أن يَدفَعَ إلَيهِمُ الماءَ فأَبَى، فأَتَوا نَبِيَّ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فقالوا: يا نَبِيَّ اللَّهِ أسلَمنا
وأَتَينا صَخرًا ليَدفَعَ إلَينا ماءَنا فأَبَى عَلَينا.
فدَعاه فقالَ: "يا صَخرُ إنَّ القَومَ إذا
أسلَموا أحرَزوا أموالَهُم ودِماءَهُم، فادفَعْ إلَى القَومِ ماءَهُم".
قال: نَعَم
يا نَبِيَّ اللهِ.
فرأيتُ وجهَ رسولِ اللهِ -صلي الله عليهم وسلم- يَتَغَيَّرُ عِندَ ذَلِكَ حُمرَةً حَياءً مِن أخذِه
الجاريَةَ وأَخذِه الماءَ 1.
قال الشيخُ: الاستِدلالُ وقَعَ بقَولِه -صلى الله عليه وسلم-: "إن القَومَ إذا أسلَموا أحرَزوا أموالَهم
ودَماءَهُم ". فأَمّا استِردادُ الماءِ عن صَخرٍ بعدما مَلَكَه بتَمليكِ رسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم - إيّاه
فإِنَّه يُشبِهُ أن يَكونَ باستِطابَةِ نَفسِه، ولِذَلِكَ كان يَظهَرُ فى وجهِه أثَرُ الحَياءِ،
واللَّهُ أعلَمُ.
وعَمَّةُ المُغيرَةِ فإِن كانَت أسلَمَت بَعدَ الأخذِ فكأنَّه رأى إسلامَها
قبلَ القِسمَةِ يُحرِزُ مالَها، ويَحتَمِلُ أن يَكونَ إسلامُها قبلَ الأخذِ، واللَّهُ
أعلَمُ.
وصَخرٌ هذا هو ابنُ العَيِّلَةِ.
قالَه البخاريُّ 2 عن أبى نُعَيمٍ عن أبانٍ عن
عثمانَ بنِ أبى حازِمٍ عن صَخرِ بنِ العَيِّلَةِ، لَم يَقُلْ: عن أبيه.
ورُوِىَ فى قِصَّةِ رِعيَةَ السُّحَيمِى ما دل [على ما دَلَّ] 3 عَلَيه ظاهِرُ قِصَّةِ عَمَّةِ
المُغيرَةِ، فإِنَّه أسلَمَ ثُمَّ قال: يا رسولَ اللَّهِ أهلِى ومالِى.
قالَ: "أمّا مالُكَ فقَد
قُسِمَ بَينَ المُسلِمينَ، وأَمّا أهلُكَ فانظُرْ من قَدَرتَ عَلَيه مِنهُم ". قال: فرُدَّ
عَلَيه ابنُه (1).
ويَحتَمِلُ أنَّه استَطابَ أنفُسَ أهلِ الغَنيمَةِ كما فعَلَ فى سَبىِ هَوازِنَ وعَوَّضَ
أهلَ الخُمُسِ مِن نَصيبِهِم، واللَّهُ أعلمُ.
وإِسنادُ الحديثينِ غَيرُ قَوِىٍّ.
بابُ المُشرِكينَ يُسلِمونَ قبلَ الأسرِ
وما على الإمامِ وغَيِره مِنَ التَّثَبُّتِ إذا تَكَلَّموا
بما يُشبِهُ الإقرارَ بالإسلامِ ويُشبِهُ غَيَرهُ
18312 - أخبرَنا أبو عمرٍو الأديبُ، أخبرَنا أبو بكرٍ الإسماعيلِيُّ،
أخبرَنِى الحَسَنُ بنُ سُفيانَ، حدثنا فيّاضٌ، حدثنا عبدُ الرَّزّاقِ، أخبرَنا مَعمَرٌ،
عن الزّهرِيِّ، عن سالِمٍ، عن ابنِ عُمَرَ -رضي الله عنهما- قال: بَعَثَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- خالِدَ بنَ
الوَليدِ - أحسِبُه قال: إلَى بَنِى جَذيمَةَ- فدَعاهُم إلَى الإِسلامِ، فلَم يُحسِنوا أن
يَقولوا: أسلَمنا.
فقالوا: صَبأنا، صَبأنا.
وجَعَلَ خالِدٌ بهِم قَتلًا وأَسرًا.
قال:
ثُمَّ دَفَعَ إلَى كُلِّ رَجُلٍ مِنّا أسيرًا، حَتَّى إذا أصبَحَ يَومًا أمَرَنا فقالَ: ليَقتُلْ كُلُّ
واحِدٍ مِنكُم أسيرَه.
قال: ابنُ عُمَرَ: واللَّهِ لا أقتُلُ أسيرِى، ولا يَقتُلُ أحَدٌ مِن
أصحابِى أسيرَه.
قال: فقَدِمنا على رسولِ اللهِ -صلي الله عليهم وسلم- فذُكِرَ له ما صَنَعَ خالِدٌ.
قال:1
فرَفَعَ يَدَيه ثُمَّ قال: "اللَّهُمَّ إنى أبرأُ إلَيكَ مِمّا صَنَعَ خالِدٌ" 1. رَواه البخارىُّ فى
"الصحيح" عن مَحمودٍ عن عبدِ الرَّزّاقِ 2.
18313 - أخبرَنا أبو عبدِ اللهِ الحافظُ، أخبرَنا أبو الفَضلِ ابنُ إبراهيمَ،
حدثنا أحمدُ بنُ سلمةَ، حدثنا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ، أخبرَنا سفيانُ، عن عمرٍو،
عن عَطاءٍ، عن ابنِ عباسٍ -رضي الله عنهما- قال: لَقِىَ ناسٌ مِنَ المُسلِمينَ رَجُلًا فى غُنَيمَةٍ له
فقالَ: السَّلامُ عَلَيكُم.
فأَخَذوه فقَتَلوه وأَخَذوا تِلكَ الغُنَيمَةَ فنَزَلَت: ﴿وَلَا
تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ [النساء: 94].
وقَرأها ابنُ
عباسٍ: السَّلامَ 3. رَواه البخاريُّ فى "الصحيح" عن على بنِ عبدِ اللهِ عن
سُفيانَ.
ورَواه مسلمٌ عن إسحاقَ بنِ إبراهيمَ 5.
18314 - أخبرَنا محمدُ بنُ عبدِ اللهِ الحافظُ، أخبرَنا أبو عبدِ اللهِ محمدُ
ابنُ عبدِ اللهِ الصَّفّارُ، حدثنا أحمدُ بنُ مِهرانَ، حدثنا عُبَيدُ اللهِ بنُ موسَى،
أخبرَنا إسرائيلُ، عن سِماكٍ، عن عِكرِمَةَ، عن ابنِ عباسٍ -رضي الله عنهما- قال: مَرَّ رَجُلٌ
مِن بَنى سُلَيمٍ على نَفَرٍ مِن أصحابِ النَبِىِّ -صلي الله عليه وسلم- ومَعَه غَنَمٌ له فسَلَّمَ عَلَيهِم،4
فقالوا: ما سَلَّمَ عَلَيكُم إلَّا ليَتَعَوَّذَ مِنكُم.
فعَمَدوا إلَيه فقَتَلوه وأَخَذوا غَنَمَه،
فأَتَوا بها النَّبِىَّ -صلى الله عليه وسلم-، فأَنزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: (يا أيُّها الَّذينَ آمَنوا إذا
ضَرَبتُم فى سَبيلِ اللَّه فتَثَبَّتوا 1 ولا تَقولوا لِمَن ألقَى إلَيكُمُ السَّلامَ لَستَ مُؤمِنًا)
إلَى قَولِه: (كَذَلِكَ كُنتُم مِن قَبلُ فمَنَ اللهُ عَلَيكُم فتَثَبَّتوا (1)) 2 [النساء: 94].
18315 - أخبرَنا محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ الحافظُ، حدثنا أبو العباسِ محمدُ
ابنُ يَعقوبَ، حدثنا أحمدُ بنُ عبدِ الجَبّارِ العُطارِدِىُّ، حدثنا يونُسُ بنُ بُكَيرٍ،
عن ابنِ إسحاقَ، حَدَّثَنِى يَزيدُ بنُ عبدِ اللَّهِ بنِ قُسَيطٍ، عن أبى القَعقاعِ
عبدِ اللهِ بنِ أبى حَدرَدٍ، عن أبيه أبى حَدرَدٍ قال: بَعَثَنا رسولُ اللهِ -صلي الله عليه وسلم- إلَى
إضمٍ، فخَرَجتُ فى نَفَرٍ مِنَ المُسلِمينَ فيهِم أبو قَتادَةَ الحارِثُ بنُ رِبعِى
ومُحَلِّمُ بنُ جَثّامَةَ، فخَرَجنا حَتَّى إذا كُنّا ببَطنِ إضمٍ مَرَّ بنا عامِرُ بنُ
الأضبَطِ على بَعيرٍ له، فلَمّا مَرَّ عَلَينا سَلَّمَ عَلَينا بتَحيَّةِ الإِسلامِ فأَمسَكنا
عنه، وحَمَلَ عَلَيه مُحَلِّمُ بنُ جَثامَةَ فقَتَلَه وأَخَذَ بَعيرَه وما مَعَه، فقَدِمنا على
رسولِ اللَّهِ -صلي الله عليه وسلم- وأَخبَرْناه الخَبَرَ، فنَزَلَ فينا القُرآنُ: (يا أيُّها الَّذينَ آمَنوا إذا
ضرَبتُم فى سَبيلِ اللَّهِ فتَثَبَّتوا (1) ولا تَقولوا لِمَن ألقَى إلَيكُمُ السَّلَمَ 3 لَستَ
مُؤمِنًا) إلَى آخِرِ الآيَةِ 1. كَذا رَواه يونُسُ بنُ بُكَيرٍ عن ابنِ إسحاقَ.
ورَواه محمدُ بنُ سلمةَ عن محمدِ بنِ إسحاقَ عن يَزيدَ عن 2 أبى عبدِ اللَّهِ
ابنِ أبى حَدرَدٍ عن أبيه 3.
ورَواه أبو خالِدٍ الأحمَرُ عن ابنِ إسحاقَ عن يَزيدَ عن القَعقاعِ بنِ عبدِ اللهِ
ابنِ أبى حَدرَدٍ عن أبيه 4.
وكَذَلِكَ قالَه يَحيَى بنُ سعيدٍ الأُمَوِيُّ عن ابنِ إسحاقَ 5.
ورَواه حَمّادُ بنُ سلمةَ فى رِوايَةِ حَجّاح عنه عن ابنِ إسحاقَ عن يَزيدَ عن (3)
أبى حَدرَدٍ الأسلَمِىِّ عن أبيه 6، وقيلَ غَيرُ ذَلِكَ.
