المبحث السابع: التَّنْبِيهُ عَلَى بَعْضِ المَلْحُوظَاتِ الَّتِي وَرَدَت في الكِتَابِ
لستُ أهلًا أن أُبيّن ملحوظات على إمام من أئمة الفقه في أهم وأشهر كتبه، لكن لما كانت من مستلزمات خطة البحث، فأستعين بالله كاتبًا: إن أبرز ما يمكن ملاحظته على هذا الكتاب ما يلي:
1 - استدلاله بالأحاديث الضعيفة، والموضوعة.
2 - إغفاله لأقوال بعض المذاهب الأربعة في بعض المسائل.
3 - يكتنف بعض جُمَل الكتاب غموض، لا يُدرك القارئ منها معنى، وربما كانت من أخطاء النساخ.
4 - إيراده لبعض الأحاديث بأسانيدها مع وجود الحديث في "الصحيحين"، أو في أحدهما.
هذه أبرز ما يمكن أن يكتب في هذا المقام، وأسأل الله أن يجزي أبا يعلى عن المسلمين خيرًا، فما ذُكِر مغمور في محاسن الكتاب.
الجزء: 1 - الصفحة: 78
صُوَر المخْطُوطَات
الجزء: 1 - الصفحة: 79
القسمُ الثَّاني النَّصُّ المحَقَّقُ التَّعْليقُ الكَبيْرُ في المَسَائِلِ الخِلَافِيَّةِ بَيْنَ الأَئِمَةِ تَألِيْفُ القَاضِي أبِي يَعْلَى الفَرَّاءِ مُحمَّد بنِ الحُسَيْنِ بنِ مُحمَّد بنِ خَلَف البَغدَادِيِّ الحَنبَلِيِّ المولود ببغداد سنة 380 هـ والمتوفى بها سنة 458 هـ رحمه الله تعالى
الجزء: 1 - الصفحة: 83
تَابِع [كِتاب الصَّلَاةِ]
وروى وكيع قال: حدثنا إسرائيل عن جابر عن عامر قال: لم يقنت أبو بكر ولا عمر - رضي الله عنهما - في الفجر.
وروى الشالنجي قال: حدثنا شبابة عن عبد الله 1 بن ميسرة عن إبراهيم بن أبي حرة عن سعيد بن جبير - رضي الله عنه - قال: أشهد لقد سمعت ابن عباس يسأل عن القنوت في صلاة الغداة فكرهه.
وروى الدارقطني بإسناده عن سعيد بن جبير - رضي الله عنه - قال: أشهد أني سمعت ابن عباس - رضي الله عنهما - يقول: القنوت في صلاة الفجر بدعة.
فإن قيل: فقد روي عن عمر، وعلي - رضي الله عنهما - القنوت.
قيل: أما عمر - رضي الله عنه - فقد روينا عنه من جهات ترك القنوت، وروايتنا أولى؛ لأنه يعضدها قول غيره، أما ما روي عن علي - رضي الله عنه - فقد روى
الجزء: 1 - الصفحة: 85
الشالنجي قال: حدثنا جرير عن مغيرة عن إبراهيم قال: إنما كان علي يقنت ها هنا؛ لأنه كان محاربًا ويدعو على أعدائه في القنوت في الفجر والمغرب، وهذا يدل على أن قنوته لسبب، ونحن نجيز مثل هذا، وهو أنه يجوز للإمام أن يدعو إذا أدهمه العدو، وقد قال أحمد - رحمه الله - في رواية المروذي، وأبي طالب: إذا كان في سرية وغزاة وقنت الإمام، دعا من خلفه.
فإن قيل: فتحمل أخباركم على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن القنوت، وترك القنوت الذي كان يدعو به على قوم من العرب بأسمائهم، ونحن نمنع من ذلك.
قيل له: معلوم أن لم يكن جملة قنوته الدعاء على قوم من العرب، بل كان هذا وغيره من الأدعية التي كان علمها للحسن - رضي الله عنه -، فيجب أن يحمل النهي والترك لجميع ذلك.
والقياس: أن هذه صلاة مفروضة فوجب أن لا يكون القنوت مسنونًا فيها، أصله: المغرب، ولا يلزم عليه 2 الوتر؛ لأنه ليس بفرض، ولا يلزم عليه إذا قنت الإمام على العدو، ولأن 3 ذلك يستوي فيه الأصل والفرع؛ لأن المروذي روى عن أحمد أنه قال: يقنت في الفجر والمغرب.
