بابُ مُبتَدأَ الخَلقِ
17760 - أخبرَنا أبو عبدِ اللَّهِ محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ، أخبرَنا أبو العباسِ
محمدُ بنُ أحمدَ المَحبوبِىُّ، حدثنا سعيدُ بنُ مَسعودٍ، حدثنا عُبَيدُ اللَّهِ بنُ
موسَى، حدثنا شَيبانُ، عن الأعمَشِ، عن جامِعِ بنِ شَدّادٍ، عن صَفوانَ بنِ
مُحرِزٍ، عن عِمرانَ بنِ حُصينٍ قال: إنِّى لَجالِسٌ عِندَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - إذ جاءَه قَومٌ مِن
بَنِى تَميمٍ فقالَ: "اقبَلوا البُشرَى يا بَنِى تَميمٍ".
قالوا: قَد بَشَّرتَنا فأَعطِنا يا
وسولَ اللَّهِ.
قال: فدَخَل عَلَيه أُناسٌ مِن أهلِ اليَمَنِ دالَ: "اقبَلوا البُشرَى يا أهلَ
اليَمَقِ إذ لَم يَقبَلْها بَنوتَميم".
قالوا: قَد قَبِلنا يارسولَ اللَّهِ، جِئنا لِنَتَفَقَّهَ فى الدّينِ
ونَسأَلَكَ عن أوَّلِ هذا الأمرِ ما كان.
قال: "كان اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ولَم يَكُنْ شَىءٌ قَبلَه،
وكانَ عَرشُه على الماءِ، ثُمَّ خَلَقَ السَّماواتِ والأرضَ، وكَتَبَ فى الذِّكرِ كُلَّ شَىءٍ".
قال: وأَتاه رَجُلٌ فقالَ: يا عِمرانَ بنَ حُمينٍ راحِلَتَكَ، أدرِكْ ناقَتَكَ، فقَد
ذَهَبَت.
فانطَلَقتُ فى طَلَبِها، فإِذا السَّرابُ يَنقَطِعُ دونَها، وايمُ اللَّهِ لَوَدِدتُ أنَّها
ذَهَبَت وأَنَّى لَم أقُمْ 1.
17761 - أخبرَنا أبو الحُسَينِ ابنُ الفَضلِ القَطانُ، أخبرَنا عبدُ اللَّهِ بنُ
جَعفَرٍ، حدثنا يَعقوبُ بنُ سُفيانَ، حدثنا عُمَرُ بنُ حَفصٍ، حدثنا أبى، حدثنا
الأعمَشُ، حدثنا جامِعُ بنُ شَدّادٍ، عن صَفوانَ بنِ مُحرِزٍ أنَّه حَدَّثَه عن عِمرانَ
ابنِ الحُصَيني قال: دَخَلتُ على رسولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -. فذَكَرَ الحديثَ، قال فيه:
قالوا: جِئناكَ نَسأَلُكَ عن هذا الأمرِ.
قال: "كان اللَّهُ ولَم يَكُنْ شَىءٌ غَيرُه،
وعَرشُه على الماءِ، وكَتَبَ فى الذَّكرِ كُلَّ شَىءٍ، وخَلَقَ السَّماواتِ والأرضَ" 1.
رَواه البخارىُّ فى "الصحيح" عن عمَرَ بنِ حَفصِ بنِ غِياثٍ 2.
والمُرادُ به واللَّهُ أعلمُ: ثُمَّ خَلَقَ الماءَ، وخَلَقَ العَرشَ على الماءِ، وخَلَقَ
القَلَمَ وأَمَرَه، فكَتَبَ فى الذَّكرِ كُلَّ شَىءٍ.
17762 - أخبرَنا أبو القاسِم زَيدُ بنُ أبى هاشِمٍ العَلَوِىُّ بالكوفَةِ، أخبرَنا
أبو جَعفَرٍ محمدُ بنُ علىَّ بنِ دُحَيمٍ، حدثنا إبراهيمُ بنُ عبدِ اللَّهِ العَبسِىُّ،
أخبرَنا وكيعُ بنُ الجَرّاحِ، عن الأعمَشِ، عن أبى ظَبيانَ، عن ابنِ عباسٍ قال:
إنَّ أوَّلَ ما خَلَقَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ مِن شَىءٍ القَلَمُ، فقالَ: اكتُب.
قال: يا رَبَّ وما
أكتُبُ؟ فقال: اكتُبِ القَدَرَ.
قال: فجَرَى بما هو كائنٌ مِن ذَلِكَ اليَومِ إلَى قيامِ
السّاعَةِ.
قال: ثُمَّ خَلَقَ النُّونَ، فدَحا الأرضَ عَلَيها، فارتَفَعَ بُخارُ الماءِ، ففَتَقَ
مِنه السَّماواتِ، واضطَرَبَ النُّونُ فمادَتِ الأرضُ، فأُثبِتَت بالجِبالِ، وإِنَّ
الجِبالَ لَتَفخَرُ على الأرضِ إلَى يَومِ القيامَةِ 1. 17763 - أخبرَنا أبو عبدِ اللَّهِ الحافظُ، أخبرَنا أبو بكرِ ابنُ إسحاقَ الفَقيهُ، أخبرَنا محمدُ بنُ أيّوبَ الرّازِىُّ، أخبرَنا أحمدُ بنُ جُميلٍ 2 المَروَزِىُّ، حدثنا عبدُ اللَّهِ بنُ المُبارَكِ، عن رَباحِ بنِ زَيدٍ، عن عُمَرَ بنِ حَبيبٍ، عن القاسِمِ بنِ أبى بَزَّةَ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ، عن ابنِ عباسٍ أنَّه كان يُحَدِّثُ أنَّ رسولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قال: "إنَّ أوَّلَ شَىءٍ خَلَقَ اللَّهُ جلَّ ثناؤُه القَلَمُ، وأَمَرَه فكَتَبَ كُلَّ شَىءٍ يَكونُ" 3. ورُوِىَ ذَلِكَ أيضًا فى حَديثِ عُبادَةَ بنِ الصّامِتِ مَرفوعًا 4. 17764 - أخبرَنا أبو الحُسَينِ علىُّ بنُ محمدِ بنِ عبدِ اللَّهِ بنِ بِشْرانَ ببَغدادَ، أخبرَنا أبو بكرٍ أحمدُ بنُ سَلمانَ بنِ الحَسَنِ الفَقيهُ قال: قُرِئَ على يَحيَى بنِ جَعفَرِ بنِ الزِّبْرِقانِ وأَنا أسمَعُ: أخبرَنا حَجّاجُ بنُ محمدٍ الأعوَرُ قال: قال ابنُ جُرَيجٍ: أخبرَنِى إسماعيلُ بنُ أُمَيَّةَ، عن أيّوبَ بنِ خالِدٍ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ رافِعٍ مَولَى أُمَّ سلمةَ، عن أبى هريرةَ قال: أخَذَ رسولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بيَدِى فقال: "خَلَقَ اللَّهُ التُّربَةَ يَومَ السَّبتِ، وخَلَقَ فيها الجِبالَ يَومَ الأحَدِ، وخَلَقَ الشَّجَرَ يَومَ الاثنَينِ، وخَلَقَ المَكروهَ يَومَ الثُّلاثاءِ، وخَلَقَ النّورَ يَومَ الأريعاءِ، وبَثَّ فيها
الدَّوابَّ يَومَ الخَميسِ، وخَلَقَ آدَمَ بَعدَ العَصرِ مِن يَومِ الجُمُعَةِ، [آخِرَ الخَلقِ] 1 فى آخِرِ
ساعَةٍ مِن ساعاتِ الجُمُعَةِ، فيما بَينَ العَصرِ إلَى اللَّيلِ" 2. رَواه مسلمٌ فى
"الصحيح" عن سُرَيجِ بنِ يونُسَ وهارونَ بنِ عبدِ اللَّهِ عن حَجّاجِ بنِ محمدٍ 3.
17765 - أخبرَنا أبو مَنصورٍ أحمدُ بنُ على الدّامَغانِىُّ، أخبرَنا أبو بكرٍ
الإِسماعيلِىُّ، أخبرَنِى جَعفَرُ بنُ محمدِ بنِ الأزهَرِ الطُّوسِىُّ ببَغدادَ، حدثنا
وهبُ بنُ بَقيَّةَ، حدثنا خالِدٌ، عن الشَّيبانِىَّ، عن عَونِ بنِ عبدِ اللَّهِ بنِ عُتبَةَ،
أظُنُّه عن أخيه عُبَيدِ اللَّهِ، قال أبو هريرةَ: سَمِعتُ رسولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يقولُ: "إنَّ فى
الجُمُعَةِ لَساعَةً لا يَسأَلُ اللَّهَ فيها عبدٌ شَيئًا إلا أعطاه إيّاه".
قال: وقالَ عبدُ اللَّهِ بنُ
سَلابم: إنَّ اللَّهَ تَعالَى بَدأ الخَلقَ فخَلَقَ الأرضَ يَومَ الأحَدِ ويَومَ الاثنَينِ،
وخَلَقَ السَّماواتِ يَومَ الثُّلاثاءِ ويَومَ الأربِعاءِ، وخَلَقَ الأقواتَ وما فى الأرضِ
مِن شَىءٍ يَومَ الخَميسِ ويَومَ الجُمُعَةِ، فرَغَ مِن ذَلِكَ عِندَ صَلاةِ العَصرِ، فتِلكَ
السّاعَةُ ما بَينَ العَصرِ إلَى غُروبِ الشَّمسِ 4.
17766 - وأخبرَنا أبو عبدِ اللَّهِ الحافظُ، أخبرَى محمدُ بنُ علىٍّ
الصَّنعانِىُّ بمَكَّةَ، حدثنا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ، أخبرَنا عبدُ الرَّزّاقِ، أخبرَنا
مَعمَرٌ 1، أخبرَنِى عَوفٌ، عن قَسامَةَ بنِ زُهَيرٍ، عن أبى موسَى الأشعَرِىِّ، عن النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - قال: "خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ مِن أديمِ الأرضِ كُلِّها، فحرَجَت ذُرّيَّتُه على حَسَبِ ذَلِكَ؛ مِنهُمُ الأبيَضُ والأسوَدُ والأسمَرُ والأحمَرُ، ومِنهُم بَينَ ذَلِكَ، ومِنهُمُ السَّهلُ والخَبيثُ 2 والطَّيِّبُ" 3. 17767 - أخبرَنا أبو الحُسَينِ ابنُ بِشْرانَ، حدثنا إسماعيلُ بنُ محمدٍ الصَّفّارُ وأبو جَعفَرٍ الرزازُ قالا: حدثنا سَعدانُ بنُ نَصرٍ، حدثنا إسحاقُ الأزرَقُ، عن عَوفٍ الأعرابِىِّ، عن قَسامَةَ بنِ زُهَيرٍ، عن أبى موسَى قال: قال رسولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: " [خلقَ اللهُ] 4 آدَمَ مِن قَبضَةٍ قَبَضَها مِن جَميعِ الأرضِ، فجاءَ بَنو آدَمَ على قَدرِ الأرضِ؛ مِنهُمُ الأحمَرُ والأسوَدُ، والسَّهلُ والحَزْنُ، وبَينَ ذَلِكَ، والخَبيثُ والطَّيِّبُ" 5. 17767 - أخبرَنا أبو الحَسَنِ محمدُ بنُ الحُسَينِ العَلَوِىُّ، أخبرَنا أبو حامِدِ ابنُ الشَّرْقِىِّ، حدثنا محمدُ بنُ يَحيَى وأبو الأزهَرِ وحَمدانُ السُّلَمِىُّ
قالوا: حدثنا عبدُ الرَّزاقِ، أخبرَنا مَعمَرٌ، عن الزُّهرِىَّ، عن عُروةَ، عن عائشةَ
قالَت: قال رسولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: "خُلِقَتِ المَلائكَةُ مِن نورٍ، وخُلِقَ الجانُّ مِن مارِجٍ مِن
نارٍ، وخُلِقَ آدَمُ مِمّا وُصِفَ لَكُم" 1. رَواه مسلمٌ فى "الصحيح" عن محمدِ بنِ
رافِعٍ عن عبدِ الرَّزّاقِ 2.
