السنن الكبرى للبيهقي ت التركيصفحات 97-136

7.123456

بابٌ: لا يُؤخَذُ مِنهُم ذَلِكَ فى السَّنَةِ إلَّا مَرَّةً واحِدَةً

إلَّا أن يَقَعَ الصُّلحُ على أكثَرَ مِنها 18807 - أخبرَنا أبو سعيدِ ابنُ أبى عمرٍو، حدثنا أبو العباسِ الأصَمُّ، حدثنا الحَسَنُ بنُ علىَّ بنِ عَفّانَ، حدثنا يَحيَى بنُ آدَمَ، حدثنا أبو بكرِ ابنُ عَبّاشٍ، عن أبى حَصينٍ، عن زيادِ بنِ حُدَيرٍ قال: كُنتُ أعشُرُ بَنِى تَغلِبَ كُلَّما أقبَلو اوأَدبَروا، فا نطَلَقَ شَيخٌ مِنهُم إلَى عُمَرَ، فقالَ: إنَّ زيادًا يَعشُرُنا كُلَّما أقبَلنا وأَدبَرنا.
فقالَ: تُكفَى ذَلِكَ.
ثُمَّ أتاه الشيخُ بَعدَ ذَلِكَ وعُمَرُ فى جَماعَةٍ، فقالَ: يا أميرَ المُؤمِنينَ، أنا الشيخُ النَّصرانِىُّ.
فقالَ عُمَرُ: وأَنا الشيخُ الحَنيفُ، قَد كُفيتَ.
قال: وكَتَبَ إلَىَّ ألَّا تَعشُرَهُم فى السَّنَةِ إلَّا مَرَّةً 1. 18809 - وأخبرَنا أبو نَصرِ ابنُ قَتادَةَ، أخبرَنا أبو عمرِو ابنُ نُجَيدٍ، حدثنا محمدُ بنُ إبراهيمَ، حدثنا ابنُ بُكَيرٍ، حدثنا مالكٌ، عن يَحيَى بنِ سعيدٍ، عن رُزَيقِ بنِ حَيّانَ، أن عُمَرَ بنَ عبدِ العَزيزِ كَتَبَ إلَيه: ومَن مَرَّ بكَ مِن أهلِ الذَّمَّةِ فخُذْ [مِمّا يُديرونَ مِنَ التَّجاراتِ] 2 مِن أموالِهِم مِن كُلَّ عِشرينَ دينارًا دينارًا، فما نَقَصَ فبِحِسابِ ذَلِكَ حَتَّى يَبلُغَ عَشرَةَ دَنانيرَ فإِن نَقَصَتْ ثُلُثَ دينارٍ فدَعْها ولا تأخُذْ مِنها شَيئًا، واكتُبْ لَهُم بما تأخُذُ مِنهُم كِتابًا إلَى مِثلِه مِنَ الحَولِ 3.

بابٌّ: السُّنَّةُ ألَّا تُقتَلَ الرُّسُلُ

18810 - أخبرَنا أبو عبدِ اللهِ الحافظُ وأبو سعيدِ ابنُ أبى عمرٍو، قالا: حدثنا أبو العباسِ محمدُ بنُ يَعقوبَ، حدثنا أحمدُ بنُ عبدِ الجَبّارِ العُطارِدِىُّ، حدثنا يونُسُ بنُ بُكَيرٍ، عن ابنِ إسحاقَ، قال: فحَدَّثَنِى سَعدُ بنُ طارِقٍ، عن سلمةَ بنِ نُعَيمِ بنِ مَسعودٍ، عن أبيه قال: سَمِعتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - حينَ جاءَه رسولا مُسَيلِمَةَ الكَذّابِ بكِتابِه، ورسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يقولُ لَهُما: "وأَنتُما تَقولانِ مِثلَما يقولُ؟ ". فقالا: نَعَم.
فقالَ: "أما واللَّهِ لَولا أن الرُّسُلَ لا تُقتَلُ لَضَرَبتُ أعناقَكُما" 1. 18811 - أخبرَنا أبو علىٍّ الرُّوذْبارِىُّ، أخبرَنا محمدُ بنُ بكرٍ، حدثنا أبو داودَ، حدثنا محمدُ بنُ كَثيرٍ، أخبرَنا سفيانُ، عن أبى إسحاقَ، عن حارِثَةَ بنِ مُضَرِّبٍ، أنَّه أتَى عبدَ اللهِ بنَ مَسعودٍ فقالَ: ما بَينِى وبَينَ أحَدٍ مِنَ العَرَبِ حِنَةٌ 3، وإِنِّى مَرَرتُ بمَسجِدٍ لِبَنِى حَنيفَةَ فإِذا هُم يُؤمِنونَ بمُسَيلِمَةَ.
فأَرسَلَ إلَيهِم عبدُ اللهِ، فجِىءَ بهِم، فاستَتابَهُم غَيرَ ابنِ النَّوّاحَةِ، قال له: سَمِعتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يقولُ: "لَولا أنَّكَ رسولٌ لَضَرَبُ عُنُقَكَ".
فأَنتَ اليَومَ لَستَ برسولٍ.
فأَمَرَ قَرَظَةَ بنَ كَعبٍ فضَرَبَ عُنُقَه فى السُّوقِ، ثُمَّ قال: مَن أرادَ أن2

يَنظُرَ إلَى ابنِ النَّوّاحَةِ قَتيلًا بالسّوقِ (1). 18817 - أخبرَنا أبو طاهِرٍ الفَقيهُ، أخبرَنا أبو بكرٍ محمدُ بنُ الحُسَينِ القَطَّانُ، حدثنا محمدُ بنُ يَحيَى، حدثنا أبو عاصِمٍ، عن سُفيانَ، عن عاصِمٍ، عنٌ أبى وائلٍ، عن عبدِ اللهِ، أن رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال لابنِ النَّوّاحَةِ: "لَولا أنَّكَ رسولٌ لَقَتَلتُكَ" (2). 18813 - وأخبرَنا أبو طاهِرٍ، أخبرَنا أبو بكرٍ، حدثنا محمدُ بنُ يَحيَى، حدثنا عبدُ الرَّحمَنِ بنُ مَهدِىًّ، حدثنا المَسعودِىُّ، عن عاصِمٍ، عن أبى وائلٍ، عن عبدِ اللهِ قال: مَضَتِ السُّنَّةُ ألَّا تُقتَلَ الرُّسُلُ (3).

بابُ الحَربِىِّ إذا لَجأ إلَى الحَرَمِ، وكَذَلِكَ مَن وجَبَ عَلَيه حَدٌّ

18814 - أخبرَنا أبو عبدِ اللهِ الحافظُ، أخبرَنا أبو بكرِ ابنُ إسحاقَ الفَقيهُ، أخبرَنا إسماعيلُ بنُ قُتَيبَةَ، حدثنا يَحيَى بنُ يَحيَى، قال: قُلتُ لمالِكِ بنِ أنَسٍ: حَدَّثَكَ ابنُ شِهابٍ عن أنَسِ بنِ مالك أن النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - دَخَلَ مَكَّةَ عامَ الفَتحِ وعَلَى رأسِه مِغفَرٌ، فلَمّا نَزَعَه جاءَه رَجُلٌ فقالَ: ابنُ خَطَلٍ مُتَعَلَّقٌ123

بأَستارِ الكَعبَةِ.
فقالَ: "اقتُلوه".
قال: نَعَم 1. رَواه مسلمٌ عن يَحيَى بن يَحيَى، وررَواه البخارىُّ عن عبدِ اللهِ بنِ يوسُفَ عن مالكٍ 2. 18815 - أخبرَناه أبو عبدِ اللهِ الحافظُ، حدثنا أبو أحمدَ محمدُ بنُ إسحاقَ العَدلُ الصَّفّارُ، حدثنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ نَصرٍ، حدثنا عمرُو بنُ طَلحَةَ القَنّادُ، حدثنا أسباطُ بنُ نَصرٍ، عن السُّدِّىَّ، عن مُصعَبِ بنِ سَعدٍ، عن أبيه، قال: لما كان يَومُ فتحِ مَكَّةَ أمَّنَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - النّاسَ إلَّا أربَعَةَ نَفَرٍ وامرأَتَينِ، وقالَ: "اقتُلوهُم وِإن وجَدتُموهُم مُتَعَلِّقينَ بأَستارِ الكَعبَةِ".
عِكرِ مَةُ بنُ أبى جَهلٍ، وعَبدُ اللهِ بنُ خَطَلٍ، ومِقيَسُ بنُ صُبابَةَ، وعَبدُ اللهِ بنُ سَعدِ بنِ أبى سَرحٍ 3. 18816 - وأخبرَنا أبو بكرِ ابنُ الحارِثِ الفَقيهُ، أخبرَنا علىُّ بنُ عُمَرَ الحافظُ، حدثنا إبراهيمُ بنُ حَمّادٍ، حدثنا علىُّ بنُ حَربِ بنِ محمدٍ، حدثنا زَيدُ بنُ الحُبابِ، حدثنا عُمَرُ بنُ عثمانَ بنِ عبدِ الرَّحمَنِ بنِ سعيدٍ المخزومِىُّ، حَدَّثَنِى أبى، عن جَدِّه، أن رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال يَومَ فتحِ مَكَّةَ: "أربَعَةٌ لا أُؤَمَّنُهُم فى حِلًّ ولا حَرَمٍ، الحوَيرِثُ بنُ نُقَيدٍ 4، ومِقيَسٌ، وهِلالُ بنُ خَطَلٍ، وعَبدُ اللهِ بنُ أبى سَرحٍ".
فأَمّا الحوَيرِثُ فقَتَلَه علىٌّ، وأَمّا مِقيَسٌ فقَتَلَه ابنُ عَمٍّ له لَحًّا، وأَمّا هِلالُ بنُ خَطَلٍ فقَتَلَه الزُّبَيرُ، وأَمّا عبدُ اللهِ بنُ أبى سَرحٍ فاستأمَنَ له عثمانُ بنُ

عَفانَ - وكانَ أخاه مِنَ الرَّضاعَةِ - وقَينَتَينِ كانَتا لِمِقيَسٍ تُغَنّيانِ بهِجاءِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قُتِلَت إحداهُما، وأَفلَتَتِ الأُخرَى فأَسلَمَت 1. 18817 - أخبرَنا أبو عمرٍو محمدُ بنُ عبدِ اللهِ الأديبُ، أخبرَنا أبو بكرٍ الإِسماعيلِىُّ، أخبرَنِى الحَسَنُ بنُ سُفيانَ، حدثنا قُتَيبَةُ بنُ سعيدٍ، حدثنا اللَّيثُ ابنُ سَعدٍ، عن سعيدٍ المَقبُرِىَّ، عن أبى شُرَيحٍ العَدَوِىَّ، أنَّه قال لِعَمرِو بنِ سعيدٍ وهو يَبعَثُ البُعوثَ إلَى مَكَّةَ: ائذَنْ لِى أيُّها الأميرُ أُحَدَّثْكَ قَولًا قامَ به رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - الغَدَ مِن يَومِ الفَتحِ، سَمِعَته أُذُناىَ، ووَعاه قَلبِى، وأَبصَرَته عَيناىَ، حينَ تَكَلَّمَ به، حَمِدَ اللَّهَ، وأَثنَى عَلَيه، ثُمَّ قال: "إنَّ مَكَّةَ حَرَّمَها اللهُ ولَم يُحَرَّمْها النّاسُ؛ فلا يَحِلُّ لامرِئً يؤمِن باللَّهِ واليَومِ الآخِرِ أن يَسفِكَ فيها دَمًا، ولا يَعضِدَ بها شَجَرَةً؛ فإِن أحَدٌ تَرَخَّصَ لِقِتالِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فقولوا: إنَّ اللَّهَ قَد أذِنَ لِرسولِهِ ولَم يأذَنْ لَكُم.
وِإنَّما أذِنَ لِى ساعَةً مِن نَهارٍ، وقَد عادَت حُرمَتُها اليَومَ كَحُرمَتِها بالأمسِ، وليُبَلَّغِ الشّاهِدُ الغائبَ".
فقيلَ لأبِى شُرَيحِ: ما قال لَكَ عمرٌو؟ فقالَ: قال عمرٌو: أنا أعلمُ بذَلِكَ مِنكَ يا أبا شُرَيحٍ، إنَّ الحَرَمَ لا يُعيذُ عاصيًا، ولا فازًا بدَمٍ، ولا فارًّا بخَرْبَةٍ 2. رَواه البخارىُّ ومُسلِمٌ فى "الصحيح" عن قُتَيبَةَ بنِ سعيدٍ 3. أخبرَنا أبو سعيدِ ابنُ أبى عمرٍو، حدثنا أبو العباسِ الأصَمُّ، أخبرَنا

