله أعلم.
الجزء: 4 - الصفحة: 195
53 -