قال الشّافِعِىُّ رَحِمَه اللَّهُ: قال اللَّهُ جلَّ ثناؤُه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56)﴾ [الذاريات: 56] قال الشّافِعِىُّ: خَلَقَ اللهُ الخلقَ لِعِبادَتِه 3.
يَعنِى مَن 4 شاءَ مِن عِبادِه، أو ليأمُرَ مَن شاءَ مِنهُم بعِبادَتِه ﴿وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (25)﴾ [يونس: 25].
17769 - أخبرَنا أبو عبدِ اللَّهِ إسحاقُ بنُ محمدِ بنِ يوسُفَ السّوسِىُّ،
حدثنا أبو العباسِ محمدُ بنُ يَعقوبَ، أخبرَنا العباسُ بنُ الوَليدِ بنِ مَزيَدٍ،
أخبرَنِى أبى قال: سَمِعتُ الأوزاعِىَّ، حَدَّثَنِى رَبيعَةُ بنُ يَزيدَ ويَحيَى بنُ أبى
عمرٍو السَّيبانِىُّ قالا: حدثنا عبدُ اللَّهِ بنُ فيروزَ الدَّيلَمِىُّ قال: دَخَلتُ على
عبدِ اللَّهِ بنِ عمرِو بنِ العاصِ.
فذَكَرَ الحديثَ إلَى أن قال: قال عبدُ اللَّهِ:
سَمِعتُ رسولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يقولُ: "إنَّ اللَّهَ خَلَقَ خَلقَه فى ظُلمَةٍ، ثُمَّ ألقَى عَلَيهِم مِن
نورِه، فمَن أصابَه مِن ذَلِكَ النّورِ يَومَئذٍ شَىءٌ اهتَدَى، ومَن أخطأه ضَلَّ، فلِذَلِكَ أقولُ:
جَفَّ القَلَمُ على 1 عِلمِ اللَّهِ" 2.
قال الشّافِعِىُّ رَحِمَه اللَّهُ: ثُمَّ أبانَ جلَّ ثناؤُه أن خِيرَتَه مِن خَلقِه أنبياؤُه
فقالَ: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ [البقرة: 213]
فجَعَلَ نَبيَّنا 3 - صلى الله عليه وسلم - مِن أصفيائه دودنَ عِبادِه، بالأمانَةِ على وحيِه، والقيامِ بحُجَّتِه
فيهِم 4.
17770 - حدثنا أبو عبدِ اللَّهِ الحافظُ، حدثنا أبو الحَسَنِ علىُّ بنُ الفَضلِ
ابنِ إدريسَ السّامَرَّىُّ ببَغدادَ، حدثنا الحَسَنُ بنُ عَرَفَةَ العَبدِىُّ، حَدَّثَنِى يَحيَى
ابنُ سعيدٍ السَّعيدِىُّ البَصرِىُّ، حدثنا عبدُ المَلِكِ بنُ جُرَيجٍ، عن
عَطاءٍ، عن عُبَيدِ بنِ عُمَيرٍ، عن أبى ذَرٍّ قال: دَخَلتُ على رسولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وهو
فى المَسجِدِ.
فذَكَرَ الحديثَ إلَى أن قال: فقُلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، كَمِ النَّبيّودنَ؟
قال: "مِائَةُ ألفِ نَبِىًّ وأَربَعَةٌ وعِشرونَ ألفِ نَبِىًّ".
قُلتُ: كَمِ المُرسَلولنَ مِنهُم؟
قال: "ثَلاثُمِائَةٍ وثَلاثَةَ عَشَرَ" 5. تَفَرَّدَ به يَحيَى بنُ سعيدٍ السَّعيدِىُّ 6.
17771 - أخبرَنا أبو عبدِ اللَّهِ الحافظُ، حدثنا أبو عبدِ اللَّهِ محمدُ بنُ
يَعقوبَ، حدثنا محمدُ بنُ شاذانَ وأَحمَدُ بنُ سلمةَ قالا: حدثنا قُتَيبَةُ بنُ سعيدٍ،
حدثنا اللَّيثُ، عن سعيدِ بنِ أبى سعيدٍ، عن أبيه، عن أبى هريرةَ، أن
رسولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قال: "ما مِنَ الأنبياءِ مِن نَبِىًّ إلَّا وقَد أُعطِىَ مِنَ الآياتِ ما مِثلُه آمَنَ
عَلَيه البَشَرُ، وإِنَّما كان الَّذِى أوتيتُ وحيًا أوحاه اللَّهُ إلَىَّ، فأَرجو أن أكونَ أكثَرَهُم
تابِعًا يَومَ القيامَةِ" 1. رَواه البخارىُّ فى "الصحيح" عن عبدِ اللَّهِ بنِ يوسُفَ وغَيرِه
عن اللَّيثِ، ورَواه مسلمٌ عن قُتَيبَه 2.
قال الشَّافِعِىُّ رَحِمَه اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ مِن خاصَّتهِ صفوَتَه فقالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (33)﴾ [آل عمران: 33].
وساقَ الشّافِعِىُّ
الكَلامَ عَلَيه إلَى أن قال: ثُمَّ اصطَفَى محمدًا - صلى الله عليه وسلم - مِن خَيرِ آلِ إبراهيمَ، وأَنزَلَ
كُتُبَه قبلَ إنزالِه الفُرقانَ على محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -[بصِفَةِ فضيلَتِه] 3 وفَضيلَةِ مَن تَبِعَه
فقالَ: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ﴾ 4 [الفتح: 29].
= ولسان الميزان 6/ 257. وقال الذهبى فى المهذب 7/ 3501: أنا أتهمه به، وقد تكلم فيه ابن حبان وغيره.
17772 - أخبرَنا أبو عبدِ اللَّهِ الحافظُ وأبو عبدِ اللَّهِ إسحاقُ بنُ محمدِ ابنِ يوسُفَ السُّوسِىُّ قالا: حدثنا أبو العباسِ محمدُ بنُ يَعقوبَ، حدثنا الرَّبيعُ ابنُ سُلَيمانَ المُرادِىُّ وسَعيدُ بنُ عثمانَ قالا: حدثنا بشرُ بنُ بكرٍ، عن الأوزاعِىَّ، حَدَّثَنِى أبو عَمّارٍ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ فرّوخَ، عن أبى هريرةَ قال: قال رسولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: "أنا سَيَّدُ بَنِى آدَمَ يَومَ القيامَةِ، وأَوَّلُ مَن تَنشَقُّ عنه الأرضُ، وأَوَّلُ شافِعٍ، وأَوَّلُ مُشَفَّعٍ" 1. أخرَجَه مسلمٌ فى "الصحيح" مِن حَديثِ الأوزاعِىَّ 2. 17773 - وأخبرَنا أبو علىٍّ الرُّوذبارِىُّ وأبو عبدِ اللَّهِ ابنُ بَرهانٍ وأبو الحُسَينِ ابنُ الفَضلِ القَطّانُ وغَيرُهُم قالوا: أخبرَنا إسماعيلُ بنُ محمدٍ الصَّفّارُ، حدتنا الحَسَنُ بنُ عَرَفَةَ، حدثنا القاسِمُ بنُ مالكٍ المُزَنِىُّ، عن المُختارِ بنِ فُلفُلٍ، عن أنَسِ بنِ مالكٍ قال: قال رسولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: "أنا أوَّلُ شَفيعٍ يَومَ القيامَةِ، وأَلْا أكثَرُ الأنبياءِ تَبَعًا يَومَ القيامَةِ، إنَّ مِنَ الأنبياءِ لَمَن يأتِى يَومَ القيامَةِ ما مَعَه مُصَدِّقٌ غَيرُ واحِدٍ" 3. أخرَجَه مسلمٌ مِن أوجُهٍ عن المُختارِ 4. 17774 - أخبرَنا أبو عبدِ اللَّهِ الحافظُ، حدثنا محمدُ بنُ يَعقوبَ الشَّيبانِىُّ، حدثنا جَعفَرُ بنُ محمدِ بنِ الحُسَينِ، حدثنا يَحيَى بنُ يَحيَى، أخبرَنا
هُشَيمٌ (ح) وأخبرَنا أبو الحَسَنِ علىُّ بنُ محمدٍ المُقرِئُ، أخبرَنا الحَسَنُ بنُ
محمدِ بنِ إسحاقَ، حدثنا يوسُفُ بنُ يَعقوبَ، أخبرَنا أبو الرَّبيعِ، حدثنا هُشَيمٌ،
أخبرَنا سَيّارٌ، حدثنا يَزيدُ الفَقيرُ، أخبرَنا جابِرُ بنُ عبدِ اللَّهِ أن رسولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -
قال: "أُعطيتُ خَمسًا لَم يُعطَهُنَّ أحَدٌ قَبلِى؛ نُصِرتُ بالرُّعبِ مَسيرَةَ شَهرٍ، وأُحِلَّت لِىَ
الغَنائمُ ولَم تَحِلَّ لأحَدٍ قَبلى، وجُعِلَت لِىَ الأرضُ مَسجِدًا وطَهورًا، فأَيُّما رَجُلٍ مِن أُمَّتِى
أدرَكَته الصَّلاةُ فليُصَلِّ، وأُعطيتُ الشَّفاعَةَ، وكُلُّ نَبِىًّ يُبعَثُ إلَى قَومِه خاصَّةً وبُعِثتُ إلَى
النّاسِ عامَّةً" 1. لَفظُ حَديثِ أبى الرَّبيعِ.
رَواه مسلمٌ فى "الصحيح" عن يَحيَى
ابنِ يَحيَى، ورَواه البخارىُّ عن محمدِ بنِ سِنانٍ عن هُشَيمٍ 2.
17775 - أخبرَنا أبو عبدِ اللَّهِ الحافظُ، أخبرَنا أبو زَكَريّا العَنبَرِىُّ، حدثنا
محمدُ بنُ عبدِ السَّلامِ، حدثنا إسحاقُ، أخبرَنا جَريرٌ، عن الأعمَشِ، عن خَيثَمَةَ
قال: قرأَ رَجُلٌ على عبدِ اللَّهِ سورَةَ الفَتحِ، فلَمّا بَلَغَ: ﴿كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [الفتح: 29].
قال:
ليَغيظَ اللَّهُ بالنَّبِىَّ وبِأَصحابِه الكُفّارَ، ثُمَّ قال عبدُ اللَّهِ: أنتُمُ الزَّرعُ وقَد دَنا
حَصادُ 3.
قال الشافِعِىُّ: وقالَ لأُمَّتِه: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ الآية [آل عمران: 110].4
ففَضَّلَهُم بكَينونَتِهِم مِن أُمَّتِه دونَ أُمَمِ الأنبياءِ قَبلَه 1.