الرَّبيعُ، قال: قال الشّافِعِىُّ: إنَّما مَعنَى ذَلِكَ، واللَّهُ أعلمُ، أنَّها لَم تَحلِلْ أن يُنصبَ عَلَيها الحَربُ حَتَّى تَكونَ كَغَيرِها؛ فقَد أمَرَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - عِندَما قُتِلَ عاصِمُ ابنُ ثابِتٍ وخُبَيبٌ، بقَتلِ أبى سُفيانَ فى دارٍ بمَكَّةَ غِيلَةً إن قُدِرَ عَلَيه، وهَذا فى الوَقتِ الَّذِى كانَت فيه مُحَرَّمَةً، فدَلَّ على أنَّها لا تَمنَعُ أحَدًا مِن شَىءٍ وجَبَ عَلَيه، وأنَّها إنَّما تُمنَعُ 1 مِن أن يُنصَبَ عَلَيها الحَربُ كما يُنصبُ على غَيرِها 2. 18818 - أخبرَنا أبو عبدِ اللهِ الحافظُ، أخبرَنا محمدُ بنُ أحمدَ بنِ بُطَّةَ الأصبَهانِىُّ، حدثنا الحَسَنُ بنُ الجَهْمِ، حدثنا الحُسَينُ بنُ الفَرَجِ، حدثنا الواقِدِىُّ، حَدَّثَنِى إبراهيمُ بنُ جَعفَرٍ، عن أبيه، قال الواقِدِىُّ: وحَدَّثَنا عبدُ اللهِ بنُ أبى عُبَيدَةَ، عن جَعفَرِ بنِ عمرِو بنِ أُمَيَّةَ الضَّمْرِىِّ (ح) قال: وحَدَّثَنا عبدُ اللهِ بنُ جَعفَرٍ، عن عبدِ الواحِدِ بنِ أبى عَونٍ، وزادَ بَعضُهُم على بَعضٍ.
فذَكَرَ قِصَّةً فى بَعَثِ أبى سُفيانَ مَن يَقتُلُ محمدًا - صلى الله عليه وسلم - غِيلَةً، وأنَّ اللَّهَ تَعالَى أطلَعَ عَلَيه نَبيَّه، وأَسلَمَ الرَّجُلُ، قال: فقالَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - لِعَمرِو بنِ أُمَيَّةَ الضَّمْرِىَّ، وسَلَمَةَ بنِ أسلَمَ بنِ حَريشٍ: "اخرُجا حَتَّى تأتيا أبا سُفيانَ ابنَ حَربٍ، فإِن أصَبتُما مِنه غِرَّةً فافتُلاه".
ثُمَّ ذَكَرَ قِصَّةً فى رُؤيَةِ مُعاويَةَ عمرًا، وإِخبارِه أباه بذَلِكَ، وأَنَّ عمرَو بنَ أُمَيَّةَ وسَلَمَةَ بنَ أسلَمَ أسنَدا فى الجَبَلِ، وتَغَيَّبا فى غارٍ، ثُمَّ إنَّ عمرَو بنَ أُمَيَّةَ خَرَجَ فقَتَلَ عُبَيدَ اللهِ بنَ مالكٍ ابنَ أخِى

طَلحَةَ بنِ عُبَيدِ اللهِ، وجاءَ إلَى خُبَيبِ بنِ عَدِىٍّ وهو مَصلوبٌ، فأَنزَلَه وأَهالَ عَلَيه التُّرابَ، ثُمَّ ذَكَرَ رُجوعَهُما مُنفَرِدَ ينِ إلَى المَدينَةِ 1. 18819 - أخبرَنا أبو الحُسَينِ ابنُ بِشْرانَ العَدلُ ببَغدادَ، أخبرَنا أبو جَعفَرٍ محمدُ بنُ عمرٍو، حدثنا محمدُ بنُ [عُبَيدِ اللهِ] 2 بنِ يَزيدَ، حدثنا إسحاقُ الأزرَقُ، حدثنا زَكَريّا، عن الشَّعبِىِّ، عن الحارِثِ بنِ مالكِ ابنِ بَرصاءَ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَومَ فتحِ مَكَّةَ: "لا تُغزَى بَعدَهما إلَى يَومِ القيامَةِ" 3. 18820 - أخبرَنا عبدُ اللهِ بنُ يَحيَى بنِ عبدِ الجَبّارِ ببَغدادَ، أخبرَنا إسماعيلُ بنُ محمدٍ الصَّفّارُ، حدثنا أحمدُ بنُ مَنصورٍ، حدثنا عبدُ الرَّزّاقِ، أخبرَنا معمَرٌ، عن ابنِ طاوُسٍ، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ - رضي الله عنهما -، قال: مَن قَتَلَ أو سَرَقَ فى الحِلِّ ثُمَّ دَخَلَ الحَرَمَ؛ فإِنَّه لا يُجالَسُ، ولا يُكَلَّمُ، ولا يُؤوَى 4، ويُناشَدُ حَتَّى يَخرُجَ، فإِذا خَرَجَ أُقيمَ عَلَيه ما أصابَ، فإِن قَتَلَ أو سَرَقَ فى الحِلَّ ثُمَّ أُدخِلَ الحَرَمَ فأَرادوا أن يُقيموا عَلَيه ما أصابَ أخرَجوه مِنَ الحَرَمِ إلَى الحِلِّ، وإِن قَتَلَ أو سَرَقَ فى الحَرَمِ أُقيمَ عَلَيه فى الحَرَمِ 5.

قال الشيخُ رَحِمَه اللهُ: وهَذا رأىٌ مِنِ ابنِ عباسٍ، وقَد تَرَكناه بالظَّواهِرِ التى ورَدَت فى إقامَةِ الحُدودِ دونَ تَخصيصِ الحَرَمِ بتَركِها فيه مِن صاحِبِ الشَّريعَةِ، واللَّهُ أعلَمُ.

بابُ ما جاءَ فى هَدايا المُشرِ كيَن لِلإِمامِ

18821 - أخبرَنا أبو عبدِ اللهِ الحافظُ، أخبرَنا أبو سَهلٍ أحمدُ بنُ محمدِ ابنِ زيادٍ القَطّانُ، حدثنا يَحيَى بنُ جَعفَرٍ، حدثنا عبدُ الوَهّابِ، أخبرَنا سعيدٌ، عن قَتادَةَ، عن أنَسٍ، أن أُكَيدِرَ دُومَةَ أهدَى إلَى النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - جُبَّةً فلَبِسَها 1. وذَكَرَ الحديثَ.
أخرَجَه البخارىُّ فى "الصحيح"، فقالَ: وقالَ سعيدٌ: عن قَتادَةَ 2. 18822 - أخبرَنا أبو عبدِ اللهِ الحافظُ، أخبرَنا أبو بكرِ ابنُ إسحاقَ، أخبرَنا علىُّ بنُ عبدِ العَزيزِ، حدثنا عارِمٌ، حدثنا مُعتَمِرٌ (ح) وأخبرَنا أبو عبدِ اللهِ الحافظُ، أخبرَنِى أبو النَّضرِ الفَقيهُ، حدثنا محمدُ بنُ نَصرٍ المَروَزِىُّ، حدثنا عُبَيدُ اللهِ بنُ مُعاذٍ، حدثنا المعتَمِرُ بنُ سُلَيمانَ، حدثنا أبى، عن أبى عثمانَ، قال: حَدَّثَ عن عبدِ الرَّحمَنِ بنِ أبى بكرٍ - رضي الله عنهما -، قال: كُنّا مَعَ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ثَلاثينَ ومِائَةً، فقالَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم -: "هَل مَعَ أحَدٍ مِنكُم طَعامٌ؟ ". فإِذا مَعَ رَجُلٍ صاعٌ مِن طَعامٍ أو نَحوُه، فعُجِنَ، ثُمَّ جاءَ رَجُلٌ مُشرِكٌ مُشْعانٌّ 3 طَويلٌ بغَنَمٍ يَسوقُها، قال: "أبَيعٌ أو عَطيَّةٌ؟ - أو قال: أم هِبَةٌ؟ ". فقالَ: بَل بَيعٌ.

قال: فاشتَرَى مِنها شاةً فصُنِعَت، فأَمَرَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بسَوادِ البَطنِ 1 أن يُشوَى، وايْمُ اللهِ ما مِنَ الثَّلاثينَ والمائَةِ إلَّا قَد حَزَّ له رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - حُزَّةً مِن سَوادِ بَطنِها، إن كان شاهِدًا أعطاه، وإِن كان غائبًا خَبَأَ له.
قال: وجَعَلَ مِنها قَصعَتَينِ.
قال: فأَكَلنا أجمَعونَ وشَبِعنا، وفَضَلَ فى القَصعَتَينِ فحَمَلناه على البَعيرِ.
أو كما قالَ 2. رَواه البخارىُّ فى "الصحيح" عن عارِمٍ، ورَواه مسلمٌ عن عُبَيدِ اللهِ بنِ مُعاذٍ 3. 18823 - أخبرَنا محمدُ بنُ عبدِ اللهِ الحافظُ، حدثنا أبو الحَسَنِ أحمدُ ابنُ محمدٍ العَنَزِىُّ إملاءً، حدثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ الدارمىُّ، حدثنا سَهلُ بنُ بَكّارٍ، حدثنا وُهَيبٌ، عن عمرِو بنِ يَحيَى الأنصارِىَّ، عن العباسِ السّاعِدِىَّ، عن أبى حُمَيدٍ السّاعِدِىَّ قال: سافَرتُ مَعَ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - إلَى تَبوكَ.
فذَكَرَ الحديثَ، قال فيه: وأَهدَى مَلِكُ الأيلَةِ إلَى رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بَغلَةً بَيضاءَ فكَساه النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - بُردَةً، وكَتَبَ له ببَحرِهِم 4. وذَكَرَ الحديثَ 5. رَواه البخارىُّ فى "الصحيح" عن سَهلِ بنِ بَكّارٍ، وأَخرَجَه مسلمٌ مِن وجهٍ آخَرَ عن وُهَيبٍ 6.

18824 - أخبرَنا أبو علىًّ الرُّوذْبارِىُّ، أخبرَنا محمدُ بنُ بكرٍ، حدثنا أبو داودَ، حدثنا أبو تَوبَةَ الرَّبيعُ بنُ نافِعٍ، حدثنا مُعاويَةُ بنُ سَلَّامٍ، عن زَيدٍ، أنَّه سَمِعَ أبا سَلَّامٍ قال: حَدَّثَنِى عبدُ اللهِ الهَوزَنِىُّ، قال: لَقيتُ بلالًا مُؤَذِّنَ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فقُلتُ: يا بلالُ، حَدِّثْنى كيفَ كانَت نَفَقَةُ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -؟ فذَكَرَ الحديثَ، قال فيه: فإِذا إنسانٌ يَسعَى يَدعو: يا بلالُ، أجِبْ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -. فانطَلَقتُ حَتَّى أتَيتُه، فإِذا أربَعُ رَكائبَ مُناخاتٍ عَلَيهِنَّ أحمالُهُنَّ، فاستأذَنتُ، فقالَ لِى رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: "أبشِرْ، فقَد جاءَكَ اللهُ بقَضائكَ".
ثُمَّ قال: "ألَم تَرَ إلَى الرَّكائُبِ المُناخاتِ الأربَعِ؟ ". فقُلتُ: بَلَى.
فقالَ: "إنَّ لَكَ رِقابَهُنَّ وما عَلَيهِنَّ؛ فإِنَّ عَلَيهِنَّ كِسوَةً وطَعامًا أهداهُنَّ إلَىَّ عَظيمُ فدَكٍ، فاقبِضْهُنَّ واقضِ دَينَكَ".
ففَعَلتُ 1. 18825 - أخبرَنا أبو محمدٍ عبدُ اللهِ بنُ يوسُفَ الأصبَهانِىُّ، أخبرَنا أبو سعيدِ ابنُ الأعرابِىِّ، حدثنا الحَسَنُ بنُ محمدٍ الزَّعفَرانِىُّ، حدثنا يَزيدُ بنُ هارونَ، أخبرَنا إسرائيلُ، عن ثُوَيرِ بنِ أبى فاخِتَةَ، عن أبيه، عن علىِّ بنِ أبى طالِبٍ قال: أهدَى كِسرَى إلَى رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فقَبِلَ مِنه، وأَهدَى قَيصَرُ إلَى رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فقَبِلَ مِنه، وأَهدَتْ له المُلوكُ فقَبِلَ مِنهُم 2.