ورَواه عبدُ اللهِ بنُ إدريسَ عن ابنِ إسحاقَ عن محمدِ بنِ جَعفَرِ بنِ الزُّبَيرِ
عن عبدِ اللهِ بنِ أبى حَدرَدٍ الأسلَمِيِّ قال: كُنتُ فى سَريَّةٍ بَعَثَها رسولُ اللَّهِ -صلي الله عليه وسلم-
إلَى إضَمٍ؛ وادٍ مِن أوديَةِ أشجَعَ 7.
ورَواه سُلَيمانُ التَّيمِيُّ 1 عن يَزيدَ بنِ عبدِ اللهِ بنِ قُسَيطٍ عن القَعقاعِ بنِ
عُبَيدِ اللَّهِ- أو قال: ابنِ عبدِ اللَّهِ- عن أبى عبدِ اللهِ قال: بَعَثَنا
رسولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- 2.
18316 - وأخبرَنا أبو سعيدِ ابنُ أبى عمرٍو، حدثنا أبو العباسِ محمدُ
ابنُ يَعقوبَ، حدثنا أحمدُ بنُ عبدِ الحَميدِ 3 الحارِثيُّ، حدثنا أبو أُسامَةَ،
عن الوَليدِ بنِ كَثيرٍ، عن يَزيدَ بنِ عبدِ اللَّهِ بنِ قُسَيطٍ، أن رَجُلًا مِن أسلَمَ
حَدَّثَه أنَّه سَمِعَ ابنَ أبى حَدرَدٍ الأسلَمِيَّ يُحَدِّثُ أنَّه كان فى
سَريَّةٍ، فرآهُم رَجُلٌ وهو فى جَبَلٍ، فنَزَلَ إلَيهِم فسَلَّمَ عَلَيهِم، فأَخَذوه
فقَتَلوه، ففيه نَزَلَت: (وَلا تَقولوا لِمَن ألقَى إلَيكُمُ السلَمَ 4 لَستَ مُؤمِنًا
تَبتَغونَ عَرَضَ الحَياةِ الدُّنيا).
واِلرَّجُلُ الَّذِى قَتَلوه عامِرُ بنُ الأضبَطِ
الأشجَعِيُّ.
18317 - أخبرَنا أبو عبدِ اللهِ الحافظُ، حدثنا أبو العباسِ محمدُ بنُ
يَعقوبَ، حدثنا أحمدُ بنُ عبدِ الجَبّارِ، حدثنا يونُسُ بنُ بُكَيرٍ، عن ابنِ
إسحاقَ، حَدَّثَنِى محمدُ بنُ جَعفَرِ بنِ الزُّبَيرِ قال: سَمِعتُ زيادَ بنَ ضُمَيرَةَ بنِ
سَعدٍ السُّلَمِيَّ يُحَدِّثُ عُروةَ بنَ الزُّبَيرِ أن أباه وجَدَّه شَهِدا حُنَينًا مَعَ
رسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فقالا: صَلَّى بنا رسولُ اللهِ -صلي الله عليه وسلم- الظُّهرَ ثُمَّ عَمَدَ إلَى ظِلِّ
شَجَرَةٍ، فقامَ إلَيه الأقرَعُ بنُ حابِسٍ وعُيَينَةُ بنُ بَدرٍ يَختَصِمانِ فى دَمِ عامِرِ بنِ
الأضبَطِ الأشجَعِىِّ، وكانَ قَتَلَه مُحَلَّمُ بنُ جَثّامَةَ بنِ قَيسٍ، فعُيَينَةُ يَطلُبُ بدَمِ
الأشجَعِىِّ عامِرِ بنِ الأضبَطِ لأنَّه مِن قَيسٍ، والأقرَعُ بنُ حابِسٍ يَدفَعُ عن مُحَلِّمِ
ابنِ جَثامَةَ لأنَّه مِن خِندِفَ، وهو يَومَئذٍ سَيِّدُ خِندِفَ، فسَمِعنا عُيَينَةَ يقولُ:
واللَّهِ يا رسولَ اللهِ لا أدَعُه حَتَى أُذيقَ نِساءَه مِنَ الحَرِّ ما أذاقَ نِسائى.
ورسولُ اللَّهِ -صلي الله عليه وسلم- يقولُ: "تأخُذونَ الدّيَةَ؛ خَمسينَ فى سَفَرِنا هذا وخَمسينَ إذا
رَجَعنا".
وهو يأبَى، فقامَ رَجُلٌ مِن بَنى لَيثٍ يُقالُ له: مِكتَلٌ، مَجموعٌ قَصيرٌ،
فقالَ: يا رسولَ اللهِ، ما وجَدتُ لِهَذا القَتيلِ فى غُزَةِ الإِسلامِ إلا كَعَيرٍ ورَدَت
فرُ ميَت أولاها فنَفَرَت أُخراها، اسنُنِ اليَومَ وغَيِّر غَدًا.
فرَفَعَ رسولُ اللَّهِ -صلي الله عليه وسلم- يَدَه
ثُمَّ قال: "تأخُذونَ الدّيَةَ؛ خَمسينَ فى سَفَرِنا هذا وخَمسينَ إذا رَجَعنا".
فقَبِلَها
القَومُ، ثُمَّ قال: ائتوا بصاحِبِكُم يَستَغفِرْ له رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-.
فجاءوا به، فقامَ
رَجُلٌ آدَمُ 1 طَويلٌ ضَرْبٌ 2 عَلَيه حُلَّةٌ له قَد تَهَيّأ فيها لِلقَتلِ، فجَلَسَ بَينَ يَدَى
رسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-، فقالَ له: "ما اسمُكَ؟ ". فقالَ: مُحَلِّمُ بنُ جَثامَةَ.
فقالَ
رسولُ اللهِ -صلي الله عليه وسلم-: "اللَّهُمَّ لا تَغفِرْ لِمُحَلِّمِ بنِ جَثّامَةَ، اللًهُمَّ لا تَغفِرْ لِمُحَلِّمِ بنِ جَثامَةَ،
اللَهُمَّ لا تَغفِرْ لِمُحَلِّمِ بنِ جَثّامَةَ".
ثُمَّ قال له: "قُمْ".
فقامَ وهو يَتَلَفى دَمعَه بفَضلِ
رِدائه، فأَمّا نَحنُ فيما بَينَنا فنَقولُ: إنا لَنَرجو أن يَكونَ رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- قَدِ
استَغفَرَ له، ولَكِن أظهَرَ هذا ليَنزعَ النّاسُ بَعضُهُم عن بَعضِ.
فأَمّا ما
ظَهَرَ مِن رسولِ اللهِ -صلي الله عليهم وسلم- هَذا 1.
وبِمَعناه رَواه حَمّادُ بنُ سلمةَ عن محمدِ بنِ إسحاقَ 2.
18318 - وأخبرَنا أبو علىٍّ الرُّوذْبارِىُّ، أخبرَنا أبو بكرِ ابنُ داسَةَ،
حدثنا أبو داودَ، حدثنا وهبُ بنُ بَيانٍ وأَحمَدُ بنُ سعيدٍ الهَمْدانِيُّ قالا: حدثنا
ابنُ وهبٍ، أخبرَنِي عبدُ الرَّحمَنِ بنُ أبى الزِّنادِ، عن عبدِ الرَّحمَنِ بنِ
الحارِثِ، عن محمدِ بنِ جَعفَرٍ، أنَّه سَمِعَ زيادَ بنَ سَعدِ بنِ ضمَيرَةَ السُّلَمِيَّ
يُحَدِّثُ عُروةَ بنَ الزُّبَيرِ عن أبيه أن مُحَلِّمَ بنَ جَثامَةَ اللَيثِيَّ قَتَلَ رَجُلًا مِن أشجَعَ
فى الإِسلامِ، وذَلِكَ أوَّلُ غِيَرٍ 3 قَضى به رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-.
فذَكَرَ مَعناه إلَّا أنَه
قال: فقالَ رسولُ اللَّهِ -صلي الله عليه وسلم-: "يا عُيَينَةُ ألا تَقبَلُ الغِيَرَ 4؟ ". يُريدُ الدّيَةَ، وقالَ فى
آخِرِه: فقالَ رسولُ اللَّهِ -صلي الله عليه وسلم-: "أقَتَلتَه بسِلاحِكَ فى غُرَّةِ الإِسلامِ؟ اللَّهُمَّ لا تَغفِرْ
لِمُحَلِّمٍ".
بصوتٍ عالٍ، ولَم يَذكُز ما بَعدَه 5.
18319 - أخبرَنا أبو عبدِ اللهِ الحافظُ، أخبرَنا أبو عبدِ اللهِ محمدُ بنُ
عبدِ اللهِ الصَّفّارُ وأبو بكرِ ابنُ إسحاقَ الفَقيهُ قالا: أخبرَنا بشرُ بنُ موسَى،
حدثنا عبدُ اللهِ بنُ يَزيدَ المُقرِئُ، حدثنا سُلَيمانُ بنُ المُغيرَةِ، عن حُمَيدِ بنِ
هِلالٍ قال: أتَينا نَصرَ بنَ عاصِمٍ اللَّيثِيَّ فقالَ نَصرٌ: حدثنا عُقبَةُ بنُ مالكٍ -
وكانَ مِن رَهطِه- قال: بَعَثَ رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- سَريَّةً فأَغاروا على قَومٍ، فشَذَّ
رَجُلٌ مِنَ القَومِ فاتَّبَعَه رَجُلٌ مِنَ السَّريَّةِ مَعَه السَّيفُ شاهِرًا، فقالَ الشّاذُّ مِنَ
القَومِ: إنَى مسلمٌ.
فلَم يَنظُرْ فيه فضرَبَه فقَتَلَه، فنُمِىَ الحديثُ إلَى
رسولِ اللَّهِ -صلي الله عليه وسلم-، فقالَ قَولًا شَديدًا، فقالَ القاتِلُ: والقَهِ يا رسولَ اللهِ ما قال
الَّذِى قال إلا تَعَوُّذًا مِنَ القَتلِ.
فأَعرَضَ عنه ثَلاثًا، فأَعادَه فأَقبَلَ عَلَيه
رسولُ اللهِ -صلي الله عليه وسلم- تُعرَفُ المَساءَةُ فى وجهِه ثُمَّ قال: "إنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ أبَى على مَن
قَتَلَ مُؤمِنًا".
قالَها ثَلاثا (1).