17776 - أخبرَنا أبو طاهِرٍ الفَقمهُ، أخبرَنا أبو حامِدِ ابنُ بلالٍ، حدثنا
إبراهيمُ بنُ عبدِ اللَّهِ، أخبرَنا يَزيدُ بنُ هّارونَ، أخبرَنا بَهْزُ بنُ حَكيمِ بنِ مُعاويَةَ
القُشَيرِىُّ، عن أبيه، عن جَدِّه قال: سَمِعتُ رسولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يقولُ: "إنَّكُم تُوفُونَ
سبعينَ أُمَّةً، أنتُم خَيرُها وأَكرَمُها على اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ" 2.
قال الشّافِعِىُّ: ثُمَّ أخبَرَ جلَّ ثناؤُه أنَّه جَعَلَه فاتِحَ رَحمَتِه عِندَ فترَةِ رُسُلِه،
فقالَ: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ﴾ [المائدة: 19].
وقالَ: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [الجمعة: 2].
وكانَ فى ذَلِكَ ما دَلَّ على أنَّه بَعَثَه إلَى
خَلقِه؛ لأنَّهُم كانوا أهلَ الكِتابِ وأُمّيّينَ، وأنَّه فتَحَ به رَحمَتَه وخَتَمَ به نُبوَّتَه
فقالَ: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ 3 [الأحزاب: 40].
17777 - أخبرَنا أبو الحَسَنِ علىُّ بنُ محمدٍ المُقرِئُ، أخبرَنا الحَسَنُ بنُ
محمدِ بنِ إسحاقَ، حدثنا يوسُفُ بنُ يَعقوبَ، حدثنا أبو الرَّبيعِ، حدثنا
إسماعيلُ بنُ جَعفَرٍ، حدثنا العَلاءُ بنُ عبدِ الرَّحمَنِ، عن أبيه، عن أبى هريرةَ،
أن النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: "فُضِّلتُ على الأنبياءِ بسِتًّ؛ أُعطيتُ جَوامِعَ الكَلامِ 1، ونُصرتُ
بالرُّعبِ، وأُحِلَّت لِىَ الغَنائمُ، وجُعِلَت لِىَ الأرضُ طَهورًا ومَسجِدًا، وأُرسِلتُ إلَى
الخَلقِ كافَّةً، وخُتِمَ بى النَّبيّونَ" 2. رَواه مسلمٌ فى "الصحيح" عن يَحيَى بنِ أيّوبَ
وغَيرِه عن إسماعيلَ 3.
17778 - أخبرَنا أبو الحَسَنِ محمدُ بنُ الحُسَينِ بنِ داودَ العَلَوِىُّ
رَحِمَه اللَّهُ، أخبرَنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ الحَسَنِ الحافظُ، حدثنا محمدُ بنُ
يَحيَى الذُّهلِىُّ، حدثنا عَفّانُ بنُ مُسلِمٍ، حدثنا سَلِيمُ بنُ حَيّانَ قال: سَمِعتُ
سعيدَ بنَ مِيناءَ قال: سَمِعتُ جابِرَ بنَ عبدِ اللَّهِ قال: قال رسولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - (ح)
قالى: وحَدَّثَنا إبراهيمُ بنُ عبدِ اللَّهِ، حدثنا يَزيدُ بنُ هارونَ، حدثنا سَليمُ بنُ
حَيّانَ قال: سَمِعتُ سعيدَ بنَ مِيناءَ قال: سَمِعتُ جابِرَ بنَ عبدِ اللَّهِ قال: قال
رسولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: "مَثَلِى ومَثَلُ الأنبياءِ قَبلِى كَمَثَلِ رَجُلٍ ابتَنَى دارًا - وقالَ يَزيدُ: بَنَى
دارًا - فأَحسَنَها وأَكمَلَها إلَّا مَوضِعَ لبِنَةٍ، فجَعَلَ النّاسُ يَدخُلونَها ويَتَعَجَّبونَ مِنها
ويَقولونَ: لَولا مَوضِعُ هذه اللَّبِنَةِ".
قال رسولُ اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: "فأَنا مَوضِعُ تِلكَ اللَّبِنَةِ،
جِئتُ فخَتَمتُ الأنبياءَ" 4. رَواه البخارىُّ فى "الصحيح" عن محمدِ بنِ سِنانٍ عن
سَليمٍ، ورَواه مسلمٌ عن أبى بكرِ ابنِ أبى شَيبَةَ وأَبِى كُرَيبٍ عن عَفّانَ 5.
قال الشَّافِعِىُّ رَحِمَه اللَّهُ: وقَضَى أنْ أظهَر دينَه على الأديانِ فقالَ: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ الآية [التوبة: 33، والفتح: 28، والصف: 9].
قال: وقَد وصَفنا بَيانَ كَيفَ يُظهِرُه على
الدّينِ كُلِّه فى غَيرِ هذا المَوضِعِ 1.
17779 - أخبرَنا أبو زَكَريّا ابنُ أبى إسحاقَ المُزَكِّى، أخبرَنا أبو عبدِ اللَّهِ
محمدُ بنُ يَعقوبَ، حدثنا أبو أحمدَ محمدُ بنُ عبدِ الوَهّابِ، أخبرَنا جَعفَرُ بنُ
عَونٍ، أخبرَنا إسماعيلُ بنُ أبى خالِدٍ، عن قَيسِ بنِ أبى حازِمٍ، عن خَبّابٍ
قال: شَكَونا إلَى رسولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وهو مُتَوَسِّدٌ بُردَةً له فى ظِلِّ الكَعبَةِ فقُلنا: ألا
تَدعو اللَّهَ لَنا؟ ألا تَستَنصِرُ اللَّهَ لَنا؟ قال: فجَلَسَ مُحْمارًّا وجهُه ثُمَّ قال: "واللَّهِ
إنَّ مَن كان قَبلَكُم لَيُؤخَذُ الرَّجُلُ فيُحفَرُ له الحُفرَةُ 2 فيوضَعُ الميشارُ 3 على رأسِه
فيُشَقُّ باثنَينِ 4، ما يَصرِفُه عن دينِه، أو يُمشَطُ بأَمشاطِ الحَديدِ ما بَينَ عَصَبِه ولَحمِه،
ما يَصرِفُه عن دينِه، ولَيُتَمِّمَنَّ 5 اللَّهُ هذا الأمرَ، حَتَّى يَسيرَ الرَاكِبُ مِنكُم مِن صَنعاءَ
إلَى حَضرَمَوتَ، لا يَخشَى إلَّا اللَّهَ أوِ الذِّئبَ على غَنَمِه، ولَكِنَّكُم تَعجَلونَ" 6.
أَخرَجاه فى "الصحيح" مِن حَديثِ إسماعيلَ (1).
بابُ مُبتَدأَ البَعثِ والتَّنزيلِ
17780 - أخبرَنا أبو عبدِ اللَّهِ الحافظُ، أخبرَنا أبو عمرٍو المُقرِىُّ،
أخبرَنا الحَسَنُ بنُ سُفيانَ، حدثنا أبو الطّاهِرِ أحمدُ بنُ عمرٍو، حدثنا ابنُ
وهبٍ، أخبرَنِى يونُسُ، عن ابنِ شِهابٍ، حَدَّثَنِى عُروَةُ بنُ الزُّبَيرِ أن
عائشةَ - رضي الله عنهما - زَوجَ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - أخبَرَته قالَت: كان أوَّلُ ما بُدِئَ به رسولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -
مِنَ الوَحىِ الرُّؤيا الصّالِحَةَ فى النَّومِ، فكانَ لا يَرَى رُؤيا إلَّا جاءَت مِثلَ فلَقِ
الصُّبح، ثُمَّ حُبَّبَ (2) إلَيه الخَلاءُ، فكانَ يَخلو بغارِ حِراءٍ (3) فيَتَحَنَّثُ فيه - وهو
التَّعَبُّدُ - اللَّيالِىَ أولاتِ العَدَدِ قبلَ أن يَرجِعَ إلَى أهلِه، ويَتَزَوَّدُ لِذَلِكَ، ثُمَّ يَرجِعُ
إلَى خَديجَةَ فتُزَوَّدُه بمِثلِها، حَتَّى فجِئَه الحَقُّ وهو فى غارِ حِراءٍ، فجاءَه المَلَكُ
فقالَ: اقرأْ.
فقالَ: "ما أنا بقارِئً).
قال: "فأَخَذَنِى فغَطَّنِى (4) حَتَّى بَلَغَ مِنِّى الجَهْدَ،
ثُمَّ أرسَلَنِى فقالَ: اقرأْ.
فقُلتُ: ما أنا بقارِئً فأَخَذَنِى فغَطَّنِى الثّانيَةَ حَتَّى بَلَغَ
مِنَّى الجَهْدَ، ثُمَّ أرسَلَنِى فقالَ: اقرأْ.
فقُلتُ: ما أنا بقارِئً فأَخَذَنِى فغَطَّنِى الثّالِثَةَ حَتَّى
بَلَغَ مِنِّى الجَهْدَ، ثُمَّ أرسَلَنِى فقالَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ 1 خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ 2 اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ 3 الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ 4 عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: 1 - 5].
فرَجَعَ بها رسولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - تَرجُفُ بَوادِرُه 1 حَتَّى دَخَلَ على خَديجَةَ - رضي الله عنهما - فقالَ:
"زمِّلونِى زَمِّلونِى".
فزَمَّلوه حَتَّى ذَهَبَ عنه الرَّوعُ، ثُمَّ قال لِخَديجَةَ: "أىْ
خَديجَةُ، مالِى؟ ". وأَخبَرَها الخَبَرَ، قال: "لَقَد خَشِيتُ على نَفسِى".
قالَت له
خَديجَةُ: كَلا، أبشِرْ فواللَّهِ لا يُخزيكَ 2 اللَّهُ أبَدًا؛ واللَّهِ إنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ،
وتَصدُقُ الحديثَ، وتَحمِلُ الكَلَّ، وتَكسِبُ المَعدومَ، وتَقرِى الضَّيفَ،
وتُعينُ على نَوائبِ الحَقِّ.
فانطَلَقَت به خَديجَةُ - رضي الله عنهما - حَتَّى أتَت به ورَقَةَ بنَ نَوفَلِ
ابنِ أسَدِ بنِ عبدِ العُزَّى بنِ قُصَىٍّ - وهو ابنُ عَمَّ خَديجَةَ ابنُ أخِى أبيها،
وكانَ امْرَأً تَنَصَّرَ فى الجاهِليَّةِ، وكانَ يَكتُبُ الكِتابَ العَرَبِىَّ، ويَكتُبُ مِنَ
الإنجيلِ بالعَرَبيَّةِ ما شاءَ اللَّهُ أن يَكتُبَ، وكانَ شَيخًا كَبيرًا قَد عَمِىَ - فقالَت
له خَديجَةُ: أىْ عَمَّ، اسمَعْ مِنِ ابنِ أخيكَ.
قال ورَقَةُ بنُ نَوفَلٍ: ابنَ أخِى،
ماذا تَرَى؟ فأَخبَرَه رسولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - خَبَرَ ما رأى، فقالَ له ورَقَةُ: هذا النّاموسُ
الَّذِى أُنزِلَ على موسَى، يا لَيتَنِى فيها جَذَعًا 3، يا لَيتَنِى أكونُ حَيًّا حينَ
يُخرِجُكَ قَومُكَ.
