السنن الكبرى للبيهقي ت التركيالمقدمة

السُّنن الكبير للحافظ أبي بكر أحمد بن الحُسَين بن عليٍّ البيهقي 384 - 458 هـ تحقيق الدكتور / عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز هجر للبحوث والدراسات العربية والإسلامية الدكتور / عبد السند حسن يمامة الجزء الأول

حقوق الطبع محفوظة القاهرة 1432 هـ - 2011 م

السنن الكبير

بسم اللَّهِ الرحمن الرحيم تقديم الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وبفضله وتوفيقه تنال المطالب وتتحقق الآمال، وصلى اللَّه وسلم وبارك، على نبينا الحبيب المصطفى، محمد بن عبد اللَّهِ، خاتم الأنبياء والمرسلين، وإمام المتقين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فإن السنن النبوية الشريفة، والآثار المروية عن الصحابة رضوان اللَّهِ عليهم، أحق ما ينبغي أن يعتني به طلاب العلم مدارسة وحفظًا وفهمًا، وأهل العلم تعليمًا وتوجيهًا وخدمة للكتب المصنفة فى ذلك، لا سيما فى هذا الزمن الذي فتَرَت فيه الهمم، وضعفت العزائم، عن التمسك بالسنة النبوية فى الأقوال والأعمال، والتسليم لما جاء فيها من الأمر والنهي، ومعرفة ما للصحابة على سائر أجيال الأمة، من الحق والفضل، فإن اللَّه أظهر هذا الدين بجهودهم، كما دلت عليه دلائل القرآن، وبذلهم الأمر أنس والمهج فى نصرته والاستجابة لرسوله -صلى اللَّهِ عليه وسلم - فى السراء والضراء، والمنشط والمكره، رضوان اللَّهِ عليهم أجمعين.
وكتاب السنن الكبير للحافظ أبى بكر أحمد بن الحسين البيهقي (ت 458 هـ) من أجمع الكتب للسنن والآثار وأوعاها، وأكثرها استقصاء،

فيما نعلم.
صنفه هذا الجهبذ النحرير، ليكون كتابًا جامعًا لأحاديث الأحكام، وما يتصل بها ويتممها من الآداب الشرعية، وبناه على مذهب الإِمام الشافعي، ورتبه على أبواب مختصر المزنى، ولم يكن ذلك تعصبًا منه رحمه اللَّهِ للشافعي على غيره، وإنما أراد أن يبين ابتناء الفقه على السنن والآثار، ولذلك استطرد فأخرج عامة ما تمسك به من ذلك إمام من الأئمة، من خبر أو أثر ليكون حجة لمذهبه أو سلفًا له في قوله، وإن كان ضعيفًا من جهة سنده أو من جهة دلالته على المراد، ليبين إجماعَهم على تحرى السنن والآثار في الجملة، وعذرَهم رحمهم اللَّهِ في وقوع اجتهادهم أحيانًا على خلاف الصحيح الثابت، لقصور جَهْدهم عن الإحاطة بالسنة، فإن الاحاطة بها حاصلة من مجموع علماء الأمة، لا من كل واحد على حِدَته.
وبهذا كان سنن البيهقي كالكتاب المستخرج على مجموع الكتب الستة الأصول التي كادت تستوعب السنة إلا قليلًا، وزاد عليها جملة صالحة بما اشتمل عليه مستدرك شيخه أبى عبد اللَّهِ الحاكم النيسابورى، وسنن شيخ شيوخه أبي الحسن الدارقطني، ومصنفا عبد الرزاق وابن أبي شيبة، في نقل فقه الصحابة والتابعين.
وكشف فيه الحافظ البيهقي عن موهبة فائقة في حسن التصنيف، كما ظهر ذلك في تصانيفه الأخرى، وعن الصناعة الحديثية بين الرواية والدراية، وجودة التصرف في الجمع بين الفقه والحديث، والأثر والنظر.

