السنن الكبرى للبيهقي ت التركيصفحات 541-580

وهبِ بنِ مُسلِمٍ القُرَشِيُّ، حدثنا سُلَيمانُ بن بلالٍ، حدثنا شَريكُ بن عبد اللَّهِ بنِ أبي نَمِرٍ قال: سَمِعتُ أنَسَ بنَ مالكٍ يُحَدِّثُنا عن لَيلَةِ أُسرِيَ برسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - مِن مَسجِدِ الكَعبَة، أنَّه جاءَه ثَلاثَةُ نَفَرٍ قَبلَ أن يوحَى إلَيه وهو نائمٌ في المَسجِدِ الحَرام، فقالَ أوَّلُهُم: هو هو.
وقالَ أَوسَطُهُم: هو خَيرُهُم.
وقالَ آخِرُهُم: خُذوا خيرَهُم.
فكانَت تِلكَ، فلَم يَرَهُم حَتَّى جاءَه لَيلَةً أُخرَى فيما يَرَى قَلبُه، والنَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - تَنامُ عَينُه ولا يَنامُ قَلبُه، وكَذَلِكَ الأنبياءُ عَلَيهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ تَنامُ أعيُنُهُم ولا تَنامُ قُلوبُهُم.
وذَكَرَ الحديثَ بطولِه (1). رَواه البخاريُّ عن عبد العَزيزِ عن سُلَيمانَ، ورَواه مسلمٌ عن هارونَ عن ابنِ وهبٍ (2).

بابٌ: صَلاتُه التَّطَوُّعَ قاعِدًا كَصَلاتِه قائمًا وإِن لَم تَكُنْ به عِلَّةٌ

13519 - أخبرَنا أبو عليٍّ الرُّوذْبارِيُّ، أخبرَنا محمدُ بن بكرٍ، حدثنا أبو داودَ، حدثنا محمدُ بن قُدامَةَ بنِ أعيَنَ، حدثنا جَريرٌ، عن مَنصورٍ، عن هِلالٍ يعنى 3 ابنَ يِسافٍ 4، عن أبي يَحيَى، عن عبد اللهِ بنِ عمرٍو - رضي الله عنه - قال: حُدِّثتُ أنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: "صَلاةُ الرَّجُلِ قاعِدًا نِصفُ الصَّلاةِ".
فأتَيتُه فوَجَدتُه يُصَلِّي جالِسًا، فوَضَعتُ يَدِي على رأسِي فقالَ: "ما لَكَ يا عبدَ اللهِ بنَ عمرٍو؟ ". قُلتُ: حُدِّثتُ يا رسولَ اللهِ أنَّكَ قُلتَ: "صَلاةُ الرَّجُلِ قاعِدًا نِصفُ الصَّلاةِ".
وأَنتَ12

تُصَلِّي قاعِدًا! فقالَ: "أجَل، ولَكِن لَستُ كأحَدٍ مِنكُم" (1). رَواه مسلمٌ في "الصحيح" عن زُهَيرِ بنِ حَربٍ عن جَريرٍ (2). واللهُ أعلَمُ.

بابٌ: إلَيه يُنسَبُ أولادُ بَناتِهِ

13520 - أخبرَنا أبو عمرٍو محمدُ بن عبد اللهِ الأديبُ، أخبرَنا أبو بكرٍ الإسماعيلِيُّ، أخبرَنا أبو عبد اللهِ الصوفيُّ، حدثنا أبو خَيثَمَةَ، حدثنا ابنُ عُيَينَةَ، عن أبي موسَى، عن الحَسَن، عن أبي بكرَةَ - رضي الله عنه - قال: سَمِعتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يقولُ: "إنَّ ابنِي هَذا سَيِّدٌ - يَعنِي الحَسَنَ بنَ عليٍّ عَلَيهِما السَّلامُ - ولَعَلَّ اللهَ أن يُصلِحَ به بَينَ فِئَتَينِ عظيمتَينِ مِنَ المُسلِمينَ" 3. رَواه البخاريُّ في "الصحيح" عن جَماعَةٍ عن سُفيانَ بنِ عُيَينَةَ 4. وقَد سَمَّاهُ 5 النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - ابنَه حينَ وُلِدَ، وسَمَّى أخَوَيه بذَلِكَ حينَ وُلِدا فقالَ لِعَلِيٍّ - رضي الله عنه -: "ما سَمَّيتَ ابنِي؟ ": 13521 - أخبرَنا عليُّ بن أحمدَ بنِ عَبْدانَ، أخبرَنا أحمدُ بن عُبَيدٍ، حدثنا عثمانُ بن عُمَرَ، حدثنا ابنُ رَجاءٍ، حدثنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ (ح) وحَدَّثَنا أبو عبد اللهِ الحافظُ، حدثنا أبو الحَسَنِ عليُّ بن محمدٍ الشَّيبانِيُّ12

بالكوفَة، حَدَّثَنَا إبراهيمُ بن إسحاقَ الزُّهرِيُّ، حَدَّثَنَا جَعفَرُ بن عَونٍ، حَدَّثَنَا يونُسُ بن أبي إسحاقَ، عن أبيه، عن هانِئِ بنِ هانِئٍ، عن عليٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: لما أن وُلِدَ الحَسَنُ سَمَّيتُه حَربًا، فقالَ لِي النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "ما سَمَّيتَ ابنِي؟ ". قُلتُ: حَربًا.
قال: "هو الحَسَنُ".
فلَمّا أن وُلِدَ الحُسَينُ سَمَّيتُه حَربًا، فقالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "ما سَمَّيتَ ابنِي؟ ". قُلتُ: حَربًا.
قال: "هو الحُسَينُ".
فَلَمّا أن وُلِدَ مُحَسِّنٌ قال: "ما سَمَّيتَ ابنِي؟ ". قُلتُ: حَربًا.
قال: "هو مُحَسِّنٌ".
ثُمَّ قال النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "إنِّي سَمَّيتُ بَنِيَّ هَؤُلاءِ بتَسميَةِ هارونَ بَنيه، شَبَّرًا وشَبِيرًا ومُشَبِّرًا".
لَفظُ حَديثِ يونُسَ.
وفِي رِوايَةِ إسرائيلَ: "أرونِي ابنِي ما سَمَّيتُموه".
والباقِي بمَعناه 1. 13522 - أخبرَنا أبو عليٍّ الرُّوذْبارِيُّ وأبو عبد اللَّهِ الحُسَينُ بن عُمَرَ بنِ بَرهانٍ الغَزّالُ وأبو الحُسَينِ محمدُ بن الحُسَينِ بنِ الفَضلِ القَطّانُ وغَيرُهُم قالوا: حَدَّثَنَا إسماعيلُ بن محمدٍ الصَّفّارُ، حَدَّثَنَا الحَسَنُ بن عَرَفَةَ، حَدَّثَنَا عليُّ بن ثابِتٍ الجَزَرِيُّ، عن بُكَيرِ بنِ مِسمارٍ مَولَى عامِرِ بنِ سَعدٍ قال: سَمِعتُ عامِرَ بنَ سَعدٍ يقولُ: قال سَعدٌ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: نَزَلَ على رسولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - "الوَحيُ فأَدخَلَ عَليًّا وفاطِمَةَ وابنَيهما تَحتَ ثَوبِه، قال: "اللَّهمَّ هَؤُلاءِ أهلِي وأَهلُ بَيتِي" 2. 13523 - ورَوَى حاتِمُ بن إسماعيلَ عن بُكَيرِ بنِ مِسمارٍ عن عامِرِ بنِ سَعدٍ عن أبيه قال: لما نَزَلَت هذه الآيَةُ: {نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ

وَنِسَاءَكُمْ} [آل عمران: 61] دَعا رسولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَليًّا وفاطِمَةَ وحَسَنًا وحُسَينًا فقالَ: "اللَّهمَّ هَؤُلاء أهلِي".
حَدَّثَنَاهُ أبو عبد اللهِ الحافظُ، حَدَّثَنَا جَعفَرٌ الخُلدِيُّ (1) وأبو بكرِ بن بالُويَه قالا: حَدَّثَنَا موسَى بن هارونَ، حَدَّثَنَا قُتَيبَةُ بن سعيدٍ، حَدَّثَنَا حاتِمُ بن إسماعيلَ.
فذَكَرَه (2). رَواه مسلمٌ في "الصحيح" عن قتيبَةَ (3).

بابٌ: الأنسابُ كُلُّها مُنقَطِعَةٌ يَومَ القيامَةِ إلَّا نَسَبَهُ

13524 - أخبرَنا أبو عبد اللهِ الحافظُ، حَدَّثَنَا الحَسَنُ بن يَعقوبَ وإِبراهيمُ بن عِصمَةَ قالا: حَدَّثَنَا السَّرِيُّ بن خُزَيمَةَ، حَدَّثَنَا مُعَلَّى بن أسَدٍ، حَدَّثَنَا وُهَيبُ بن خالِدٍ، عن جَعفَرِ بنِ محمدٍ، عن أبيه، عن عليّ بنِ الحُسَينِ (ح) وأخبرَنا أبو عبد اللَّهِ الحافظُ، حَدَّثَنَا أبو العباسِ محمدُ بن يَعقوبَ، حَدَّثَنَا أحمدُ بن عبد الجَبَّار، حَدَّثَنَا يونُسُ بن بُكَيرٍ، عن ابنِ إسحاقَ، حَدَّثَنِي أبو جَعفَرٍ، عن أبيه عليِّ بنِ الحُسَينِ قال: لما تَزَوَّجَ عُمَرُ بن الخطابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أُمَّ كُلثومٍ بنتَ عليٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - أتَى مَجلِسًا في مَسجِدِ رسولِ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَينَ القَبرِ والمِنبَرِ لِلمُهاجِرينَ، لَم يَكُنْ يَجلِسُ فيه غَيرُهُم، فدَعَوا له بالبَرَكَةِ.
فقالَ: أما واللَّهِ ما دَعانِي إلَى تَزويجِها إلَّا أنِّي سَمِعتُ رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقولُ: "كُلُّ سَبَبٍ ونَسَبٍ مُنقَطِعٌ يَومَ القيامَةِ إلَّا ما كان مِن سَبَبِي ونَسَبِي" 4. لَفظُ حَديثِ ابنِ إسحاقَ، وهو123

مُرسَلٌ حَسَنٌ.
وقَد رُوِيَ مِن أوجُهٍ أُخَرَ مَوصولًا ومُرسَلًا: 13525 - وأخبرَنا أبو الحُسَينِ بنُ بِشرانَ، أخبرَنا دَعلَجُ بن أحمدَ، حَدَّثَنَا موسَى بن هارونَ، حَدَّثَنَا سفيانُ بن وكيعِ بنِ الجَرّاح، حَدَّثَنَا رَوحُ بن عُبادَةَ، حَدَّثَنَا ابنُ جُرَيجٍ، أخبرَنِي ابنُ أبي مُلَيكَةَ، أخبرَنِي حَسَنُ بن حَسَنٍ، عن أبيه، أنَّ عُمَرَ بنَ الخطابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - خَطَبَ إلَى عليٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أُمَّ كُلثومٍ، فقالَ له عليٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: إنَّها تَصغُرُ عن ذَلِكَ.
فقالَ عُمَرُ: سَمِعتُ رسولَ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقولُ: "كُلُّ سَبَبٍ ونَسَبٍ مُنقَطِعٌ يَومَ القيامَةِ إلَّا سَبَبِي ونَسَبِي".
فأَحبَبتُ أن يَكونَ لِي مِن رسولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَبَبٌ ونَسَبٌ.
فقالَ عليٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لِحَسَنٍ وحُسَينٍ: زَوِّجا عَمَّكُما.
فقالا: هِيَ امرأةٌ مِنَ النِّساءِ تَختارُ لِنَفسِها.
فقامَ عليٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مُغضَبًا، فأَمسَكَ الحَسَنُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بثَوبِه وقالَ: لا صَبرَ على هِجرانِكَ يا أبَتاه.
قال: فزَوَّجاه 1. 13526 - حَدَّثَنَا أبو عبد اللهِ الحافظُ، حَدَّثَنَا أحمدُ بن جَعفَرٍ القَطيعِيُّ، حَدَّثَنَا عبدُ اللَّهِ بن أحمدَ بنِ حَنبَلٍ، حَدَّثَنِي أبي، حَدَّثَنَا أبو سعيدٍ مَولَى بَنِي هاشِمٍ، حَدَّثَنَا عبدُ اللَّهِ بن جَعفَرٍ قال: حَدَّثَتنا أُمُّ بكرٍ بنتُ المِسوَرِ بنِ مَخرَمَةَ، عن عُبَيدِ اللَّهِ بنِ أبي رافِعٍ، عن المِسوَرِ بنِ مخرمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، عن رسولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنَّه قال: "فاطِمَةُ مُضغَةٌ مِنِّي، يَقبِضُنِي ما قَبَضَها، ويَبسُطُنِي ما بَسَطَها، وإِنَّ الأنسابَ

يَومَ القيامَةِ تَنقَطِعُ غَيرَ نَسَبِي وسَبَبِي وصِهرِي" (1). 13527 - وأخبرَنا أبو الحُسَينِ بنُ الفَضلِ القَطّانُ، أخبرَنا أبو سَهلِ بنُ زيادٍ، حَدَّثَنَا إسماعيلُ بن إسحاقَ، أخبرَنا إسحاقُ بن محمدٍ الفَرْوِيُّ، حَدَّثَنَا عبدُ اللهِ بن جَعفَرٍ الزُّهرِيُّ، عن أُمِّ بكرٍ بنتِ المِسوَرِ بنِ مَخرَمَةَ، عن المِسوَرِ بنِ مَخرَمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: قال رسولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "يَنقَطِعُ كُلُّ نَسَبٍ إلَّا نَسَبِي وسَبَبِي وصِهرِي" (2). هَكذا رَواه جَماعَةٌ عن عبد اللهِ بنِ جَعفَرٍ دون ابنِ أبي رافِعٍ في إسنادِهِ.