قال الشَّافِعِىُّ رَحِمَه اللهُ فى القَديمِ: قَد أهدَى أبو سُفيانَ ابنُ حَربٍ إلَى رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أدَمًا فقَبِلَ مِنه، وأَهدَى إلَيه صاحِبُ الإِسكَندَريَّةِ ماريَةَ أُمَّ إبراهيمَ فقَبِلَها، وغَيرُهُما قَد أهدَى إلَيه، ولَم يَجعَلْ ذَلِكَ بَينَ المُسلِمينَ 1. 18826 - أخبرَنا أبو بكرٍ محمدُ بنُ الحَسَنِ بنِ فُورَكَ، أخبرَنا عبدُ اللهِ ابنُ جَعفَرِ بنِ أحمدَ، حدثنا يونُسُ بنُ حَبيبٍ، حدثنا أبو داودَ، حدثنا عِمرانُ، عن قَتادَةَ، عن يَزيدَ بنِ عبدِ اللهِ، عن عياضِ بنِ حِمارٍ، قال: أهدَيتُ إلَى رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ناقَةً أو هَديَّةً.
فقالَ: "أسلَمتَ؟ ". قُلتُ: لا.
قال: "إنِّى نُهيتُ عن زَبْدِ 2 المُشرِكينَ" 3. 18827 - وأخبرَنا أبو بكرٍ، حدثنا عبدُ اللهِ، حدثنا يونُسُ، حدثنا أبو داودَ، حدثنا حَمّادُ بنُ زَيدٍ، حدثنا أبو التَّيّاحِ، حدثنا الحَسَنُ، عن عياضِ بنِ حِمارٍ، قال: أهدَيتُ إلَى رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - هَديَّةً.
أو قال: ناقَةً.
فقالَ لِى: "أسلَمتَ؟ ". قُلتُ: لا.
فأَبَى أن يَقبَلَها، وقال: "إنّا لا نَقبَلُ زَبْدَ المُشرِكينَ ". قُلتُ لِلحَسَنِ: ما زَبدَ المُشرِكينَ؟ قال: رِفدُهُم 4. قال الشيخُ: يَحتَمِلُ ردُّه هَديَّتَه التَّحريمَ، ويَحتَمِلُ التَّنزيهَ، وقَد يَغيظُه برَدِّ5

هَديَّتِه، فيَحمِلُه ذَلِكَ على الإسلامِ، والأخبارُ فى قَبولِه (1) هَداياهُم أصَحُّ وأَكثَرُ، وبِاللَّهِ التَّوفيقُ.

بابٌّ: نَصارَى العَرَبِ تُضَعَّفُ عَلَيهِمُ الصَّدَقَةُ

18828 - أخبرَنا أبو سعيدِ ابنُ أبى عمرٍو الصَّيرَفِىُّ، حدثنا أبو العباسِ محمدُ بنُ يَعقوبَ، حدثنا الحَسَنُ بنُ علىِّ بنِ عَفّانَ، حدثنا يَحيَى بنُ آدَمَ، حدثنا أبو بكرٍ ابنُ عَيّاشٍ، عن أبى إسحاقَ الشَّيبانِىَّ، عن السَّفّاحِ، عن داودَ ابنِ كُرْدُوسٍ قال.
صالَحَ عمَرُ بنُ الخطابِ بَنِى تَغلِبَ على أن يُضاعِفَ عَلَيهِمُ الصَّدَقَةَ، ولا يَمنَعوا أحَدًا مِنغم أن يُسلِمَ، وألَّا يَغمِسوا أولادَهُم 2. 18829 - وأخبرَنا أبو سعيدٍ، حدثنا أبو العباسِ، حدثنا الحَسَنُ بنُ علىًّ، حدثنا يَحيَى بنُ آدَمَ، حدثنا أبو مُعاويَةَ، عن أبى إسحاقَ الشَّيبانِىَّ، عن السَّفّاحِ، عن داودَ بنِ كُرْدُوسٍ، عن عُمَرَ أنَّه صالَحَ بَنِى تَغلِبَ على ألَّا يَصبَغوا 3 فى دينِهِم صَبيًّا، وعَلَى أن عَلَيهِمُ الصَّدَقَةَ مُضاعَفَةً، وعَلَى ألَّا يُكرَهوا على دينٍ غَيرِ دينِهِم.
فكانَ داودُ يقولُ: ما لِبَنِى تَغلِبَ ذِمَّةٌ، قَد صَبَغوا 4.1

18830 - وأخبرَنا أبو سعيدٍ، حدثنا أبو العباسِ، حدثنا الحَسَنُ، حدثنا يَحيَى، حدثنا عبدُ السَّلامِ بنُ حَربٍ، عن أبى إسحاقَ، عن السَّفّاحِ، عن داودَ ابنِ كُرْدُوسٍ، عن عُبادَةَ بنِ النُّعمانِ التَّغلِبِىِّ، أنَّه قال لِعُمَرَ بنِ الخطابِ: يا أميرَ المُؤمِنينَ، إنَّ بَنِى تَغلِبَ مَن قَد عَلِمتَ شَوكَتَهُم، وإِنَّهُم بإِزاءِ العَدوِّ؛ فإِن ظاهَروا عَلَيكَ العَدوَّ اشتَدَّت مُؤنَتُهُم، فإِن.
رأيتَ أن تُعطيَهُم شَيئًا.
قال: فأَفعَلُ.
قال: فصالَحَهُم على ألَّا يَغمِسوا أحَدًا مِن أولادِهِم فى النَّصرانيَّةِ، وتُضاعَفُ عَلَيهِمُ الصَّدَقَةُ.
قال: وكانَ عُبادَةُ يقولُ: قَد فعَلوا فلا عَهدَ لَهُم (1). أخبرَنا أبو سعيدِ ابنُ أبى عمرٍو، حدثنا أبو العباسِ، أخبرَنا الرَّبيعُ، قال: قال الشّافِعِىُّ عَقِيبَ هذا الحديثِ: وهَكَذا حَفِظَ أهلُ المَغازِى وساقوه أحسَنَ مِن هذا السّياقِ، فقالوا: رامَهُم على الجِزيَةِ، فقالوا: نَحنُ عَرَبٌ لا نُؤَدِّى ما يُؤَدَّى العَجَمُ، ولَكِن خُذْ مِنّا كما يأخُذُ بَعضُكُم مِن بَعضٍ.
يَعنونَ الصَّدَقَةَ، فقالَ عُمَرُ: لا، هذا فرضٌ على المُسلِمينَ.
فقالوا: فزِدْ ما شِئتَ بهَذا الاسمِ لا باسمِ الجِزيَةِ.
ففَعَلَ، فتَراضَى هو وهُم على أن ضَعَّفَ عَلَيهِمُ الصَّدَقَةَ (2).

بابُ ما جاءَ فى ذَبائحِ نَصارَى بَنِى تَغلِبَ

18831 - أخبرَنا أبو سعيدِ ابنُ أبى عمرٍو، حدثنا أبو العباسِ محمدُ بنُ يَعقوبَ، أخبرَنا الرَّبيعُ بنُ سُلَيمانَ، أخبرَنا الشّافِعِىُّ، أخبرَنا إبراهيمُ بنُ12

محمدٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ دينارٍ، عن سَعدٍ الجارِىِّ 1 أو عبدِ اللهِ بنِ سَعدٍ مَولَى عُمَرَ بنِ الخطابِ، أن عُمَرَ بنَ الخطابِ قال: ما نَصارَى العَرَبِ بأَهلِ كِتابِ، وما يَحِلُّ لَنا ذَبائحُهُم، وما أنا بتارِكِهِم حَتَّى يُسلِموا أو أضرِبَ أعناقَهُم 2. قال الشّافِعِىُّ: وإِنَّما تَرَكْنا أن نُجبِرَهُم على الإِسلامِ أو نَضرِبَ أعناقَهُم؛ لأنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أخَذَ اأجِزيَةَ مِن نَصارَى العَرَبِ، وأَنَّ عُمَرَ وعُثمانَ وعَليًّا - رضي الله عنهما - قَد أقَرّوهُم، وإِن كان عُمَرُ قَد قال هذا، [وكَذَلِكَ] 3 لا يَحِلُّ لَنا نِكاحُ نِسائهِم؛ لأنَّ اللَّهَ جلَّ ثناؤُه إنَّما أحَلَّ لَنا مِن أهلِ الكِتاب الَّذِى عَلَيهِم نُزَّلَ 4. 18832 - أخبرَنا أبو عبدِ اللهِ الحافظُ، أخبرَنا أبو العباسِ محمدُ بنُ يَعقوبَ، حدثنا الحَسَنُ بنُ مُكرَمٍ، حدثنا عثمانُ بنُ عُمَرَ السَّهْمِىُّ 5، أخبرَنا هِشامٌ، عن محمدٍ هو ابنُ سيرينَ، عن عَبيدَةَ، قال: سألتُ عَليًّا عن ذَبائحِ نَصارَى بَنِى تَغلِبَ، فقالَ: لا تأكُلوه، فإِنَّهُم لَم يَتَعَلَّقوا مِن دينِهِم بشَىءٍ إلَّا بشُربِ الخَمرِ 6.

18833 - أخبرَنا أبو سعيدِ ابنُ أبى عمرٍو، أخبرَنا أبو عبدِ اللهِ الصَّفّارُ، حدثنا أحمدُ بنُ مِهرانَ الأصبَهانِىُّ، حدثنا أبو نُعَيمٍ، حدثنا شَريكٌ، عن إبراهيمَ بنِ المُهاجِرِ البَجَلِىَّ، عن زيادِ بنِ حُدَيرٍ الأسَدِىَّ، قال: قال علىٌّ: لَئن بَقيتُ لِنَصارَى بَنِى تَغلِبَ لأقتُلَنَّ المُقاتِلَةَ ولأسبيَنَّ الذُّرّيَّةَ، فإِنَّى كَتَبتُ الكِتابَ بَينَ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - وبَينَهُم على ألا يُنَصِّروا أبناءَهُم 1. 18834 - أخبرَنا أبو سَعدٍ المالينِىُّ، أخبرَنا أبو أحمدَ ابنُ عَدِىًّ الحافظُ، أخبرَنا إسماعيلُ بنُ موسَى الحاسِبُ، حدثنا جُبارَةُ، حَدَّثَنِى عبدُ الحَميدِ بنُ بَهرامَ، حَدَّثَنِى شَهرُ بنُ حَوشَبٍ، حَدَّثَنِى ابنُ عباسٍ - رضي الله عنهما -، قال: نَهَى رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عن ذَبيحَةِ نَصارَى العَرَبِ 2. هذا إسنادٌ ضَعيفٌ، وقَد رُوِىَ عن ابنِ عباسٍ - رضي الله عنهما - بخِلافِهِ.
18835 - أخبرَنا أبو أحمدَ المِهرَجانِىُّ، أخبرَنا أبو بكرِ ابنُ جَعفَرٍ المُزَكَّى، حدثنا محمدُ بنُ إبراهيمَ، حدثنا ابنُ بُكَيرٍ، حدثنا مالكٌ، عن ثَورِ بنِ زَيدٍ الدَّيلِىَّ، عن عبدِ اللهِ بنِ عباسٍ - رضي الله عنه - أنَّه سُئلَ عن ذَبائحِ نَصارَى = (7580، 10034) من طريق أيوب عن ابن سيرين به.