تابَعَه يونُسُ بنُ عُبَيدٍ عن حُمَيدِ بنِ هِلالٍ (2)
بابُ فتحِ مَكَّةَ حَرَسَها اللَّهُ تَعالَى
18320 - أخبرَنا أبو بكرٍ محمدُ بنُ الحَسَنِ بنِ فُورَكَ، أخبرَنا عبدُ اللهِ ابنُ جَعفَرٍ، حدثنا يونُسُ بنُ حَبيبٍ، حدثنا أبو داودَ، حدثنا سُلَيمانُ بنُ المُغيرَةِ (ح) وأخبرَنا أبو عبدِ اللهِ الحافظُ واللَّفظُ له، أخبرَنا أبو عبدِ اللهِ12
محمدُ بنُ يَعقوبَ، حدثنا محمدُ بنُ إبراهيمَ وعِمرانُ بنُ موسَى قالا: حدثنا
شَيبانُ بنُ فرّوخَ، حدثنا سُلَيمانُ بنُ المُغيرَةِ، حدثنا ثابِتٌ البُنانِيُّ، عن
عبدِ اللهِ بنِ رَباحٍ -عن أبى هريرةَ- قال: وفَدَت وُفودٌ إلَى مُعاويَةَ وذَلِكَ فى
رَمَضانَ، فكانَ يَصنَعُ بَعضنا لِبَعضٍ الطَّعامَ، فكانَ أبو هريرةَ مِمّا يُكثِرُ
أن يَدعوَنا إلَى رَحلِه، فقُلتُ: ألا أصنَعُ طَعامًا وأَدعوهُم إلَى رَحلِى.
فأَمَرتُ
بطَعامٍ فصنِعَ، ثُمَّ لَقِيتُ أبا هريرةَ مِنَ العَشِىِّ فقُلتُ: الدَّعوَةُ عِندِى اللَّيلَةَ.
قال: سَبَقتَنِى.
قُلتُ: نَعَم.
فدَعَوتُهُم فقالَ أبو هريرةَ: ألا أُعَلِّمُكُم حَديثًا مِن
حَديثِكُم يا مَعشَرَ الأنصارِ.
ثُمَّ ذَكَرَ فتحَ مَكَّةَ فقالَ: أقبَلَ رسولُ اللَّهِ -صلي الله عليه وسلم- حَتَى
قَدِمَ مَكَةَ، فبَعَثَ الزُّبَيرَ على إحدَى المُجَنِّبَتَينِ، وبَعَثَ خالِدَ بنَ الوَليدِ على
المُجَنِّبَةِ الأُخرَى، وبَعَثَ أبا عُبَيدَةَ على الحُسَّرِ، فأَخَذوا بَطنَ الوادِى
ورسولُ اللهِ -صلي الله عليه وسلم- فى كَتيبَتِه فنَظَرَ فرآنِى فقالَ: "أبو هريرةَ".
قُلتُ: لَبَّيكَ يا
رسولَ اللهِ.
قال: فنَدَبَ الأنصارَ فقالَ: "لا يأتينا إلَّا أنصارِىٌّ".
فأَطافوا به.
زادَ
أبو داودَ قال: فقالَ: "اهتِفْ بالأنصارِ، ولا تأتِنِى إلَأ بأَنصارِيٍّ".
قال: ففَعَلتُه.
قال: شَيبانُ فى رِوايَتِه: وأَوبَشَت 1 قُرَيشٌ أو باشًا لَها وأَتباعًا فقالوا: نُقَدِّمُ
هَؤُلاءِ، فإِن كان لَهُم شَىءٌ كُنّا مَعَهُم، وإِن أُصيبوا أعطَينا الَّذِى سُئلنا.
فقالَ
رسولُ اللهِ -صلي الله عليه وسلم-: "تَرَونَ إلَى أوباشِ قُرَيشٍ وأَتباعِهِم؟ ". ثُمَّ قال بيَدَيه إحداهُما على
الأُخرَى، ثُمَّ قال: "حَتَّى توافونِى بالصَّفا".
زادَ أبو داودَ فى رِوايَتِه: "احصُدوهُم
حَصدًا".
قال شَيبانُ فى رِوايَتِه: قال: وانطَلَقنا، فما شاءَ أحَدٌ مِنا أن يَقتُلَ أحَدًا
إلَّا قَتَلَه، وما أحَدٌ يوَجِّهُ إلَينا شَيئًا.
قال: فجاءَ أبو سُفيانَ فقالَ: يا رسولَ اللَّهِ
أُبيحَت خَضراءُ قُرَيشٍ 1، لاقُرَيشَ بَعدَ اليَومِ.
قال: "مَن دَخَلَ دارَ أبى سُفيانَ
فهو آمِنٌ".
زادَ أبو داودَ فى رِوايَتِه: "مَن ألقَى السِّلاحَ فهو آمِنٌ".
قال شَيبانُ فى
رِوايَتِه: فقالَتِ الأنصارُ بَعضُهُم لِبَعضٍ: أمّا الرَّجُلُ فأَدرَكَته رَغبَةٌ فى قَريَتِه 2
ورأفَةٌ بعَشيرَتِه.
فقالَ أبو هريرةَ: وجاءَ الوَحيُ، وكانَ إذا جاءَ لا يَخفَى عَلَينا،
فإِذا جاءَ فلَيسَ أحَدٌ 3 يَرفَعُ طَرفَه إلَى رسولِ اللَّهِ -صلي الله عليه وسلم- حَتَى يَنقَضِىَ الوَحىُ،
فلَمّا قُضِىَ الوَحيُ قال رسولُ اللَّهِ -صلي الله عليه وسلم-: "يا مَعشَرَ الأنصارِ".
قالوا: لَبَّيكَ
رسولَ اللهِ.
قال: "قُلتُم: أمّا الرَّجُلُ فأَدرَكَته رَغبَةٌ فى قَريَته (2) ". قالوا: قَد كان
ذاكَ.
قال: "كَلَّا، إنى عبدُ اللهِ ورسولُه، هاجَرتُ إلَى اللَّهِ وِإلَيكُم، المَحيا
مَحياكُم والمَماتُ مَماتُكُم".
فأَقبَلوا إلَيه يَبكونَ ويَقولونَ: واللَّهِ ما قُلنا الَّذِى
قُلنا إلَّا الضِّنَّ باللَّهِ ورسولِهِ.
فقالَ رسولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: "إنَّ اللَّهَ ورسولَه يُصَدِّقانِكُم
ويَعذِرانِكُم".
فأَقبَلَ النّاسُ إلَى دارِ أبى سُفيانَ، وأَغلَقَ النّاسُ أبوابَهُم، وأَقبَلَ
رسولُ اللهِ -صلي الله عليه وسلم- حَتَى أقبَلَ إلَى الحَجَرِ فاستَلَمَه فطافَ بالبَيتِ، فأَتَى إلَى صَنَمٍ
إلَى جَنبِ البَيتِ كانوا يَعبُدونَه.
قال: وفِى يَدِ رسولِ اللَّهِ -صلي الله عليه وسلم- قَوسٌ وهو آخِذٌ
بسِيَةِ القَوسِ 4، فلَمّا أتَى على الصَّنَمِ جَعَلَ يَطعُنُ فى عَينِه ويَقولُ: "جاءَ
الحَقُّ وزَهَقَ الباطِلُ، إنَّ الباطِلَ كان زَهوقًا".
فلَمّا فرَغَ مِن طَوافِه أتَى الصَّفّا
فعَلا عَلَيه، حَتَّى نَظَرَ إلَى البَيتِ فرَفَعَ يَدَيه وجَعَلَ يَحمَدُ اللَّهَ ويَدعو بما شاءَ
أن يَدعوَ 1. رَواه مسلمٌ فى "الصحيح" عن شَيبانَ بنِ فرّوخَ، وأَخرَجَه مِن
حَديثِ بَهزِ بنِ أسَدٍ عن سُلَيمانَ بنِ المُغيرَةِ، وذَكَرَ اللَّفظَةَ التى زادَها أبو
داودَ 2.
18321 - وأخبرَنا أبو عبدِ اللَّهِ الحافظُ، أخبرَنا أبو الفَضلِ ابنُ
إبراهيمَ، حدثنا أحمدُ بنُ سلمةَ، حدثنا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ، أخبرَنا عَفّانُ،
حدثنا حَمّادُ بنُ سلمةَ، عن ثابِتٍ البُنانِىِّ، عن عبدِ اللهِ بنِ رَباحٍ، عن أبى
هريرةَ.
فذَكَرَ الحديثَ، قال فيه: فجاءَتِ الأنصارُ فأَحاطوا برسولِ اللَّه -صلى الله عليه وسلم-
عِندَ الصَّفا، فجاءَ أبو سُفيانَ فقالَ: يا رسولَ اللَّهِ، أُبيدَت خَضراءُ قُرَيشٍ، لا
قُرَيشَ بَعدَ اليَومِ.
فقالَ: "مَن دَخَلَ دارَه فهو آمِنٌ، ومَن ألقَى سِلاحَه فهو آمِنٌ، ومَن
دَخَلَ دارَ أبى سُفيانَ فهو آمِنٌ، ومَن أغلَقَ بابَه فهو آمِنٌ" 3. أخرَجَه مسلمٌ في
"الصحيح" مِن حَديثِ يَحيَى بنِ حَسّانَ عن حَمّادٍ، إلَّا أنَّه لَم يَذكُرْ قَولَه: "مَن
دَخَلَ دارَه فهو آمِنٌ" 4.
18322 - أخبرَنا أبو على الرُّوذْبارِيُّ، أخبرَنا أبو بكرِ ابنُ داسَةَ،
حدثنا أبو داودَ، حدثنا مُسلِمُ بنُ إبراهيمَ، حدثنا سَلَّامُ بنُ مِسكينٍ، حدثنا ثابِتٌ
البُنانِيُّ، عن عبدِ اللهِ بنِ رَباحٍ الأنصارِيِّ، عن أبى هريرةَ، أن النَّبِيَّ -صلي الله عليه وسلم- لما
دخَلَ مَكَةَ سَرَّحَ الزُّبَيرَ بنَ العَوّامِ وأَبا عُبَيدَةَ ابنَ الجَرّاحِ وخالِدَ بنَ الوَليدِ
على الخَيلِ وقالَ: "يا أبا هريرةَ اهتِفْ بالأنصارِ".
قال: "اسلُكوا هذا الطَّريقَ،
فلا يُشرِفَنَّ لَكُم أحَدٌ الأ أنَمتُموه 1 ". فنادَى مُنادٍ 2: لا قُرَيشَ بَعدَ اليَومِ.
فقالَ
رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: "مَن دَخَلَ دارًا فهو آمِنٌ، ومَن ألقَى السِّلاحَ فهو آمِنٌ".
وعَمَدَ صَناديدُ قُرَيشٍ فدَخَلوا الكَعبَةَ فغَصَّ 3 بهِم، وطافَ النَّبِيُّ -صلي الله عليه وسلم- وصلَّى
خَلفَ المَقامِ، ثُمَّ أخَذَ بجَنَبَتَىِ 4 البابِ، فخَرَجوا فبايَعوا النَبِىَّ -صلى الله عليه وسلم- على
الإسلامِ 5.