بابُ ما أُبيحَ له مِن أن يَدعوَ المُصَلِّبَ فيُجيبَه وإن كان في الصَّلاةِ

13528 - أخبرَنا أبو عبد اللهِ الحافظُ وأبو سعيدِ بن أبي عمرٍو قالا: حَدَّثَنَا أبو العباسِ محمدُ بن يَعقوبَ، حَدَّثَنَا إبراهيمُ بن مَرزوقٍ، حَدَّثَنَا وهبُ بن جَريرٍ، حَدَّثَنَا شُعبَةُ، عن خُبَيبِ بنِ عبد الرَّحمَن، عن حَفصِ بنِ عاصِمٍ، عن أبي سعيدِ بنِ المُعَلَّى الأنصارِيَّ، أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَعاه وهو يُصَلِّي، فصَلَّى ثُمَّ أتاه، فقالَ: "ما مَنَعَكَ أن تُجيبَنِي إذ دَعوْتُكَ؟ ". قال: إنِّي كُنتُ أُصَلِّي.
فقالَ: "أَلَم يَقُلِ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ﴾ الآيَةَ.
[الأنفال: 24]؟ ". ثُمَّ قال: "ألا أُعَلِّمُكَ أعظَمَ سورَةٍ في القُرآنِ؟ ". قال: فكأنَّه نَسِيَها أو نُسِّيَ.
قُلتُ: يا رسولَ اللهِ الَّذِي قُلتَ لِي؟ قال:12

"الحَمدُ للَّهِ رَبِّ العالَمينَ هِيَ السَّبعُ المَثَانِي والقُرآنُ العَظيمُ الَّذِي أوتيتُه" (1). أخرَجَه البخاريُّ في "الصحيح" مِن حَديثِ شُعبَةَ (2).

بابٌ: كان مالُه بَعدَ مَوتِه قائمًا على نَفَقَتِه ومِلكِهِ

13529 - أخبرَنا أبو الحَسَنِ عليُّ بن أحمدَ بنِ عَبْدانَ، أخبرَنا أحمدُ بن عُبَيدٍ الصَّفّارُ، حَدَّثَنَا أحمدُ بن إبراهيمَ بنِ مِلْحانَ، حَدَّثَنَا ابنُ بُكَيرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيثُ، عن عُقَيلٍ، عن ابنِ شِهاب، عن عُروةَ، عن عائشةَ زَوجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنَّها أخبَرَته أنَّ فاطِمَةَ بنتَ رسولِ اللًّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أرسَلَت إلَى أبي بكرٍ الصِّدّيقِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - تَسأَلُه ميراثَها مِن رسولِ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِمّا أفاءَ اللهُ بالمَدينَةِ وفَدَكٍ وما بَقِيَ مِن خُمُسِ خَيبَرَ، قال أبو بكرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: إنَّ رسولَ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "لا نورَثُ، ما تَرَكنا 3 صَدَقَةٌ، إنَّما يأكُلُ آلُ محمدٍ في هَذا المالِ".
وإِنِّي واللهِ لا أُغَيِّرُ شَيئًا مِن صدَقَةِ رسولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن حالِها التي كانَت عَلَيه في عَهدِ رسولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ولأعمَلَنَّ فيها بما عَمِلَ به رسولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وذَكَرَ الحديثَ 4. رَواه البخاريُّ في "الصحيح" عن ابنِ بُكَيرٍ، وأَخرَجَه مسلمٌ مِن وجهٍ آخَرَ عن اللَّيثِ 5.12

13530 - أخبرَنا أبو عبد اللهِ الحافظُ وأبو زَكَريّا بنُ أبي إسحاقَ وأبو بكرِ بن الحَسَنِ قالوا: حَدَّثَنَا أبو العباسِ محمدُ بن يَعقوبَ، أخبرَنا الرَّبيعُ بن سُلَيمانَ، أخبرَنا الشّافِعِيُّ، أخبرَنا ابنُ عُيَينَةَ (ح) وأخبرَنا أبو عبد اللهِ الحافظُ، أخبرَنِي أبو عمرِو بنُ أبي جَعفَرٍ، حَدَّثَنَا عبدُ اللهِ بن محمدٍ، حَدَّثَنَا محمدُ بنُ يَحيَى بنِ أبي عُمَرَ المَكِّيُّ، حَدَّثَنَا سفيانُ، عن أبي الزِّناد، عن الأعرَج، عن أبي هريرةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، أنَّ رسولَ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "لا يَقتَسِمُ ورَثَتِي دينارًا، ما تَرَكتُ بَعدَ نَفَقَةِ نِسائي ومُؤْنَةِ عامِلِي فهو صَدَقَةٌ" (1). رَواه مسلمٌ في "الصحيح" عن ابنِ أبي عُمَرَ، وأَخرَجَه البخاريُّ مِن حَديثِ مالكٍ عن أبي الزِّنادِ (2).

بابُ دُخولِ المَسجِدِ جُنُبًا

كَذا قال أبو العباس، والصَّوابُ - إن صَحَّ الخَبَرُ فيه: لُبثُه في المَسجِدِ جُنُبًا، فالعُبورُ دونَ اللُّبثِ جائزٌ لِلكافَّةِ على الجَنابَة، واللَّهُ أعلَمُ.
13531 - أخبرَنا أبو الحَسَنِ عليُّ بن أحمدَ بنِ عَبْدانَ، أخبرَنا أحمدُ بن عُبَيدٍ الصَّفَّارُ، حَدَّثَنَا محمدُ بن يونُسَ، حَدَّثَنَا الفَضلُ بن دُكَينٍ، حَدَّثَنَا ابنُ أبي غَنيَّةَ، عن أبي الخطابِ الهَجَرِيّ، عن مَحدوجٍ 3 الذُّهلِيّ، عن جَسرَةَ، عن أُمِّ سلمةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قالَت: خَرَجَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فوَجَّهَ هَذا المَسجِدَ فقالَ: "ألا لا يَحِلُّ12

هَذا المَسجِدُ لِجُنُبٍ ولا حائضٍ إلَّا لِرسولِ اللهِ وعَلِيٍّ وفاطِمَةَ والحَسَنِ والحُسَين، إلا قَد بَيَّنتُ لَكُمُ الأسماءَ ألَّا تَضِلّوا" 1. أخبرَنا أبو سَعدٍ المالينِيُّ، أخبرَنا أبو أحمدَ بن عَدِيٍّ الحافظُ قال: سَمِعتُ ابنَ حَمَّادٍ يقولُ: قال البخاريُّ رَحِمَه اللهُ: مَحدوجٌ الذُّهلِيُّ عن جَسرَةَ، قالَه ابنُ أبي غَنيَّةَ عن أبي الخطاب، فيه نَظَرٌ 2. قال الشيخُ رَحِمَهُ اللهُ: قَد رُوِيَ هَذا مِن وجهٍ آخَرَ عن جَسرَةَ، وفيه ضَعفٌ: 13532 - أخبَرَناه أبو نَصرٍ عُمَرُ بن عبد العَزيزِ بنِ عُمَرَ بنِ قَتادَةَ، أخبرَنا أبو الحَسَنِ محمدُ بن الحَسَنِ بنِ إسماعيلَ السَّرّاجُ، حَدَّثَنَا مُطَيَّنٌ، حَدَّثَنَا يَحيَى بن حَمزَةَ التَّمّارُ قال: سَمِعتُ عَطاءَ بنَ مُسلِمٍ يَذكُرُ عن إسماعيلَ بنِ أُمَيَّةَ، عن جَسرَةَ، عن أُمِّ سلَمةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قالَت: قال رسولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "إلا إنَّ مَسجِدِي حَرامٌ على كُلِّ حائضٍ مِنَ النِّساءِ وكُلِّ جُنُبٍ مِنَ الرِّجال، إلَّا على محمدٍ وأَهلِ بَيته؛ عليٍّ وفاطِمَةَ والحَسَنِ والحُسَينِ" 3. أخبرَنا أبو بكرٍ الفارِسِيُّ، أخبرَنا أبو إسحاقَ الأصبَهانِيُّ، أخبرَنا

أبو أحمدَ بن فارِسٍ قال: قال البخاريُّ.
فذَكَرَ رِوايَةَ مَحدوجٍ عن جَسرَةَ، ثُمَّ قال البخاريُّ: وقالَ أفلَتُ: عن جَسرَةَ عن عائشةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - عن النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. ولا يَصِحُّ هَذا عن النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (1). 13533 - وقَد رَوَى محمدُ بن فُضَيلٍ عن سالِمِ بنِ أبي حَفصَةَ عن عَطيَّةَ عن أبي سعيدٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: قال رسولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: "يا عليُّ لا يَحِلُّ لأحَدٍ يُجنِبُ في هَذا المَسجِدِ غَيرِي وغَيرَكَ".
أنبأَنيه أبو عبد الرَّحمَنِ السُّلَمِيُّ، أنَّ أبا محمدٍ عبدَ اللهِ بنَ محمدِ بنِ عليِّ بنِ زيادٍ أخبَرَهُم قال: حَدَّثَنَا محمدُ بن إسحاقَ بنِ خُزَيمَةَ، حَدَّثَنَا عليُّ بن المُنذِر، حَدَّثَنَا ابنُ فُضَيلٍ، حَدَّثَنَا سالِمُ بن أبي حَفصَةَ.
فذَكَرَه (2). ورُوِيَ ذَلِكَ أيضًا مِن وجهٍ آخَرَ عن عَطيَّةَ، وعَطيَّةُ هو ابنُ سَعدٍ العَوفِيُّ غَيرُ مُحتَجٍّ به (3). واللهُ أعلَمُ.