العَرَبِ، فقالَ: لا بأسَ بها.
وتَلا هذه الآيَةَ ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: 51].
18836 - وأخبرَنا أبو عبدِ اللهِ الحافظُ، حدثنا أبو بكرِ ابنُ بالُويَه، حدثنا أحمدُ بنُ علىٍّ الخَزّازُ 2، حدثنا خالِدُ بنُ خِداشٍ، حدثنا عبدُ اللهِ بنُ وهبٍ، أخبرَنِى مالك، عن ثَورِ بنِ زَيدٍ، عن عِكرِمَةَ، عن ابنِ عباسٍ - رضي الله عنهما -. فذَكَرَه بمِثلِهِ 3. 18837 - أخبرَنا أبو زَكَريّا ابنُ أبى إسحاقَ وأبو بكرِ ابنُ الحَسَنِ قالا: حدثنا أبو العباسِ محمدُ بنُ يَعقوبَ، أخبرَنا الرَّبيعُ بنُ سُلَيمانَ، أخبرَنا الشّافِعِىُّ، قال: والَّذِى يُروَى مِن حَديثِ ابنِ عباسٍ فى إحلالِ ذَبائحِهِم إنَّما هو مِن حَديثِ عِكرِمَةَ، أخبَرَنيه ابنُ الدَّراوَردِىِّ وابنُ أبى يَحيَى، عن ثَورٍ الدِّيلِىِّ، عن عِكرِمَةَ، عن ابنِ عباسٍ - رضي الله عنهما -، أنَّه سُئلَ عن ذَبائحِ نَصارَى العَرَبِ، فقالَ قَولًا حَكَياه هو إحلالُها وتَلا: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾.
ولَكِنَّ صاحِبَنا سَكَتَ عن اسمِ عِكرِمَةَ، وثَورٌ لَم يَلقَ ابنَ عباسٍ 4. قال الشيخُ رَحِمَه اللهُ: يَعنِى بصاحِبِنا مالكَ بنَ أنَسٍ لَم يَذكُرْ عِكرِمَةَ فى أكثَرِ الرِّواياتِ عنه، وكأَنَّه كان لا يَرَى أن يُحتَجَّ به، وثَورٌ الدّيلِىُّ إنَّما رَواه عنه1

عن ابنِ عباسٍ، فلا يَنبَغِى أن يُحتَبجَّ به، واللَّهُ أعلمُ، كَذا قال ابنُ عباسٍ فيما رَوَى عنه عِكرِمَةُ، ونَحنُ إنَّما رَغِبنا عنه لِقَولِ عُمَرَ وعَلِىًّ - رضي الله عنهما -.

بابُ ما جاءَ فى تَعشيِر أموالِ بَنِى تَغلِبَ إذا اختَلَفوا بالتِّجارَةِ

18838 - أخبرَنا أبو سعيدِ ابنُ أبى عمرٍو، حدثنا أبو العباسِ هو الأصَمُّ، حدثنا الحَسَنُ بنُ علىَّ بنِ عَفّانَ، حدثنا يَحيَى بنُ آدَمَ، حدثنا شَريكٌ، عن إبراهيمَ بنِ مُهاجِرٍ، عن زيادِ بنِ حُدَيرٍ، قال: بَعَثَنِى عُمَرُ إلَى نَصارَى بَنِى تَغلِبَ، وأَمَرَنِى أن آخُذَ مِنهُم نِصفَ عُشرِ أموالِهِم، ونَهانِى أن أَعْشُرَ مُسلِمًا، أو ذا ذِمَّةٍ يُؤَدَّى الخَراجَ.
قال: يَعنِى فيما أظُنُّ بقَولِه: مُسلِمًا.
يقولُ: مَن أسلَمَ مِنهُم؛ لأنَّه إنَّما أُرسِلَ إلَى نَصارَى بَنِى تَغلِبَ.
وقَولُة: أو ذا ذِمَّةٍ يُؤَدَّى الخَراجَ.
يقولُ: إنَّ أهلَ الذَّمَّةِ لا يُعرَضُ لَهُم فى مَواشيهِم، ولا فى عُشرِ زُروعِهِم وثِمارِهِم، إلَّا بَنِى تَغلِبَ؛ لأنَّهُم صولِحوا على ذَلِكَ 1. قال الشيخُ: ويَحتَمِلُ أنَّه لَم يَكُنْ فى صُلحِ أولَئكَ الَّذينَ كانوا فى وِلايَتِه مِن أهلِ الذَّمَّةِ تَعشيرُ أموالِهِمُ التى يَتَّجِرونَ بها.
18839 - وأخبرَنا أبو سعيدٍ، حدثنا أبو العباسِ، حدثنا الحَسَنُ، حدثنا يَحيَى، حدثنا أبو بكرٍ، عن أبى إسحاقَ الشَّيبانِىَّ، عن جامِعِ بنِ شَدّادٍ، عن زيادِ ابنِ حُدَيرٍ، قال: كَتَبَ إلَىَّ عُمَرُ ألَّا تَعشُرَ بَنِى تَغلِبَ فى السَّنَةِ إلَّا مَرَّةً 2.

بابُ المُهادَنَةِ على النَّظَرِ لِلمُسلِميَن

18840 - أخبرَنا أبو عبدِ اللهِ الحافظُ، حدثنا أبو بكرٍ أحمدُ بنُ جَعفَرٍ القَطيعِىُّ، حدثنا أبو عبدِ الرَّحمَنِ عبدُ اللهِ بنُ أحمدَ بنِ حَنبَلٍ، حَدَّثَنِى أبى، حدثنا عبدُ الرَّزّاقِ، عن مَعمَرٍ قال الزُّهرِىُّ: أخبرَنِى عُروَةُ بنُ الزُّبَيرِ، عن المِسوَرِ بنِ مَخرَمَةَ ومَروانَ بنِ الحَكَمِ، يُصَدِّقُ حَديثُ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما صاحِبَه، قالا: خَرَجَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - زَمَنَ الحُدَيبيَةِ فى بضعَ عَشرَةَ مِائَةً مِن أصحابِه، حَتَّى إذا كانوا بذِى الحُلَيفَةِ قَلَّدَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - الهَدىَ وأَشعَرَه، وأَحرَمَ بالعُمرَةِ، وبَعَثَ بَينَ يَدَيه عَينًا له مِن خُزاعَةَ يُخبِرُه عن قُرَيشٍ، وسارَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - حَتَّى إذا كان بغَدِيرِ 1 الأشطاطِ قَريبٍ مِن عُسفانَ أتاه عَينُه الخُزاعِىُّ، فقالَ: إنِّى تَرَكتُ كَعبَ بنَ لُؤَىٍّ وعامِرَ بنَ لُؤَىٍّ قَد جَمَعوا لَكَ الأحابِشَ.
قال أحمدُ بنُ حَنبَلٍ: وقالَ يَحيَى بنُ سعيدٍ، عن ابنِ المُبارَكِ: قَد جَمَعوا لَكَ الأحابيشَ.
وجَمَعوا لَكَ جُموعًا، وإِنَّهُم مُقاتِلوكَ وصادّوكَ عن البَيتِ.
فقالَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم -: "أشيروا علىَّ، أتَرَونَ أن نَميلَ إلَى ذَرارِىِّ هَؤُلاءِ الَّذينَ أعانوهُم فنُصيبَهُم؛ فإِن قَعَدوا قَعَدوا مَوتورينَ 2 مَحزونينَ، وِإن نَجَوا تَكُنْ عُنُقًا قَطَعَها اللهُ؟ أو تَرَونَ أن نَؤُمَّ البَيتَ فمَن صَدَّنا عنه قاتَلناه؟ ". فقالَ أبو بكرٍ: اللهُ ورسولُه أعلمُ يا نَبِىَّ اللهِ، إنَّما جِئنا مُعتَمِرينَ ولَم نَجِئْ نُقاتِلُ أحَدًا، ولَكِن مَن

حال بَينَنا وبَينَ البَيتِ قاتَلناه.
فقالَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم -: "فروحوا إذن".
قال الزُّهرِىُّ: وكانَ أبو هريرةَ يقولُ: ما رأيتُ أحَدًا قَطُّ كان أكثَرَ مَشورَةً لأِصحابِه مِن رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -. قال الزُّهرِىُّ فى حَديثِ المِسوَرِ بنِ مَخرَمَةَ ومَروانَ بنِ الحَكَمِ: فراحوا حَتَّى إذا كان ببَعضِ الطَّريقِ قال النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم -: "إنَّ خالِدَ بنَ الوَليدِ بالغَميمِ فى خَيلٍ لِقُرَيشٍ طَليعَةً، فخُذوا ذاتَ اليَمينِ".
فو اللَّهِ ما شَعَرَ بهِم خالِدٌ حَتَّى إذا هو بغَبَرَةِ الجَيشِ، فانطَلَقَ يَر كُضُ نَذيرًا لِقُرَيشٍ، وسارَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - حَتَّى إذا كان بالثَّنيَّةِ التى يُهبَطُ عَلَيهِم مِنها، بَرَكَت به راحِلَتُه، فقالَ النّاسُ: حَلْ حَلْ 1. فأَلَحَّت 2، فقالوا: خَلأتِ القَصواءُ، خَلأتِ القَصواءُ.
فقالَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم -: "ما خَلأتِ القَصواءُ 3، وما ذاكَ لَها بخُلُقٍ؛ ولَكِن حَبَسَها حابِسُ الفيلِ".
ثُمَّ قال: "والَّذِى نَفسِى بيَدِه لا يَسأَلونِى خُطَّةً يُعَظِّمونَ فيها حُرُماتِ اللهِ إلَّا أعطَيتُهُم إيّاها".
ثُمَّ زَجَرَها فوَثَبَتْ به.
قال: فعَدَلَ عَنها حَتَّى نَزَلَ بأَقصَى الحُدَيبيَةِ على ثَمَدٍ 4 قَليلِ الماءِ، إنَّما يَتَبَرَّضُه النّاسُ تبَرُّضًا 5، فلَم

يُلَبِّثْه النّاسُ أن نَزَحوه، فشُكِىَ إلَى رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - العَطَشُ، فانتَزَعَ سَهمًا مِن كِنانَتِه، ثُمَّ أمَرَهُم أن يَجعَلوه فيه.
قال: فواللَّهِ ما زالَ يَجيشُ 1 لَهُم بالرِّىِّ حَتَّى صَدَروا عنه.
قال: فبَينا هُم كَذَلِكَ إذ جاءَ بُدَيلُ بنُ وَرقاءَ الخُزاعِىُّ فى نَفَرٍ مِن قَومِه، وكانوا عَيبَةَ نُصحِ 2 رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - مِن أهلِ تِهامَةَ، فقالَ: إنَّى تَرَكتُ كَعبَ بنَ لُؤَىٍّ وعامِرَ بنَ لُؤَىًّ - قال أحمدُ: حَدَّثَناه يَحيَى بنُ سعيدٍ، عن ابنِ المُبارَكِ، وقالَ: إنَّى تَرَكتُ كَعبَ بنَ لُؤَىٍّ وعا مِرَ بنَ لُؤَىًّ - نَزَلوا أعدادَ مياهِ 3 الحُدَيبيَةِ مَعَهُمُ العُوذُ المَطافِيلُ 4، وهُم مُقاتِلوكَ وصادّوكَ عن البَيتِ.
فقالَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: "إنّا لَم نَجِئْ لِقِتالِ أحَدٍ 5 ولَكِنّا جِئنا مُعتَمِرينَ، وِإنَّ قُرَيشًا قَد نَهِكَتهُمُ الحَربُ وأَضَرَّت بهِم، فإِن شاءوا مادَدتُهُم مُدَّةً ويُخَلّوا بَينِى وبَينَ النّاسِ؛ فإِن أظهَرْ، فإِن شاءوا أن يَدخُلوا فيما دَخَلَ فيه النّاسُ فعَلوا، وِإلَّا فقَد جَمّوا، وإِن أبَوا فوالَّذِى نَفسِى بيَدِه لأُقاتِلَنَّهُم على أمرِى هذا حَتَّى تَنفَرِدَ سالِفَتِى 6 أو ليُنْفِذَنَّ اللهُ

