مَسْألَة: إذا اختلط أموات المسلمين بأموات المشركين، وكانوا ممن يجب الصلاة عليهم فإنه يصلى على جميعهم بالنية سواء كان المسلمون أكثر أو المشركون أو استوى عددهما:
نص عليه في رواية أبي طالب: في مسلمين ونصارى غرقوا ولا يعرفون فلا بد من الصلاة عليهم وينوي المسلمين.
وهو قول مالك، والشافعي رحمهما الله.
وقال أبو حنيفة رحمه الله: إن كان المسلمون [أكثر] صلي عليهم، وينوي المسلمين، وإن تساووا أو [كان] 1 كفار أكثر لم يصل عليهم.
دليلنا: قوله - صلى الله عليه وسلم -: "صلوا على من قال: لا إله إلا الله".
ولأنه اختلط من يصلى عليه ومن لا يصلى عليه، فوجب أن يصلوا على الجميع قياسًا على المسلمين إذا كانوا أكثر، ولأن الصلاة الواجبة إذا اشتبهت بما لم يجب صار الجميع واجبًا احتياطًا للواجب، كما يقول فيمن نسي صلاة من الصلوات الخمس في اليوم والليلة: صارت الصلوات
الجزء: 4 - الصفحة: 217
الخمس واجبة عليه.
ولأن الصلاة على المسلمين بالقصد والنية دون الكفار، وقصد الأكثر من الجماعة بالنية غير قصد الأقل، ولا فرق بينهما، تبين صحة هذا: أنه لو وضع بين يديه جنائز فصلى وهو متوجه إليها ونوى الصلاة على إحداهما بعينها لم يسقط فرض الصلاة عن الأخرى، وإن كان متوجهًا إلى الجميع بالصلاة، ولوجود القصد في بعضها، وبهذا 2 قلنا: إن من حلف لا يكلم فلانًا ولا يسلم عليه، فسلَّم على قوم هو فيهم وعزاه بنيته لم يحنث، نص عليه في رواية أبي طالب في رجل حلف أن لا يكلم رجلًا فمر به في جماعة فسلم عليه وهو فيهم ولم يعلم فرد عليه، فقال: إنما القوم لم يرده.
فاعتبر نيته في ذلك ولم يحنثه إذا قصد غير المحلوف عليه.
وروى عنه مهنا: في رجل حلف لا يكلم رجلًا فدخل يومًا وهو في المسجد وفيه جماعة فقال: سلام عليكم، فأخرج رأسه من ردائه في المسجد كان قد استتر بها فقال له: وعليكم السلام، فقال: قد حنث الحالف.
فظاهر هذا: أنه لم يعتبر نيته في ذلك، وإنما اعتبر مواجهة الجميع بالخطاب، والمذهب: الصحيح اعتبار النية والقصد فيه.
واحتج المخالف: بأنه إذا تساوى فقد استوى جهة الحظر وجهة
الجزء: 4 - الصفحة: 218
الإباحة، والمحظور منهما، وهو الصلاة على الكفار، وذلك لا يجوز استباحته بحال، فوجب أن يكون الحكم للحظر كما لو كان معه إناءان أحدهما ماء، والآخر بول، وإذا كانت امرأتان إحداهما أخته من الرضاعة، والأخرى أجنبية، ولا يعرفها بعينها إن الحكم للحظر.
والجواب: أنا لا نسلم أن ها هنا فعل محظور؛ لأنه إنما يصلي على المسلمين والصلاة يتصرف فيها بقصده ونيته إليهم، وإذا كان كذلك لم يكن مصليًا على الكفار، ولا متناول المحظور، وليس كذلك الماء والبول، وأخته وأجنبية؛ لأنه يجوز أن يصيب المحظور ويواقعه، فلهذا منع منه، وعلى أن هذا يبطل بمن نسي صلاة من صلوات اليوم والليلة، فإنه يجب عليه أن يصلي جميع الصلوات بنية الفرض، وإن كنا نعلم أن فعل ما ليس بواجب من الصلوات بنية الواجب محظور محرم كما يحرم الصلاة على الكافر.
واحتج: بأن الغلبة للكفار فوجب أن يكون الحكم لهم إذا لم يتميز المسلمون منهم، ألا ترى أنا إذا دخلنا دار الحرب جاز لنا استغراقهم كلهم بالقتل، وإن كان فيهم ممن لا يجوز قتلهم كالأسير والمستأمن، وعكس هذا دار الإسلام لما كان الغلبة فيها للمسلمين كان الحكم لهم ولم يجز الإقدام على قتل من فيها، وإن كنا قد علمنا أنها لا تخلو من مرتد وملحد يكون فيها، وكذلك إذا وجدنا ميتًا في دار الكفر ولم نعلم أنه مسلم، ولم يكن عليه سيما أهل الإسلام لم يصل عليه؛ لأن الغلبة للكفار فكان محكومًا له بالكفر، ولو وجدناه في دار الإسلام صلينا عليه؛ لأن
الجزء: 4 - الصفحة: 219
الغلبة للمسلمين، فكان الظاهر أنه مسلم.
وقد نص أحمد رحمه الله على هذا في رواية علي بن سعيد: في رجل لو وجد قتيلًا في أرض العدو، وقد قطع رأسه، ولا يدرى من المسلمين هو أم من العدو يستدل عليه بالختان والثياب، فإن لم يعرف فلا يصلى عليه، فإن وجد في أرض الإسلام على هذه الحال يغسل ويصلى عليه.
والجواب: أنه يبطل بالصلاة المنسية من صلوات اليوم والليلة، والأثواب النجسة إذا اختلطت بثوب طاهر، وجهة القبلة إذا اختلطت بغيرها من الجهات، وعلى أنا لا نعتبر غلبة الكفار في دار الحرب، ولا غلبة المسلمين في دار الإسلام، وإنما اعتبرنا جري الأحكام، فإن كان يجري فيها أحكام المسلمين فهي دار الإسلام سواء أكثر أهلها المسلمين أو مشركين، وإن كان تجري فيها أحكام الكفر فهي دار الكفر سواء كان أكثر أهلها المسلمين أو مشركين، فلم يعتبر كثرة العدد، وإنما اعتبرنا جري الأحكام، والله تعالى أعلم.
62 -