بابُ ما أُبيحَ له مِنَ الحُكمِ لِنَفسِه وقَبُولِ شَهادَةِ (4) مَن شَهِدَ له بقَولِه وإِذَا جازَ ذَلِكَ جازَ أن يَحكُمَ لِوَلَدِه ووَلَدِ ولَدِهِ

13534 - أخبرَنا أبو عبد اللَّهِ الحافظُ، حَدَّثَنَا أبو العباسِ محمدُ بن يَعقوبَ، حَدَّثَنَا أبو أُسامَةَ عبدُ اللهِ بن محمدِ بنِ أُسامَةَ الحَلَبِيُّ، حَدَّثَنَا1234

حَجّاجُ بن أبي مَنيعٍ الرُّصافِيُّ، حَدَّثَنِي جَدِّي، عن الزُّهرِيِّ قال: حَدَّثَنِي عُمارَةُ بن خُزَيمَةَ أنَّ عَمَّه أخبَرَه - وكانَ مِن أصحابِ رسولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - - أنَّ رسولَ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ابتاعَ فرَسًا مِن رَجُلٍ مِنَ الأعراب، فاستَتبَعَه ليَقضيَه ثَمَنَ فرَسِه، فأَسرَعَ رسولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - المَشىَ وأَبطأَ الأعرابِيُّ، فطَفِقَ رِجالٌ يَعتَرِضونَ الأعرابِيَّ فساوَموه بالفَرَسِ ولا يَشعُرونَ أنَّ رسولَ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدِ ابتاعَه حَتَّى زادَ بعضُهم الأعرابِيَّ في السَّومِ على ثَمَنِ الفَرَسِ الَّذِي ابتاعَه رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فلَمّا زادَه نادَى الأعرابِيُّ رسولَ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقالَ: إن كُنتَ مُبتاعًا هَذا الفَرَسَ فابتَعه أو لأبيعَنَّه.
فقامَ رسولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حينَ سَمِعَ نِداءَ الأعرابِيِّ حَتَّى أتاه الأعرابِيُّ فقالَ له: "أوَلَستُ قَدِ ابتَعتُه مِنكَ؟ ". قال الأعرابِيُّ: لا واللهِ مَا بعتُكَ.
قال: فقالَ رسولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "بَلَى قَدِ ابتَعتُه مِنكَ".
فطَفِقَ النَّاسُ يَلوذونَ برسولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وبِالأعرابِيِّ وهُما يَتَراجَعان، وطَفِقَ الأعرابِيُّ يقولُ: هَلُمَّ شَهيدًا يَشهَدُ أنِّي بايَعتُكَ.
فمَن جاءَ مِنَ المُسلِمينَ قال لِلأعرابِيِّ: ويلَكَ، إنَّ رسولَ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَم يَكُنْ يقولُ إلَّا حَقًّا.
حَتَّى جاءَ خُزَيمَةُ فاستَمَعَ ما يُراجِعُ رسولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ويُراجِعُ الأعرابِيّ، وطَفِقَ الأعرابِيُّ يقولُ: هَلُمَّ شُهَداءَ يَشهَدونَ أنِّي بايَعتُكَ.
قال خُزَيمَةُ: أنا أشهَدُ أنَّكَ قَد بايَعتَه.
فأَقبَلَ رسولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على خُزَيمَةَ قال: "بِم تَشهَدُ؟ ". قال: بتَصديقِكَ يا رسولَ اللَّهِ.
فجَعَلَ رسولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَهادَةَ خُزَيمَةَ شَهادَةَ رَجُلَينِ 1. واللَّهُ أعلَمُ.

بابُ ما أُبيحَ له مِنَ القَضاءِ بعِلمِه

وفِي قَضاءِ غَيرِه بعِلمِ نَفسِه قَولانِ.
13535 - أخبرَنا محمدُ بن عبد اللَّهِ الحافظُ، أخبرَنا أبو الحَسَنِ عليُّ بن أحمدَ التَّمَّارُ بهَمَذانَ، حَدَّثَنَا إبراهيمُ بن الحُسَين، حَدَّثَنَا أبو اليَمانِ الحَكَمُ بن نافِعٍ، أخبرَنا شُعَيبٌ، عن الزُّهرِيِّ قال: وحَدَّثَنِي عُروةُ بن الزُّبَيرِ أن عائشةَ أُمَّ المُؤمِنينَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قالَت: جاءَت هِندُ بنتُ عُتبَةَ بنِ رَبيعَةَ فقالَت: يا رسولَ الله، واللهِ ما كان على ظَهرِ الأرضِ أهلُ خِباءٍ أحَبَّ إلَيَّ أن يَذِلّوا مِن أهلِ خِبائكَ، ثُمَّ ما أصبَحَ اليَومَ على ظَهرِ الأرضِ أهلُ خِباءٍ أحَبَّ إلَيَّ أن يَعِزُّوا مِن أهلِ خِبائكَ.
ثُمَّ قالَت: إنَّ أبا سُفيانَ رَجُل مُمسِكٌ، فهَل عليّ حَرَجٌ أن أُطعِمَ مِنَ الَّذِي له عيالَنا؟ فقالَ لَها: "لا حَرَجَ عَلَيكِ أن تُطعِميهِم بالمَعروفِ" (1). رَواه البخاريُّ في "الصحيح" عن أبي اليَمان، وأَخرَجَه مسلمٌ مِن وجهٍ آخَرَ عن الزُّهرِيِّ (2).

بابُ تَركِه الإنكارَ على مَن شَرِبَ بَولَه ودَمَهُ

13536 - أخبرَنا أبو نَصرٍ عُمَرُ بن عبد العَزيزِ بنِ عُمَرَ بنِ قَتادَةَ، حَدَّثَنَا أبو الحُسَينِ محمدُ بن أحمدَ بنِ حامِدٍ العَطارُ، أخبرَنا أحمدُ بن الحَسَنِ بنِ12

عبد الجَبّار، حَدَّثَنَا يَحيَى بن مَعينٍ، حَدَّثَنَا حَجّاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ قال: أخبَرَتنِي حُكَيمَةُ بنتُ أُمَيمَةَ، عن أُمَيمَةَ أُمِّها، أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يَبولُ في قَدَحٍ مِن عَيدانٍ، ثُمَّ وُضِعَ تَحتَ سَريرِه فبالَ، فوُضِعَ تَحتَ سَريرِه فجاءَ فأَرادَه، فإِذا القَدَحُ لَيسَ فيه شَىءٌ، فقالَ لامرأةٍ يُقالُ لَها: بَرَكَةُ.
كانَت تَخدُمُه، لأُمِّ حَبيبَةَ جاءَت مَعَها مِن أرضِ الحَبَشَةِ: "أينَ البَول الذِي كان في هَذا القَدَحِ؟ " قالَت: شَرِبتُه يا رسولَ اللَّهِ 1. 13537 - أخبرَنا أبو الحَسَنِ عليُّ بن أحمدَ بنِ عَبْدانَ، أخبرَنا أحمدُ بن عُبَيدٍ الصَّفّارُ، حَدَّثَنَا محمدُ بن غالِبٍ، حَدَّثَنَا موسَى بن إسماعيلَ أبو سلَمةَ، حَدَّثَنَا هُنَيدُ بن القاسِمِ قال: سَمِعتُ عامِرَ بنَ عبد اللَّهِ بنِ الزُّبَيرِ يُحَدِّثُ عن أبيه قال: احتَجَمَ رسولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأَعطانِي دَمَه فقالَ: "اذهَبْ فوارِه، لا يَبْحَثُ عنه سَبعٌ أو كَلبٌ أو إنسانٌ".
قال: فتَنَحَّت 2 فشَرِبتُه ثُمَّ أتَيتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقالَ: "ما صَنَعتَ؟ ". قُلتُ: صَنَعتُ الَّذِي أمَرتَنِي.
قال: "ما أُراكَ إلَّا قَد شَرِبتَه".
قُلتُ: نَعَم.
قال: "ماذا تَلقَى أُمَّتِي مِنكَ؟ ! ". قال أبو جَعفَرٍ: وزادَنِي بَعضُ أصحابِ الحديثِ عن أبي سلَمةَ: قال: فيُرَونَ أنَّ القوَّةَ التي كانَت في ابنِ الزُّبَيرِ مِن قوَّةِ دَمِ رسولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - 3.

قال الشيخُ رَحِمَهُ اللهُ: ورُوِيَ ذَلِكَ [مِن وجهٍ آخَرَ] (1) عن أسماءَ بنتِ أبي بكرٍ وعن سَلمانَ في شُربِ ابنِ الزُّبَيرِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - دَمَه (2). ورُوِيَ عن سَفينَةَ أنَّه شَرِبَه: 13538 - أخبرَنا أبو سَعدٍ المالينِيُّ، أخبرَنا أبو أحمدَ بن عَدِيٍّ، حَدَّثَنَا أحمدُ بن الحَسَنِ بنِ عبد الجَبَّارِ وإِبراهيمُ بن أسباطٍ قالا: حَدَّثَنَا سُرَيجُ بن يونُسَ، حَدَّثَنَا ابنُ أبي فُدَيكٍ، حَدَّثَنَا بُرَيْهُ بن عُمَرَ بنِ سَفينَةَ، عن أبيه، عن جَدِّه قال: احتَجَمَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ قال لي: "خُذْ هَذا الدَّمَ فادفِنْه مِنَ الدَّوابِّ والطَّيرِ".
أو قال: "النّاسِ والدَّوابِّ".
شَكَّ ابنُ أبي فُدَيكٍ.
قال: فتَغَيَّبتُ به فشَرِبتُه.
قال: ثُمَّ سألَنِي فأَخبَرتُه أنِّي شَرِبتُه، فضَحِكَ (3).

بابُ قَسمِ شَعَرِه بَينَ أصحابِهِ

13539 - أخبرَنا أبو محمدِ بن يوسُفَ، أخبرَنا أبو سعيدِ بن الأعرابِيّ، حَدَّثَنَا الحَسَنُ بن محمدٍ الزَّعفَرانِيُّ، حَدَّثَنَا سفيانُ بن عُيَينَةَ، عن هِشامٍ، عن محمدِ بنِ سيرينَ، عن أنَسِ بنِ مالكٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: لما رَمَى رسولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - "الجَمرَةَ ونَحَرَ هَديَه ناوَلَ الحَلَّاقَ شِقَّه الأيمَنَ فحَلَقَه، فناوَلَه123

أبا طَلحَةَ، ثُمَّ ناوَلَه شِقَّه الأيسَرَ فحَلَقَه، وأَمَرَه أن يَقسِمَ بَينَ النّاسِ 1. رَواه مسلمٌ في "الصحيح" عن ابنِ أبي عُمَرَ عن سُفيانَ 2. 13540 - أخبرَنا أبو عبد اللَّهِ الحافظُ، أخبرَنا أبو النَّضرِ الفَقيهُ، حَدَّثَنَا صالِحُ بن محمدٍ الحافظُ، حَدَّثَنَا سعيدُ بن سُلَيمانَ، حَدَّثَنَا عَبّادُ بن العَوّام، عن ابنِ عَونٍ، عن محمدِ بنِ سيرينَ، عن أنَسِ بنِ مالكٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، أنَّ رسولَ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لما حَلَقَ شَعَرَه يَومَ النَّحرِ تَفَرَّقَ النّاسُ فأَخَذوا شَعَرَه، فأَخَذَ أبو طَلحَةَ مِنه طائفَةً.
قال ابنُ سيرينَ: لأنَّ يَكونَ عِندِي مِنه شَعْرَةٌ أحَبُّ إلَيَّ مِنَ الدُّنيا وما فيها 3. رَواه البخاريُّ في "الصحيح" عن صاعِقَةَ عن سعيدِ بنِ سُلَيمانَ دونَ قَولِ ابنِ سيرينَ 4. ويُذكَرُ عن أيّوبَ وابنِ عَونٍ وعاصِمٍ الأحوَل، عن ابنِ سيرينَ، عن عَبيدَةَ أنَّه قال هَذا القَولَ 5. 13541 - أخبرَنا أبو سَهلٍ محمدُ بن نَصرُويه بنِ أحمدَ المَروَزِيُّ، حَدَّثَنَا أبو بكرٍ محمدُ بن أحمدَ بنِ خَنبٍ، حَدَّثَنَا أبو إسحاقَ إسماعيلُ بن إسحاقَ، حَدَّثَنَا سُلَيمانُ بن حَربٍ، حَدَّثَنَا سُلَيمانُ بن المُغيرَة، عن ثابِتٍ، عن

أنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: لَقَد رأيتُ رسولَ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - والحَلَّاقُ يَحلِقُه وقَد أطافَ به أصحابُه، فما يُريدونَ أن تَقَعَ شَعْرَةٌ إلَّا في يَدِ رَجُلٍ (1). أخرَجَه مسلمٌ في "الصحيح" مِن وجهٍ آخَرَ عن سُلَيمانَ بنِ المُغيرَةِ (2).