فإن قيل: صلاة الفجر مخصوصة بالجهر بالقراءة في جميعها، وطول القراءة فيها، واختصاص أذانها بالتثويب، كذلك يجوز أن تختص بالقنوت.
الجزء: 1 - الصفحة: 86
قيل: الجمعة تختص بالقراءة في جميعها، وتختص بشرائط كثيرة لا يشاركها فيها غيرها، ثم لم 4 القنوت.
واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: 238]، والصلاة الوسطى: صلاة الصبح، فدلّ على أن القنوت مستحب فيها.
والجواب: 5 علم أن الوسطى صلاة الصبح، وقد بينا ذلك فيما تقدم، وعلى أنا لو سلمنا (2) هذا الآية نزلت في النهي عن الكلام في الصلاة.
وروي عن زيد بن أرقم قال: كنا نتكلم في الصلاة حتى نزل قوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ فأمرنا بالسكوت، وقد قيل: القنوت طول القيام في الصلاة قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أفضل الصلاة طول القنوت" يعني: طول القيام.
واحتج بما روى أنس - رضي الله عنه - قال: ما زال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقنت في صلاة الغداة حتى فارق الدنيا.
وروى أبو داود في سننه عن البراء بن عازب - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقنت في صلاة الصبح.
والجواب: أنه يرويه أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أنس، وأبو جعفر ضعيف، والربيع لم يلق أنس فهو مرسل، وعندهم أن المرسل ليس بحجة.
الجزء: 1 - الصفحة: 87
وقد تكلم أبو القاسم عبد الرحمن بن منده فيما كتب به إلى علي - رضي الله عنه - هذا الحديث فقال: من الناس من يستدل على إقامة القنوت في صلاة الصبح بحديث أبي جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أنس أنه قال: ما زال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقنت في صلاة الفجر حتى فارق الدنيا، وذكر بعده بإسناده عن عبد الله بن أحمد قال: سمعت أبي يقول: أبو جعفر الرازي ليس بالقوي في الحديث، وقال: رواه ابن أبي حاتم وغيره عن عبد الله بن أحمد بن حنبل - رضي الله عنهم - وروى بإسناده عن قتادة عن أنس - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان لا يقنت إلا إذا دعا على قوم أو دعا لهم، وهذا يدل على تعارض الرواية عن أنس وروى أيضًا عن معمر بن راشد، وإسحاق بن راشد عن الزهري عن سالم عن أبيه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقنت في صلاة الفجر حتى أنزل الله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [آل عمران: 128] وذكر حديث عمرو بن عبد الغفار وغيره عن أبي جعفر عن الربيع عن أنس - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبا بكر وعمر - رضي الله عنهما - يقنتون حتى مضوا، ثم روى بإسناده عن عبد الرحمن بن أبي حاتم قال: سمعت أبي يقول: عمرو بن عبد الغفار ضعيف متروك الحديث، إلى ها هنا كلام عبد الرحمن.
وعلى أنا روينا عن أنس - رضي الله عنه - أنه قال: قنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شهرًا ثم تركه.
وجواب آخر: وهو أنه يحتمل أنه يكون قوله: قنت في صلاة الغداة بعد ما يفرغ من الصلاة ويسلم؛ لأن الصلاة قد يعبر بها عن الوقت
الجزء: 1 - الصفحة: 88
يقال: ... صلاة الفجر أو الظهر يعني وقت صلاة الفجر أو الظهر ويحتمل أن يكون قنت في صلاة الفجر يعني أطال القيام والقراءة فيها.
واحتج: بأنه دعاء مسنون في صلاة النافلة، فكان مسنونًا في صلاة الفرض، دليله: سائر الأدعية المسنونة.
والجواب: أنا نقلبه فنقول: وجب أن لا يختلف فيه صلاة الصبح وغيرها من الصلوات المفروضة، دليله: ما ذكرت، وإن قاسوا على قنوت الإمام على العدو فالمعنى فيه: أنها حال عذر، وقد يجوز في حال العذر (1) ما لا يجوز في غيرها، بدليل: الصلاة راجلًا وراكبًا، لأنا نقول وجب أن لا تختص بالفجر، دليله: قنوت الإمام على العدو.
1 -