18323 - زادَ فيه القاسِمُ بنُ سَلَّامِ بنِ مِسكينٍ عن أبيه بهَذا الإِسنادِ
قال: ثُمَّ أتَى الكَعبَةَ فأَخَذَ بعِضادَتَىِ البابِ فقالَ: "ما تَقولونَ وما تَظُنّونَ؟ ".
قالوا: نَقولُ: ابنُ أخٍ وابنُ عَمٍّ حَليمٌ رَحيمٌ.
قال: وقالوا ذَلِكَ ثَلاثًا، فقالَ
رسولُ اللهِ -صلي الله عليه وسلم-: "أقولُ كما قال يوسُفُ: {لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ
لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} [يوسف: 92] ". قال: فخَرَجوا كأنَّما نُشِروا مِنَ
القُبورِ، فدَخَلوا فى الإِسلامِ.
أخبرَناه أبو بكرِ ابنُ المُؤَمَّلِ، أخبرَنا أبو سعيدٍ
الرّازِىُّ، حدثنا محمدُ بنُ أيّوبَ، أخبرَنا القاسِمُ بنُ سَلَّامٍ.
فذَكَرَه (1). وفيما
حَكَى الشّافِعِيُّ عن أبى يوسُفَ فى هذه القِصَّةِ أنَّه قال لَهُم حينَ اجتَمَعوا فى
المَسجِدِ: "ما تَرَونَ أنِّى صانِعٌ بكُم؟ ". قالوا: خَيرًا، أخ ٌكَريمٌ وابنُ أخ كَريمٍ.
قال: "اذهَبوا فأَنتُمُ الطُّلَقاءُ" (2).
قال الشيخُ: وإِنَّما أطلَقَهُم بالأمانِ الأوَّلِ الَّذِى عَقَدَه على شَرطِ قَبولِهِم،
فلَمّا قَبِلوه قال: "أنتُمُ الطُّلَقاءُ".
يَعنِى بالأمانِ الأوَّلِ، واللَّهُ أعلَمُ.
18324 - أخبرَنا أبو علىٍّ الرُّوذْبارِيُّ، أخبرَنا محمدُ بنُ بكرٍ، حدثنا أبو
داودَ، حدثنا عثمانُ بنُ أبى شَيبَةَ، حدثنا يَحيَى بنُ آدَمَ، حدثنا ابنُ إدريسَ،
عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن الزُّهرِىِّ، عن عُبَيدِ اللَّهِ بنِ عبدِ اللَّهِ بنِ عُتبَةَ، عن
ابنِ عباسٍ -رضي الله عنهما-، أن رسولَ اللهِ -صلي الله عليه وسلم- عامَ الفَتحِ جاءَه العباسُ بنُ عبدِ المُطلِبِ
بأَبِى سُفيانَ ابنِ حَربٍ فأَسلَمَ بمَرِّ الظَّهرانِ، فقالَ له العباسُ: يا رسولَ اللَّهِ،
إنَّ أبا سُفيانَ رَجُلٌ يُحِبُّ هذا الفَخرَ، فلَو جَعَلتَ له شَيئًا.
قال: "نَعَم، مَن دَخَلَ
دارَ أبى سُفيانَ فهو آمِنٌ، ومَن أغلَقَ بابَه فهو آمِنٌ" 3.12
18325 - أخبرَنا أبو عليٍّ الرُّوذْبارِيُّ، أخبرَنا محمدُ بنُ بكرٍ، حَدَّثَنَا
أبو داودَ، حَدَّثَنَا محمدُ بنُ عمرٍو الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بنُ الفَضلِ، عن
محمدِ بنِ إسحاقَ، عن العباسِ بنِ عبدِ اللَّهِ بنِ مَعبَدٍ، عن بَعضِ أهلِه،
عن ابنِ عباسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قال: لما نَزَلَ رسولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَرَّ 1 الظَّهرانِ قال العباسُ:
قلُتُ: واللهِ لَئن دَخَلَ رسولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَكَّةَ عَنوَةً قبلَ أن يأتوه فيَستأمِنوه إنَّه
لَهَلاكُ قُرَيشٍ.
فجَلَستُ على بَغلَةِ رسولِ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقُلتُ: لَعلِّى أجِدُ ذا
حاجَةٍ يأتِى أهلَ مَكَّةَ فيُخبِرُهُم بمَكانِ رسولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ليَخرُجوا إلَيه
فيَستأمِنوه.
وإِنِّى لأسيرُ سَمِعتُ كَلامَ أبى سُفيانَ وبُدَيلِ بنِ ورقاءَ فقُلتُ:
يا أبا حَنظَلَةَ.
فعَرَفَ صَوتِى، قال: أبو الفَضلِ؟ قُلتُ: نَعَم.
قال: ما لَكَ
فِداكَ أبى وأُمِّى؟ قُلتُ: هذا رسولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - والنّاسُ.
قال: فما الحيلَةُ؟ قال:
فرَكِبَ خَلفِى ورَجَعَ صاحِبُه، فلَمَّا أصبَحَ غَدَوتُ به على رسولِ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فأَسلَمَ،
قُلتُ: يا رسولَ اللهِ، إنَّ أبا سُفيانَ رَجُل يُحِبُّ هذا الفَخرَ، فاجعَلْ له
شَيئًا.
قال: "نَعَم، مَن دَخَلَ دارَ أبى ل فيانَ فهو آمِنٌ، ومَن أغلَقَ عَلَيه دارَه فهو
آمِنٌ، ومَن دَخَلَ المَسجِدَ فهو آمِنٌ".
قال: فتَفَرَّقَ النَّاسُ إلَى دورِهِم وإِلَى
المَسجِدِ 2.
18326 - أخبرَنا أبو عبدِ اللهِ الحافظُ، أخبرَنا أبو الفَضلِ محمدُ بنُ = وحسَّنه الألباني فى صحيح أبى داود (2611).
إبراهيمَ المُزَكِّي، حَدَّثَنَا الحُسَينُ بنُ محمدِ بنِ زيادٍ، حَدَّثَنَا محمدُ بنُ العَلاءِ،
حَدَّثَنَا أبو أُسامَةَ (ح) قال: وأَخبَرَنِى أحمدُ بنُ محمدٍ النَّسَوِىُّ واللَّفظُ له،
حَدَّثَنَا حَمَّادُ بنُ شاكِرٍ، حَدَّثَنَا محمدُ بنُ إسماعيلَ، حَدَّثَنَا عُبَيدُ بنُ إسماعيلَ،
حَدَّثَنَا أبو أُسامَةَ، عن هِشامِ بنِ عُروةَ، عن أبيه قال: لما سارَ رسولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
عامَ الفَتحِ فبَلَغَ ذَلِكَ قُرَيشًا خَرَجَ أبو سُفيانَ ابنُ حَربٍ وحَكيمُ بنُ حِزامٍ وبُدَيلُ
ابنُ ورقاءَ يَلتَمِسونَ الخَبَرَ عن رسولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فأَقبَلوا يَسيرونَ حَتَّى أتَوا مَرَّ
الظَّهرانِ، فإِذا هُم بنيرانٍ كأنَّها نيرانُ عَرَفَةَ، فقالَ أبو سُفيانَ: ما هَذِهِ؟ لَكأنَّها
نيرانٌ 1. فقالَ بُدَيلُ بنُ ورقاءَ: نيرانُ بَنِى عمرٍو.
قال أبو سُفيانَ: عمرٌو أقَلُّ
مِن ذَلِكَ.
فرآهُم ناس مِن حَرَسِ رسولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فأَدرَكوهُم فأَخَذوهُم، فأَتَوا
بهِم رسولَ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فأَسلَمَ أبو سُفيانَ، فلَمّا سارَ قال لِلعباسِ: "احبِسْ أبا
سُفيانَ عِندَ [خَطمِ الجَبَلِ] 2 حَتَّى يَنظُرَ إلَى المُسلِمينَ".
فحَبَسَه العباسُ، فجَعَلَتِ
القَبائلُ تَمُرُّ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَمُرُّ كَتيبَةً كَتيبَة على أبى سُفيانَ، فمَرَّت كَتيبَةٌ قال: يا
عباسُ مَن هَذِهِ؟ قال: هذه غِفارُ.
قال: ما لِى ولِغَفارَ.
ثُمَّ مَرَّت جُهَينَةُ فقالَ مِثلَ
ذَلِكَ، ثُمَّ مَرَّت سَعدُ بنُ هُذَيمٍ فقالَ مِثلَ ذَلِكَ، ومَرَّت سُلَيمٌ فقالَ مِثلَ ذَلِكَ،
حَتَّى أقبَلَت كَتيبَةٌ لَم يَرَ مِثلَها قال: مَن هَذِهِ؟ قال: هَؤُلاءِ الأنصارُ عَلَيهِم سَعدُ
ابنُ عُبادَةَ مَعَه الرَّايَةُ.
فقالَ سَعدُ بنُ عُبادَةَ: يا أبا سُفيانَ، اليَومُ يَومُ المَلحَمَةِ،
اليَومَ تُستَحَلُّ الكَعبَةُ.
فقالَ أبو سُفيانَ: يا عباسُ، حَبَّذا يَومُ الذِّمارِ 1. ثُمَّ
جاءَت كَتيبَةٌ، وهِىَ أقَلُّ الكَتائبِ، فيهِم رسولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأَصحابُه، ورايَةُ
النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَعَ الزُّبَيرِ بنِ العَوَّامِ، فلَمّا مَرَّ رسولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بأَبِى سُفيانَ
قال: ألَم تَعلَمْ ما قال سَعدُ بنُ عُبادَةَ؟ قال: "ما قالَ؟ ". قال 2: كَذا وكَذا.
قال: "كَذَبَ سَعدٌ، ولَكِن هذا يَومٌ يُعَظِّمُ اللهُ فيه الكَعبَةَ، ويَومٌ تُكسَى فيه
الكَعبَةُ".
قال: وأَمَرَ رسولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن تُركَزَ رايَتُه بالحَجونِ.
قال عُروَةُ:
فأَخبَرَنِى نافِعُ بنُ جُبَيرِ بنِ مُطعِمٍ يقولُ 3: سَمِعتُ العباسَ يقولُ لِلزُّبَيرِ بنِ
العَوّامِ: يا أبا عبدِ اللَّهِ، ههنا أمَرَكَ رسولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن تَركُزَ الرَّايَةَ؟ قال:
فأَمَرَ رسولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَومَئذٍ خالِدَ بنَ الوَليدِ أن يَدخُلَ مَكَّةَ مِن كَداءٍ 4،
ودَخَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِن كُدًى 5، فقُتِلَ مِن خَيلِ خالِدِ بنِ الوَليدِ يَومَئذٍ
رَجُلانِ؛ حُبَيشُ ابنُ الأشعَرِ وكُرزُ بنُ جابِرٍ الفِهرِيُّ.