بابُ طَعامِ الفُجاءَةِ

قال أبو العباسِ: ونَهَى عن طَعامِ الفُجاءَة، ولَقَد فاجأه 3 أبو الدَّرداءِ على طَعامِه فأَمَرَه بأَكلِه، وكانَ ذَلِكَ له خاصًّا - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. قال الشيخُ: أنا لا أحفَظُ حَديثَ النَّهي عن طَعامِ الفُجاءَةِ هَكَذا مِن وجهٍ يَثبُتُ مِثلُه، والَّذِي أحفَظُه مِمَّا في بَعضِ مَعناه ما: 13542 - أخبرَنا أبو عليٍّ الرُّوذْبارِيُّ، أخبرَنا أبو بكرِ بن داسَةَ، حَدَّثَنَا أبو داودَ، حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا دُرُستُ بن زيادٍ، عن أبانِ بنِ طارِقٍ، عن نافِعٍ قال: قال عبدُ اللهِ بن عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: قال رسولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "مَن دُعِيَ فلَم يُجِبْ فقَد عَصَى اللَّهَ ورسولَه، ومَن دَخَلَ على غَيرِ دَعوَةٍ دَخَلَ سارِقًا وخَرَجَ مُغِيرًا" 4. وهَذا ورَدَ في الرَّجُلِ يَدخُلُ على آخَرَ وهو يَعلَمُ أنَّه يأكُلُ ليأكُلَ مَعَه، وقَد رُوِيَ حَديثٌ بنَفي التَّخصيصِ الَّذِي تَوَهَّمَه أبو العباسِ في طَعامِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -12

في قِصَّةِ أبي الدَّرداءِ.
13543 - حَدَّثَنَا أبو الحَسَنِ محمدُ بن الحُسَينِ بنِ داودَ العَلَوِيُّ، حَدَّثَنَا أبو عبد اللَّهِ محمدُ بن سَعدٍ 1 النَّسَوِيُّ، حَدَّثَنَا محمدُ بن الهَيثَمِ العُكبَرِيُّ، حَدَّثَنَا سعيدُ ابنُ أبي مَريَمَ، أخبرَنا اللَّيثُ بن سَعدٍ، عن خالِدِ بنِ يَزيدَ، عن أبي الزُّبَير، عن جابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّه قال: أقبَلَ رسولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَومًا مِن شِعبِ الجَبَلِ وقَد قَضَى حاجَتَه وبَينَ أيدينا تَمرٌ على تُرسٍ أو حَجَفَةٍ 2، فدَعَوناه إلَيه فأَكَلَ معنا وما مَسَّ ماءً 3. أخرَجَه أبو داودَ في كِتابِ "السنن" 4. 13544 - ورُوِيَ ذَلِكَ أيضًا عن عمرِو بنِ الحارِثِ عن أبي الزُّبَيرِ عن جابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّهُم كانوا يأكُلونَ تَمرًا على تُرسٍ، قال: فمَرَّ بنا رسولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وقَد جاءَ مِنَ الغائطِ فقُلنا: هَلُمَّ.
فقَعَدَ فأَكَلَ معنا مِنَ التَّمرِ ولَم يَمَسَّ ماءً.
أخبَرَناه أبو سعيدٍ الصَّيرَفِيُّ، أخبرَنا يَحيَى بن مَنصورٍ القاضِي، حَدَّثَنَا محمدُ بن إبراهيمَ البوشَنجِيُّ، حَدَّثَنَا سعيدُ بن حَفصٍ، حَدَّثَنَا موسَى بن أعيَنَ، عن عمرِو بنِ الحارِثِ.
فذَكَرَه 5. 13545 - أخبرَنا أبو عبد اللَّهِ الحافظُ، أخبرَنا أبو عبد اللَّهِ محمدُ بن يَعقوبَ، حَدَّثَنَا يَحيَى بن محمدِبنِ يَحيَي، حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحيَى بن

سعيدٍ، عن سُفيانَ قال: حَدَّثَنِي زُبَيدٌ، عن عُمارَةَ بنِ عُمَيرٍ، عن قَيسِ بنِ السَّكَن، أنَّ الأشعَثَ بنَ قَيسٍ دَخَلَ على عبد اللَّهِ يَومَ عاشوراءَ وهو يأكُلُ فقالَ: يا أبا محمدٍ ادنُه فكُلْ.
فقالَ: إنِّي صائمٌ.
قال: كُنّا نَصومُه ثُمَّ تُرِكَ (1). رَواه مسلمٌ في "الصحيح" عن أبي بكرِ بنِ أبي شَيبَةَ وغَيرِه عن يَحيَى (2). وفِي هَذا أخبارٌ كَثيرَةٌ، وكُلُّ ذَلِكَ يَنفِي التَّخصيصَ، واللهُ أعلَمُ.

بابُ ما خُصَّ به مِن زيادَةِ الوَعْكِ لِزيادَةِ الأجرِ

ولَم يَذكُرْه أبو العباسِ رَحِمَهُ اللهُ.
13546 - أخبرَنا أبو الحُسَينِ عليُّ بن محمدِ بنِ عبد اللَّهِ بنِ بشرانَ، أخبرَنا أبو جَعفَرٍ محمدُ بن عمرٍو الرزازُ، حَدَّثَنَا محمدُ بن عُبَيدِ اللَّهِ بنُ المُنادِي، حَدَّثَنَا محمدُ بن عُبَيدٍ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ (ح) وأخبرَنا أبو عبد الرَّحمَنِ محمدُ بن عبد الرَّحمَنِ بنِ محمدِ بنِ مَحبورٍ الدَّهّانُ، حَدَّثَنَا أبو العباسِ محمدُ بن يَعقوبَ، حَدَّثَنَا أحمدُ بن عبد الجَبَّارِ العُطارِدِيُّ، حَدَّثَنَا أبو مُعاويَةَ الضَّريرُ، عن الأَعْمَش، عن إبراهيمَ التَّيمِيّ، عن الحارِثِ بنِ سُوَيدٍ، عن عبد اللهِ قال: دَخَلتُ على النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فإِذا هو يوعَكُ فمَسِستُه فقُلتُ: يا رسولَ اللهِ إنَّكَ توعَكُ وعكًا شَديدًا.
قال: "أجَل، إنِّي أُوعَكُ كما يوعَكُ رَجُلانِ مِنكُم".
قال: قُلتُ: لأنَّ لَكَ أجرَينِ؟ قال: "نَعَم،12

والَّذِي نَفسِي بيَدِه ما على الأرضِ مِن مُسلِمٍ يُصيبُه أذًى؛ مَرَضٌ فما سِواه، إلَّا حَطَّ اللَّهُ عنه خَطاياه كما تَحُطُّ الشَّجَرَةُ ورَقَها" (1). رَواه مُسلِمٌ في "الصحيح" عن أبي كُرَيبٍ وغَيرِه عن أبي مُعاويَةَ، وأَخرَجَه البخاريُّ مِن أوجُهٍ عن الأَعْمَشِ (2)، واللَّهُ تَعالَى أعلَمُ.

بابٌ: لَن يَموتَ نَبِيٌّ حَتَّى يُخَيَّرَ بَينَ الدُّنيا والآخِرَةِ

13547 - أخبرَنا أبو بكرِ بن فُورَكَ، أخبرَنا عبدُ اللهِ بن جَعفَرٍ، حَدَّثَنَا يونُسُ بن حَبيبٍ، حَدَّثَنَا أبو داودَ، حَدَّثَنَا شُعبَةُ (ح) وأخبرَنا أبو عبد اللَّهِ الحافظُ واللَّفظُ له، أخبرَنا أبو العباسِ المَحبوبِيُّ، حَدَّثَنَا سعيدُ بن مَسعودٍ، حَدَّثَنَا النَّضرُ بن شُمَيلٍ، أخبرَنا شُعبَةُ، عن سَعدِ بنِ إبراهيمَ قال: سَمِعتُ عُروةَ بنَ الزُّبَيرِ قال: قالَت عائشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: كُنَّا نَسمَعُ أنَّ نَبيًّا لا يَموتُ حَتَّى يُخَيَّرَ بَينَ الدُّنيا والآخِرَةِ.
قالَت: وكانَ رسولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في وجَعِه الَّذِي توُفِّيَ فيه أخَذَته بُحَّةٌ فسَمِعتُه يقولُ: ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (69)﴾ [النساء: 69] قالَت: فظَنَنتُه خُيِّرَ بَينَ الدُّنيا والآخِرَةِ 3. أَخرَجَه البخاريُّ ومُسلِم في "الصحيح" مِن أوجُهٍ عن شُعبَةَ 4.12

بابُ ما خُصَّ به مِن أنَّ أزواجَه أُمَّهاتُ المُؤمِنيَن، وأَنَّه يَحرُمُ نِكاحُهُنَّ مِن بَعدِه على جَميعِ العالَميَن

قال اللهُ جل ثناؤُه: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: 6].
وقالَ: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا (53)﴾ الآيَة [الأحزاب: 53].
13548 - أخبرَنا عليُّ بن أحمدَ بنِ عبدانَ، أخبرَنا سُلَيمانُ بن أحمدَ اللَّخمِيُّ، حَدَّثَنَا الحَسَنُ بن العباسِ الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا محمدُ بن حُمَيدٍ، حَدَّثَنَا مِهرانُ بن أبي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سفيانُ الثَّورِيُّ، عن داودَ بنِ أبي هِندٍ، عن عِكرِمَةَ، عن ابنِ عباسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: قال رَجُلٌ مِن أصحابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لَو قَد ماتَ رسولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَزَوَّجْتُ عائشةَ أو أُمَّ سلمةَ.
فأَنزَلَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾ 1. قال سُلَيمانُ: لَم يَروِه عن سُفيانَ إلَّا مِهرانُ.
13549 - أخبرَنا أبو نَصرِ بنُ قَتادَةَ، أخبرَنا أبو مَنصورٍ النَّضرُويُّ، حَدَّثَنَا أحمدُ بن نَجدَةَ، حَدَّثَنَا سعيدُ بن مَنصورٍ، حَدَّثَنَا سفيانُ، عن عمرٍو، عن بَجالَةَ أو غَيرِه قال: مَرَّ عُمَرُ بن الخطابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بغُلامٍ وهو يَقرأُ في المُصحَفِ: (النَّبِيُّ أولَى بالمُؤمِنينَ مِن أنفُسِهِم وأَزواجُه أُمَّهاتُهُم وهو أبٌ لَهُم).
فقالَ: يا غُلامُ حُكَّها.
قال: هَذا مُصحَفُ أُبَيٍّ.
فذَهَبَ إلَيه فسأَلَه فقالَ:

إنَّه كان يُلهينِي القُرآنُ ويُلهيكَ الصَّفْقُ بالأسواقِ 1. 13550 - أخبرَنا أبو عبد اللَّهِ الحافظُ، حَدَّثَنَا محمدُ بن عمرٍو البَزّارُ ببَغدادَ، حَدَّثَنَا إسحاقُ بن الحَسَن، حَدَّثَنَا أبو حُذَيفَةَ، حَدَّثَنَا يونُسُ، عن طَلحَةَ، عن عَطاءٍ، عن ابنِ عباسٍ، أنَّه كان يَقرأ هذه الآيَةَ: (النَّبِيُّ أولَى بالمُؤمِنينَ مِن أنفُسِهِم وهو أبٌ لَهُم وأَزواجُه أُمَّهاتُهُم) 2. 13551 - أخبرَنا محمدُ بن عبد اللَّهِ الحافظُ، حَدَّثَنَا أبو العباسِ محمدُ بن يَعقوبَ، حَدَّثَنَا يَحيَى بن أبي طالِبٍ، أخبرَنا إسحاقُ بن مَنصورٍ، حَدَّثَنَا عيسَى بن عبد الرَّحمَنِ السُّلَمِيُّ، عن أبي إسحاقَ، عن صِلَةَ، عن حُذَيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّه قال لامرأَتِه: إن سَرَّكِ أن تَكُونِي زَوجَتِي في الجَنَّةِ فلا تَزَوَّجِي بَعدِي؛ فإِنَّ المَرأَةَ في الجَنَّةِ لِآخِرِ أزواجِها في الدُّنيا، فلِذَلِكَ حَرُمَ على أزواجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن يَنكِحنَ بَعدَه؛ لأنَّهُنَّ أزواجُه في الجَنَّةِ 3. 13552 - أخبرَنا عليُّ بن أحمدَ بنِ عبدانَ، أخبرَنا أحمدُ بن عُبَيدٍ، حَدَّثَنَا ابنُ أبي قُماشٍ، حَدَّثَنَا ابنُ عائشةَ، حَدَّثَنَا أبو عَوانَةَ، عن فِراسٍ، عن عامِرٍ، عن مَسروقٍ، عن عائشةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أنَّ امرأَةً قالَت لَها: يا أُمَّه.
فقالَت: أنا أُمُّ رِجالِكُم، لَستُ بأُمِّكِ 4.