قال رسولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: "أوَمُخرِجِىَّ هُم؟ ". قال ورَقَةُ: نَعَم، لَم
يأتِ رَجُلٌ قَطُّ بما جِئتَ به إلَّا عُودِىَ، وإِن يُدرِكْنِى يَومُكَ أنصُرْكَ نَصرًا
مُؤَرَّرًا 4. رَواه مُسلِمٌ فى "الصحيح" عن أبى الطّاهِرِ، وأَخرَجَه البخارىُّ مِن
وجهٍ آخَرَ عن يونُسَ 1.
17781 - أخبرَنا أبو الحُسَينِ ابنُ بِشْرانَ ببَغدادَ، أخبرَنا عبدُ الصَّمَدِ بنُ
علىَّ بنِ محمدِ بنِ مُكرَمٍ، حدثنا عُبَيدُ بنُ عبدِ الواحِدِ، حدثنا يَحيَى بنُ بُكَيرٍ،
حدثنا اللَّيثُ، عن عُقَيلٍ، عن ابنِ شِهابٍ قال: سَمِعتُ أبا سلمةَ بنَ
عبدِ الرَّحمَنِ يقولُ: أخبرَنِى جابِرُ بنُ عبدِ اللَّهِ أنَّه سَمِعَ رسولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يقولُ:
"فتَرَ الوَحىُ عَنَّى، فبَينَما أنا أمشِى سمِعتُ صَوتًا مِنَ السَّماءِ، فرَفَعتُ بَصَرِى قِبَلَ
السَّماءِ، فإِذا المَلَكُ الَّذِى جاءَنِى بحِراءٍ قاعِدٌ على كُرسِىًّ بَينَ السَّماءِ والأرضِ،
فجُثِثتُ 2 مِنه فرَقًا حَتَّى هَوَيتُ إلَى الأرضِ، فجِئتُ أهلِى فقُلتُ لَهُم: زَمَّلونِى زَمَّلونِى.
فزَمَّلونِى، فأَنزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) قُمْ فَأَنْذِرْ (2) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ 3 وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ 4 وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدثر: 1 - 5]. قال أبو سلمةَ: والرُّجزُ الأوثانُ.
قال:
"ثُمَّ حَمِىَ الوَحىُ (3) بَعدُ وتَتابَعَ" (4).
17782 - وأخبرَنا أبو عبدِ اللَّهِ الحافظُ، أخبرَنِى أبو لسَهلٍ بشرُ بنُ أحمدَ
المِهرَجانِىُّ، حدثنا داودُ بنُ الحُسَينِ بنِ علىَّ بنِ عَقيلٍ هو الخُسرَوجِردِىُّ،
حدثنا عبدُ المَلِكِ بنُ شُعَيبِ بنِ اللَّيثِ بنِ سَعدٍ، حَدَّثَنِى أبى، عن جَدَّى،
أخبرَنِى عُقَيلُ بنُ خالِدٍ، عن ابنِ شِهابٍ قال: سَمِعتُ أبا سلمةَ بنَ عبدِ الرَّحمَنِ
يقولُ: أخبرَنِى جابِرُ بنُ عبدِ اللَّهِ أنَّه سَمِعَ رسولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يقولُ: "ثُمَّ فتَرَ الوَحىُ
عَنِّى فترَةً".
فذَكَرَ الحديثَ بمَعناه (1). رَواه البخارىُّ فى "الصحيح" عن يَحيَى بنِ
بُكَيرٍ، ورَواه مسلمٌ عن عبدِ المَلِكِ بنِ شُعَيبٍ (2).
17783 - أخبرَنا أبو الحَسَنِ محمدُ بنُ الحُسَينِ بنِ داودَ العَلَوِىُّ، حدثنا
أبو حامِدِ ابنُ الشَّرْقِىِّ إملاءً، حدثنا عبدُ الرَّحمَنِ بنُ بشرِ بنِ الحَكَمِ، حدثنا
سفيانُ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن الزُّهرِىِّ، عن عُروةَ، عن عائشةَ - رضي الله عنهما -
قالَت: إنَّ أوَّلَ ما نَزَلَ مِنَ القُرآنِ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1)﴾ (3) [العلق: 1].
بابُ مُبتَدأَ الفَرضِ على النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - ثُمَّ على النّاسِ، وما لَقِىَ
النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - مِن أذَى قَومِه فى تَبليغِ الرِّسالَةِ على وجهِ الاختِصارِ 17784 - أخبرَنا أبو عبدِ اللَّهِ الحافظُ، أخبرَنِى أبو عمرِو ابنُ أبى جَعفَرٍ، حدثنا عبدُ اللَّهِ بنُ محمدٍ، حدثنا أبو كُرَيبٍ، حدثنا أبو أُسامَةَ، عن الأعمَشِ، عن عمرِو بنِ مُرَّةَ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ، عن ابنِ عباسٍ - رضي الله عنهما - قال: لَمّا نَزَلَت هذه الآيَةُ ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (214)﴾ [الشعراء: 214] [ورَهطَكَ مِنهُمُ المُخلَصينَ] 4، خَرَجَ123
رسولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - حَتَّى صَعِدَ على الصَّفا فهَتَفَ: "واصَباحاه".
فقالوا: مَن هذا
الَّذِى يَهتِفُ؟ قالوا: محمدٌ.
قال: فاجتَمَوا إلَه فقالَ: "يما بَنِى فُلانٍ، يا بَنِى
فُلانٍ، يا بَنِى عبدِ مَنافٍ، يا بَنِى عبدِ المُطَّلِبِ، أرأيتَكُم لَو أخبَرتُكُم أن خَيلًا تَخرُجُ
بسَفحِ هذا الجَبَلِ، اكُنتُم مُصَدَّقِىَّ؟ ". وقالوا: ما جَرَّ بنا عَلَيكَ كَذِبًا.
قال:
"فإِنَّى نَذيرٌ لَكُم بَينَ يَدَىْ عَذاب شَديدٍ".
قال: فقالَ أبو لَهَبٍ: تَبَّا لَكَ، ما
جَمَعتَنا إلَّا لِهَذا؟ ! ثُمَّ قامَ، فنَزَلَت هذه الآيَةُ: (تَبَّت يَدا أبى لَهَبٍ وقَد تَبَّ) 1
كَذا قرأَ الأعمَشُ إلَى آخِرِ السّورَةِ 2. رَواه البخارىُّ فى "الصحيح" عن يوسُفَ
ابنِ موسَى عن أبى أُسامَةَ، ورَواه مسلمٌ عن أبى كُرَيبٍ 3.
17785 - وأخبرَنا أبو عبدِ اللَّهِ الحافظُ، حدثنا أبو العباسِ محمدُ بنُ
يَعقوبَ، حدثنا أحمدُ بنُ عبدِ الجَبّارِ، حدثنا يونُسُ بنُ بُكَيرٍ، عن محمدِ بنِ
إسحاقَ قال: فحَدَّثَنِى مَن سَمِعَ عبدَ اللَّهِ بنَ الحارِثِ بنِ نَوفَلٍ، عن ابنِ
عباسٍ، عن على بنِ أبى طالِبٍ قال: لَمّا نَزَلَت هذه الآيَةُ على رسولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -:
﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (214) وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ 4
[الشعراء: 214، 215] قال رسولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: "عَرَفتُ أنَّى إن بادأتُ بها قَومِى رأيتُ
مِنهُم ما أكرَهُ، فصَمَتُّ عَلَيها، فجاءَنِى جِبريلُ عَلَيه السَّلامُ فقالَ: يا محمدُ، إنَّكَ إن
لَم تَفعَلْ ما أمَرَكَ به رَبُّكَ عَذَّبَكَ رَبُّكَ".
ثُمَّ ذَكَرَ قِصَّةً فى جَمعِهِم وإِنذارِه
إياهُم 1.
17786 - أخبرَنا أبو الحَسَنِ علىُّ بنُ محمدٍ 3 المُقرِئُ ابنُ الحَمّامِىَّ
ببَغدادَ، حدثنا أحمدُ بنُ سَلمانَ النَّجّادُ، حدثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ، حدثنا
محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ الأنصارِىُّ، حَدَّثَنِى محمدُ بنُ عمرِو بنِ عَلقَمَةَ، عن محمدِ
ابنِ المُنكَدِرِ، عن رَبيعَةَ بنِ عِبَادٍ الدُّؤَلِىِّ قال: رأيتُ رسولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بذِى
المَجازِ يَتبَعُ النّاسَ فى مَنازِلِهِم يَدعوهُم إلَى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ووَراءَه رَجُلٌ وهو
يقولُ: يا أيُّها النّاسُ، لا يَغُرَّنَّكُم عن دينِكُم ودينِ آبائكُم.
قُلتُ: مَن هَذا؟
قالوا: عَمُّه أبو لَهَبٍ 4.
17787 - أخبرَنا أبو عبدِ اللَّهِ الحافظُ وإِسحاقُ بنُ محمدِ بنِ يوسُفَ
السّوسِىُّ قالا: حدثنا أبو العباسِ محمدُ بنُ يَعقوبَ، أخبرَنا العباسُ بنُ
الوَليدِ، أخبِرنِى أبى قال: سَمِعتُ الأوزاعِىَّ قال: حَدَّثَنِى يَحيَى بنُ أبى كَثيرٍ،
حَدَّثَنِى محمدُ بنُ إبراهيمَ بنِ الحارِثِ التَّيمِىُّ، حَدَّثَنِى عُروَةُ بنُ الزُّبَيرِ قال:2
سألتُ عبدَ اللَّهِ بنَ عمرِو بنِ العاصِ قال: قُلتُ: حَدَّثْنِى بأَشَدَّ شَىءٍ صَنَعَه
المُشرِكونَ برسولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -. قال: أقبَلَ عُقبَةُ بنُ أبى مُعَيطٍ ورسولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -
يُصَلِّى عِندَ الكَعبَةِ، فلَوَى ثَوبَه فى عُنُقِه فخَنَقَه خَنْقًا شَديدًا، فأَقبَلَ أبو بكرٍ
فأَخَذَ بمَنكِبَيهِ فدَفَعَه عن رسولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فقالَ: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ 1 [غافر: 28].
أخرَجَه البخارىُّ فى "الصحيح"
مِن حَديثِ الأوزاعِىَّ 2.
17788 - أخبرَنا أبو محمدٍ جَناحُ بنُ نَذيرِ بنِ جَناحٍ القاضِى بالكوفَةِ،
أخبرَنا أبو جَعفَرٍ محمدُ بنُ علىَّ بنِ دُحَيمٍ، حدثنا أحمدُ بنُ حازِمِ بنِ أبى
غَرَزَةَ، أخبرَنا عُبَيدُ اللَّهِ هو ابنُ موسَى، أخبرَنا إسرائيلُ، عن أبى إسحاقَ،
عن عمرِو بنِ مَيمونٍ، عن عبدِ اللَّهِ هو ابنُ مَسعودٍ قال: بَينَما رسولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -
قائمٌ يُصَلَّى عِندَ الكَعبَةِ وجَمعُ 3 قُرَيشٍ فى مَجالِسِهِم يَنظُرونَ، إذ قال قائلٌ
مِنهُم: ألا تَنظُرونَ إلَى هذا المُرائى؟ أيُّكُم يَقومُ إلَى جَزورِ آلِ 4 فُلانٍ،
فيَعمِدُ إلَى فَرْثِها ودَمِها وسَلاها 5 فيَجِىءُ به، ثُمَّ يُمهِلُه حَتَّى إذا سَجَدَ وضعَه
بَينَ كَتِفَيه؟ فانبَعَثَ أشقاها فجاءَ به، فلَمّا سَجَدَ رسولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وضعَه بَينَ
كَتِفَيه، وثَبَتَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - ساجِدًا، وضَحِكوا حَتَّى مالَ بَعضُهُم على بَعضٍ مِنَ
الضَّحِكِ، فاظَلَقَ مُنطَلِقٌ إلَى فاطِمَةَ - رضي الله عنهما - وهِىَ جُوَيريَةٌ، فأَقبَلَت تَسعَى حَتَّى
ألقَته عنه، وأَقبَلَت عَلَيهِم تَسُبُّهُم، فلَمّا قَضَى رسولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - الصَّلاةَ قال: "اللَّهُمَّ
عَلَيكَ بقُرَيشٍ".