أَخرَجَه البخاريُّ فى
"الصحيح" هَكَذا 6.
18327 - أخبرَنا أبو نَصرِ ابنُ قَتادَةَ، أخبرَنا أبو الحَسَنِ محمدُ بنُ
أحمدَ بنِ زَكَريّا الأديبُ، حَدَّثَنَا الحُسَينُ بنُ محمدِ بنِ زيادٍ القَبّانِيُّ، حَدَّثَنَا أبو
كُرَيبٍ، حَدَّثَنَا زَيدُ بنُ الحُبابِ، حَدَّثَنِي عُمَرُ بنُ عثمانَ بنِ عبدِ الرَّحمَنِ بنِ
سعيدٍ المَخزومِىُّ، حَدَّثَنِي جَدِّي، عن أبيه، أن رسولَ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال يَومَ
فتحِ مَكَّةَ: "أمِنَ النّاسُ إلَّا هَؤُلاءِ الأربَعَةَ لا 1 يُؤمَنونَ فى حِلٍّ ولا حَرَمٍ؛ ابنُ
خَطَلٍ ومِقيَسُ ابنُ صُبابَةَ 2 وعَبدُ اللَّهِ بنُ أبى سَرح وابنُ نُقَيدٍ".
فأَمّا ابنُ خَطَلٍ فقَتَلَه
الزُّبَيرُ بنُ العَوّامِ، وأَمّا عبدُ اللَّهِ بنُ سَعدِ بنِ أبى سَرحٍ فاستأمَنَ له عثمانُ
فأومِنَ، وكانَ أخاه مِنَ الرَّضاعَةِ فلَم يُقتَلْ، ومِقيَسُ بنُ صُبابَةَ قَتَلَه ابنُ عَمٍّ له
لَحًّا 3 قَد سَمّاه، وقَتَلَ على ابنَ نُقَيدٍ وقَينَتَينِ كانَتا لِمِقيَسٍ، فقُتِلَت إحداهُما
وأَفلَتَتِ الأُخرَى فأَسلَمَت 4. أبو جَدِّه سعيدُ بنُ يَربوعٍ المَخزومِىُّ، قالَه
القَبّانِيُّ.
وفِى حَديثِ أنَس بنِ مالكٍ فيمَن أمَرَ بقَتلِه: أُمُّ سارَةَ مَولاةٌ لِقُرَيشٍ.
وفِى رِوايَةِ ابنِ إسحاقَ فى "المغازى": سارَةُ مَولاةٌ لِبَعضِ بَنِى
عبدِ المُطَّلِبِ، وكانَت مِمَّن يُؤذيه بمَكَّةَ.
18328 - أخبرَنا أبو عبدِ اللهِ الحافظُ، أخبرَنا أبو جَعفَرٍ محمدُ بنُ
محمدِ بنِ عبدِ اللهِ البَغدادِىُّ، حَدَّثَنَا أبو عُلاثَةَ محمدُ بنُ عمرِو بنِ خالِدٍ،
حَدَّثَنَا أبو عمرِو ابنُ خالِدٍ، حَدَّثَنَا ابنُ لَهيعَةَ، حَدَّثَنَا أبو الأسوَدِ، عن عُروةَ بنِ
الزُّبَيرِ (ح) وأخبرَنا أبو الحُسَينِ ابنُ الفَضلِ القَطَّانُ ببَغدادَ، أخبرَنا أبو بكرِ ابنُ
عَتابٍ، حَدَّثَنَا القاسِمُ الجَوهَرِىُ، حَدَّثَنَا ابنُ أبى أوَيسٍ، حَدَّثَنَا إسماعيلُ بنُ
إبراهيمَ بنِ عُقبَةَ، عن عَمِّه موسَى بنِ عُقبَةَ - وهَذا لَفظُ حَديثِ موسَي،
وحَديثُ عُروةَ بمَعناه - قال: ثُمَّ إنَّ بَنِى نُفاثَةَ مِن بَنِى الدِّيلِ أغاروا على بَنِى
كَعبٍ وهُم فى المُدَّةِ التى بَينَ رسولِ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وبَينَ قُرَيشٍ، وكانَت 1
بَنو كَعبٍ فى صُلحِ رسولِ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وكانَت بَنو نُفاثَةَ فى صُلحِ قُرَيشٍ، فأَعانَت
بَنو بكل بَنِى نُفاثَةَ وأَعانَتهُم قُرَيشٌ بالسِّلاحِ والرَّقيقِ.
فذَكَرَ القِصَّةَ قال: فخَرَجَ
رَكبٌ مِن بَنى كَعبٍ حَتَّى أتَوا رسولَ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فذَكَروا له الَّذِى أصابَهُم وما كان
مِن قُرَيشٍ عَلَيهِم فى ذَلِكَ.
ثُمَّ ذَكَرَ قِصَّةَ خُروجِ رسولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى مَكَّةَ، وقِصَّةَ
العباسِ وأَبِى سُفيانَ حينَ أُتِىَ به رسولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بمَر الظَّهرانِ ومَعَه حَكيمُ ابنُ
حِزامٍ وبُدَيلُ بنُ ورقاءَ، قال: فقالَ أبو سُفيانَ وحَكيمٌ: يا رسولَ اللهِ، ادعُ
النّاسَ إلَى الأمانِ، أرأيتَ إنِ اعتَزَلَت قُرَيشٌ فكَفَّت أيديَها، آمِنونَ هُم؟ قال
رسولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "نَعَم، مَن كَفَّ يَدَه وأَغلَقَ دارَه فهو آمِنٌ".
قالوا: فابعَثْنا نُؤَذِّنْ
بذَلِكَ فيهِم.
قال: "انطَلِقوا، فمَن دَخَلَ دارَكَ يا أبا سُفيانَ ودارَكَ يا حَكيمُ وكَفَّ يَدَه
فهو آمِنٌ".
ودارُ أبى سُفيانَ بأَعلَى مَكَّةَ ودارُ حَكِيمٍ بأَسفَلِ مَكَّةَ، فلَمّا تَوَجَّها
ذاهِبَينِ قال العباسُ: يا رسولَ اللَّهِ، إنِّى لا آمَنُ أبا سُفيان أن يَرجِعَ عن
إسلامِهِ، [فاردُدْه حَتَّى نَقِفَه] 1 ويَرَى جُنودَ اللَّهِ مَعَكَ.
فأَدرَكَه عباسٌ فحَبَسَه،
فقالَ أبو سُفيانَ: أغَدرًا يا بَنِى هاشِمٍ؟ فقالَ العباسُ: سَتَعلَمُ أنا لَسنا
نَغدِرُ 2، ولَكِن لِى إلَيكَ حاجَةٌ، فأَصبحْ حَتَّى تَنظُرَ جُنودَ اللهِ.
ثُمَّ ذَكَرَ قِصَّةَ
إيقافِ أبى سُفيانَ حَتَّى مَرَّت به الجُنودُ، قال: وبَعَثَ رسولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الزُّبَيرَ
ابنَ العَوَّامِ على المُهاجِرينَ وخَيلِهِم، وأَمَرَه أن يَدخُلَ مِن كَداءٍ مِن أعلَى
مَكَّةَ، وأَعطاه رايَتَه، وأَمَرَه أن يَغرِزَها بالحَجونِ ولا يَبرَحَ حَيثُ أمَرَه أن
يَغرِزَها حَتَّى يأتيَه، وبَعَثَ خالِدَ بنَ الوَليدِ فيمَن كان أسلَمَ مِن قُضاعَةَ وبَنِى
سُلَيمٍ وناسًا أسلَموا قبلَ ذَلِكَ، وأَمَرَه أن يَدخُلَ مِن أسفَلِ مَكَّةَ، وأَمَرَه أن
يَغرِزَ رايَتَه عِندَ أدنَى البُيوتِ بأَسفَلِ مَكَّةَ، وبِأَسفَلِ مَكَّةَ بَنو بكرٍ وبَنو الحارِثِ
ابنِ عبدِ مَناةٍ وهُذَيلٌ ومَن كان مَعَهُم مِنَ الأحابيشِ قَدِ استَنصَرَت بهِم
قُرَيشٌ، فأَمَرَهُم أن يَكونوا بأَسفَلِ مَكَّةَ، وبَعَثَ رسولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَعدَ بنَ
عُبادَةَ فى كَتيبَةِ الأنصارِ فى مُقَدِّمَةِ رسولِ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وأَمَرَهُم رسولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
أن يَكُفّوا أيديَهُم فلا يُقاتِلوا أحَدًا إلَّا مَن قاتَلَهُم، وأَمَرَهُم 3 بقَتلِ
أربَعَةِ نَفَرٍ؛ مِنهُم عبدُ اللهِ بنُ سَعدِ بنِ أبى سَرحٍ، والحارِثُ بنُ نُقَيدٍ، وابنُ
خَطَلٍ، ومِقيَسُ بنُ صُبابَةَ، وأَمَرَ بقَتلِ قَينَتَينِ لابنِ خَطَلٍ كانَتا تُغَنّيانِ بهِجاءِ
رسولِ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فمَرَّتِ الكَتائبُ يَتلو بَعضُها بَعضًا على أبى سُفيانَ وحَكيمٍ
وبُدَيلٍ، لا تَمُرُّ عَلَيهِم كَتيبَة إلَّا سألوا عَنها، حَتَّى مَرَّت عَلَيهِم كَتيبَةُ الأنصارِ
فيها سَعدُ بنُ عُبادَةَ، فنادَى سَعدٌ أبا سُفيانَ: اليَومُ يَومُ المَلحَمَةِ، اليَومَ
تُستَحَلُّ الحُرمَةُ.
فلَمَّا مَرَّ رسولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بأَبِى سُفيانَ فى المُهاجِرينَ قال:
يا رسولَ اللهِ، أمَرتَ بقَومِكَ أن يُقتَلوا؟ فإِنَّ سَعدَ بنَ عُبادَةَ ومَن مَعَه حينَ
مَرُّوا بى نادانِى سَعدٌ فقالَ: اليَومُ يَومُ المَلحَمَةِ، اليَومَ تُستَحَلُّ الحُرمَةُ.
وإِنِّى أُناشِدُكَ اللهَ فى قَومِكَ.