بابُ تَسميةِ أزواجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وبَناتِه وتَزويجِه بَناتِه

وفِي ذَلِكَ دِلالَةٌ على أنَّ قَولَه: ﴿أُمَّهَاتُهُمْ﴾ يَعنى في مَعنًى دونَ مَعنًى، وذَلِكَ أنَّه لا يَحِلُّ لَهُم نِكاحُهُنَّ بحالٍ، ولا يَحرُمُ عَلَيهِم نِكاحُ بناتٍ 1 لَو كُنَّ لَهُنَّ 2، كما يَحرُمُ عَلَيهِم نِكاحُ بَناتِ أُمَّهاتِهِمُ اللاتِي ولَدنَهُم أو أرضَعنَهُم.
13553 - أخبرَنا أبو الحُسَينِ محمدُ بن الحُسَينِ بنِ محمدِ بنِ الفَضلِ القَطّانُ ببَغدادَ، أخبرَنا عبدُ اللهِ بن جَعفَرِ بنِ دُرُستُويه، حَدَّثَنَا يَعقوبُ بن سُفيانَ، حَدَّثَنِي الحَجَّاجُ بن أبي مَنيعٍ (ح) وأخبرَنا أبو عبد اللهِ الحافظُ، حَدَّثَنَا أبو العباسِ محمدُ بن يَعقوبَ، حَدَّثَنَا أبو أُسامَةَ الحَلَبِيُّ، حَدَّثَنَا حَجّاجُ بن أبي مَنيعٍ الرُّصافِيُّ، حَدَّثَنِي جَدِّي عُبَيدُ اللهِ بن أبي زيادٍ، عن الزُّهرِيِّ قال: أوَّلُ امرأَةٍ تَزَوَّجَها رسولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَديجَةُ بنتُ خوَيلِدِ بنِ أسَدِ بنِ عبد العُزَّى بنِ قُصَيٍّ، تَزَوَّجَها في الجاهِلِيَّة، وأَنكَحَه إيَّاها أبوها خوَيلِدٌ، فوَلَدَت لِرسولِ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - "القاسِمَ، به كان يُكنَى، والطاهِرَ، وزَينَبَ، ورُقَيَّةَ، وأُمَّ كُلثومٍ، وفاطِمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -. فأَمَّا زَينَبُ بنتُ رسولِ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فتَزَوَّجَها أبو العاصِ بنُ الرَّبيعِ بنِ عبد العُزَّى بنِ عبد شَمسِ بنِ عبد مَنافٍ في الجاهِليَّة، فوَلَدَت لأبِي العاصِ جاريَةً اسمُها أُمامَةُ، فتَزَوَّجَها عليُّ بن أبي طالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بَعدَما توُفِّيَت فاطِمَةُ بنتُ رسولِ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - و - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -، فتوُفِّيَ عليٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وعِندَه أُمامَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -، فخَلَفَ على أُمامَةَ بَعدَ عليِّ بنِ أبي طالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - المُغيرَةُ بن نَوفَلِ

ابنِ الحارِثِ بنِ عبد المُطلِبِ بنِ هاشِمٍ، فتوُفِّيَت عِندَه، وأُمُّ أبي العاصِ بنِ الرَّبيعِ هالَةُ بنتُ خوَيلِدِ بنِ أسَدٍ، وخَديجَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - خالَتُه أُختُ أُمِّه.
وأَمَّا رُقَيَّةُ بنتُ رسولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فتَزَوَّجَها عثمانُ بن عَفَّانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في الجاهِليَّة، فوَلَدَت له عبدَ اللَّهِ بنَ عثمانَ، قَد كان به يُكنَى أوَّلَ مَرَّةٍ حَتَّى كُنِيَ بَعدَ ذَلِكَ بعَمرِو بنِ عثمانَ، وبِكُلٍّ كان يُكنَى، ثُمَّ توُفِّيَت رُقَيَّةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - زَمَنَ بَدرٍ، فتَخَلَّفَ عثمانُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - على دَفنِها؛ فذَلِكَ مَنَعَه أن يَشهَدَ بَدرًا، وقَد كان عثمانُ بن عَفّانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - هاجَرَ إلَى أرضِ الحَبَشَةِ وهاجرت مَعَه رُقيَّةُ بنتُ رسولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وتوُفيَت رُقَيَّةُ بنتُ رسولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَومَ قُدُومِ زَيدِ بنِ حارِثَةَ مَولَى رسولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَشيرًا بفَتحِ بَدرٍ.
وأَمّا أُمُّ كُلثومٍ بنتُ رسولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فتَزَوَّجَها أيضًا عثمانُ بن عَفّانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بَعدَ أُختِها رُقَيَّةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -، ثُمَّ توُفّيَت عِندَه ولَم تَلِدْ له شَيئًا.
وأَمّا فاطِمَةُ بنتُ رسولِ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فتَزَوَّجَها عليُّ بن أبي طالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، فوَلَدَت له حَسَنَ بنَ عليٍّ الأكبَرَ، وحُسَينَ بنَ عليٍّ - وهو المَقتولُ بالعِراقِ بالطَّفِّ 1 - وزَينَبَ، وأُمَّ كُلثومٍ، فهَذا ما ولَدَت فاطِمَةُ مِن عليٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -. فأَمّا زَينَبُ فتَزَوَّجَها عبدُ اللَّهِ بن جَعفَرٍ، فماتَت عِندَه، وقَد ولَدَت له عليّ بنَ عبد اللهِ بنِ جَعفَرٍ، وأَخًا له آخَرَ يُقالُ له: عَونٌ.
وأَمّا أُمُّ كُلثومٍ فتَزَوَّجَها عُمَرُ بن الخطابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فوَلَدَت له زَيدَ بنَ عُمَرَ، ضُرِبَ لَيالِيَ قِتالِ ابنِ مُطيعٍ 2، ضَربًا لَم يَزَلْ يَنهَمُ 3 له حَتَّى توُفِّيَ، ثُمَّ خَلَفَ على أُمِّ كُلثومٍ بَعدَ عُمَرَ عَونُ بن جَعفَرٍ، فلَم تَلِدْ له شَيئًا حَتَّى

ماتَ، ثُمَّ خَلَفَ على أُمِّ كُلثومٍ بَعدَ عَونِ بنِ جَعفَرٍ، محمدُ بن جَعفَرٍ، فوَلَدَت له جاريَةً يُقالُ لَها بثنةُ 1، نُعِشَت 2 مِن مَكَّةَ إلَى المَدينَةِ على سَريرٍ، فلَمّا قَدِمَتِ المَدينَةَ توُفّيَت، ثُمَّ خَلَفَ على أُمِّ كُلثومٍ بَعدَ عُمَرَ بنِ الخطابِ وعَونِ بنِ جَعفَرٍ ومُحَمَّدِ بنِ جَعفَرٍ، عبدُ اللَّهِ بن جَعفرٍ، فلَم تَلِدْ له شَيئًا حَتَّى ماتَت عِندَه.
وتَزَوَّجَت خَديجَةُ بنتُ خوَيلِدٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قَبلَ رسولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَجُلَينِ؛ الأوَّلُ مِنهُما عَتيقُ بن عائذِ بنِ عبد اللهِ بنِ عُمَرَ بنِ مَخزومٍ، فوَلَدَت له جاريَةً فهِيَ أُمُّ محمدِ بنِ صَيفِيٍّ المَخزومِي، ثُمَّ خَلَفَ على خَديجَةَ بنتِ خوَيلِدٍ بَعدَ عَتيقِ بنِ عائذٍ أبو هالَةَ التَّميمِيُّ، وهو مِن بَنِي أسدِ بنِ عمرِو بنِ تَميمٍ، فوَلَدَت له هِندًا، وتوُفِّيَت خَديجَةُ بمَكَّةَ قَبلَ خُروجِ رسولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى المَدينَةِ وقَبلَ أن تُفرَضَ الصلاةُ، وكانَت أوَّلَ مَن آمَنَ برسولِ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنَ النِّساء، فزَعَموا - واللهُ أعلَمُ - أنَّه سُئلَ عَنها فقالَ: "لَها بَيتٌ مِن قَصَبِ اللُّؤلُؤَ، لا صَخَبَ فيه ولا نَصَبَ".
ثُمَّ تَزَوَّجَ رسولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عائشةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - بَعدَ خَديجَةَ، وكانَ قَد أُرِيَ في النَّومِ مَرَّتَينَ يُقالُ: هِيَ امرأَتُكَ - وعائشَةُ يَومَئذٍ بنتُ سِتِّ سِنينَ - فنَكَحَها رسولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بمَكَّةَ وهِيَ ابنَةُ سِتِّ سِنينَ، ثُمَّ إنَّ رسولَ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَنَى بعائشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - بَعدَما قَدِمَ المَدينَةَ، وعائشَةُ يَومَ بَنَى بها بنتُ تِسعِ سِنينَ، وعائشَةُ بنتُ أبي بكرِ بنِ أبي قُحافَةَ بنِ عامِرِ بنِ عمرِو بنِ كَعبِ بنِ سَعدِ بنِ تَيمِ بنِ مُرَّةَ بنِ كَعبِ بنِ لُؤَيِّ بنِ غالِبِ بنِ فِهرٍ، فتَزَوَّجَها رسولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِكرًا، واسمُ أبي بكرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَتيقٌ، واسمُ أبي قُحافَةَ عثمانُ.
وتَزَوَّجَ رسولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -

حَفصَةَ بنتَ عُمَرَ بنِ الخطابِ بنِ نُفَيلِ بنِ عبد العُزَّى بنِ رِياحِ بنِ عبد اللَّهِ بنِ قُرطِ بنِ رَزاحِ بنِ عَدِيِّ بنِ كَعبِ بنِ لُؤَيِّ بنِ غالِبِ بنِ فِهرٍ، كانَت قَبلَه تَحتَ ابنِ حُذافَةَ بنِ قَيسِ بنِ عَدِيِّ بنِ حُذافَةَ بنِ سَهمِ بنِ عمرِو بنِ هُصيصِ بنِ كَعبِ بنِ لُؤَيِّ بنِ غالِب، ماتَ عَنها مَوتًا، وتَزَوَّجَ رسولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُمَّ سلمةَ، واسمُها هِندُ بنتُ أبي أُمَيَّةَ بنِ المُغيرَةِ بنِ عبد اللَّهِ بنِ عُمَرَ بنِ مَخزومٍ، كانَت قَبلَه تَحتَ أبي سلمةَ، واسمُه عبدُ اللَّهِ بن عبد الأسَدِ بنِ هِلالِ بنِ عبد اللَّهِ بنِ عُمَرَ بنِ مَخزومٍ، فوَلَدَت لأبِي سلمةَ سَلَمَةَ بنِ أبي سلمةَ، وُلِدَ بأَرضِ الحَبَشَة، وزَينَبَ بنتَ أبي سلمةَ، وكانَ أبو سلمةَ وأُمُّ سلمةَ مِمَّن هاجَرَ إلَى أرضِ الحَبَشَة، وكانَت أُمُّ سلمةَ مِن آخِرِ أزواجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وفاةً بَعدَه، ودُرَّةَ بنتَ أبي سلمةَ، وتَزَوَّجَ رسولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَودَةَ بنتَ زَمعَةَ بنِ قَيسِ بنِ عبد شَمسِ بنِ عبد وُدِّ بنِ نَصرِ بنِ مالكِ بنِ حِسلِ بنِ عامِرِ بنِ لُؤَيِّ بنِ غالِبِ بنِ فِهرٍ، كانَت قَبلَه تَحتَ السَّكرانِ بنِ عمرِو بنِ عبد شَمسِ بنِ عبد وُدِّ بنِ نَصرِ بنِ مالكِ بنِ حِسلِ بنِ عامِر ِبنِ لُؤَيِّ بنِ غالِبِ بنِ فِهرٍ، وتَزَوَّجَ رسولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أمَّ حَبيبَةَ بنتَ أبي سُفيانَ بنِ حَربِ بنِ أُمَيَّةَ بنِ عبد شَمسِ بنِ عبد مَنافِ بنِ قُصَيِّ بنِ كِلابِ بنِ مُرَّةَ بنِ كَعبِ بنِ لُؤَيِّ بنِ غالِبِ بنِ فِهرٍ، وكانَت قَبلَه تَحتَ عُبَيدِ اللَّهِ بنِ جَحشِ بنِ رِئابٍ مِن بَنِي أسَدِ بنِ خُزَيمَةَ، ماتَ بأَرضِ الحَبَشَةِ نَصرانيًّا، وكانَت مَعَه بأَرضِ الحَبَشَة، فوَلَدَت أُمُّ حَبيبَةَ لِعُبَيدِ اللَّهِ بنِ جَحشٍ جاريَةً يُقالُ لَها حَبيبَةُ، واسمُ أُمِّ حَبيبَةَ رَملَةُ، أنكَحَ رسولَ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُمَّ حَبيبَةَ عثمانُ بن عَفّانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -؛ مِن أجلِ أنَّ أُمَّ حَبيبَةَ أُمُّها