ثَلاثًا، ثُمَّ سَمَّى: "اللَّهُمَّ عَلَيكَ بعَمرِو بنِ هِشامٍ، وبِعُتبَةَ بنِ رَبيعَةَ،
[وشَيبَةَ بنِ رَبيعَةَ] 1، والوَليدِ بنِ عُتبَةَ، وأُمَيَّةَ بنِ خَلَفٍ، وعُقبَةَ بنِ أبى مُعَيطٍ، وعُمارَةَ بنِ
الوَليدِ".
قال عبدُ اللَّهِ: واللَّهِ لَقَد رأيتُهُم صرعَى يَومَ بَدرٍ يُسحَبونَ إلَى قَليبِ
بَدرٍ.
ثُمَّ قال رسولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: "وأُتبِعَ أصحابُ القَليبِ لَعنَةً" 2. رَواه البخارىُّ فى
"الصحيح" عن أحمدَ بنِ إسحاقَ عن عُبَيدِ اللَّهِ بنِ موسَى 3، وأَخرَجَه هو
ومُسلِمٌ مِن وجهٍ آخَرَ عن أبى إسحاقَ 4.
17789 - حدثنا أبو محمدٍ عبدُ اللَّهِ بنُ يوسُفَ إملاءً، أخبرَنا أبو بكرٍ
محمدُ بنُ الحُسَينِ القَطّانُ، حدثنا علىُّ بنُ الحَسَنِ الهِلالِىُّ (ح) وأخبرَنا أبو
عبدِ اللَّهِ الحافظُ وأبو بكرِ ابنُ الحَسَنِ القاضِى قالا: حدثنا أبو
العباسِ محمدُ بنُ يَعقوبَ، حدثنا إبراهيمُ بنُ مَرزوقٍ قالا: حدثنا مُسلِمُ بنُ
إبراهيمَ، حدثنا الحارِثُ بنُ عُبَيدٍ، حدثنا سعيدٌ الجُرَيرِىُّ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ
شَقيقٍ، عن عائشةَ - رضي الله عنهما - قالَت: كان النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - يُحرَسُ حَتَّى نَزَلَت هذه الآيَةُ
{يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ
يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} [المائدة: 67].
فأَخرَجَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - رأسَه مِنَ القُبَّةِ فقالَ: "يا
أيُّها النّاسُ انصَرِفوا، فقَد عَصمَنِى اللَّهُ".
وفِى رِوايَةِ الهِلالِىَّ: فقالَ لَهُم: "أيُّها
النّاسُ" 1.
قال الشّافِعِىُّ: يَعصِمُكَ مِن قَتلِهِم أن يَقتُلوكَ حَتَّى تُبَلَّغَ 2 ما أُنزِلَ إلَيكَ.
فبَلَّغَ ما أُمِرَ به، فاستَهزأ به قَومٌ، فنَزَلَ عَلَيه ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (94) إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ 3 [الحجر: 94، 95].
17790 - أخبرَنا أبو طاهِرٍ الفَقيهُ، أخبرَنا أبو بكرٍ محمدُ بنُ الحُسَينِ
القَطّانُ، حدثنا أحمدُ بنُ يوسُفَ السُّلَمِىُّ، حدثنا عُمَرُ بنُ عبدِ اللَّهِ بنِ رَزينٍ،
حدثنا سفيانُ، عن جَعفَرِ بنِ إياسٍ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ، عن ابنِ عباسٍ - رضي الله عنهما - فى
قَولِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ قال: المُستَهزِئونَ الوَليدُ بنُ
المُغيرَةِ، والأسوَدُ بنُ عبدِ يَغوثَ الزُّهرِىُّ، والأسوَدُ بنُ المُطلِبِ أبو 4 زَمعَةَ
مِن بَنِى أسَدِ بنِ عبدِ العُزَّى، والحارِثُ بنُ عَيطَلٍ السَّهمِىُّ، والعاصُ بنُ
وائلٍ، فأَتاه جِبريلُ عَلَيه السَّلامُ [شَكاهُم إلَيهْ] 5 رسولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -، فأَراه الوَليدَ
أبا عمرِو ابنَ المُغيرَةِ فأَومأَ جِبريلُ إلَى أبجَلِه 6، فقالَ: "ما صَنَعتَ؟ ". قال:
كُفيتَه.
ثُمَّ أراه الأسوَدَ بنَ المُطلِبِ، فأَومأَ جِبريلُ إلَى عَينَيه، فقالَ: "ما
صَنَعتَ؟ ". قال: كُفيتَه.
[ثُمَّ أراه الأسوَدَ بنَ عبدِ يَغوثَ الزُّهرِىَّ، فأَومأَ إلَى
رأسِه، فقالَ: "ما صَنَعتَ؟ ". قال: كُفيتَه.
ثمَّ أراه الحارِثَ بنَ عَيطَلٍ السَّهمِىَّ،
فأَوَمأ إلَى رأسِه، فقالَ: "ما صَنَعتَ؟ " قال: كُفيتَه] 1. ومَرَّ به العاصُ بنُ وائلٍ
فأَومأ إلَى أخمَصِه، فقالَ: "ما صَنَعتَ؟ ". قال: كُفيتَه.
فأَمّا الوَليدُ بنُ المُغيرَةِ
ممَرَّ برَجُلٍ مِن خُزاعَةَ وهو يَريشُ 2 نَبلًا له، فأَصابَ أبجَلَه فقَطَعَها، وأَمّا
الأسوَدُ بنُ المُطَّلِبِ فعَمِىَ، فمِنهُم مَن يقولُ: عَمِىَ هَكَذا.
ومِنهُم مَن
يقولُ: نَزَلَ تَحتَ سَمُرَةٍ فجَعَلَ يقولُ: يا بَنِىَّ ألا تَدفَعونَ عَنَّى؟ قَد قُتِلتُ.
فجَعَلوا يَقولونَ: ما نَرَى شَيئًا.
[وجَعَلَ يقولُ: يا بَنِىَّ ألا تَمنَعونَ عَنِّى؟ قَد
هَلَكتُ، ها هو ذا أُطعَنُ بالشَّوكِ فى عَينِى.
فجَعَلوا يَقولونَ: ما نَرَى شَيئًا] 3.
فلَم يَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى عَمِيَت عَيناه، وأَمّا الأسوَدُ بنُ عبدِ يَغوثَ الزُّهرِىُّ
فخَرَجَ فى رأسِه قُروحٌ فماتَ مِنها، وأَمّا الحارِثُ بنُ عَيطَلٍ فأَخَده الماءُ
الأصفَرُ فى بَطنِه حَتَّى خَرَجَ خُرؤه مِن فيه، فماتَ مِنها، وأَمّا العاصُ بنُ
وائلٍ فبَينَما هو كَذَلِكَ يَومًا إذَ دَخَلَ فى رأسِه شِبرِقَةٌ 4 حَتَّى امتَلأت مِنها =1/ 240، وتاج العروس 28/ 57 (ب ج ل).
فماتَ مِنها.
وقالَ غَيرُه: فرَكِبَ إلَى الطّائفِ على حِمارٍ، فرَبَضَ به على
شِبرِقَةٍ، فدَخَلَت فى أخمَصِ قَدَمِه شَوكَهٌ فقَتَلَته 1.
17791 - أخبرَنا أبو عبدِ اللَّهِ الحافظُ، حدثنا أبو العباسِ محمدُ بنُ
يَعقوبَ، حدثنا هارونُ بنُ سُلَيمانَ الأصبَهانِىُّ، حدثنا عبدُ الرَّحمَنِ بنُ
مَهدِىًّ، حدثنا سفيانُ، عن سلمةَ بنِ كُهَيلٍ، عن عِمرانَ أبى الحَكَمِ السُّلَمِىَّ،
عن ابنِ عباسٍ - رضي الله عنهما - قال: قالَت قُرَيشٌ لِلنَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم -: ادعُ رَبَّكَ أن يَجعَلَ لَنا الصَّفا
ذَهَبًا ونُؤمِنُ بكَ.
قال: "أتَفعَلونَ؟ ". قالوا: نَعَم.
فدَعا، فأَتاه جِبريلُ عَلَيه
السَّلامُ فقالَ: إنَّ اللَّهَ يَقرأُ عَلَيكَ السَّلامَ ويَقولُ: إن شِئتَ أصبَحَ الصَّفا ذَهَبًا،
فمَن كَفَرَ بَعدَ ذَلِكَ عَذَّبتُه عَذابًا لا أُعَذَّبُه أحَدًا مِنَ العالَمينَ، وإِن شِئتَ فتَحتُ
لَهُم بابَ التَّوبَةِ والرَّحمَةِ.
قال: "بَل بابَ 2 التَّوبَةِ والرَّحمَةِ" 3.
17792 - أخبرَنا أبو عبدِ اللَّهِ الحافظ، حدثنا أبو العباسِ محمدُ بنُ
يَعقوبَ، حدثنا أحمدُ بنُ عبدِ الجَبّار، حدثنا يونُسُ بنُ بُكَيرٍ، عن عيسَى بنِ
عبدِ اللَّهِ التَّميمِىِّ، عن الرَّبيعِ بنِ أنَسٍ، عن أبى العاليَهِ: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: 35].
نوحٌ وهودٌ وإِبراهيمُ، أُمِرَ رسولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أن
يَصبِرَ كما صَبَرَ هَؤُلاءِ، فكانوا ثَلاثَةً ورسولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - رابِعُهُم، قال نوحٌ: {أَنْ
إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ} إلَى آخِرِها [يونس.