فأَرسَلَ رسولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى سَعدِ بنِ عُبادَةَ
فعَزَلَه وجَعَلَ الزُّبَيرَ بنَ العَوَّامِ مَكانَه على الأنصارِ مَعَ المُهاجِرينَ، فسارَ
الزُّبَيرُ بالنَّاسِ حَتَّى وقَفَ بالحَجونِ، وغَرَزَ بها رأيَةَ رسولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، واندَفَعَ
خالِدُ بنُ الوَليدِ حَتَّى دَخَلَ مِن أسفَلِ مَكَّةَ، فلَقِيَته بَنو بكرٍ فقاتَلوه فهُزِموا،
وقُتِلَ مِن بَنى بكرٍ قَريبٌ مِن عِشرينَ رَجُلًا، ومِن هُذَيلٍ ثَلاثَة أو أربَعَة،
وانهَزَموا وقُتِلوا بالحَزوَرَةِ 1 حَتَّى بَلَغَ قَتلُهُم بابَ المَسجِدِ، وفَرَّ فضَضُهُم 2
حَتَّى دَخَلوا الدُّورَ، وارتَفَعَت 3 طائفَةٌ مِنهُم على الجِبالِ واتَّبَعَهُمُ المُسلِمونَ
بالسُّيوفِ، ودَخَلَ رسولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فى المُهاجِرينَ الأَوَّلينَ فى أُخرَياتِ
النّاسِ، وصاحَ أبو سُفيانَ حينَ دَخَلَ مَكَّةَ: مَن أغلَقَ دارَه وكَفَّ يَدَه فهو
آمِنٌ.
فقالَت له هِندُ بنتُ عُتبَةَ وهِىَ امرأتُه: قَبَّحَكَ اللَّهُ مِن طَليعَةِ قَومٍ،
وقَبَّحَ عَشيرَتَكَ مَعَكَ.
وأَخَذَت بلِحيَةِ أبى سُفيانَ ونادَت: يا آلَ غالِبٍ اقتُلوا
الشيخَ الأحمَقَ، هَلَّا قاتَلتُم ودَفَعتُم عن أنفُسِكُم وبِلادِكُم؟ ! فقالَ لَها أبو
سُفيانَ: ويحَكِ اسكُتِى وادخُلِى بَيتَكِ، فإِنَّه جاءَنا بالخُلُقِ 1. ولَمَّا عَلا
رسولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثَنيَّةَ كَداءٍ نَظَرَ إلَى البارِقَةِ على الجَبَلِ مَعَ فضضِ المُشرِكينَ
فقالَ: "ما هذا وقَد نَهَيتُ عن القِتالِ؟ ". فقالَ المُهاجِرونَ: نَظُنُّ أن خَالِدًا قوتِلَ
وبُدِئَ بالقِتالِ فلَم يَكُنْ له بُدٌّ مِن أن يُقاتِلَ مَن قاتَلَه، وما كان يا رسولَ اللَّهِ
ليَعصيَكَ ولا ليُخالِفَ أمرَكَ.
فهَبَطَ رسولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنَ الثَّنيَّةِ فأَجازَ
على الحَجونِ، واندَفَعَ الزُّبَيرُ بنُ العَوَّامِ حَتَّى وقَفَ ببابِ الكَعبَةِ.
وذَكَرَ
القِصَّةَ قال فيها: وقالَ رسولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِخالِدِ بنِ الوَليدِ: "لِمَ قاتَلتَ وقَد
نَهَيتُكَ عن القِتالِ؟ ". فقالَ: هُم بَدءُونا بالقِتالِ، ووَضَعوا فينا السِّلاحَ،
وأَشعَرونا 2 بالنَّبلِ، وقَد كَفَفتُ يَدِى ما استَطَعتُ.
فقالَ رسولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -:
"قَضَاءُ اللهِ عَزَّ وجَلَّ خَيرٌ" 3.
18329 - أخبرَنا أبو عليٍّ الرُّوذْبارِىُّ، أخبرَنا محمدُ بنُ بكرٍ، حَدَّثَنَا أبو
داودَ، حَدَّثَنَا الحَسَنُ بنُ الصَّبَّاحِ، حَدَّثَنَا إسماعيلُ بنُ عبدِ الكَريمِ، حَدَّثَنِي
إبراهيمُ بنُ عَقيلِ بنِ مَعقِلٍ، عن أبيه، عن وهب قال: سألتُ جايرًا: هَل
غَنِموا يَومَ الفَتحِ شَيئًا؟ قال: لا 1.
18330 - وأخبرَنا أبو عبدِ اللهِ الحافظُ، حَدَّثَنَا أبو العباسِ محمدُ بنُ
يَعقوبَ، حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ عبدِ الجَبَّارِ، حَدَّثَنَا يونُسُ، عن ابنِ إسحاقَ،
حَدَّثَنِي يَحيَى بنُ عَبَّادٍ، عن أبيه، عن أسماءَ بنتِ أبى بكرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - فى قِصَّةِ أبى
قُحافَةَ وابنَةٍ له مِن أصغَرِ ولَدِه كانَت تَقودُه يَومَ الفَتحِ، حَتَّى إذا هَبَطَت به إلَى
الأبطَحِ لَقِيَتها الخَيلُ وفِى عُنُقِها طَوقٌ لَها مِن ورِقٍ، فاقتَطَعَه إنسانٌ مِن عُنُقِها،
فلَمّا دَخَلَ رسولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - المَسجِدَ خَرَجَ أبو بكرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - حَتَّى جاءَ بأَبيه.
فذَكَرَ
الحديثَ فى إسلامِه، ثُمَّ قامَ أبو بكرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فأَخَذَ بيَدِ أُختِه فقالَ: أنشُدُهُم باللهِ
والإسلامِ طَوقَ أُختِى.
فواللهِ ما أجابَه أحَدٌ، ثُمَّ قال الثانيَةَ، فما أجابَه أحَدٌ،
فقالَ: يا أُخَيَّةُ، احتَسِبِى طَوقَكِ، فواللهِ إنَّ الأمانَةَ اليَومَ فى النّاسِ لَقَليلٌ 2.
وهَذا يَدُل على أنَّهُم لَم يَغنَموا شَيئًا، وأَنَّها فُتِحَت صُلحًا؛ إذ لَو فُتِحَت
عَنوَةً لَكانَت وما مَعَها غيمَةً، ولَكانَ أبو بكرٍ لا يَطلُبُ طَوقَها.
18331 - حَدَّثَنَا أبو عبدِ اللهِ الحافظُ إملاءً وقِراءَة قال 4: حَدَّثَنَا
أبو العباسِ محمدُ بنُ يَعقوبَ، حَدَّثَنَا بَحرُ بنُ نَصرٍ الخَولانِيُّ، حَدَّثَنَا ابنُ3
وهبٍ، أخبرَنِي يونُسُ بنُ يَزيدَ، عن ابنِ شِهابٍ، أخبرَنِى عليُّ بنُ حُسَينٍ، أن عمرَو بنَ عثمانَ أخبَرَه عن أُسامَةَ بنِ زَيدٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قال: يا رسولَ اللَّهِ، أتَنزِلُ فى دارِكَ بمَكَّةَ؟ قال: "وهَل تَرَكَ لَنا عَقيلٌ مِن رِباع أو دُورٍ؟ ". وكانَ عَقيلٌ ورِثَ أبا طالِبٍ هو وطالِبٌ، ولَم يَرِثْه عليٌّ ولا جَعفَرٌ شَيئًا؛ لأنَّهُما كانا مُسلِمَينِ، وكانَ عَقيلٌ وطالِبٌ كافِرَينِ (1). أخرَجَه البخارىُّ ومُسلِمٌ فى "الصحيح" مِن حَديثِ ابنِ وهبٍ كما مَضَى (2).
بابُ ما قُسِمَ مِنَ الدُّورِ والأراضِى فى الجاهِليَّةِ،
ثُمَّ أسلَمَ أهلُها عَلَيها
18332 - أخبرَنا أبو سعيدِ ابنُ أبى عمرٍو، حَدَّثَنَا أبو العباسِ محمدُ بنُ
يَعقوبَ، أخبرَنا الرَّبيعُ بنُ سُلَيمانَ قال: سألتُ الشّافِعِيَّ عن أهلِ الدّارِ مِن
أهلِ الحَربِ يَقسِمونَ الدّارَ، ويَملِكُ بَعضهُم على بَعضٍ على ذَلِكَ القَسْمِ
ويُسلِمونَ، ثُمَّ يُريدُ بَعضُهُم أن يَنقُضَ ذَلِكَ القَسْمَ ويَقسِمَه على قَسْمِ
الأموالِ؛ فقالَ: لَيس ذَلِكَ له.
فقُلتُ: وما الحُجَّةُ فى ذَلِكَ؟ قال: الاستِدلالُ
بمَعنَى الإجماعِ والسُّنَّةِ.
فذَكَرَ ما لا يُؤاخَذونَ به مِن قَتلِ بَعضِهِم بَعضًا وسَبىِ
بَعضِهِم بَعضًا وغَصبِ بَعضِهِم بَعضًا، ثُمَّ قال: مَعَ أنَّه أخبرَنا مالكٌ، عن ثَورِ
ابنِ زَيدٍ الدَّيلِيِّ قال: بَلَغَنِى أن رسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "أيُّما دارٍ أو أرضٍ قُسِمَت12
فى الجاهِليةِ فهِىَ على قَسْمِ الجاهِليَّةِ، وأَيُّما دارٍ أو أرضٍ أدرَكَها الإسلامُ لَم تُقسَمْ
فهِىَ على قَسْمِ الإسلامِ" 1. قال الشَّافِعِيُّ: ونَحنُ نَروِى فيه حَديثًا أثبَتَ مِن
هذا 2 بمِثلِ مَعناه 3.
قال الشيخُ: ولَعَلَّه أرادَ ما:
18333 - أخبرَنا أبو عبدِ اللهِ الحافظُ، أخبرَنا [أحمدُ بنُ محمدِ بنِ] 4
زيادٍ النَّحوِىُّ، حَدَّثَنَا محمدُ بنُ أحمدَ بنِ حُمَيدِ بنِ نُعَيمٍ المَروَزِىُّ، حَدَّثَنَا
موسَى بنُ داودَ (ح) وأخبرَنا عليُّ بنُ أحمدَ بنِ عبدانَ، أخبرَنا أحمدُ بنُ عُبَيدٍ
الصَّفّارُ، حَدَّثَنَا تَمتامٌ، حَدَّثَنَا موسَى بنُ داودَ، حَدَّثَنَا محمدُ بنُ مُسلِمٍ، عن
عمرِو بنِ دينارٍ، عن أبى الشَّعثاءِ جابِرِ بنِ زَيدٍ، عن ابنِ عباسٍ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، عن
النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - - قال: "كُلّ قَسْمٍ قُسِمَ فى الجاهِليَّةِ فهو على ما قُسِمَ عَلَيه، وكُلُّ قَسْمٍ قُسِمَ
فى الإسلامِ فهو على مما قُسِمَ فى الإسلامِ" 5. لَفظُ حَديثِ تَمتامٍ.