فجاء كتابه هذا شاملًا حافلًا، دالًّا على إمامته في كثير من العلوم، حرى بمن أدمن النظر فيه والمطالعة له، أن يسمى عالمًا مطلعًا على الشريعة من مشارف عالية، إذا ضم إليه ما يتممه من مثل التمهيد لابن عبد البر، والمغنى لابن قدامة، وشرح السنة للبغوى، والمحلى لابن حزم، وفتح الباري لابن حجر العسقلاني، رحمهم اللَّهِ جميعًا.
وقد طبع سنن البيهقي في المطبعة الحيدرية بالهند، طبعة قديمة على الأوفست، مع الحواشي التي استدرك بها ابن التركمانى على البيهقي، وسماه الجوهر النقى، وهي طبعة متقنة انتشرف بين أيدى الناس، واشتغلوا عليها حينًا من الدهر، إلى أن جاء الزمن الذي كثرت الحاجة فيه إلى إخراج الكتب في حُلل قشيبة، على الطريقة الحديثة التي يعتنى فيها بإثبات فروق النسخ الخطية في الهوامش، زيادة في الإتقان لدى تصحيح النص وكشف مشكلاته، واستكمال العمل فيه بهوامش متعددة في تخريج الأحاديث والآثار، وعزو الأقوال المأثورة والأشعار، وتفسير الغريب، وتراجم الأعلام من الأشخاص والبلدان وغير ذلك.
وصناعة فهارس عامة كاشفة لمحتويات الكتاب، ومقربة للاستفادة منه وسرعة الرجوع إلى المعلومات التي اشتمل عليها.
وكان هذا مع ما تقدم من التعريف بهذا الكتاب الجليل القدر، داعيًا إلى العمل فيه وإخراج طبعة جديدة على غرار ما سبق في الكتب التي يسر اللَّهِ سبحانه وتعالى خدمتها وإخراجها.

وقد كان العمل في هذا الإصدار الذي بلغ بفهارسه أربعة وعشرين مجلدًا، مرتكزًا على تصحيح النص بالاعتماد على أصول خطية يسر اللَّهِ جمعها، أنفسها نسخة العلامة أبي عمرو بن الصلاح الشهرزورى الدمشقي (ت 643 هـ)، لكونها نسخة مصححة مسموعة عليه، مزودة بتعليقات مفيدة، مع معونة الطبعة الهندية اليسار إليها، والمختصر الذي عمله الحافظ الذهبي.
وقد تم ضبط الكَلِم ضبطًا يزيل ما فيه من الإشكال وتعدو الاحتمال، وترقيم الآيات، مع كتابتها برسم المصحف، وبيان القراءات عند الحاجة، وتخريج الأحاديث والآثار، والإحالة على مواضع تراجم الرجال الذين تكلم عليهم المصنف، وصناعة معجم لشيوخ المصنف ضمن الفهارس.
وما كان لهذه الموسوعة الحافلة أن تصدر بثوبها القشيب هذا، لولا عون اللَّهِ تبارك اسمُه، وحسنُ توفيقه، وما جنده لها من خلال مركز هجر للبحوث والدراسات العربية والإِسلامية في تحقيق كتب التراث، الذي دأب على إخراج المصنفات التي تشتد حاجة أهل العلم لها في صورة متميزة، راجين من ذلك مثوبة اللَّهِ، وخدمة الإِسلام ونفع المسلمين.
فالشكر كل الشكر لجهود الباحثين الذين أسهموا في إخراج هذا العمل.

وفي الختام، أسأل اللَّهِ أن يجعل هذا العمل خالصًا لوجهه الكريم، سببًا للفوز برضوانه العظيم.
وصلى اللَّهِ وسلم وبارك على خيرته من خلقه، نبينا وإمامنا محمد بن عبد اللَّهِ، والحمد لله رب العالمين.
د. عبد السند حسن يمامة

جارٍ التحميل