صَفيَّةُ بنتُ أبي العاص، وصَفيَّةَ عَمَّةُ عثمانَ بنِ عَفّانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أُختُ عَفَّانَ لأبيه وأُمِّه.
وقَدِمَ بأُمِّ حَبيبَةَ على رسولِ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شُرَحبيلُ ابنُ حَسَنَةَ.
وتَزَوَّجَ رسولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زَينَبَ بنتَ جَحشِ بنِ رِئابٍ مِن بَنى أسَدِ بنِ خُزَيمَةَ، وأُمُّها اسمُها أميمةُ بنتُ عبد المُطَّلِبِ بنِ هاشِمٍ عَمَّةُ رسولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وكانَت قَبلَه تَحتَ زَيدِ بنِ حارِثَةَ الكَلبِيِّ مَولَى رسولِ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الَّذِي ذَكَرَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ في القُرآن، اسمَه وشأنَه وشأَنَ زَوجِه، وهِيَ أوَّلُ نِساءِ رسولِ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وفاةً بَعدَه، وهِيَ أوَّلُ امرأَةٍ جُعِلَ عَلَيها النَّعشُ، جَعَلَته لَها أسماءُ بنتُ عُمَيسٍ الخَثعَميَّةُ أُمُّ عبد اللهِ بنِ جَعفَرٍ، كانَت بأَرضِ الحَبَشَةِ فرأَتهُم يَصنَعونَ النَّعشَ فصنَعَته لِزَينَبَ يَومَ توُفِّيَت.
وتَزَوَّجَ رسولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زَينَبَ بنتَ خُزَيمَةَ، وهِيَ أُمُّ المَساكين، وهِيَ مِن بَنى عبد مَنافِ بنِ مالكِ بنِ عامِرِ بنِ صَعصَعَةَ - وفِي رِوايَةِ يَعقوبَ: ابنِ هِلالِ بنِ عامِرِ بنِ صَعصعَةَ - كانَت قَبلَه تَحتَ عبد اللهِ بنِ جَحشِ بنِ رِئابٍ، قُتِلَ يَومَ أُحُدٍ، فتوُفِّيَت ورسولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَيٌّ لَم تَلبَثْ مَعَه إلَّا يَسيرًا.
وتَزَوَّجَ رسولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَيمونَةَ بنتَ الحارِثِ بنِ حَزنِ بنِ بُجَيرِ بنِ الهُزَمِ بنِ روَيبَةَ بنِ عبد اللهِ بنِ هِلالِ بنِ عامِرِ بنِ صَعصَعَةَ، وهِيَ التي وهَبَت نَفسَها لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، تَزَوَّجَت قَبلَ رسولِ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَجُلَينِ؛ الأَوَّلُ مِنهُما ابنُ عبد ياليلَ بنِ عمرٍو الثَّقَفِيُّ ماتَ عَنها، ثُمَّ خَلَفَ عَلَيها أبو رُهمِ ابنُ عبد العُزَّى بنِ أبي قَيسِ بنِ عبد وُدِّ بنِ نَصرِ بنِ مالكِ بنِ حِسلِ بنِ عامِرِ بنِ لُؤَيِّ بنِ غالِبِ بنِ فِهرٍ.
وسَبَى رسولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جوَيريَةَ بنتَ الحارِثِ بنِ أبي ضِرارِ بنِ الحارِثِ بنِ عائذِ بنِ مالكِ بنِ المُصطَلِقِ مِن خُزاعَةَ والمُصطَلِقُ اسمُه

خُزَيمَةُ - يَومَ واقَعَ بَنِي المُصطَلِقِ بالمُرَيسيعِ.
وسَبَى رسولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صفيَّةَ بنتَ حُيَيِّ بنِ أخطَبَ مِن بَنِي النَّضيرِ يَومَ خَيبَرَ، وهِيَ عَروسٌ بكِنانَةَ بنِ أبي الحُقَيقِ.
فهَذِه إحدَى عَشرَةَ امرأَةً دَخَلَ بهِنَّ رسولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وقَسَمَ عُمَرُ بن الخطابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في خِلافَتِه لِنِساءِ رسولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اثنَى عَشَرَ ألفًا لِكُلِّ امرأَةٍ، وقَسَمَ لِجوَيريَةَ وصَفيَّةَ سِتَّةَ آلافٍ لأنَّهُما كانَتا سبيًا، وقَد كان رسولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَسَمَ لَهُما وحَجَبَهما.
وتَزَوَّجَ رسولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - العاليَةَ بنتَ ظَبيانَ بنِ عمرٍو مِن بَنِي أبي بكرِ بنِ كِلابٍ، ولَم يَدخُلْ بها فطَلَّقَها.
وفِي رِوايَةِ يَعقوبَ: فدَخَلَ بها فطَلَّقَها 1. 13554 - وبِهَذا الإسنادِ عن الزُّهرِيِّ أنَّ عُروةَ بنَ الزُّبَيرِ أخبَرَه أنَّ عائشةَ زَوجَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ورَضِيَ اللَّهُ عَنها قالَت: دَخَلَ الضَّحَّاكُ بن سُفيانَ مِن بَنِي أبي بكرِ بنِ كِلابٍ على رسولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقالَ له وبَينِي وبَينَهُما الحِجابُ: يا رسولَ اللَّه، هَل لَكَ في أُختِ أُمِّ شَبيبٍ؟ وأُمُّ شَبيبٍ امرأَةُ الضَّحّاكِ.
وفِي رِوايَةِ يَعقوبَ: فدَلَّ الضَّحَّاكُ بن سُفيانَ - مِن بَنِي أبي بكرِ بنِ كِلابٍ - عَلَيها رسولَ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ثُمَّ ذَكَرَ الباقِيَ.
قال الزُّهرِيُّ: وتَزَوَّجَ رسولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - امرأَةً مِن بَنِي عمرِو بنِ كِلابٍ إخوَةِ أبي بكرِ بنِ كِلابٍ؛ رَهطِ زُفَرَ بنِ الحارِث، فرأَى بها بَياضًا فطَلَّقَها ولَم يَدخُلْ بها.
وتَزَوَّجَ رسولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُختَ بَنِي الجَونِ الكِندِيِّ - وهُم حُلَفاءُ بَنِي فزارَةَ - فاستَعاذَت مِنه، فقالَ: "لَقَد عُذتِ بعَظيمٍ،

فالحقِي بأَهلِكِ".
فطَلَّقَها ولَم يَدخُلْ بها.
وكانَت له سُرِّيَّةٌ قِبطيةٌ يُقالُ لَها: ماريَةُ، فوَلَدَت له غُلامًا اسمُه إبراهيمُ، فتوُفِّيَ وقَد مَلأ المَهدَ.
وكانَت له وليدَةٌ يُقالُ لَها: رَيحانَةُ بنتُ شَمعونَ مِن أهلِ الكِتابِ مِن بَنِي خُنافَةَ، وهُم بَطنٌ مِن بَنِي قُرَيظَةَ، فأَعتَقَها رسولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ويَزعُمونَ أنَّها قَدِ احتَجَبَت 1. 13555 - أخبرَنا أبو الحُسَين، أخبرَنا عبدُ اللهِ بن جَعفَرٍ، حَدَّثَنَا يَعقوبُ بن سُفيانَ، حَدَّثَنَا أصبَغُ بن فرَجٍ، أخبرَنِي ابنُ وهبٍ، عن يونُسَ، عن ابنِ شِهابٍ قال: بَلَغَنا أنَّ العاليَةَ بنتَ ظَبيانَ التي طَلَّقَها تَزَوَّجَت قَبل أن يُحَرِّمَ اللهُ نِساءَه، فنَكَحتِ ابنَ عَمٍّ لَها ووَلَدَت فيهِم 2. 13556 - وأخبرَنا أبو عبد اللهِ الحافظُ وأبو سعيدِ بن أبي عمرٍو قالا: حَدَّثَنَا أبو العباسِ محمدُ بن يَعقوبَ، حَدَّثَنَا أحمدُ بن عبد الجَبَّار، حَدَّثَنَا يونُسُ بن بُكَيرٍ، عن ابنِ إسحاقَ قال: وقَد كان رسولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَزَوَّجَ أسماءَ بنتَ كَعبٍ الجَونيَّةَ فلَم يَدخُلْ بها حَتَّى طَلَّقَها، وتَزَوَّجَ عَمْرَةَ بنتَ زَيدٍ إحدَى نِساءِ بَنِي كِلابٍ ثُمَّ بَنِي الوَحيد، وكانَت قَبلَه عِندَ الفَضلِ بنِ عباسِ بنِ عبد المُطلِب، فطَلَّقَها رسولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَبلَ أن يَدخُلَ بها.
فسَمَّى اللَّتَينِ لَم يُسَمِّهِما الزُّهرِيُّ، ولَم يَذكُرِ العاليَةَ 3.

13557 - أخبرَنا أبو عبد اللَّهِ الحافظُ قال: سَمِعتُ أبا نَصرٍ أحمدَ بنَ سَهلٍ يقولُ: سَمِعتُ صالِحَ بنَ محمدٍ يقولُ: سَمِعتُ عبدَ اللَّهِ بنَ عُمَرَ بنِ أبانٍ الجُعفِيَّ يقولُ: قال لِي خالِي حُسَينٌ الجُعفِيُّ: يا بُنَيَّ تَدرِي لِمَ سُمِّيَ عثمانُ ذو النُّورَينِ؟ قُلتُ: لا أدرِي.
قال: لَم يَجمَعْ بَينَ ابنَتَى نَبِيٍّ، مُنذُ خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ إلَى أن تَقومَ السَّاعَةُ، غيرُ عثمانَ بنِ عَفّانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -؛ فلِذَلِكَ سُمِّيَ ذو النُّورَينِ (1). قال الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: وإِنَّ زَينَبَ بنتَ أُمّ سلمةَ تَزَوَّجت - يَعنِي عبدَ اللَّهِ بنَ زَمعَةَ - وإِنَّ الزُّبَيرَ بنَ العَوّامِ تَزَوَّجَ أسماءَ بنتَ أبي بكرٍ، وإِنَّ طَلحَةَ تَزَوَّج ابنَتَه الأُخرَي، وهُما أُختا أُمِّ المُؤمِنينَ، وعَبدُ الرَّحمَنِ بن عَوفٍ تَزَوَّجَ بنتَ جَحشٍ، وهِيَ أُختُ أُمِّ المُؤمِنينَ زَينَبَ - يَعنِي ابنَةَ جَحشٍ أُمَّ حَبيبَةَ بنتَ جَحشٍ - وذَلِكَ بَيِّنٌ في الأحاديثِ (2). وفِي كُلِّ ذَلِكَ دِلالَةٌ على أنَّ أزواجَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صِرنَ أُمَّهاتِ المُؤمِنينَ، ولَم تَصرْ بَناتُهُنَّ أخَواتِهِم، ولا أخَواتُهُنَّ خالاتِهِم، واللَّهُ أعلَمُ.