أمرَه".
قال بُدَيلٌ: سأُبَلِّغُهُم ما تَقولُ.
فانطَلَقَ حَتَّى أتَى قُرَيشًا، فقالَ: إنّا قَد جِئناكُم مِن عِندِ هذا الرَّجُلِ، وسَمِعناه يقولُ قَولًا، فإِن شِئتُم نَعرِضُه عَلَيكُم.
فقالَ سُفَهاؤُهُم: لا حاجَةَ لَنا فى أن تُحَدِّثَنا عنه بشَىءٍ.
وقالَ ذَوُو الرّأىِ مِنهُم: هاتِ ما سَمِعتَه.
يقولُ: قال: سَمِعتُه يقولُ كَذا وكَذا.
فحَدَّثَهُم بما قال النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم -، فقامَ عُروَةُ بنُ مَسعودٍ الثَّقَفِىُّ، فقالَ: أى قَومِ، ألَستُم بالوالِدِ؟ قالوا بَلَى.
قال: أوَلَستُ بالوَلَدِ؟ قالوا: بَلَى.
قال: فهَل تَتَّهِمونِى؟ قالوا: لا.
قال: ألَستُم تَعلَمونَ أنِّى استَنفَرتُ أهلَ عُكاظٍ فلَمّا جَمَحوا علىَّ جِئتُكُم بأَهلِى ووَلَدِى ومَن أطاعَنِى؟ قالوا: بَلَى.
قال: فإِنَّ هذا قَد عَرَضَ عَلَيكُم خُطَّةَ رُشدٍ فاقبَلوها، ودَعونِى آتِه.
فقالوا: ائتِه.
فأَتاه فجَعَلَ يُكَلَّمُ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم -. فقالَ له نَحوًا مِن قَولِه لِبُدَيلٍ.
فقالَ عُروَةُ عِندَ ذَلِكَ: أى محمدُ، أرأيتَ إنِ استأصلتَ قَومَكَ؟ هَل سَمِعتَ بأَحَدٍ مِنَ العَرَبِ اجتاحَ أصلَه قَبلَكَ؟ وإِن تَكُنِ الأُخرَى فواللَّهِ إنَّى لأرَى وُجوهًا وأَرَى أوشابًا 1 مِنَ النّاسِ خُلَقاءَ أن يَفِرّوا ويَدَعوكَ.
فقالَ له أبو بكرٍ: امْصُصْ بَظْرَ اللَّاتِ 2، أنَحنُ نَفِرُّ عنه ونَدَعُه؟ ! فقالَ: مَن ذا؟ فقالَ: أبو بكرٍ.
قال: أما والَّذِى نَفسِى بيَدِه لَولا يَدٌ كانَت لَكَ عِندِى لَم أجزِكَ بها لأجَبتُكَ.
وجَعَلَ يُكَلَّمُ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم -، فكُلما 3 كَلَّمَه أخَذَ = العنق.
وقيل: السالف حبل العنق، وهو العرق الذى بينه وبين الكتف.
مشارق الأنوار 2/ 219.

بلِحيَتِه، والمُغيرَةُ بنُ شُعبَةَ قائمٌ على رأسِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - ومَعَه السَّيفُ وعَلَيه المِغفَرُ، فكُلَّما أهوَى عُروَةُ بيَدِه إلَى لحيَةِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - ضَرَبَ يَدَه بنَعلِ السَّيفِ 1، وقالَ: أخَّرْ يَدَكَ عن لِحيَةِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -. فرَفَعَ عُروَةُ يَدَه، فقالَ: مَن هَذا؟ قالوا: المُغيرَةُ بنُ شُعبَةَ.
قال: أى غُدَرُ، أوَلَمستُ أسعَى فى غَدرَتِكَ؟ وكانَ المُغيرَةُ صَحِبَ قَومًا فى الجاهِليَّةِ، فقَتَلَهُم وأَخَذَ أموالَهُم، ثُمَّ جاءَ وأَسلَمَ، فقالَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم -: "أمّا الإِسلَامَ فأَقبَلُ، وأَمّا المالَ فلَستُ مِنه فى شَىء".
ثُمَّ إنَّ عُروةَ جَعَلَ يَرمُقُ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - بعَينِه، قال: فواللَّهِ ما تَنَخَّمَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - نُخامَةً إلَّا وقَعَت فى كَفَّ رَجُلٍ مِنهُم فدَلَكَ بها وَجْهَه وجِلْدَه، وإِذا أمَرَهُمُ ابتَدَروا أمرَه، وإِذا تَوَضّأ كادوا يَقتَتِلونَ على وَضُوئهِ، وِإذا تَكَلَّموا خَفَضوا أصواتَهُم، وما يُحِدُّونَ النَّظَرَ إلَيه تَعظيمًا له، فرَجَعَ إلَى أصحابِه فقالَ: أى قَومِ، واللَّهِ لَقَد وفَدتُ على المُلوكِ، ووَفَدتُ على قَيصَرَ وكِسرَى والنَّجاشِىَّ، واللَّهِ إن رأيتُ مَلِكًا قَطُّ يُعَظِّمُه أصحابُه ما يُعَظَّمُ أصحابُ محمدٍ محمدًا، واللَّهِ إن تّنَخَّمَ نُخامَةً إلَّا وقَعَت فى كَفِّ رَجُلٍ مِنهُم فدَلَكَ بها جِلدَه ووجهَه، وِإذا أمَرَهُمُ ابتَدَروا أمرَه، وِإذا تَوَضَّأ كادوا يَقتَتِلونَ على وَضوئِه، وإِذا تَكَلَّموا خَفَضوا أصواتَهُم عِندَه، وما يُحِدُّونَ إلَيه النَّظَرَ تَعظيمًا له، وإِنَّه قَد عَرَضَ عَلَيكُم خُطَّةَ رُشدٍ فاقبَلوها.
فقالَ رَجُلٌ مِن بَنِى كِنانَةَ: دَعونِى آتِه.
قالوا: ائتِه.
فلَمّا أشرَفَ على النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - وأَصحابِه قال النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم -: "هذا فُلانٌ، وهو مِن قَومٍ يُعَظَّمونَ البُدنَ؛ فابعَثوها له".
فبُعِثَت له، واستَقبَلَه القَومُ يُلَبّونَ، فلَمّا

رأى ذَلِكَ قال: سُبحانَ اللهِ! ما يَنبَغِى لِهَؤُلاءِ أن يُصَدّوا عن البَيتِ.
فلَمّا رَجَعَ إلَى أصحابِه قال: رأيتُ البُدنَ قَد قُلَّدَت وأُشعِرَت فلَم أرَ أن يُصَدُّوا عن البَيتِ.
فقامَ رَجُلٌ مِنهُم يُقالُ له: مِكرَزُ بنُ حَفصٍ.
فقالَ: دَعونِى آتِه.
فقالوا: ائتِه.
فلَمّا أشرَفَ عَلَيهِم قال النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم -: "هذا مِكرَزٌ، وهو رَجُلٌ فاجِرٌ".
فجَعَلَ يُكَلَّمُ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم -، فبَينا هو يُكَلَّمُه - صلى الله عليه وسلم - إذ جاءَ سُهَيلُ بنُ عمرٍو - قال مَعمَرٌ: فأَخبَرَنِى أيّوبُ، عن عِكرِمَةَ، أنَّه لما جاءَ سُهَيلٌ، قال النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم -: "قَد سَهُلَ لَكُم مِن أمرِكُم".
قال الزُّهرِىُّ فى حَديثِه: فجاءَ سُهَيلُ بنُ عمرٍو، فقالَ: هاتِ اكتُبْ بَينَنا وبَينَكُم كِتابًا.
فدَعا الكاتِبَ، فقالَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: "اكتُبْ: بسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحيمِ".
فقالَ سُهَيلٌ: أمّا الرَّحمَنُ فواللَّهِ ما أدرِى ما هو، ولَكِنِ اكتُبْ: باسمِكَ اللَّهُمَّ.
كما كُنتَ تَكتُبُ، فقالَ المُسلِمونَ: لا نَكتُبُها إلا بسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحيمِ.
فقالَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم -: "اكتُبْ باسمِكَ اللَّهُمَّ".
ثُمَّ قال: "هذا ما قاضَى عَلَيه محمدٌ رسولُ اللهِ".
قالَ سُهَيلٌ: واللَّهِ لَو كُنّا نَعلَمُ أنَّكَ رسولُه 1 ما صَدَدناكَ عن البَيتِ ولا قاتَلناكَ، ولَكِنِ اكتُب: محمدُ بنُ عبدِ اللهِ.
فقالَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم -: "واللَّهِ إنِّى لَرسولُ اللهِ وِإن كَذَّبتُمونِى، اكتُبْ: محمدُ بنُ عبدِ اللهِ".
قال الزُّهرِىُّ وذَلِكَ قِولِه: "لا يَسأَلونِى خُطَّةً يُعَظِّمونَ فيها حُرُماتِ اللهِ إلَّا أعطَيتُهُم إيّاها".
فقالَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم -: "على أن تُخَلّوا بَينَنا وبَينَ البَيتِ فنَطوفَ به".
فقالَ سُهَيلٌ: واللَّهِ لا تتَحَدَّثُ العَرَبُ أنّا أُخِذنا ضَغطَةً 2، ولَكِن لَكَ مِنَ العامِ

المُقبِلِ، فكَتَبَ.
فقالَ سُهَيلٌ: على ألَّا يأتيكَ مِنّا رَجُلٌ وإِن كان على دينِكَ إلَّا رَدَدتَه إلَينا.
فقالَ المُسلِمونَ: سُبحانَ اللهِ! كَيفَ يُرَدُّ إلَى المُشرِكينَ وقَد جاءَ مُسلِمًا؟ ! فبَينا هُم كَذَلِكَ إذ جاءَ أبو جَنْدَلِ أبنُ سُهَيلِ بنِ عمرٍو يَرسُفُ.
وقالَ يَحيَى عن ابنِ المُبارَكِ: يَرصُفُ فى قُيودِه.
وقَد خَرَجَ مِن أسفَلِ مَكَّةَ حَتَّى رَمَى بنَفسِه بَينَ أظهُرِ المُسلِمينَ، فقالَ سُهَيلٌ: هذا يا محمدُ أوَّلُ ما أُقاضيكَ عَلَيه أن تَرُدَّه إلَىَّ.
فقالَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم -: "إنّا لَم نَقضِ فالكِتابَ بَعدُ".
قال: فواللَّهِ إذن لا نُصالِحُكَ على شَىءٍ أبَدًا.
فقالَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم -: "فأَجِزْه 2 لِى".
قال: ما أنا بمُجيزِه 3. قال: "بَلَى فافعَلْ".
قالَ: ما أنَا بفاعِلٍ.
قال مِكرَزٌ: بَلَى قَد أجَزْناه 4 لَكَ.
فقالَ أبو جَندَلٍ: أى مَعاشِرَ المُسلِمينَ أُرَدُّ إلَى المُشرِكينَ وقَد جِئتُ مُسلِمًا! ألا تَرَونَ ما قَد أُتيتُ؟ وكانَ قَد عُذِّبَ عَذابًا شَديدًا فى اللهِ عَزَّ وجَلَّ.
فقالَ عُمَرُ: فأَتَيتُ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - فقُلتُ: ألَستَ نَبِىَّ اللَّهِ؟ قال: "بَلَى".
قُلتُ: ألَسنا على الحَقِّ وعَدوُّنا على الباطِلِ؟ قال: "بَلَى".
قُلتُ: فلِمَ نُعطِى الدَّنيَّةَ فى دينِنا إذن؟ قال: "إنِّى رسولُ اللهِ، ولَستُ أعصِيه، وهو ناصِرِى".
قُلتُ: أوَلَيسَ كُنتَ تُحَدِّثُنا أنّا سَنأتِى البَيت فنَطوفُ به؟ قال: "بَلَى، فأَخبَرتُكَ أنَّكَ تأتيه العامَ؟ ". قُلتُ: لا.
قال: " (فإِنَّكَ آتيه ومُتطوِّفٌ به".
قال: فأَتَيتُ أبا بكرٍ، فقُلتُ:1