وقَد روِىَ حَديثُ مالكٍ مَوصولًا:
18334 - أخبرَناه أبو عبدِ اللهِ الحافظُ، حَدَّثَنِي محمدُ بنُ المُظَفَّرِ
الحافظُ، حَدَّثَنَا أبو بكرِ ابنُ أبى داودَ، حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ حَفصٍ، حَدَّثَنِي أبي،
حَدَّثَنَا إبراهيمُ بنُ طَهمانَ، عن مالكٍ، عن ثَورِ بنِ زَيدٍ، عن عِكرِمَةَ، عن ابنِ عباسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قال: قال رسولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: . فذَكَرَه مِثلَ رِوايَةِ الشّافِعِيِّ رَحِمَه اللَّهُ (1).
بابُ تَركِ أخذِ المُشرِكينَ بما أصابوا
18335 - أخبرَنا أبو عبدِ اللهِ الحافظُ، أخبرنِى أبو عمرٍو المُقرِئُ،
حَدَّثَنَا الحَسَنُ بنُ سُفيانَ، حَدَّثَنَا هِشامُ بنُ عَمَّارٍ وأبو بكرِ ابنُ أبى شَيبَةَ
قالا: حَدَّثَنَا حاتِمُ بنُ إسماعيلَ، حَدَّثَنَا جَعفَرُ بنُ محمدٍ، عن أبيه، عن
جابِرٍ فى قِصَّةِ حَجِّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، عن النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنَّه قال فى خُطبَتِه: "ألا وَإِنَّ
كُلَّ شَىءٍ مِن أمرِ الجاهِليَّةِ مَوضُوعٌ تَحتَ قَدَمَيَّ، ودِماءُ الجاهِليَّةِ مَوضُوعَةٌ، وأَوَّلُ
دَمٍ أضَعُه مِن دِمائنا دَمُ رَبيعَةَ بنِ الحارِثِ".
يَعنِى ابنَ عبدِ المُطَّلِبِ،
وكانَ مُستَرضَعًا 2 فى بَنِى سَعدٍ فقَتَلَته هُذَيلٌ 3. أخرَجَه مسلم فى
"الصحيح" 4.
18336 - وأخبرَنا علىُّ بنُ أحمدَ بنِ عبدانَ، أخبرَنا أحمدُ بنُ عُبَيدٍ
الصَّفّارُ، حَدَّثَنَا عُبَيدُ بنُ شَريكٍ، حَدَّثَنَا يَحيَى هو ابنُ بُكَيرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيثُ،
عن يونُسَ، عن ابنِ شِهابٍ، أخبرَنِى مُسلِمُ بنُ يَزيدَ أحَدُ بَنِى سَعدِ بنِ بكرِ بنِ1
قَيسٍ أنَّه أخبَرَه أبو شُرَيحٍ الخُزاعِىُّ - وكانَ مِن أصحابِ رسولِ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
أن أصحابَ رسولِ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَومَ الفَتحِ لَقُوا رَجُلًا مِن هُذَيل كانوا يَطلُبونَه
بذَحْل 1 فى الجاهِليَّةِ، فى الحَرَمِ يَؤُمُّ 2 رسولَ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ليُبايِعَه على الإسلامِ
فقَتَلوه، فلَقا بَلَغَ ذَلِكَ رسولَ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غَضِبَ، فسَعَت بَنو بكرٍ إلَى أبى بكرٍ
وعُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - يَستَشفِعونَ بهِم إلَى رسولِ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فلَمَّا كان العَشِيُّ قامَ
رسولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فى النّاسِ، فأَثنَى على اللهِ بما هو أهلُه ثُمَّ قال: "أمَّا بَعدُ، فإِنَّ اللَّهَ
عَزَّ وجَلَّ حَرَّمَ مَكَّةَ ولَم يُحِلَّها لِلنَّاسِ - أو قال: ولَم يُحَرِّمْها النّاسُ - وِإنَّما أحَلَّها لِى
ساعَةً مِن نَهارٍ، ثُمَّ هِىَ حَرامٌ كما حَرَّمَها اللَّهُ أوَّلَ مَرَّة، وِإنَّ أعدَى النّاسِ على اللَّهِ
ثَلاثَةٌ؛ رَجُلٌ قَتلَ فيها، ورَجُلٌ قَتَلَ غَيرَ قاتِلِه، ورَجُلٌ طَلَبَ بذَحْلِ الجاهِليَّةِ، وِإنِّى واللهِ
لأديَنَّ هذا الرَّجُلَ الَّذِى أَصَبتُم".
قال أبو شُرَيح: فوَداه رسولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - 3.
18337 - أخبرَنا أبو عبدِ اللهِ الحافظُ، حَدَّثَنَا أبو العباسِ الأصَمُّ،
حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ عبدِ الجَبَّارِ، حَدَّثَنَا يونُسُ بنُ بُكَيرٍ، عن ابنِ إسحاقَ، حَدَّثَنِي
يَزيدُ بنُ أبى حَبيبٍ، عن راشِدٍ مَولَى حَبيبٍ، عن حَبيبِ بنِ أبى أوسٍ قال:
حَدَّثَنِي عمرُو بنُ العاصِ.
فذَكَرَ الحديث فى قِصَّةِ إسلامِه قال: ثُمَّ تَقَدَّمتُ
فقُلتُ: يا رسولَ اللهِ، أُبايِعُكَ على أنَّ يُغفَرَ لى ما تَقَدَّمَ مِن ذَنبِى.
ولَم أذْكُرْ ما
تأخَرَ، فقالَ لِى: "يا عمرُو، بايعْ؛ فإِنَّ الإسلامَ يَجُبُّ ما كان قَبلَه، وإِنَّ الهِجرَةَ
تَجُبُّ ما كان قَبلَها".
فبايَعتُه 1.
18338 - أخبرَنا أبو عليٍّ الحُسَينُ بنُ محمدٍ الرُّوذْبارِىُّ، أخبرَنا أبو
عُمَرَ محمدُ بنُ عبدِ الواحِدِ النَّحوِىُّ غُلامُ ثعلَبٍ، حَدَّثَنَا بشرُ بنُ موسَى
الأسَدِيُّ، حَدَّثَنَا خَلَّادُ بنُ يَحيَي، حَدَّثَنَا سفيانُ، عن مَنصورٍ والأَعْمَشِ، عن
أبى وائلٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ قال: قال رَجُلٌ: يا رسولَ اللهِ، أنُؤاخَذُ بما
عَمِلنا فى الجاهِليَّةِ؟ قال: "مَن أحسَنَ فى الإسلامِ لَم يُؤاخَذْ بما عَمِلَ فى
الجاهِليَّةِ، ومَن أساءَ فى الإسلامِ أُخِذَ بالأَوَّلِ والآخِرِ" 2. رَواه البخارىُّ
فى "الصحيح" عن خَلَّادِ بنِ يَحيَى 3.
18339 - أخبرَنا أبو عبدِ اللَّهِ الحافظُ، حَدَّثَنَا أبو العباسِ محمدُ بنُ
يَعقوبَ، حَدَّثَنَا الحَسَنُ بنُ عليِّ بنِ عَفّانَ، حَدَّثَنَا عبدُ اللَّهِ بنُ نُمَيرٍ، عن
الأَعْمَشِ، عن شَقيقٍ، عن عبدِ اللهِ قال: أتَى رَجُلٌ رسولَ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقالَ: يا
رسولَ اللهِ، أنُؤاخَذُ بما كُنَّا نَعمَلُ فى الجاهِليَّةِ؟ فقالَ: "مَن أحسَنَ فى الإسلامِ
لَم يُؤاخَذْ بما عَمِلَ فى الجاهِليَّةِ، ومَن أساءَ أُخِذَ بالأَوَّلِ والآخِرِ" 4. رَواه مسلمٌ فى
"الصحيح" عن محمدِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ نُمَيرٍ عن أبيهِ 5.
وإِنَّما أرادَ به فى الآخِرَةِ، وكأنَّه جَعَلَ الإيمانَ كَفَّارَةً لِما مَضَى مِن كُفرِه،
وجَعَلَ العَمَلَ الصَّالِحَ بَعدَه (1) كَفّارَة لِما مَضَى مِن ذُنوبِه سِوَى كُفرِهِ.
18340 - أخبرَنا أبو الحُسَينِ ابنُ بِشْرانَ ببَغدادَ، أخبرَنا إسماعيلُ بنُ
محمدٍ الصَّفَّارُ، حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ مَنصورٍ، حَدَّثَنَا عبدُ الرَّزَّاقِ، أخبرَنا مَعمَرٌ،
عن الزُّهرِيِّ، عن عُروةَ بنِ الزُّبَيرِ، عن حَكيمِ بنِ حِزامٍ قال: قُلتُ:
يا رسولَ اللَّهِ، أرأيتَ أُمورًا كُنتُ أتَحَنَّثُ بها فى الجاهِلِيَّةِ مِن عَتاقَةٍ وصِلَةِ
رَحِمٍ، هَل لِى فيها مِن أجرٍ؟ فقالَ له النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "أسلَمتَ على ما سَلَفَ لَكَ مِن
خَيرٍ" (2). رَواه مسلمٌ فى "الصحيح" عن إسحاقَ بنِ راهُويَه وعَبدٍ (3) عن
عبدِ الرَّزَّاقِ، وأَخرَجَه البخاريُّ مِن وجهٍ آخَرَ عن مَعمَرٍ (4).
بابُ الرَّجُلِ مِنَ المُسلِميَن قَد شَهِدَ الحَربَ
يَقَعُ على الجاريَةِ مِنَ السَّبىِ قبلَ القَسْمِ قال الشَّافِعِيُّ: أُخِذَ مِنه عُقرُها 5، ولا حَدَّ مِن قِبَلِ الشُّبهَةِ فى أنَّه يَملِكُ مِنها شَيئًا 6. 18341 - أخبرَنا الامامُ أبو الفَتحِ، أخبرَنا أبو محمدِ ابنُ أبى شُرَيحٍ،1234
أخبرَنا أبو القاسِمِ البَغَوِىُّ، حَدَّثَنَا داودُ بنُ رُشَيدٍ، حَدَّثَنَا محِمدُ بنُ رَبيعَةَ،
حَدَّثَنَا يَزيدُ بنُ زيادٍ الدِّمَشقِيُّ، عن الزُّهرِيِّ، عن عُروةَ، عن عائشةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -
قالَت: قال رسولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "ادرَءوا الحُدودَ ما استَطَعتُم، فإِن وجَدتُم لِلمُسلِمينَ
مَخرَجًا فخَلُّوا سَبيلَه، فإنَّ الإمامَ أن يُخطِئَ فى العَفوِ خَيرٌ مِن أن يُخطِئَ فى
العُقوبَةِ" 1.