بابُ قَولِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ﴾ [الأحزاب: 32]

قال الشّافِعِيُّ رَحِمَه اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: فأَبانَهُنَّ به مِن نِساءِ العالَمينَ 2. 13558 - أخبرَنا أبو إسحاقَ إبراهيمُ بن محمدِ بنِ إبراهيمَ الإمامُ،1

أخبرَنا عبدُ الخالِقِ بن الحَسَنِ السَّقَطيُّ، حَدَّثَنَا عبدُ اللَّهِ بن ثابِتٍ، أخبرَنِي أبي، عن الهُذَيل، عن مُقاتِلِ بنِ سُلَيمانَ: قال يَعنِي اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ: فإِنَّكُنَّ مَعشَرَ أزواجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَنظُرنَ إلَى الوَحي؛ فأَنتُنَّ أحَقُّ النَّاسِ بالتَّقوَى.
وقالَ قَبلَه: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ قال مُقاتِلٌ: يَعنِي العِصيانَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ﴿يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ في الآخِرَةِ ﴿وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [الأحزاب: 30] يقولُ: وكانَ عَذابُها على اللهِ هَيِّنًا ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ يَعنِي: ومَن يُطِعْ مِنكُنَّ اللهَ ورسولَه ﴿وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ في الآخِرَةِ بكُل صَلاةٍ أو صيامٍ أو صَدَقَةٍ أو تَكبيرَةٍ أو تَسبيحَةٍ باللِّسانِ؛ مَكانَ كُلِّ حَسَنَةٍ تُكتَبُ عِشرينَ حَسَنَةً ﴿وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا﴾ [الأحزاب: 31] يَعنِي حَسَنًا، وهِيَ الجَنَّةُ 1.

بابُ ما يُستَدَلُّ به على أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في سِوَى ما وصَفنا مِن خَصائصِه مِنَ الحُكمِ بَينَ الأزواجِ فيما يَحِلُّ مِنهُنَّ ويَحرُمُ بالحادِث، لا يُخالِفُ حَلالُه حَلالَ النَّاسِ

قال الشَّافِعِيُّ رَحِمَه اللهُ: فمِن ذَلِكَ أنَّه كان يَقسِمُ لِنِسائهِ 2. 13559 - أخبرَنا أبو الحُسَينِ بنُ بشرانَ العَدلُ ببَغدادَ، أخبرَنا أبو عليٍّ إسماعيلُ بن محمدٍ الصَّفّارُ، حَدَّثَنَا جَعفَرُ بن محمدٍ الوَرّاقُ، حَدَّثَنَا جَعفَرُ بن

عَونٍ، أخبرَنا ابنُ جُرَيجٍ، عن عَطاءٍ قال: حَضَرنا مَعَ ابنِ عباسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - جِنَازَةَ مَيمونَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - زَوجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بسَرِفَ، فقالَ ابنُ عباسٍ: هذه مَيمونَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -، إذا رَفَعتُم نَعشَها فلا تُزَعزِعوا ولا تُزَلزِلوا، ارفُقوا فإِنَّ رسولَ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان عِندَه تِسعُ نِسوَةٍ يَقسِمُ لِثَمانٍ، وواحِدَةٌ لَم يَكُن يَقسِمُ لَها.
قال عَطاءٌ: والَّتِي لَم يَكُنْ يَقسِمُ لَها صَفيَّةُ 1. أخرَجاه في "الصحيح" مِن حَديثِ ابنِ جُرَيجٍ 2. هَكَذا يقولُ عَطاءٌ: إنَّ التي لَم يَقسِمْ لَها صَفيَّةُ.
والأخبارُ المَوصولَةُ تَدُلُّ على أنَّها سَودَةُ حَيثُ وهَبَت يَومَها مِن عائشةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -. 13560 - أخبرَنا أبو عبد اللهِ الحافظُ، أخبرَنا إسماعيلُ بن محمدِ بنِ الفَضلِ بنِ محمدٍ الشَّعرانِيُّ، حَدَّثَنَا جَدِّي، حَدَّثَنِي ابنُ أبي أوَيسٍ، حَدَّثَنِي سُلَيمانُ بن بلالٍ، عن هِشامِ بنِ عُروةَ قال: أخبرَنِي أبي، عن عائشةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -، أنَّ رسولَ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يَسأَلُ في مَرَضِه الَّذِي ماتَ فيه: "أينَ أنا غَدًا؛ أينَ أنا غَدًا؟ ". يُريدُ يَومَ عائشةَ، فأَذِنَ له أزواجُه يَكونُ حَيثُ شاءَ، فكانَ في بَيتِ عائشةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - حَتَّى ماتَ عِندَها - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قالَت عائشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: فماتَ في اليَومِ الَّذِي كان يَدورُ عليّ في بَيتي، فقُبِضَ وإِنَّ رأسَه لَبَينَ سَحرِي ونَحرِي، وخالَطَ ريقُه ريقِي.
قالَت: دَخَلَ عبدُ الرَّحمَنِ بن أبي بكرٍ ومَعَه سِواكٌ يَستَنُّ به، فنَظَرَ إلَيه رسولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فقُلتُ له: أعطِنِي هَذا السِّواكَ يا عبدَ الرَّحمَنِ.
فأَعطانيه،

فقَضَمتُه ثُمَّ مَضَغتُه، فأَعطَيتُه رسولَ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فاستَنَّ به وهو مُستَنِدٌ إلَى صَدرِي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - 1. رَواه البخاريُّ في "الصحيح" عن إسماعيلَ بنِ أبي أوَيسٍ، وأَخرَجَه مسلمٌ مِن وجهٍ آخَرَ عن هِشامٍ 2. 13561 - أخبرَنا أبو علي الرُّوذْبارِيُّ وأبو الحُسَينِ بنُ بشرانَ قالا: حَدَّثَنَا إسماعيلُ بن محمدٍ الصَّفَّارُ، حَدَّثَنَا سَعدانُ بن نَصرٍ، حَدَّثَنَا عاصِمُ بن عليِّ بنِ عاصِمٍ، حَدَّثَنَا عَبَّادُ بن عَبَّادٍ، حَدَّثَنَا عاصِم الأحوَلُ، عن مُعاذَةَ العَدَويَّة، عن عائشةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قالَت: كان رسولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَستأذِنُنا في يَومِ إحدانا بَعدَما أُنزِلَت: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ [الأحزاب: 51] فقالَت لَها مُعاذَةُ: فما كُنتِ تَقولينَ لِرسولِ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذا استأذَنَ؟ قالَت: أقولُ: إن كان ذاكَ إلَيَّ لَم أوثِرْ على نَفسِي أحَدًا 3. أخرَجَه البخاريُّ في "الصحيح" مِن وجهٍ آخَرَ عن عاصِمٍ الأحوَل، وأَخرَجَه مسلمٌ عن سُرَيجِ بنِ يونُسَ عن عَبَّادِ بن عَبَّادٍ 4. قال الشافِعِيُّ رَحِمَه اللهُ: وكانَ إذا أرادَ سَفَرًا أقرَعَ بَينَهُنَّ فأَيّتهُنَّ خَرَجَ سَهمُها خَرَج بها 5.

13562 - أخبرَنا أبو عبد اللهِ الحافظُ، حَدَّثَنَا أبو جَعفَرٍ محمدُ بن صالِحِ بنِ هانِئٍ، حَدَّثَنَا يَحيَى بن محمدِ بنِ يَحيَى الشَّهيدُ، حَدَّثَنَا أبو الرَّبيعِ العَتَكِيُّ، حَدَّثَنَا فُلَيحُ بن سُلَيمانَ، عن ابنِ شِهابٍ الزُّهرِيِّ، عن عُروةَ بنِ الزُّبَيرِ وسَعيدِ بنِ المُسَيَّبِ وعَلقَمَةَ بنِ وقّاصٍ وعُبَيدِ اللَّهِ بنِ عبد اللَّهِ بنِ عُتبَةَ، عن عائشةَ زَوجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ورَضِيَ عَنها قالَت: كان النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذا أرادَ أن يَخرُجَ سَفَرًا أقرَعَ بَينَ أزواجِه فأَيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهمُها خَرَجَ بها مَعَه 1. رَواه البخاريُّ ومُسلِمٌ في "الصحيح" عن أبي الرَّبيعِ 2. قال الشافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: فهَذا لِكُلِّ مَن له أزواجٌ مِنَ النّاسِ.
قال الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالَى عنه: ومِن ذَلِكَ أنَّه أرادَ فِراقَ سَودَةَ فقالَت: لا تُفارِقْنِي ودَعْنِي حَتَّى يَحشُرَنِي اللهُ عَزَّ وجَلَّ في أزواجِكَ، وأَنا أهَبُ يَومِي ولَيلَتِي لأُختِي عائشَةَ 3. 13563 - أخبرَنا أبو عبد اللَّهِ الحافظُ، أخبرَنا عليُّ بن عيسَى بنِ إبراهيمَ، حَدَّثَنَا إبراهيمُ بن أبي طالِبٍ وعَبدُ اللَّهِ بن محمدٍ قالا: حَدَّثَنَا إسحاقُ بن إبراهيمَ، أخبرَنا جَريرٌ، عن هِشامِ بنِ عُروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قالَت: ما رأَيتُ امرأةً في مِسلاخِها 4 مِثلَ سَودَةَ مِنِ امرأَةٍ فيها

حِدَّةٌ، فلَمَّا كَبِرَت قالَت: يا رسولَ اللهِ جَعَلتُ يَومِي مِنكَ لِعائشَةَ.
فكانَ رسولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقسِمُ لِعائشَةَ يَومَينِ؛ يَومَها ويَومَ سَودَةَ 1. رَواه مسلمٌ في "الصحيح" عن زُهَيرِ بنِ حَربٍ عن جَريِرٍ، وأَخرَجَه البخاريُّ مُختَصَرًا مِن وجهٍ آخَرَ عن هِشامٍ 2. 13564 - أخبرَنا أبو عليٍّ الرُّوذْبارِيُّ، أخبرَنا أبو بكرِ بن داسَةَ، حَدَّثَنَا أبو داودَ، حَدَّثَنَا أحمدُ بن يونُسَ، حَدَّثَنَا عبدُ الرَّحمَنِ بن أبي الزِّناد، عن هِشامِ بنِ عُروةَ" عن أبيه قال: قالَت عائشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: يا ابنَ أُختي، كان رسولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لا يُفَضِّلُ بَعضنا على بَعضٍ في القَسمِ مِن مُكثِه عِندَنا، وكانَ قَلَّ يَومٌ إلَّا وهو يَطوفُ عَلَينا جَميعًا، فيَدنو مِن كُلِّ امراةٍ مِن غَيرِ مَسيسٍ، حَتَّى يَبلُغَ الَّذِي هو يَومُها فيَبيتَ 3 عِندَها، ولَقَد قالَت سَودَةُ بنتُ زَمعَةَ حينَ أسَنَّت وفَرِقَت أن يُفارِقَها رسولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: يا رسولَ اللهِ يَومِي لِعائشَةَ.
فقَبِلَ ذَلِكَ رسولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنها.
قال: تَقولُ في ذَلِكَ: أنزَلَ اللهُ تَعالَى وفِي أشباهِها.
أُراه قال: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَو إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ الآيَة 4 [النساء: 128].

13565 - أخبرَنا أبو عبد اللَّهِ الحافظُ وأبو سعيدِ بن أبي عمرٍو قالا: حَدَّثَنَا أبو العباسِ محمدُ بن يَعقوبَ، حَدَّثَنَا أحمدُ بن عبد الجَبّار، حَدَّثَنَا حَفصُ بن غِياثٍ، عن هِشامِ بنِ عُروةَ، عن أبيه، أنَّ رسولَ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - طَلَّقَ سَودَةَ، فلَمّا خَرَجَ إلَى الصَّلاةِ أمسَكَت بثَوبِه فقالَت: ما لِي في الرِّجالِ [حاجَةٌ، لَكِنِّي] 1 أُريدُ أن أُحشَرَ في أزواجِكَ.
قال: فرَجَعَها وجَعَلَ يَومَها لِعائشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -، فكانَ يَقسِمُ لَها بيَومِها ويَومِ سَودَةَ.
قال الشّافِعِيُّ رَحِمَه اللَّهُ: وقَد فعَلَتِ ابنَةُ محمدِ بنِ مَسلَمَةَ شَبيهًا بهَذا حينَ أرادَ زَوجُها طَلاقَها 2. 13566 - أخبرَنا أبو محمدِ بنُ يوسُفَ، أخبرَنا أبو سعيدِ بن الأعرابِيّ، حَدَّثَنَا سَعدانُ بن نَصرٍ، حَدَّثَنَا سفيانُ بن عُيَينَةَ، عن الزُّهرِيّ، عن سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ قال: كانَتِ ابنَةُ محمدِ بنِ مَسلَمَةَ عِندَ رافِعِ بنِ خَديجٍ، فكَرِهَ مِنها إمّا كِبَرًا وإِمّا غَيرَ ذَلِكَ، فأَرادَ طَلاقَها، فقالَت: لا تُطَلِّقْنِي وأَمسِكْنِي واقسِمْ لِي ما شِئتَ.
فاصطَلَحا على صلحٍ، فجَرَتِ السُّنَّةُ بذَلِكَ، ونَزَلَ القُرآنُ ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَو إِعْرَاضًا﴾ 3 [النساء: 128].