71]، فأَظهَرَ لَهُمُ
المُفارَقَةَ، وقالَ هودٌ حينَ قالوا: ﴿إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ﴾ الآيَةَ [هود: 54]
، فأَظهَرَ لَهُمُ المُفارَقَةَ، وقالَ إبراهيمُ: [﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ﴾] (1) إلَى آخِرِ الآيَةِ [الممتحنة: 4]، فأَظهَرَ لَهُمُ المُفارَقَةَ،
وقالَ محمدٌ: ﴿إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: 56، غلفر: 66]
. فقامَ رسولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عِندَ الكَعبَةِ يَقرَؤُها على المُشرِكينَ، فأَظهَرَ لَهُمُ
المُفارَقَةَ (2)
بابُ الإِذنِ بالهِجرَةِ
17793 - أخبرَنا أبو عبدِ اللَّهِ الحافظُ، حدثنا أبو العباسِ محمدُ بنُ يَعقوبَ، حدثنا أحمدُ بنُ عبدِ الجَبّارِ، حدثنا يونُسُ بنُ بُكَيرٍ، عن ابنِ إسحاقَ، حَدَّثَنِى الزُّهرِىُّ، عن أبى بكرِ بنِ عبدِ الرَّحمَنِ بنِ الحارِثِ بنِ هِشامٍ، عن أُمِّ سلمةَ - رضي الله عنهما - زَوجِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّها قالَت: لَمّا ضاقَت عَلَينا مَكَّةُ، وأوذِىَ أصحابُ رسولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وفُتِنوا، ورأَوا ما يُصيجُهُم مِنَ البَلاءِ والفِتنَةِ فى دينِهِم، وأَنَّ رسولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - لا يَستَطيعُ دَفعَ 3 ذَلِكَ عَنهُم، وكانَ رسولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فى مَنَعَةٍ مِن قَومِه وعَمَّه، لا يَصِلُ إلَيه شَىءٌ بلا مِمّا يَكرَهُ مَمّا يَنالُ أصحابَه، فقالَ لَهُم رسولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: "إنَّ بأَرضِ الحَبَشَةِ مَلِكًا لا يُظلَمُ أحَدٌ عِندَه، فالْحَقوا ببِلادِه12
حَتَّى يَجعَلَ اللَّهُ لَكُم فرَجًا ومَخرَجًا مِمَا أنتُم ليه".
فخَرَجنا إلَيها أرسالًا 1 حَتَّى
اجتَمَعنا بها 2، فنَزَلنا بِخَيرِ دارٍ إلَى خَيرِ جارٍ، أمِنّا على دينِنا، ولَم نَخشَ مِنه
ظُلمًا.
وذَكَرَ الحديثَ بطولِهِ 3.
17794 - أخبرَنا أبو الحَسَنِ علىُّ بنُ أحمدَ بنِ عبدانَ، أخبرَنا أحمدُ بنُ
عُبَيدٍ الصَّفّارُ، حدثنا العباسُ بنُ الفَضلِ الأسفاطِىُّ، حدثنا أحمدُ بنُ يونُسَ،
حدثنا داودُ بنُ عبدِ الرَّحمَنِ، حدثنا عبدُ اللَّهِ بنُ عثمانَ، عن أبى الزُّبَيرِ
محمدِ بنِ مُسلِبم أنَّه حَدَّثَه أن جابِرَ بنَ عبدِ اللَّهِ حَدَّثَه أن رسولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - لَبِثَ
عَشْرَ سِنينَ يَتبَعُ الحاجَّ فى مَنازِلِهِم فى المَواسِمِ بمَجَنَّةَ وعُكاظٍ، ومَنازِلِهِم
بمِنًى: "مَن يُؤوينى ويَنصُرُنِى حَتَّى أُبَلَّغَ رِسالاتِ رَبَّى ولَه الجَنَّةُ؟ ". فلَم يَجِدْ أحَدًا
يُؤويه ويَنصرُه، حَتَّى إنَّ الرَّجُلَ لَيَدخُلُ ضاحيَةً 4 مِن مُضَرَ 5 واليَمَنِ، فيأتِيه
قَومُه أو ذو رَحِمِه فيَقولونَ: احذَرْ فتَى قُرَيشٍ لا يُصيبُكَ.
يَمشِى بَينَ رِحالِهِم
يَدعوهُم إلَى اللَّهِ، يُشيرونَ إلَيه بأَصابِعِهِم، حَتَّى يَبعَثَنا 6 اللَّهُ مِن يَثرِبَ،
فيأتيه الرَّجُلُ مِنّا فيُؤمِنُ به ويُقرِئُه القُرآنَ، فيَنقَلِبُ إلَى أهلِه، فيُسلِمونَ
بإِسلامِه، حَتَّى لَم يَبقَ دارٌ مِن دورِ يَثرِبَ إلَّا فيهارَهطٌ مِنَ المُسلِمينَ يُظهِرونَ
الإسلامَ، ثُمَّ يَبعَثُنا 1 اللَّهُ، فأتَمَرنا واجتَمَعنا سبعينَ رَجُلًا مِنّا فقُلنا: حَتَّى مَتَى
رسولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يُطرَدُ فى جِبالِ مَكَّةَ ويُخالُ 2 - أو قال: ويَخافُ 3 - فرَحَلْنا
حَتَّى قَدِمنا عَلَيه المَوسِمَ، فوَعَدَنا شِعبَ العَقَبَةِ، فاجتَمَعنا فيه مِن رَجُلٍ
ورَجُلَينِ، حَتَّى تَوافَينا فيه عِندَه فقُلنا: يا رسولَ اللَّهِ علامَ نُبايِعُكَ؟ قال:
"تُبايِعونِى على السَّمعِ والطّاعَةِ فى النَّشاطِ والكَسَلِ، وعَلَى النَّفَقَةِ فى العُسرِ واليُسرِ،
وعَلَى الأمرِ بالمَعروفِ والنَّهىِ عن المُنكَرِ، وأَن تَقولوا فى اللَّهِ لا يأخُذُكُم فى اللَّهِ لَومَةُ
لائمٍ، وعَلَى أن تَنصُرونِى إن قَدِمتُ عَلَيكُم يَثرِبَ، وتَمنَعونِى مِمّا تَمنَعونَ مِنه أنفُسَكُم
وأَزواجَكُم وأَبناءَكُم، ولَكُمُ الجَنَّةُ".
فقُلنا: نُبايِعُكَ.
فأَخَذَ بيَدِه أسعَدُ بنُ زُرارَةَ -
وهو أصغَرُ السَّبعينَ رَجُلًا إلَّا أنا - فقالَ: رُوَيدًا يا أهلَ يَثرِبَ، إنّا لَم نَضرِبْ إلَيه
أكبادَ المَطِىَّ إلَّا ونَحنُ نَعلَمُ أنَّه رسولُ اللَّهِ، وإنَّ إخراجَه اليَومَ مُفارَقَةُ العَرَبِ
كافةً، وقَتلُ خيارِكُم، وأَن تَعَفضَّكُمُ السُّيوفُ؟ فإِمّا أنتُم قَومٌ تَصبِرونَ على عَضَّ
السُّيوفِ وقَتلِ خيارِكُم ومُفارَقَةِ العَرَبِ كافَّةً فخُذوه وأَجرُكُم على اللَّهِ، وإِمّا
أنتُم تَخافونَ مِن أنفُسِكُم خِيفَةً فذَروه، فهو أعذَرُ لَكُم عِندَ اللَّهِ.
فقالوا: أخِّرْ عَنّا
يَدَكَ يا أسعَدُ بنَ زُرارَةَ، فواللَّهِ لا نَذَرُ هذه البَيعَةَ ولا نَستَقيلُها.
فقُمنا إلَيه رَجُلًا
رَجُلًا، يأخُذُ عَلَينا شَرطَه ويُعطينا على ذَلِكَ الجَنَّةَ 4.
17795 - حدثنا أبو عبدِ اللَّهِ الحافظُ، أخبرَنِى عبدُ اللَّهِ بنُ محمدِ بنِ
موسَى، حدثنا إسماعيلُ بنُ قُتَيبَةَ، حدثنا عثمانُ بنُ أبى شَيبَةَ، حدثنا جَريرٌ،
عن قابوسَ بنِ أبى ظَبيانَ، [عن أبيه] 1، عن ابنِ عباسٍ - رضي الله عنهما - قال: كان
رسولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بمَكَّةَ، فأُمِرَ بالهِجرَةِ وأُنزِلَ عَلَيه: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا (80)﴾ 2 [الإسراء: 80].
17796 - أخبرَنا أبو الحُسَينِ محمدُ بنُ الحُسَينِ بنِ الفَضلِ القَطّانُ
ببَغدادَ، أخبرَنا عبدُ اللَّهِ بنُ جَعفَرِ بنِ دُرُسْتُويَه، حدثنا يَعقوبُ بنُ
سُفيانَ، حدثنا الحَجّاجُ بنُ أبى مَنيعٍ، حدثنا جَدِّى، عن الزُّهرِىِّ، عن عُروةَ،
عن عائشةَ - رضي الله عنهما - قالَت: قال رسولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - - وهو يَومَئذٍ بمَكَّةَ - لِلمُسلِمينَ:
"قَد أُريتُ 4 دارَ هِجرَتِكُم، أُريتُ سَبْخَةً ذاتَ نَخلٍ بَينَ لابَتَينِ".
وهُما الحَرَّتانِ.
فهاجَرَ مَن هاجَرَ قِبَلَ المَدينَةِ حينَ ذَكَرَ ذَلِكَ رسولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -، ورَجَعَ إلَى
المَدينَةِ بَعضُ مِن كان هاجَرَ إلَى أرضِ الحَبَشَةِ مِن المُسلِمينَ، وتَجَهَّزَ أبو
بكرٍ مُهاجِرًا، فقالَ له رسولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: "على رِسلِك؛ فإِنِّى أرجو أن يُؤذَنَ لِى".
فقالَ أبو بكرٍ: وتَرجو ذَلِكَ بأَبِى أنتَ وأُمِّى؟ قال: "نَعَم".
فحَبَسَ أبو بكرٍ
نَفسَه على رسولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - لِصَحابَتِه، وعَلَفَ راحِلَتَينِ عِندَه ورَقَ السَّفرِ أربَعَةَ3 = الذهبى 7/ 3510: سنده جيد صححه الحاكم.
أشهُرٍ 1. أخرجه البخارىَّ [] من حَديثِ عُقَيلٍ ويونُسَ عن الزُّهرىَّ 2345
بابُ مُبتَدأَ الإذنِ بالقِتالِ
17798 - أخبرَنا أبو عبدِ اللَّهِ الحافظُ، حدثنا أبو العباسِ محمدُ بنُ
يَعقوبَ، حدثنا محمدُ بنُ إسحاقَ الصَّغانِىُّ، حدثنا أبو اليَمانِ الحَكَمُ بنُ
نافِعٍ، أخبرَنا شُعَيبُ بنُ أبى حَمزَةَ، عن الزُّهرِىَّ، حَدَّثَنِى عُروَةُ بنُ الزُّبَيرِ أن
أُسامَةَ بنَ زَيدٍ أخبَرَه أن النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - رَكِبَ على حِمارٍ على إكافٍ 1 على قَطيفَةٍ
فَدَكيَّةٍ 2، وأَردَفَ أُسا مَةَ بنَ زَيدٍ وراءَه، يَعودُ سَعدَ بنَ عُبادَةَ فى بَنِى الحارِثِ
ابنِ الخَزرَجِ قبلَ وقعَةِ بَدرٍ، فسارَ حَتَّى مَرَّ بمَجلِسٍ فيه عبدُ اللَّهِ بنُ أُبَىٍّ ابنُ
سَلولَ، وذَلِكَ قبلَ أن يُسلِمَ عبدُ اللَّهِ بنُ أُبَىًّ، فإِذا فى المَجْلِسِ رِجالٌ مِنَ
المُسلِمينَ والمُشرِكينَ وعَبَدَةِ الأوثانِ واليَهودِ، وفِى المُسلِمينَ عبدُ اللَّهِ بنُ
رَواحَةَ، فلَمّا غَشِيَتِ المَجلِسَ عَجاجَةُ الدّابَّةِ 3 خَمَّرَ ابنُ أُبَىٍّ أنفَه برِدائه، ثُمَّ
قال: لا تُغَبَّروا عَلَينا.
فسَلَّمَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - ثُمَّ وقَفَ، فنَزَلَ فدَعاهُم إلَى اللَّهِ عَزَّ
وجَلَّ وقَرأَ عَلَيهِمُ القُرآنَ.
قال: فقالَ عبدُ اللَّهِ بنُ أُبَىًّ ابنُ سَلولَ: أنُّها المَرءُ،
إنَّه لا أحسَنَ مما تَقولُ إن كان حَقًّا، فلا تُؤذينا به فى مَجلِسِنا، ارجِعْ إلَى
رَحلِكَ 4، فمَن جاءَكَ فاقصُصْ عَلَيهِ.
فقالَ عبدُ اللَّهِ بنُ رَواحَةَ: بَلَى يا
رسولَ اللَّهِ، فاغشَنا به فى مَجالِسِنا؛ فإِتا نُحِبُّ ذَلِكَ.
فاستَبَّ المُسلِمونَ
والمُشرِكونَ واليَهودُ، حَتَّى كادوا يَتَثاوَرونَ 1، فلَم يَزَلِ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - يُخَفِّضُهُم
حَتَّى سَكَتوا، ثُمَّ رَكِبَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - دابَّتَه، فسارَ حَتَّى دَخَلَ على سَعدِ بنِ عُبادَةَ،
فقالَ له النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم -: "أيا سَدُ، ألَم تَسمَعْ ما قال أبو حُبابٍ؟ يُريدُ عبدَ اللَّهِ بنَ
أُبَىٍّ، قال كَذا وكَذا".
فقالَ سَعدُ بنُ عُبادَةَ: يا رسولَ اللَّهِ، اعفُ عنه
واصفَحْ، فوالَّذِى أنزَلَ 2 الكِتابَ، لَقَد جاءَ اللَّهُ بالحَقَّ الَّذِى أنزَلَ عَلَيكَ
ولَقَدِ اصطَلَحَ أهلُ هذه البُحَيرَةِ 3 على أن يُتَوِّجوه فيُعَصَّبوه 4، فلَمّا رَدَّ اللَّهُ
ذَلِكَ بالحَقِّ الَّذِى أعطاكَ شَرِقَ بذَلِكَ 5، فذَلِكَ فعَلَ به ما رأيتَ.
فعَفا عنه
النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم -، وكانَ وأَصحابُه يَعفونَ عن المُشرِكينَ وأَهلِ الكِتابِ كما أمَرَهُمُ اللَّهُ
عَزَّ وجَلَّ، ويَصبِرونَ على الأذَى، قال اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (186)﴾ [آل عمران: 186]، وقالَ اللَّهُ: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (109)﴾ [البقرة: 109]، وكانَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - يَتأَوَّلُ فى العَفوِ ما أمَرَ اللَّهُ به
المُشرِكينَ.
وقَولِه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾
[التوبة: 73] فأَمَرَه اللهُ بجِهادِ الكُفّارِ بالسَّيفِ، والمُنافِقينَ باللِّسانِ، وأَذهَبَ الرِّفقَ
عَنهُم 1.
وبِهَذا الإِسنادِ عن ابنِ عباسٍ قال: قَولُه: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾
[الأنعام: 106] و: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: 22]، يقولُ: لَستَ عَلَيهِم
بجَبَّارٍ، ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ﴾ [المائدة: 13]، ﴿وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا﴾
[التغابن: 14]، ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ [البقرة: 109]، ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ﴾ [الجاثية: 14].
ونَحوُ هذا فى القُرآنِ، أمَرَ اللهُ
بالعَفوِ عن المُشرِكينَ، وإِنَّه نَسَخَ ذَلِكَ كُلَّه قَولُه: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ
وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ وقَولُه: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ إلَى
قَولِه: ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ فنَسَخَ هذا العَفوَ عن المُشرِكينَ 2.
17802 - أخبرَنا أبو عبدِ اللهِ الحافظُ وأبو بكرٍ أحمدُ بنُ الحَسَنِ
القاضِى قالا: حَدَّثَنَا أبو العباسِ محمدُ بنُ يَعقوبَ، حَدَّثَنَا محمدُ بنُ
إسحاقَ، حَدَّثَنَا مُعاويَةُ بنُ عمرٍو، عن أبى إسحاقَ هو الفَزارِيُّ، عن عثمانَ
ابنِ عَطاءٍ، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قال: قال اللهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا
﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (89) إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ الآيَةَ [النساء: 89، 90]. قال: وقالَ: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ الآيَة [الممتحنة: 8]
ثُمَّ نَسَخَ هَؤُلاءِ الآياتِ ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾
إلَى قَولِه: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾
[التوبة: 5].
﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾
[التوبة: 36].
قال: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾
[الأنفال: 61] ثُمَّ نَسَخَ ذَلِكَ هذه الآيَةُ ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ 1.
17803 - أخبرَنا أبو القاسِمِ عبدُ العَزيزِ بنُ محمدٍ العَطَّارُ ببَغدادَ، حَدَّثَنَا
أبو عمرٍو عثمانُ بنُ أحمدَ الدَّقَّاقُ، حَدَّثَنَا عبدُ المَلِكِ بنُ محمدٍ الرَّقاشِيُّ،
حَدَّثَنَا أبي، حَدَّثَنَا المُعتَمِرُ بنُ سُلَيمانَ قال: سَمِعتُ أبى يُحَدِّثُ عن
الحَضرَمِي، عن أبى السَّوَّارِ، عن جُندُبِ بنِ عبدِ اللهِ قال: بَعَثَ رسولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
رَهطًا واستَعمَلَ عَلَيهِم عُبَيدَةَ بنَ الحارِثِ.
قال: فلَمَّا انطَلَقَ ليَتَوَجَّهَ بَكَى صَبابَةً
إلَى رسولِ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فبَعَثَ رسولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَكانَه رَجُلًا يُقالُ له: عبدُ اللهِ بن
جحشٍ.
وكَتَبَ لَهُ كِتَابًا، وأَمَرَه أَلَّا يَقرأَه إلَّا بمَكانِ كَذا وكَذا، وقالَ: "لا تُكرِهَنَّ
أحَدًا مِن أصحابِكَ على المَسيرِ مَعَكَ".
فلَمَّا صارَ ذَلِكَ المَوضِعَ قرأَ الكِتابَ
كَافَةً} والآية التي ذَكَرها الشَّافِعيُّ رحمه الله أعَمُّ في النَّسخ، والله أَعْلَمْ! 17805 - أَخبرَنا أبو سعيدِ ابنْ أبي عمرٍو، حَدَّثَنَا أبو العبَّاسِ محمدُ بنُ يَعقوبَ، حَدَّثَنَا بَحرُ بنُ نَصرٍ، حَدَّثَنَا عبد الله بنُ وَهبٍ، أخبرَنِي مَخْرُمَةُ بْنُ بُكَيرٍ، عن أبيه، عن سعيدِ بن المُسَيَّبِ واستُفتِي: هل يصلح للمُسلِمينَ أَنْ يُقاتِلوا الكُفَّارَ في الشَّهرِ الحَرامِ؟ فقالَ سعيدٌ " نَعَم وقالَ ذَلِكَ سُلَيمانُ بْنُ يَسارٍ (1). 17806 - وأخبرنا أبو عبدِ الله الحافظ وأبو بكر أحمدُ بنُ الحسينِ قالا: حَدَّثَنَا أبو العباسِ محمدُ بن يَعقوبَ، حَدَّثَنَا محمد بن إسحاقَ، حَدَّثَنَا معاويةُ ابنُ عمرٍو، عن أبي إسحاقَ قَال: سأَلتُ سفيان عن قولِ الله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ قال: هذا شَيءٌ منسوخٌ وقَد مَضَى، ولا بأسَ بالقتالِ في الشَّهر الحَرامِ وغَيرِهِ (2).
بَابُ فَرضِ الهِجْرَةِ
قال الله جل ثناؤه في الذي يُفتَنُ عن دينهِ، قَدَر على الهجرَةِ فلم يُهَاجِرْ
حتَّى تُوفِّى: والتي تهم المكتبه إلى أنهم قالوا رفتم كم بائول كا ت ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ﴾ الآية [النساء: 97].
17807 - أخبرنا أبو عبدِ الِله الحافظ، حَدَّثَنَا أبو بكرٍ محمدُ بنُ عبدِ اللهِ123
الشّافِعِيُّ، حَدَّثَنَا محمدُ بنُ مَسلَمَةَ الواسِطيُّ، حَدَّثَنَا عبدُ اللهِ بنُ يَزيدَ المُقرِئُ، حَدَّثَنَا حَيوَةُ ورَجُلٌ قالا: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ عبدِ الرَّحمَنِ بنِ نَوفَلٍ الأسَدِيُّ قال: قُطِعَ على أهلِ المَدينَةِ بَعثٌ 1 كُتِبتُ 2 فيه، فلَقِيتُ عِكرِمَةَ مَولَى ابنِ عباسبي، فنَهانِى أشَدَّ النَّهىِ، ثُمَّ قال: أخبرَنِى ابنُ عباسٍ أن ناسًا مِنَ المُسلِمينَ كانوا مَعَ المُشرِكينَ يُكَثِّرونَ سَوادَ المُشرِكينَ على رسولِ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فيأتِى السَّهمُ يُرمَى به فيُصيبُ أحَدَهُم فيَقتُلُه، أو يُضرَبُ فيُقتَلُ، فأَنزَلَ اللهُ تَعالَى ذِكرُه فيهِم 3: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ 4. رَواه البخاريُّ فى "الصحيح" عن عبدِ اللهِ بنِ يَزيدَ المُقرِئُ 5. 17808 - أخبرَنا عليُّ بنُ أحمدَ بنِ عبدانَ، أخبرَنا أحمدُ بنُ عُبَيدٍ الصَّفَّارُ، حَدَّثَنَا إبراهيمُ بنُ عبدِ اللهِ أبو مُسلِمٍ، حَدَّثَناه حَجّاجٌ، حَدَّثَنَا حَمّادٌ، عن الحَجَّاجِ، عن إسماعيلَ بنِ أبى خالِدٍ، عن قَيسِ بنِ أبى حازِمٍ، عن جَريرِ بنِ عبدِ اللهِ البَجَلِيِّ، أنَّ رسولَ الَلهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "مَن أقامَ مَعَ المُشرِكينَ فقَد بَرِئَت مِنه الذِّمَّةُ" 6.
17809 - أخبرَنا أبو الحَسَنِ المُقرِئُ، أخبرَنا الحَسَنُ بنُ محمدِ بنِ
إسحاقَ، حَدَّثَنَا يوسُفُ بنُ يَعقوبَ، حَدَّثَنَا أبو الرَّبيعِ، حَدَّثَنَا جَرير، عن
مَنصورٍ، عن أبى وائلٍ، عن أبى نُخَيلَةَ 1، عن جَريرِ بنِ عبدِ اللَّهِ قال: أتَيتُ
النَبِىَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وهو يُبايعُ النّاسَ فقُلتُ: يا نَبِيَّ اللَّهِ، ابسُطْ يَدَكَ حَتَّى أُبايِعَكَ،
واشتَرِطْ عليَّ؛ فأَنتَ أعلمُ بالشَّرطِ مِنِّى.