يا أبا بكرٍ، ألَيسَ هذا نَبِىَّ اللهِ حَقًّا؟ قال: بَلَى.
قُلتُ: ألَسنا على الحَقِّ وعَدوُّنا على الباطِلِ؟ قال: بَلَى.
قُلتُ: فلِمَ نُعطى الدَّنيَّةَ فى دينِنا إذن؟ قال: أيُّها الرَّجُلُ، إنَّه رسولُ اللهِ، ولَن يَعصِىَ رَبَّه وهو ناصِرُه، فاستَمسِكْ بغَرزِه 1 حَتَّى تَموتَ، فواللَّهِ إنَّه لَعَلَى الحَقَّ.
قُلتُ: أوَلَيسَ كان يُحَدَّثُنا أنَّه سَيأتِى البَيتَ ويَطوفُ بهِ؟ قال: بَلَى، أفأخبَرَكَ أنَّكَ تأتيه العامَ؟ قُلتُ: لا.
قال: فإِنَّكَ آتيه فتَطوفُ به.
قال الزُّهرِىُّ: قال عُمَرُ: فعَمِلتُ لِذَلِكَ أعمالًا.
قال: فلَمّا فرَغَ مِن قَضيَّةِ الكِتابِ قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - لأصحابِه: "قوموا فانحَروا ثُمَّ احلِقوا".
قال: فواللَّهِ ما قامَ مِنهُم رَجُلٌ حَتَّى قال ذَلِكَ ثَلاثَ مَرّاتٍ، فلَمّا لَم يَقُمْ مِنهُم أحَدٌ قامَ فدَخَلَ على أُمِّ سلمةَ، فذَكَرَ لَها ما لَقِىَ مِنَ النّاسِ.
فقالَت أُمُّ سلمةَ: يا رسول اللهِ أتُحِبُّ ذَلِكَ؟ اخرُجْ ثُمَّ لا تُكَلَّمْ أحَدًا مِنهُم كَلِمَةً حَتَّى تَنحَرَ بُدنَكَ وتَدعوَ حالِقَكَ فيَحلِقَكَ.
فقامَ فخَرَجَ فلَم يُكَلِّمْ أحَدًا مِنهُم حَتَّى فعَلَ ذَلِكَ ونَحَرَ هَديَه ودَعا حالِقَه يَعنى فحَلَقَه، فلَمّا رأوا ذَلِكَ قاموا فنَحَروا وجَعَلَ بَعضهُم يَحلِقُ بَعضًا حَتَّى كادَ بَعضُهُم يَقتُلُ بَعضًا غَمًّا، ثُمَّ جاءَه نِسوَةٌ مُؤمِناتٌ فأَنزَلَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ﴾ حَتّى بَلَغَ: ﴿بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: 10].
قال: فطَلَّقَ عُمَرُ يَومَئذٍ امرأتَينِ كانَتا له فى الشّركِ، فتَزَوّجَ إحداهُما مُعاويَةُ بنُ أبى سُفيانَ، والأُخرَى صَفوانُ بنُ أُمَيَّةَ، ثُمَّ رَجَعَ إلَى المَدينَةِ، فجاءَه أبو بَصيبر رَجُلٌ مِن قُرَيشٍ 2

وهو مسلمٌ - وقالَ يَحيَى عن ابنِ المُبارَكِ: فقَدِمَ عَلَيه أبو بَصيرِ بنُ أَسيدٍ الثَّقَفِىُّ مُسلِمًا مُهاجِرًا، فاستأجَرَ الأخنَسُ بنُ شَريقٍ رَجُلًا كافِرًا مِن بَنِى عامِرِ ابنِ لُؤَىٍّ ومَولًى مَعَه، وكَتَبَ مَعَهُما إلَى رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَسأَلُه الوَفاءَ.
قال: فأَرسَلوا فى طَلَبِه رَجُلَينِ، فقالوا: العَهدَ الَّذِى جَعَلتَ لَنا فيه.
فدَفَعَه إلَى الرَّجُلَينِ، فخَرَجا به حَتَّى بَلَغا به ذا الحُلَيفَةِ فنَزَلوا يأكُلون مِن تَمرٍ لَهُم، فقالَ أبو بَصيرٍ لأحَدِ الرَّجُلَينِ: واللَّهِ إنَّى لأرَى سَيفَكَ يا فُلانُ هذا جَيِّدًا.
فاستَلَّه الآخَرُ فقالَ: أجَلْ واللَّهِ إنَّه لَجَيِّدٌ، لَقَد جَرَّبتُ به، ثُمَّ جَرَّبتُ.
قال أبو بَصيرٍ: أرِنِى أنظُرْ إلَيه.
فأَمكَنَه مِنه فضَرَبَه به حَتَّى بَرَدَ 1 وفَرَّ الآخَرُ حَتَّى أتَى المَدينَةَ، فدَخَلَ اليسجِدَ يَعدو، فقالَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: "لَقَد رأى هذا ذُعرًا".
فلَمّا انتَهَى إلَى النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - قال: قُتِلَ واللَّهِ صاحِبِى، وإِنِّى لَمَقتولٌ.
فجاءَ أبو بَصيرٍ فقالَ: يا نَبِىَّ اللهِ، قَد واللَّهِ أوفَى اللهُ ذِمَّتَكَ، قَد رَدَدتَنِى إلَيهِم ثُمَّ أنجانِى اللهُ مِنهُم.
فقالَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم -: "ويلُ أُمِّه مِسعَرَ حَربٍ 2 لَو كان لى أحَدٌ".
فلَمّا سَمِعَ ذَلِكَ عَرَفَ أنَّه سَيَرُدُّه إلَيهِم، فخَرَجَ حَتَّى أتَى سِيفَ البحرِ 3. قال: ويَنقَلِتُ 4 أبو جَندَلِ ابنُ سُهَيلٍ فلَحِقَ بأَبِى بَصيرٍ، فجَعَلَ لا يَخرُجُ مِن قُرَيشٍ رَجُلٌ قَد أسلَمَ إلَّا لَحِقَ بأَبِى بَصيرٍ حَتَّى اجتَمَعَت مِنهُم عِصابَةٌ.
قال: فواللَّهِ ما

يَسمَعونَ بعيرٍ خَرَجَت لِقُرَيشٍ إلَى الشّامِ إلَّا اعتَرَضوا لَها فقَتَلوهُم وأَخَذوا أموالَهُم، فأَرسَلَت قُرَيشٌ إلَى النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - تُناشِدُه اللَّهَ والرَّحِمَ لَمَا أرسَلَ إلَيهِم؛ فمَن أتاه فهو آمِنٌ.
فأَرسَلَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - إلَيهِم، فأَنزَلَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ﴾.
حَتَّى بَلَغَ ﴿حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ [الفتح: 24 - 26]، وكانَت حَميَّتُهُم أنَهُم لَم يُقِرّوا أنَّه نَبِىُّ اللهِ، ولَم يُقِرّوا ببِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحيمِ، وحالوا بَينَهُم وبَينَ البَيتِ 1. رَواه البخارىُّ فى "الصحيح" عن عبدِ اللهِ بنِ محمدٍ عن عبدِ الرَّزاقِ 2. 18841 - أخبرَنا أبو الحُسَينِ ابنُ الفَضلِ القَطّانُ، أخبرَنا أبو بكرٍ محمدُ ابنُ عبدِ اللهِ بنِ عَتّابٍ، حدثنا القاسِمُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ المُغيرَةِ، حدثنا ابنُ أبى أوَيسٍ، أخبرَنا إسماعيلُ بنُ إبراهيمَ بنِ عُقبَةَ، عن عَمَّه موسَى بنِ عُقبَةَ.
فذَكَرَ مَعنَى هذه القَصَّةِ، زادَ: ثُمَّ إنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - دَعا عُمَرَ بنَ الخطابِ ليُرسِلَه إلَى قُرَيشٍ، وهو ببَلدَحَ 3، فقالَ له عُمَرُ: يا رسولَ اللهِ، لا تُرسِلنِى إلَيهِم فإِنَّى أتَخَوَّفُهُم على نَفسِى، ولَكِنْ أرسِل عثمانَ بنَ عَفّانَ.
فأُرسِلَ إلَيهِم فلَقِىَ أبانَ بنَ سعيدِ بنِ العاصِ، فأَجارَه وحَمَلَه بَينَ يَدَيه على الفَرَسِ حَتَّى جاءَ قُرَيشًا، فكَلَّمَهُم بالَّذِى أمَرَه به رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فأَرسَلوا مَعَه سُهَيلَ بنَ عمرٍو ليُصالحَه عَلَيهِم، وبِمَكَّةَ يَومَئذٍ مِنَ المُسلِمينَ ناسٌ كَثيرٌ مِن أهلِها، فدَعَوا

عثمانَ بنَ عَفّانَ ليَطوفَ بالبَيتِ فأَبَى أن يَطوفَ، وقالَ: ما كُنتُ لأطوفَ به حَتَّى يَطوفَ به رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -. فرَجَعَ إلَى رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ومَعَه سُهَيلُ ابنُ عمرٍو قَد أجارَه؛ ليُصالِحَ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -. فذَكَرَ قِصَّةَ الصُّلحِ وكِتابَتِه، قال: ثُمَّ بَعَثَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بالكِتابِ إلَى قُرَيشٍ مَعَ عثمانَ بنِ عَفّانَ.
ثُمَّ ذَكَرَ قِصَّةً فيما كان بَينَ الفَريقَينِ مِنَ التَّرامِى بالحِجارَةِ والنَّبلِ، وارتِهانِ المُشرِكينَ عثمانَ بنَ عَفّانَ، وارتِهانِ المُسلِمينَ سُهَيلَ بنَ عمرٍو، ودَعا رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - المُسلِمينَ إلَى البَيعَةِ، فلَمّا رأت قُرَيشٌ ذَلِكَ رَعَبَهُمُ اللهُ فأَرسَلوا مَن كانوا ارتَهَنوه ودَعَوا إلَى الموادَعَةِ والصُّلحِ، فصالَحَهُم رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وكاتَبَهُم (1).

بابُ ما جاءَ فى مُدَّةِ الهُدنَةِ

قال الشَّافِعِىُّ رَحِمَه اللهُ: وكانَتِ الهُدنَةُ بَينَه وبَينَهُم عَشرَ سِنينَ 2. 18842 - أخبرَنا أبو عبدِ اللهِ الحافظُ وأبو بكرٍ أحمدُ بنُ الحَسَنِ القاضِى، قالا: حدثنا أبو العباسِ محمدُ بنُ يَعقوبَ، حدثنا أحمدُ بنُ عبدِ الجَبّارِ، حدثنا يونُسُ بنُ بُكَيرٍ، عن ابنِ إسحاقَ، قال: حَدَّثَنِى الزُّهرِىُّ، عن عُروةَ بنِ الزُّبَيرِ، عن مَروانَ بنِ الحَكَمِ والمِسوَرِ بنِ مَخرَمَةَ فى قِصَّةِ الحُدَيبيَةِ، قال: فدَعَت قُرَيشٌ سُهَيلَ بنَ عمرٍو فقالوا: اذهَبْ إلَى هذا الرَّجُلِ فصالحْه، ولا يَكونَنَّ فى صُلحِه إلَّا أن يَرجِعَ عَنّا عامَه هذا؛ لا تَحَدَّثُ العَرَبُ أنَّه دَخَلَها عَلَينا عَنوَةً.
فخَرَجَ سُهَيلُ بنُ عمرٍو مِن عِندِهِم، فلَمّا رآه1

رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - مُقبِلًا قال: "قَد أرادَ القَومُ الصُّلحَ حينَ بَعَثوا هذا الرَّجُلَ".
فلَمّا انتَهَى إلَى رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - جَرَى بَينَهُما القَولُ حَتَّى وقَعَ الصُّلحُ على أن توضَعَ الحَربُ بَينَهُما عَشرَ سِنينَ، وأَن يأمَنَ النّاسُ بَعضُهُم مِن بَعضٍ، وأَن يَرجِعَ عَنهُم عامَهُم ذَلِكَ حَتَّى إذا كان العامُ المُقبِلُ قَدِمَها؛ خَلَّوا بَينَه وبَينَ مَكَّةَ، فأَقامَ بها ثَلاثًا، وأَنَّه لا يَدخُلُها إلَّا بسِلاحِ الرّاكِبِ والسُّيوفِ فى القُرُبِ، وأَنَّه مَن أتانا مِن أصحابِكَ بغَيرِ إذنِ وليَّه لَم نَرُدَّه عَلَيكَ، وإِنَّه مَن أتاكَ مِنّا بغَيرِ إذنِ وليَّه رَدَدتَه عَلَينا، وإِنَّ بَينَنا وبَينَكَ عَيبَةً مَكفوفَةً 1، وإِنَّه لا إسلالَ ولا إغلالَ 2. وذَكَرَ الحديثَ 3. 18843 - ورَوَى عاصِمُ بنُ عُمَرَ بنِ حَفصٍ العُمَرِىُّ وهو ضَعيفٌ جِدًّا، عن عبدِ اللهِ بنِ دينارٍ، عن ابنِ عُمَرَ - رضي الله عنهما - قال: كانَتِ الهُدنَةُ بَينَ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - وأَهلِ مَكَّةَ عامَ الحُدَيبيَةِ أربَعَ سِنينَ.
أخبرَناه أبو سَعدٍ المالينِىُّ، أخبرَنا أبو أحمدَ ابنُ عَدِىًّ، أخبرَنا القاسِمُ بنُ مَهدِىًّ، حدثنا يَعقوبُ بنُ كاسِبٍ، حدثنا عبدُ اللهِ بنُ نافِعٍ، عن عاصِمِ بنِ عُمَرَ.
فذَكَرَه 4. المَحفوظُ هو

الأوَّلُ.
وعاصِمُ بنُ عُمَرَ هذا يأتِى بما لا يُتابَعُ عَلَيه (1). ضَعَّفَّه يَحيَى بنُ مَعينٍ والبُخارِىُّ (3) وغَيرُهُما مِنَ الأئمَّةِ.

بابُ نُزولِ سُورَةِ "الفَتحِ" على رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - مَرجِعَه مِنَ الحُدَيبيَةِ

18844 - أخبرَنا أبو عبدِ اللهِ الحافظُ، أخبرَنِى أبو النَّضرِ الفَقيهُ، حدثنا جَعفَرُ بنُ أحمدَ الشّاماتِىُّ، حدثنا نَصرُ بنُ علىًّ وأبو الأشعَثِ قالا: حدثنا خالِدُ بنُ الحارِثِ، حدثنا سعيدُ بنُ أبى عَروبَةَ، عن قَتادَةَ، أن أنَسَ بنَ مالكٍ حَدَّثَهُم قال: لما نَزَلَتْ هذه الآيَةُ على النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا 1 لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: 1، 2]، مَرجِعَهُم مِنَ الحُدَيبيَةِ، وهُم يُخالِطُهُمُ الحُزنُ والكآبَةُ، وقَد نَحَرَ الهَدىَ، فقالَ: "لَقَد أُنزِلَتْ علىَّ آياتٌ هِىَ أحَبُّ إلَىَّ مِنَ الدُّنيا".
فقالوا: يارسولَ اللهِ، قَد عَلِمنا ما يَفعَلُ اللهُ بكَ، فما يَفعَلُ بنا؟ . قال: فنَزَلَت ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [الفتح: 5] حَتَّى بَلَغَ رأسَ الآيَةِ 4. رَواه مسلمٌ فى "الصحيح" عن نَصرِ بنِ علىًّ 5. 18845 - أخبرَنا أبو عبدِ اللهِ الحافظُ، أخبرَنِى أبو أحمدَ يَعنِى ابنَ إسحاقَ الحافظَ، أخبرَنا أبو عَروبَةَ، حدثنا محمدُ بنُ يَزيدَ الأسفاطِىُّ، حدثنا23

عثمانُ بنُ عُمَرَ، حدثنا شُعبَةُ، عن قَتادَةَ، عن أنَسٍ ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾، قال: فتحُ الحُدَيبيَةِ.
فقالَ رَجُلٌ: هَنيئًا مَريئًا يا رسولَ اللهِ، هذا لَكَ، فما لَنا؟ فأَنزَلَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾.
قال شُعبَةُ: فقَدِمتُ الكوفَةَ فحَدَّثتُهُم عن قَتادَةَ عن أنَسٍ، ثُمَّ قَدِمتُ البَصرَةَ فذَكَرتُ ذَلِكَ لِقَتادَةَ، فقالَ: أمّا الأوَّلُ فعَن أنَسٍ، وأَمّا الثّانِى: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾.
فعَن عِكرِمَةَ 1. رَواه البخارىُّ فى "الصحيح" عن أحمدَ بنِ إسحاقَ عن عثمانَ بنِ عُمَرَ 2. 18846 - أخبرَنا محمدُ بنُ عبدِ اللهِ الحافظُ، حدثنا أبو عبدِ اللهِ محمدُ ابنُ يَعقوبَ، حدثنا علىُّ بنُ الحَسَنِ بنِ أبى عيسَى، حدثنا يَعلَى بنُ عُبَيدٍ، حدثنا عبدُ العَزيزِ بنُ سِياهٍ (ح) قال: وأَخبَرَنِى أبو عمرِو ابنُ أبى جَعفَرٍ، أخبرَنا أبو يَعلَى، حدثنا أبو بكرِ ابنُ أبى شَيبَةَ، حدثنا عبدُ اللهِ بنُ نُمَيرٍ، حدثنا عبدُ العَزيزِ بنُ سِياهٍ، حدثنا حَبيبُ بنُ أبى ثابِتٍ، عن أبى وائلٍ قال: قامَ سَهلُ بنُ حُنَيفٍ يَومَ صفّينَ فقالَ: أيُّها النّاسُ، اتَّهِموا أنفُسَكُم؛ لَقَد كُنّا مَعَ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَومَ الحُدَيبيَةِ، ولَو نَرَى قِتالًا لَقاتَلنا، وذَلِكَ فى الصُّلحِ الَّذِى كان بَينَ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وبَينَ المُشرِكينَ.
قال: فأَتَى عُمَرُ بنُ الخطابِ فقالَ: يا رسولَ اللهِ ألَسنا على حَقٍّ وهُم على باطِلٍ؟ قال: "بَلَى".
قال: ألَيسَ

قَتلانا فى الجَنَّةِ وقَتلاهُم فى النّارِ؟ قال: "بَلَى".
قال: ففيمَ نَعطِى الدَّنيَّةَ فى أنفُسِنا ونَرجِعُ ولما يَحكُمِ اللهُ بَينَنا وبَينَهُم؟ ! قال: "يا ابنَ الخطابِ إنَّى رسولُ اللهِ ولَن يُضَيَّعَنِى اللهُ".
قال: فانطَلَقَ ابنُ الخطابِ ولَم يَصبِرْ مُتَغَيَّظًا، فأَتَى أبا بكرٍ، فقالَ: يا أبا بكرٍ ألَسنا على حَقٍّ وهُم على باطِلٍ؟ قال: بَلَى.
قال: ألَيس قَتلانا فى الجَنَّةِ وقَتلاهُم فى النّارِ؟ قال: بَلَى.
قال: فعلامَ نُعطِى الدَّنيَّةَ فى دينِنا ونَرجِعُ ولما يَحكُمِ اللهُ بَينَنا وبَينَهُم؟ ! قال: يا ابنَ الخطابِ، إنَّه رسولُ اللهِ، ولَن يُضَيَّعَه اللهُ أبَدًا.
قال: فنَزَلَ القُرآنُ على محمدٍ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فأَرسَلَ إلَى عُمَرَ فأَقرأه إيّاه، فقالَ: يا رسولَ اللهِ، أوَفَتحٌ هوَ؟ قال: "نَعَم".
قال: فطابَت نَفسُه ورَجَعَ 1. رَواه البخارىُّ فى "الصحيح" عن أحمدَ بنِ إسحاقَ السُّلَمِىِّ عن يَعلَى بنِ عُبَيدٍ، ورَواه مسلمٌ عن أبى بكرِ ابنِ أبى شَيبَةَ 2. قال الشّافِعِىُّ رَحِمَه اللهُ: قال ابنُ شِهابٍ: فما كان فى الإسلامِ فتحٌ أعظَمُ مِنه؛ كانَتِ الحَربُ قَد أحجَزَتِ 3 النّاسَ، فلَمّا أمِنوا لَم يُكَلَّمْ بالإِسلامِ أحَدٌ يَعقِلُ إلا قَبِلَه، فلَقَد أسلَمَ فى سَنَتَينِ مِن تِلكَ الهُدنَةِ أكثرُ ممَّن أسلَمَ قبلَ ذَلِكَ 4.

18847 - أخبرَنا أبو عبدِ اللهِ الحافظُ وأبو بكرٍ أحمدُ بنُ الحَسَنِ القاضِى، قالا: حدثنا أبو العباسِ محمدُ بنُ يَعقوبَ، حدثنا أحمدُ بنُ عبدِ الجَبّارِ، حدثنا يونُسُ بنُ بُكَيرٍ، عن ابنِ إسحاقَ قال: حَدَّثَنى الزُّهرِىُّ، عن عُروةَ، عن مَروانَ والمِسوَرِ بنِ مَخرَمَةَ فى قِصَّةِ الحُدَيبيَةِ، وفيها مُدرَجًا: ثُمَّ انصَرَفَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - راجِعًا، فلَمّا أن كان بَينَ مَكَّةَ والمَدينَةِ نَزَلَت عَلَيه سورَةُ "الفَتحِ" مِن أوَّلِها إلَى آخِرِها: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾.
فكانَتِ القَضيَّةُ فى سورَةِ "الفَتحِ" وما ذَكَرَ اللهُ مِن بَيعَةِ رسولِه تَحتَ الشَّجَرَةِ، فلَمّا أمِنَ النّاسُ وتَفاوَضوا لَم يُكَلَّمْ أحَدٌ بالإِسلامِ إلَّا دَخَلَ فيه، فلَقَد دَخَلَ فى تَينِكَ السَّنَتَينِ فى الإسلامِ أكثَرُ ممّا كان فيه قبلَ ذَلِكَ، وكانَ صُلحُ الحُدَيبيَةِ فتحًا عَظيمًا 1. 18848 - أخبرَنا أبو الحُسَينِ ابنُ الفَضلِ القَطَّانُ ببَغدادَ، أخبرَنا عبدُ اللهِ بنُ جَعفَرٍ، حدثنا يَعقوبُ بنُ سُفيانَ، حدثنا عبدُ اللهِ بنُ رَجاءٍ، أخبرَنا إسرائيلُ، عن أبى إسحاقَ، عن البَراءِ قال: تَعُدّونَ أنتُمُ الفَتحَ فتحَ مَكَّةَ، وقَد كان فتحُ مَكَّةَ فينا فتحًا، ونَعُدُّ نَحنُ الفَتحَ بَيعَةَ الرَّضوانِ، نَزَلنا يَومَ الحُدَيبيَةِ، وهِىَ بئرٌ، فوَجَدنا النّاسَ قَد نَزَحوها فلَم يَدَعوا فيها قَطرَةً، فذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - فجَلَسَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فدَعا بدَلوٍ فنَزَعَ مِنها، ثُمَّ أخَذَ مِنه بفيه فمَجَّه فيها ودَعا اللَّهَ، فكَثُرَ ماؤُها حَتَّى صَدَرنا ورَكائبُنا، ونَحنُ أربَعَ عَشرَةَ مِائَةً 2.