13567 - أخبرَنا أبو بكرٍ أحمدُ بن الحَسَنِ القاضِي، حَدَّثَنَا أبو العباسِ محمدُ بن يَعقوبَ، أخبرَنا الرَّبيعُ بن سُلَيمانَ، أخبرَنا الشّافِعِيُّ، أخبرَنا أنَسُ بن عياضٍ، عن هِشامِ بنِ عُروةَ، عن أبيه، عن زَينَبَ بنتِ أبي سلمةَ، عن أُمّ حَبيبَةَ بنتِ أبي سُفيانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قالَت: يا رسولَ الله، هَل لَكَ في أُختِي بنتِ أبي سُفيانَ؟ فقالَ رسولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "فاعِلٌ ماذا؟ ". قالَت: تَنكحُها.
قال: "أُختُكِ؟ ". قالَت: نَعَم.
قال: "أوَ تُحِبِّينَ ذَلِكِ؟ ". قالَت: نَعَم، لَستُ لَكَ بمُخليَةٍ، وأَحَبُّ مَن شَرِكَنِي في خَيرٍ أُختِي.
قال: "فإنَّها لا تَحِلُّ لِي".
قالَت: فقُلتُ: فواللَّهِ لَقَد أُخبِرتُ أنَّكَ تَخطُبُ ابنَةَ أبي سلمةَ.
قال: "ابنَةَ أُمِّ سلمةَ؟ ". قالَت: نَعَم.
قال: "فواللهِ لَو لَم تَكُن رَبيبَتِي في حَجرِي ما حَلَّت لِي؛ إنَّها لابنَة أخِي مِنَ الرَّضاعَةِ؛ أرضَعَتنِي وأَباها ثوَيبَةُ، فلا تَعرِضنَ عليّ بَناتِكُنَّ ولا أخَواتِكنَّ" 1. أخرَجاه في "الصحيح" مِن حَديثِ هِشامٍ والزُّهرِيِّ عن عُروَةَ 2. 13568 - أخبرَنا محمدُ بن عبد اللهِ الحافظُ، أخبرَنِي أبو عمرِو بنُ أبي جَعفَرٍ، أخبرَنا أبو يَعلَى، حَدَّثَنَا زُهَيرُ بن حَربٍ، حَدَّثَنَا أبو مُعاويَةَ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عن سَعدِ بنِ عُبَيدَةَ، عن أبي عبد الرَّحمَنِ السُّلَمِي، عن عليٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: قُلتُ: يا رسولَ الله، ما لَكَ تَتُوقُ في قُرَيشٍ وتَدَعُنا؟ قال: "وعِندَكُم شَيْءٌ؟ ". قالَ: قُلنا: نَعَم، ابنَةُ حَمزَةَ.
قال: فقالَ: "إنَّها لا تَحِلُّ لِي؛

هِيَ ابنَةُ أخِي مِنَ الرَّضاعَةِ" (1). رَواه مسلمٌ في "الصحيح" عن زُهَيرِ بنِ حَربٍ (2).

بابُ الدَّليلِ على أنَّه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لا يُقتَدَى به فيما خُصَّ به ويُقتَدَى به فيما سِواهُ

13569 - أخبرَنا أبو زَكَريّا بنُ أبي إسحاقَ وأبو بكرِ بن الحَسَنِ قالا: حَدَّثَنَا أبو العباسِ محمدُ بن يَعقوبَ، أخبرَنا الرَّبيعُ بن سُلَيمانَ، أخبرَنا الشّافِعِيُّ، أخبرَنا عبدُ الوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ قال: سَمِعتُ يَحيَى بنَ سعيدٍ يقولُ: حَدَّثَني ابنُ أبي مُلَيكَةَ أنَّ عُبَيدَ بنَ عُمَيرٍ اللَّيثِيَّ حَدَّثَه أنَّ رسولَ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أمَرَ أبا بكرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أن يُصلِّيَ بالنّاسِ.
فذَكَرَ الحديثَ إلَى أن قال: فمَكَثَ رسولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَكانَه، وجَلَسَ إلَى جَنبِ الحُجَرِ يُحَذِّرُ الفِتَنَ، وقالَ: "إنِّي واللَّهِ لا يُمسِكُ النّاسُ عليّ بشَىءٍ، ألا إنِّي لا أُحِلُّ إلَّا ما أحَلَّ اللَّهُ في كِتابِه، ولا أُحَرِّمُ إلَّا ما حَرَّمَ اللهُ في كِتَابِه" 3. 13570 - وأخبرَنا أبو سعيدِ بن أبي عمرٍو، حَدَّثَنَا أبو العباسِ محمدُ بن يَعقوبَ، أخبرَنا الرَّبيعُ بن سُلَيمانَ، أخبرَنا الشّافِعِيُّ، أخبرَنا ابنُ عُيَينَةَ بإِسنادِه - يَعنِي عن طاوُس - أنَّ رسولَ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "لا يُمسِكَنَّ النَّاسُ12

عليّ بشَيءٍ، وإنِّي لا أُحِلُّ لَهُم إلَّا ما أحَلَّ اللَّهُ لَهُم، ولا أُحَرِّمُ عَلَيهِم إلَّا ما حَرَّمَ اللَّهُ" 1. قال الشَّافِعِيُّ رَحِمَه اللَّهُ: هَذا مُنقَطِعٌ، ولَو ثَبَتَ فبَيِّنٌ فيه أنَّه على ما وصَفتُ إن شاءَ اللَّهُ تَعالَى، قال: "لا يُمسِكَنَّ النّاسُ عليّ".
ولَم يَقُل: لا يُمسِكوا عَنِّي.
بَل قَد أمَرَ بأَن يُمسَكَ عنه، وأَمَرَ اللهُ جلَّ ثناؤُه بذَلِكَ.
قال الشّافِعِيُّ: أخبرَنا ابنُ عُيَينَةَ، عن أبي النَّضر، عن عُبَيدِ اللهِ بنِ أبي رافِعٍ، عن أبيه، أنَّ رسولَ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "لا أُلفِيَنَّ أحَدَكُم مُتَّكِئًا على أريكَتِه يأتيه الأمرُ مِمَّا أمَرتُ به أو نَهَيتُ عنه فيَقولُ: لا أدرِي، ما وجَدنا في كِتابِ اللَّهِ اتَّبَعناه" 2. قال الشّافِعِيُّ رَحِمَه اللهُ: فقَد أمَرَ باتَّباعِ ما أمَرَ به واجتِنابِ ما نَهَى عنه، وفَرَضَ اللهُ ذَلِكَ في كِتابِه على خَلقِه، وما في أيدِي النّاسِ مِن هَذا إلَّا ما تَمَسَّكوا به عن الله، ثُمَّ عن رسولِه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ثُمَّ عن دَلالَتِه، ولَكِن قَولُه إن كان قالَه: "لا يُمسِكَنَّ النَّاسُ عليّ بشَيءٍ".
يَدُلُّ على أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذا كان بمَوضِعِ القُدوَةِ فقَد كانَت له خَواصُّ أُبيحَ له فيها ما لَم يُبَحْ لِلناس، وحَرُمَ عَلَيه فيها ما لَم يَحرُمْ على النّاسِ فقالَ: لا يُمسِكَنَّ النّاسُ عليّ بشَيءٍ مِنَ الَّذِي لِي أو عليّ دونَهُم، فإِن كان مِمَّا عليّ ولِي دونَهُم فلا يُمسِكُنَّ به.
وذَلِكَ مِثلُ أنَّ اللهَ

جلَّ ثناؤُه أحَلَّ له مِن عَدَدِ النِّساءِ ما شاءَ، وأَن يَستَنكِحَ المَرأَةَ إذا وهَبَت نَفسَها له، وقالَ اللهُ تَعالَى: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: 50]، فلَم يَكُنْ لأحَدٍ أن يَقولَ: قَد جَمَعَ رسولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَينَ أكثَرَ مِن أربَعٍ، ونَكَحَ امرأةً بغَيرِ مَهرٍ، وأَخَذَ صَفيًّا مِنَ المَغنَم، وكانَ له خُمُسُ الخُمُس، فلا يَكونُ ذَلِكَ لِلمُؤمِنينَ بَعدَه ولا لِوُلاتِهِم كما يَكونُ له؛ لأنَّ اللَّهَ قَد بَيَّنَ في كِتابِه وعَلَى لِسانِ رسولِه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنَّ ذَلِكَ له دونَهُم، وفَرَضَ اللَّهُ أن يُخَيِّرَ أزواجَه في المُقامِ مَعَه أوِ الفِراق، فلَم يَكُنْ لأحَدٍ أن يَقولَ: عليّ أن أُخَيِّرَ امرأَتِي على ما فرَضَ اللَّهُ عَلى رسولِه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وهَذا مَعنَى قَولِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إن كان قاله: "لا يُمسِكَنَّ النّاسُ عَليَّ بشَىءٍ" 1. قال الشيخُ: وإِنَّما تَوَقَّفَ الشّافِعِيُّ رَحِمَه اللَّهُ في صِحَّةِ الخَبَرِ فقالَ: إن كان قالَه.
لأنَّ الحديثَ مُرسَلٌ، ولَيسَ مَعَه ما يُؤَكِّدُه، إلَّا أن يكونَ مَحمولًا على ما قالَه الشّافِعِيُّ رَحِمَه اللهُ، فيَكونَ واضِحًا ولِلأُصولِ موافِقًا.
13571 - أخبرَنا أبو عبد اللَّهِ الحافظُ، أخبرَنا أبو الحَسَنِ أحمدُ بن محمدِ بنِ عَبدوسٍ، حَدَّثَنَا عثمانُ بن سعيدٍ، حَدَّثَنَا عبدُ اللَّهِ بن صالِحٍ أنَّ مُعاويَةَ بنَ صالِحٍ أخبَرَه قال: حَدَّثَنَا الحَسَنُ بن جابِرٍ أنَّه سَمِعَ المِقدامَ بنَ مَعديكَرِبَ الكِندِيَّ صاحِبَ النَّبِيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقولُ: حَرَّمَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أشياءَ يَومَ خَيبَرَ، مِنها الحِمارُ الأهلِيُّ وغَيرُه، فقالَ رسولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "يوشِكُ أن يَقعُدَ الرَّجُلُ مِنكُم

على أريكَتِه يُحَدَّثُ بحَديثي فيقولُ: بَينِي وبَينَكُم كِتَابُ اللَّه، فما وجَدنا فيه حَلالًا استَحللناه، ومما وجَدنا فيه حَرامًا حَرَّمناه.
وإِنَّ ما حَرَّمَ رسولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كما حَرَّمَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ" 1. وكَذَلِكَ رَواه عبدُ الرَّحمَنِ بن مَهدِيٍّ عن مُعاويَةَ بنِ صالِحٍ 2. 13572 - وأخبرَنا أبو سعيدِ بن أبي عمرٍو، حَدَّثَنَا أبو العباسِ محمدُ بن يَعقوبَ، أخبرَنا الرَّبيعُ، أخبرَنا الشافِعِيُّ، أخبرَنا عبدُ العَزيزِ الدَّراوَردِيُّ، عن عمرِو بنِ أبي عمرٍو، عن المُطلِب، أنَّ رسولَ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "ما تَرَكتُ شَيْئًا مِمّا أمَرَكُمُ اللَّهُ به إلَّا وقَد أمَرتُكُم به، ولا تَرَكتُ شَيئًا مِمَّا نَهاكُمُ اللَّهُ عنه إلَّا وقَد نَهَيتُكُم عنه" 3. قال الشَّافِعِيُّ رَحِمَه اللهُ: فما لَم يَكُنْ فيه وحيٌّ فقَد فرَضَ اللهُ في الوَحي اتِّباعَ سُنَّتِه، فمَن قَبِلَ عنه فإِنَّما قَبِلَ بفَرضِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ 4.

جارٍ التحميل