قال: "أُبايِعُكَ على أنَّ تَعبُدَ اللَّهَ، وتُقيمَ
الصَّلاةَ، وتُؤتِىَ الزَّكاةَ، وتُناصِحَ المُؤمِنَ، وتُفارِقَ المُشرِكَ" 2.
17810 - أخبرَنا أبو عبدِ اللَّهِ الحافظُ وأبو سعيدِ ابنُ أبى عمرٍو قالا:
حَدَّثَنَا أبو العباسِ محمدُ بنُ يَعقوبَ، حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ عبدِ الجَبَّارِ، حَدَّثَنَا
يونُسُ بنُ بُكَيرٍ، عن قُرَّةَ بنِ خالِدٍ، حَدَّثَنَا يَزيدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ الشَّخيرِ
قال: بَينا نَحنُ بهَذا المِربَدِ إذ أتَى عَلَينا أعرابِيٌّ شَعِثُ الرأسِ، مَعَه قِطعَةُ
أديمٍ أو قِطعَةُ جِرابٍ، فقُلنا: كأنَّ هذا لَيسَ مِن أهلِ البَلَدِ.
فقالَ: أجَل،
لا، هذا كِتابٌ كَتَبَه لِى رسولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. فقالَ القَومُ: هاتِ.
فأَخَذتُه فقَرأتُه
فإِذا فيه: "بسمِ اللَّهِ الرَّحمَنِ الرَّحيمِ، هذا كتَابٌ مِن محمدٍ النَّبِيُّ رسولِ اللهِ
لِبَنِى زُهَيرِ بنِ - أُقيشٍ - قال أبو العَلاءِ: وهُم حَيٌّ مِن عُكْلٍ - إنَّكُم إن شَهِدتُم
أن لا إلَهَ إلَّا اللهُ، وأَقَمتُمُ الصَّلاةَ، وآتيتُمُ الزَّكاةَ، وفارَقتُمُ المُشرِكينَ، وأَعطَيتُم
مِنَ الغَنائمِ الخُمُسَ وسَهمَ النَّبِيُّ والصَّفِيَّ - ورُبَّما قال: وصَفيَّه - فأَنتُم آمِنونَ
مِن هَؤُلاءِ تَوبَةً؛ قَومٌ عَرَفوا القَهَ وآمَنوا به وصَدَّقوا رسولَه، ثُمَّ رَجَعوا عن
ذَلِكَ لِبَلاءٍ أصابَهُم مِنَ الدُّنيا.
وكانوا يَقولونَه لأنفُسِهِم، فأَنزَلَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ
فيهِم ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ إلَى قَولِه:
﴿مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [الزمر: 53 - 60] قال عُمَرُ: فكَتَبتُها بيَدِى كِتابًا، ثُمَّ بَعَثتُ بها
إلَى هِشامٍ، فقالَ هِشامُ بنُ العاصِ: فلَمَّا قَدِمَت عليَّ خَرَجتُ بها إلَى ذِى
طُوًي، فجَعَلتُ أُصَعِّدُ بها وأُصَوِّبُ لأفهَمَها، فقُلتُ: اللَّهُمَّ فهِّمْنيها.
فعَرَفتُ
أنَّما أُنزِلَت فينا؛ لِما كُنَّا نَقولُ فى أنفُسِنا ويُقالُ فينا، فرَجَعتُ فجَلَستُ على
بَعيرِي، فلَحِقتُ برسولِ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. فقُتِلَ هِشامٌ شَهيدًا بأَجنادينَ 1 فى وِلايَةِ أبى
بكرٍ 3.
17815 - وأخبرَنا أبو عبدِ اللهِ، حَدَّثَنَا أبو العباسِ، حَدَّثَنَا أحمدُ،
حَدَّثَنَا يونُسُ، عن ابنِ إسحاقَ، حَدَّثَنِي حَكيمُ بنُ جُبَيرٍ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ،
عن ابنِ عباسٍ قال: أُنزِلَت هذه الآيَةُ فيمَن كان يُفتَنُ مِن أصحابِ
رسولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بمَكَّةَ ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: 110].2
17816 - أخبرَنا أبو عبدِ اللَّهِ الحافظُ، أخبرَنا عبدُ الرَّحمَنِ بنُ الحَسَنِ
القاضي، حَدَّثَنَا إبراهيمُ بنُ الحُسَينِ، حَدَّثَنَا آدَمُ بنُ أبى إياسٍ، حَدَّثَنَا ورقاءُ،
عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مُجاهِدٍ قال: أسلَمَ عَيَّاشُ بنُ أبى رَبيعَةَ، وهاجَرَ إلَى
النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فجاءَه أبو جَهلِ ابنُ هِشامٍ - وهو أخوه لأُمِّه - ورَجُلٌ آخَرُ مَعَه فقالَ
له: إنَّ أُمَّكَ تُناشِدُكَ رَحِمَها وحَقَّها أن تَرجِعَ إلَيها.
فأَقبَلَ مَعَهُما، فرَبَطاه حَتَّى
قَدِما به مَكَّةَ، فكانا يُعَذَبانِهِ 1.
17817 - أخبرَنا أبو محمدٍ عبدُ اللهِ بنُ يوسُفَ، أخبرَنا أبو ممعيدِ ابنُ
الأعرابِي، حَدَّثَنَا سَعدانُ بنُ نَصرٍ، حَدَّثَنَا سفيانُ، عن عمرٍو، عن عِكرِمَةَ
قال: كان ناسٌ بمَكَّةَ قَد أقَرُّوا بالاسلامِ، فلَمّا خَرَجَ النّاسُ إلَى بَدرٍ لَم يَبقَ
أحَدٌ إلَّا أخرَجوه، فقُتِلَ أولَئكَ الَّذينَ أقَرّوا بالاسلامِ، فنَزَلَت فيهِم ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ إلَى قَولِه: ﴿وَسَاءَتْ مَصِيرًا (97) إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ [النساء: 97، 98] حيلةً:
نُهوضًا إلَيها، وسبيلًا: طَريقًا إلَى المَدينَةِ، فكَتَبَ المُسلِمونَ الَّذينَ كانوا
بالمَدينَةِ إلَى مَن كان بمَكَّةَ، فلَمّا كُتِبَ إلَيهِم خَرَجَ ناسٌ مِمَّن أقَرُّوا بالإسلامِ،
فاتَّبعَهُمُ المُشرِكونَ، فأَكرَهوهُم حَتَّى أعطَوهُمُ الفِتنَةَ، فأَنزَلَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ
فيهِم: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: 106].2
17821 - حَدَّثَنَا أبو عبدِ اللهِ الحافظُ، حَدَّثَنَا أبو العباسِ محمدُ 1
ابنُ يَعقوبَ، حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ عبدِ الجَبَّارِ، حَدَّثَنَا يونُسُ بنُ بُكَيرٍ،
عن محمدِ بنِ إسحاقَ قال: ثُمَّ إنَّ أبا العاصِ رَجَعَ إلَى مَكَّةَ بَعدَما أسلَمَ،
فلَم يَشهَدْ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَشهَدًا، ثُمَّ قَدِمَ المَدينَةَ بَعدَ ذَلِكَ، فتوُفِّىَ فى ذِى
الحِجَّةِ مِن سنةِ اثنَتَى عَشْرَةَ فى خِلافَةِ أبى بكرٍ، وأَوصى إلَى الزُّبَيرِ بنِ
العَوَّامِ 2.
قال الشَّافِعِيُّ رَحِمَه اللَّهُ: وكانَ يأمُرُ جُيوشَه أن يَقولوا لِمَن أسلَمَ: إن
هاجَرتُم فلَكُم ما لِلمُهاجِرينَ، وإِن أقَمتُم فأَنتُم كأعرابِ المُسلِمينَ.
ولَيسَ
يُخَيِّرُهُم إلَّا فيما يَحِل لَهُم 3.
17822 - أخبرَنا أبو عبدِ اأءئَهِ الحافظُ، أخبرَنِي أبو عمرِو ابنُ أبى
جَعفَرٍ، حَدَّثَنَا الحَسَنُ بنُ سُفيانَ، حَدَّثَنَا أبو بكرِ ابنُ أبى شَيبَةَ، حَدَّثَنَا وكيعٌ،
عن سُفيانَ، عن عَلقَمَةَ بنِ مَرثَدٍ، عن سُلَيمانَ بنِ بُرَيدَةَ، عن أبيه قال: كان
رسولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذا بَعَثَ أميرًا على سَريِّةٍ أو جَيشٍ، أوصاه فى خاصَّةِ نَفسِه
بتَقوَى اللهِ، وبِمَن مَعَه مِنَ المُسلِمينَ خَيرًا وقالَ: "إذا لَقِيتَ عَدوَّكَ مِنَ
المُشرِكينَ فادعُهُم إلَى إحدَى ثلاثِ خِصالٍ أو خِلالٍ، فأَيَّتُهُنَّ أجابوكَ إلَيها فاقبَلْ
مِنهُم وكُفَّ عَنهُم؛ ادعُهُم إلَى الإملامِ، فإِن أجابوكَ فاقبَلْ مِنهُم وكُفَّ عَنهُم، ثُمَّ
ادعُهُم إلَى التَّحَوُّلِ مِن دارِهِم إلَى دارِ المُهاجِرينَ، وأَعلِمْهُم أنَّهُم إن فعَلوا ذَلِكَ أن
لهم ما لِلمُهاجِرينَ وأَنَّ عَلَيهِم ما على المُهاجِرينَ، فإِن أبَوا واختاروا دارَهُم فأَعلِمْهُم
أنَّهُم يَكونونَ مِثلَ أعرابِ المُسلِمينَ؛ يَجرِى عَلَيهِم حُكمُ اللَّهِ الَّذِى كان يَجرِى على
المُؤمِنينَ، ولا يَكونُ لهم فى الفَىءِ والغَنيمَةِ نَصيبٌ، إلَّا أن يُجاهِدوا مَعَ المُسلِمينَ".
وذَكَرَ الحديثَ 1. رَواه مسلمٌ فى "الصحيح" عن أبى بكرِ ابنِ أبى شَيبَةَ عن
وكيعٍ 2.
قال الشيخُ: وقَد ورَدَت أخبارٌ فى مِثلِ هذا المَعنَى.
17823 - أخبرَنا أبو عبدِ اللهِ الحافظُ وأبو عبدِ اللهِ إسحاقُ بنُ محمدِ
ابنِ يوسُفَ السّوسِيُّ قالا: حَدَّثَنَا أبو العباسِ محمدُ بنُ يَعقوبَ، أخبرَنا
العباسُ بنُ الوَليدِ البَيروتِىُّ، أخبرَنا أبي، أخبرَنِى الأوزاعِيُّ، حَدَّثَنَا الزُّهرِيُّ،
حَدَّثَنِي عَطاءُ بنُ يَزيدَ اللَّيثيُّ، حَدَّثَنِي أبو سعيدٍ الخُدرِيُّ أن أعرابيًّا أتَى
النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فسألَه عن الهِجرَةِ فقالَ: "إنَّ الهِجرَةَ شأنُها شَديدٌ، فهَل لَكَ إبِلٌ؟ ".
قال: نَعَم.
قال: "فهَل تَمنَحُ مِنها؟ ". قال: نَعَم.
قال: "فهَل تَحلُبها يَومَ وِردِها؟ ".
قال: نَعَم.
قال: "فاعمَلْ مِن وراءِ البِحارِ 3؛ فإِنَّ اللَّهَ لَن يَترَكَ مِن عَمَلِكَ شيئًا" 4.