رَواه البخارىُّ فى "الصحيح" عن مالكِ بنِ إسماعيلَ وغَيرِه عن إسرائيلَ (1)

بابُ مُهادَنَةِ الأئمَّةِ بَعدَ رسولِ رَبِّ العِزَّةِ إذا نَزَلَت بالمسلِميِن نازِلَةٌ

18849 - أخبرَنا أبو علىًّ الرُّوذْبارِىُّ، أخبرَنا أبو بكرِ ابنُ داسَةَ، حدثنا أبو داودَ، حدثنا محمدُ بنُ الصَّبّاحِ، حدثنا عبدُ الرَّحمَنِ بنُ أبى الزَّنادِ، عن أبى الزِّنادِ، عن الأعرَجِ، عن أبى هريرةَ قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: "إنَّما الإمامُ جُنَّةٌ يُقاتَلُ به" 2. 18850 - أخبرَنا أبو عمرٍو محمدُ بنُ عبدِ اللهِ الأديبُ، أخبرَنا أبو بكرٍ الإسماعيلِىُّ، أخبرَنا عبدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ ناجيَةَ، حدثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، حدثنا الوَليدُ بنُ مُسلِمٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ العَلاءِ بنِ زَبرٍ قال: سَمِعتُ بُسرَ بنَ عُبَيدِ اللهِ الحَضرَمِىَّ يُحَدِّثُ، أنَّه سَمِعَ أبا إدريسَ الخَولانِىَّ يقولُ: سَمِعتُ عَوفَ بنَ مالكٍ الأشجَعِىَّ يقولُ: أتَيتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فى غَزوَةِ تَبوكَ وهو فى قُبَّةٍ مِن أدَمٍ فقالَ لِى: "يا عَوفُ اعدُدْ سِتًّا بَينَ يَدَىِ السّاعَةِ: مَوتِى، ثُمَّ فتحُ بَيتِ المَقدِسِ، ثُمَّ مُوتانٌ يأخُذُ فيكُم كَقُعاصِ الغَنَمِ 4، ثُمَّ استِفاضَةُ المالِ فيكُم حَتَّى يُعطَى الرَّجُلُ مِائَةَ دينارٍ فيَظَلُّ ساخِطًا، ثُمَّ فِتنَةٌ لا يَبقَى بَيتٌ مِنَ العَرَبِ إلَّا دَخَلَته، ثُمَّ هُدنَةٌ13 = طريق إسرائيل به.
وأبو يعلى (1655) من طريق أبى إسحاق به.

تَكونُ بَينَكُم وبَينَ بَنِى الأصفَرِ فيَغدِرونَ فيأتونَكُم تَحتَ ثَمانينَ غايَةً 1، تَحتَ كُلَّ غايَةٍ اثنا عَشَرَ ألفًا".
قال الوَليدُ: فذاكَرنا هذا الحديث شَيخًا مِن شُيوخِ المَدينَةِ فى قَولِه: (ثُمَّ فتحُ بَيتِ المَقدِسِ".
فقالَ الشيخُ: أخبرَنِى سعيدٌ عن أبى هريرةَ، أنَّه كان يُحَدَّثُ بهَذا الحديثِ عن رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، ويَقولُ مَكانَ "فتحُ بَيتِ المَقدِسِ": "عُمرانُ بَيتِ المَقدِسِ" 2. رَواه البخارىُّ فى "الصحيح" عن الحُمَيدِىَّ عن الوَليدِ بنِ مُسلِمٍ دونَ إسنادِ أبى هريرةَ 3. 18851 - أخبرَنا أبو عبدِ اللهِ الحافظُ وأبو عبدِ اللهِ السُّوسِىُّ قالا: حدثنا أبو العباسِ محمدُ بنُ يَعقوبَ، أخبرَنا العباسُ بنُ الوَليدِ بنِ مَزيَدٍ، أخبرَنا أبى، أخبرَنِى الأوزاعِىُّ، حَدَّثَنِى حَسّانُ بنُ عَطيَّةَ، قال: مالَ مَكحولٌ وابنُ أبى زَكَريّا إلَى خالِدِ بنِ مَعدانَ فمِلتُ مَعَهُم.
قال: فحَدَّثَنا خالِدٍ، عن جُبَيرِ بنِ نُفَيرٍ أنَّه قال له: انطَلِقْ بنا إلَى ذِى مِخبَرٍ؛ رَجُلٍ مِن أصحابِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -. قال: فأَتَيناه، فقالَ: سَمِعتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يقولُ: "سَيُصالِحُكمُ الرُّومُ صُلحًا آمِنًا، ثُمَّ تَغزونَ أنتُم وهُم عَدوًّا، . فتُنصَرونَ وتَسلَمونَ وتَغنَمونَ 4، ثمّ تَنصَرِفونَ فتنَزِلونَ بمَرجٍ ذِى تُلولٍ، فيَرفَعُ رَجُلٌ مِنَ النَّصرانيَّةِ الصَّليبَ، فيَقولُ: غَلَبَ الصَّليبُ.
فيَغضَبُ رَجُلٌ مِنَ المُسلِمينَ فيَقومُ إلَيه فيَدُقُّه، فعِندَ

ذَلِك تَغضَبُ الرُّومُ ويَجمَعونَ (1) لِلمَلحَمَةِ" (2).

بابُ المُهادَنَةِ إلَى غَيِر مُدَّةٍ

18852 - أخبرَنا أبو عبدِ اللهِ الحافظُ، أخبرَنا أحمدُ بنُ جَعفَرٍ، حدثنا عبدُ اللهِ بنُ أحمدَ بنِ حَنبَلٍ، حَدَّثَنِى أبى، حدثنا عبدُ الرَّزّاقِ، أخبرَنا ابنُ جُرَيجٍ، عن موسَى بنِ عُقبَةَ، عن نافِعٍ، عن ابنِ عُمَرَ، أن عُمَرَ أجلَى اليَهودَ والنَّصارَى مِن أرضِ الحِجازِ، وكانَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - لما ظَهَرَ على خَيبَرَ أرادَ إخراجَ اليَهودِ مِنها، فكانَتِ الأرضُ حينَ ظَهَرَ عَلَيها للهِ ولِرسولِه ولِلمُسلِمينَ، فأَرافىَ إخرا اليَهودَ مِنها، فسألَتِ اليَهودُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ليُقِرَّهُم على أن يَكْفُوه عَمَلَها ولَهُم نِصفُ الثَّمَرِ، فقالَ لَهُم رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: "نُقِرُّكم بها على ذَلِكَ ما شِئْنا".
فقَرُّوا بها حَتَّى أجلاهُم عُمَرُ إلى تَيماءَ وأَريحاءَ 3. رَواه مسلمٌ فى "الصحيح" عن محمدِ بنِ رإفِعٍ وإِسحاقَ بنِ مَنصورٍ عن عبدِ الرَّزّاقِ، وأَخرَجَه البخارىُّ فقالَ: وقالَ عبدُ الرَّزّاقِ 4. وكَذَلِكَ رَواه الفُضَيلُ بنُ سُلَيمانَ عن موسَى بنِ عُقبَةَ: "نُقِرُّكُم على ذَلِكَ ماشِئنا".12

وكَذَلِكَ رَواه أُسامَةُ بنُ زَيدٍ عن نافِعٍ: "أُقِرُّكُم فيها على ذَلِكَ مما شِئنا" 1. وفِى رِوايَةِ عُبَيدِ اللهِ بنِ عُمَرَ عن نافِعٍ: "ما بَدا لِرسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - " 2. وفِى رِوايَةِ مالكٍ عن نافِعٍ عن ابنِ عُمَرَ عن عُمَرَ، عن النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم -: "نُقِرُّكُم ما أقَرَّكُمُ اللهُ" 3. وكَذَلِكَ فى رِوايَةِ ابنِ شِهابٍ عن سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، عن النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - مُرسَلًا: "أُقِرُّكُم ما أقَرّكُمُ اللهُ" 4. ورَواه صالِحُ بنُ أبى الأخضَرِ عن ابنِ شِهابٍ عن سعيدٍ عن أبى هريرةَ مَوصولًا 5. وقَد مَضَت هذه الرَّواياتُ بأَسانيدِها.
قال الشَّافِعِىُّ رَحِمَه اللهُ: فإِن قيلَ: فلِمَ لا يقولُ: أُقِرُّكُم ما أقَرُّكُمُ اللهُ.
يَعنِى كُلَّ إمامٍ بَعدَ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -؟ قيلَ: الفَرفُ بَينَه وبَينَ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فى أن أمرَ اللهِ كان يأتِى رسولَه بالوَحىِ ولا يأتِى أحَدًا غَيرَه بوَحىٍ 6.

بابُ مُهادَنَةِ مَن يَقوَى على قِتالِهِ

18853 - أخبرَنا أبو الحُسَينِ ابنُ بِشْرانَ العَدلُ ببَغدادَ، أخبرَنا أبو عمرِو ابنُ السَّمّاكِ، حدثنا حَنبَلُ بنُ إسحاقَ، حدثنا سَعدُويَه، حدثنا عَبّادُ بنُ العَوّامِ، حدثنا سفيانُ بنُ حُسَينٍ، عن الحَكَمِ، عن مِقسَمٍ، عن ابنِ عباسٍ - رضي الله عنهما -، أن رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بَعَثَ أبا بكرٍ على المَوسِمِ، وأَمَرَه أن يُنادِىَ بهَؤُلاءِ الكَلِماتِ.
قال: فبَينا أبو بكرٍ نازِلٌ فى بَعضِ الطَّريقِ إذ سَمِعَ رُغاءَ ناقَةِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - القَصواءِ، فخَرَجَ فزِعًا وظَنَّ أنَّه رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فإِذا علىٌّ، فدَفَعَ إلَيه كِتابَ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فأَتَى علىٌّ المَوسِمَ وأَمَرَ عَليًّا أن يُنادِىَ بهَؤُلاءِ الكَلِماتِ، فانطَلَقا فحَجّا، فقامَ علىٌّ فنادَى فى وسَطِ أيّامِ التَّشريقِ: إنَّ اللَّهَ ورسولَه بَرِىءٌ مِن كُلِّ مُشرِكٍ؛ ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي﴾ [التوبة: 2].
لا يَحُجَّنَّ بَعدَ العامِ مُشرِكٌ، ولا يَطوفَنَّ بالبَيتِ عُريانٌ، ولا يَدخُلُ الجَنَّةَ إلَّا مُؤمِنٌ.
كان يُنادِى بهَذا.
فإِذا بَحَّ 1 قام أبو هريرةَ فنادَى بها 2. 18854 - أخبرَنا أبو عبدِ اللهِ الحافظُ وأبو بكرٍ أحمدُ بنُ الحَسَنِ القاضِى وأبو محمدِ ابنُ أبى حامِدٍ المُقرِئُ وأبو صادِقٍ محمدُ بنُ أحمدَ العَطّارُ قالوا: حدثنا أبو العباسِ محمدُ بنُ يَعقوبَ، حدثنا إبراهيمُ بنُ

مَرزوقٍ، حدثنا عثمانُ بنُ عُمَرَ، حدثنا شُعبَةُ، عن المُغيرَةِ، عن الشَّعبِىِّ، عن المُحَرَّرِ بنِ أبى هريرةَ، عن أبيه أنَّه قال: كُنتُ مَعَ علىٍّ حينَ بَعَثَه النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - ببَراءَةَ إلَى أهلِ مَكَّةَ.
قال: فكُنتُ أنادِى حَتَّى صَحِلَ 1 صَوتِى، فقيل له: بأَىِّ شَىءٍ كُنتَ تُنادِى؟ فقالَ: أُمِرنا أن نُنادِىَ أنَّه لا يَدخُلُ الجَنَّةَ إلَّا مُؤمِنٌ، ومَن كان بَينَه وبَينَ رسولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عهدٌ فأَجَلُه إلَى أربَعَةِ أشهُرٍ، فإِذا مَضَتِ الأشهُرُ فإِنَ اللَّهَ بَرِىءٌ مِنَ المُشرِكينَ ورسولَه، ولا يَطوفُ بالبَيتِ عُريانٌ، ولا يَحُجُّ بَعدَ العامِ مُشرِكٌ 2. وقَد مَضَى فى حَديثِ زَيدِ بنِ يُثَيع عن علىٍّ فى هذا الحديثِ: ومَن كان له عَهدٌ فعَهدُه إلَى مُدَّتِه، ومَن لَم يَكُنْ له عَهدٌ فأَربَعَةُ أشهُرٍ 3. قال الشّافِعِىُّ: وجَعَلَ رسولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - لِصَفوانَ بنِ أُمَيَّةَ بَعدَ فتحِ مَكَّةَ تَسييرَ أربَعَةِ أشهُرٍ 4. قال الشيخُ: قَد مَضَى هذا فى حَديثِ ابنِ شِهابٍ الزُّهرِىِّ فى كِتابِ النِّكَاحِ 5.

جارٍ التحميل