ورُوّينا فى ذَلِكَ عن عُمَرَ بنِ الخطابِ وعَبدِ اللَّهِ بنِ مَسعودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - وغَيرِهِما،
وأَصحُّ الرواياتِ فيه عن الصَّحابَةِ رِوايَةُ عاصمٍ عن أبى وائلٍ عن عبدِ اللهِ بنِ
مَسعودٍ مِن قَولِه، وقَد مَضَى فى كِتابِ الحُدودِ 2.
18342 - وأخبرَنا أبو بكرٍ الأردَستانِيُّ الحافظُ، أخبرَنا أبو نَصرٍ
العِراقيُّ، حَدَّثَنَا سفيانُ بنُ محمدٍ الجَوهَرِيُّ، حَدَّثَنَا عليُّ بنُ الحَسَنِ، حَدَّثَنَا
عبدُ اللَّهِ بنُ الوَليدِ، حَدَّثَنَا سفيانُ، حَدَّثَنَا إسماعيلُ بنُ أبى خالِدٍ، عن
أبى السَّريَّةِ، أن ابنَ عُمَرَ سُئلَ عن جاريَةٍ بَينَ رَجُلَينِ وقَعَ عَلَيها أحَدُهُما.
قال:
هو خائنٌ لَيسَ عَلَيه حَدٌّ، يُقَوَّمُ عَلَيه قيمَةً 3.
وهَذا يَحتَمِلُ أن يُريدَ به تَقويمَ البُضعِ عَلَيه، فيَرجِعُ إلَى المَهرِ، غَيرَ أن
وكيعًا رَواه عن إسماعيلَ عن عُمَيرِ بنِ نُمَيرٍ - وهو اسمُ أبى السَّريَّةِ - فقالَ:
سُئلَ ابنُ عُمَرَ عن جاريَةٍ كانَت بَينَ رَجُلَينِ فوَقَعَ عَلَيها أحَدُهُما، قال: لَيسَ
عَلَيه حَدٌّ، تُقَوَّمُ عَلَيه قيمَتُها ويأخُذُها.
18343 - أنبأنيه أبو عبدِ اللهِ إجازَةً، أخبرَنا أبو الوَليدِ، أخبرَنا ابنُ
زُهَيرٍ، أخبرَنا عبدُ اللهِ بنُ هاشِمٍ، عن وكيعٍ.
فذَكَرَه (1). وهَذا يحتَمِلُ أن يَكونَ
فيه إذا حَمَلَت مِنه، واللهُ أعلَمُ.
بابُ المَرأَةِ تُسبَى مَعَ زَوجِها
قال الشَافِعِيُّ رَحِمَه اللهُ: سَبَى رسولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَبىَ أوطاسٍ وسَبىَ بَنِى المُصطَلِقِ، واسَرَ مِن رِجالِ هَؤُلاءِ وهَؤُلاءِ، وقَسَمَ السَّبىَ، فأَمَرَ ألا توطأ حامِلٌ حَتَّى تَضَعَ، ولا حائلٌ 2 حَتَّى تَحيضَ، ولَم يَسأَلْ عن ذاتِ زَوجٍ ولا غَيرِها، ولا هَل سُبِىَ زَوجٌ مَعَ امرأتِه ولا غَيرُهُ 3. 18344 - أخبرَناه أبو زَكَريّا يَحيَى بنُ إبراهيمَ بنِ محمدِ بنِ يَحيَي، أخبرَنا أحمدُ بنُ سَلمانَ الفَقيهُ، حَدَّثَنَا محمدُ بنُ الهَيثَمِ، حَدَّثَنَا محمدُ بنُ سعيدٍ، أخبرَنا شَريكٌ، عن قَيسِ بنِ وهبٍ والمُجالِدِ، عن أبى الوَدّاكِ، عن أبى سعيدٍ الخُدرِيِّ قال: أصَبنا سَبايا يَومَ أوطاسٍ، فقالَ رسولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "لا توطأُ حامِلٌ حَتَّى تَضَعَ حَملَها، ولا غَيرُ حامِلٍ حَتَّى تَحيضَ حَيضَةً" 4. 18345 - أخبرَنا أبو عبدِ اللهِ الحافظُ وأبو بكرٍ أحمدُ بنُ الحَسَنِ1
القاضى قالا: حَدَّثَنَا أبو العباسِ محمدُ بنُ يَعقوبَ، حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ
عبدِ الجَبّارِ، حَدَّثَنَا يونُسُ بنُ بُكَيرٍ، عن ابنِ إسحاقَ، حَدَّثَنِي يَزيدُ بنُ أبى
حَبيبٍ، عن أبى مَرزوقٍ مَولَى تُجَيبَ، عن حَنَشٍ الصَّنعانِيِّ قال: غَزَونا مَعَ
أبى روَيفِع الأنصارِيِّ المَغرِبَ، فافتَتَحَ قَريَةً فقامَ خَطيبًا فقالَ: إنِّى لا أقولُ
فيكُم إلَّا ما سَمِعتُ رسولَ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقولُ فينا يَومَ خَيبَرَ، قامَ فينا عَلَيه السَّلامُ
فقالَ: "لا يَحِلُّ لامرِئٍ يُؤمِنُ باللهِ واليَومِ الآخِرِ أن يَسقِىَ ماءَه زَرعَ غَيرِه" - يَعنِى
إتيانَ الحَبالَى مِنَ الفَىءِ - "ولا يَحِلُّ لامرِئٍ يُؤمِنُ باللهِ واليَومِ الآخِرِ أن يُصيبَ امرأةً
مِنَ السَّبىِ ثَيِّبًا حَتَّى يَستَبرِئَها، ولا يَحِلُّ لامرِئٍ يُؤمِنُ باللَّهِ واليَومِ الآخِرِ أن يَييعَ مَغنَمًا
حَتَّى يُقسَمَ، ولا يَحِلُّ لامرِئٍ يُؤمِنُ باللَّهِ واليَومِ الآخِرِ يَركَبُ 1 دابَّةً مِن فىءِ
المُسلِمينَ حَتَّى إذا أعجَفَها رَدَّها فيه، ولا يَحِلُّ لإِمرِئٍ يُؤمِنُ باللهِ واليَومِ الآخِرِ أن
يَلبَسَ ثَوبًا مِن فىءِ المُسلِمينَ حَتَّى إذا أخلَقَه رَدَّه" 2. كَذا قال يونُسُ بنُ بُكَيرٍ: يَومَ
خَيبَرَ.
وإِنَّما هو يَومَ حُنَينٍ.
كَذَلِكَ رَواه غَيرُه عن ابنِ إسحاقَ 3، وكَذَلِكَ رَواه
غَيرُ ابنِ إسحاقَ، وقالَ غَيرُه: روَيفِعُ بنُ ثابِتٍ.
وهو الصَّحيحُ 4.
قال الشَّافِعِيُّ رَحِمَه اللهُ: ودَلَّ ذَلِكَ على أنَّ السِّباءَ نَفسَه انقِطاعُ
العِصمَةِ بَينَ الزَّوجَينِ، وذَلِكَ أنَّه لا يأمُرُ بوَطءِ ذاتِ زَوجٍ بَعدَ حَيضَةٍ إلَّا
وذَلِكَ قَطعُ العِصمَةِ، وقَد ذَكَرَ ابنُ مَسعودٍ أن قَولَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ:
﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: 24]: ذَواتُ الأزواجِ اللَّاتِى مَلَكتُموهُنَّ بالسِّباءِ 1. قال الشيخ رَحِمَه اللَّهُ: ورُوِّينا فى كِتابِ النِّكاحِ عن ابنِ عباسٍ نَحوَ قَولِ ابنِ مَسعودٍ 2. 18346 - وأخبرَنا أبو عبدِ اللهِ الحافظُ، أخبرَنا أبو الفَضلِ ابنُ إبراهيمَ، أخبرَنا أحمدُ بنُ سلمةَ، حَدَّثَنَا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا عبدُ الأعلَي، حَدَّثَنَا سعيدٌ، عن قَتادَةَ، عن أبى الخَليلِ، أن أبا عَلقَمَةَ الهاشِمِيَّ حَدَّثَه أن أبا سعيدٍ الخُدرِيَّ حَدَّثَه، أن رسولَ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعَثَ سَريَّةً يَومَ حُنَينٍ فأَصابوا جَيشًا مِنَ العَرَبِ يَومَ أوطاسٍ فقاتَلوهُم وهَزَموهُم، فأَصابوا نِساءً لَهُنَّ أزواجٌ، فكأنَّ أُناسًا مِن أصحابِ رسولِ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تأثَّموا مِن غِشيانِهِنَّ مِن أجلِ أزواجِهِنَّ، فأَنزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ فهُنَّ لَكُم حَلالٌ 3. رَواه مسلمٌ فى "الصحيح" عن محمدِ بنِ بَشّارٍ 4. وأَخرَجَه عن عُبَيدِ اللهِ القَواريرِيِّ عن يَزيدَ بنِ زرَيعٍ عن سعيدِ بنِ أبى عَروبَةَ بمَعناه، زادَ فيه: أى: فهُنَّ لَهُم حَلالٌ إذا انقَضَت عِدَّتُهُنَّ 5. 18347 - أخبرَناه أبو عليٍّ الرُّوذْبارِيُّ، أخبرَنا أبو بكرِ ابنُ داسَةَ،
حَدَّثَنَا أبو داودَ، حَدَّثَنَا عُبَيدُ اللَّهِ بنُ عُمَرَ بنِ مَيسَرَةَ، حَدَّثَنَا يَزيدُ بنُ زُرَيعٍ،
حَدَّثَنَا سعيدٌ.
فذَكَرَه (1).
بابُ وطءِ السَّبايا بالمِلكِ قبلَ الخُروجِ مِن دارِ الحَربِ
18348 - أخبرَنا أبو عبدِ اللَّهِ الحافظُ، أخبرَنا أبو العباسِ إسماعيلُ بنُ عبدِ اللَّهِ بنِ محمدِ بنِ مِيكالَ، أخبرَنا عبدانُ الأهوازِىُّ، حَدَّثَنَا زَيدُ بنُ الحَريشِ والحَسَنُ بنُ الحارِثِ قالا: حَدَّثَنَا أبو هَمّامٍ يَعنِى محمدَ بنَ الزِّبرِقانِ، عن موسَى بنِ عُقبَةَ، عن محمدِ بنِ يَحيَى بنِ حَبّانَ، عن ابنِ مُحَيريزٍ، عن أبى سعيدٍ قال: أصَبنا سَبايا فى سَبىِ بَنِى المُصطَلِقِ، فأَرَدنا أن نَستَمتِعَ وألا يَلِدنَ، فسألنا عن ذَلِكَ رسولَ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقالَ: "لا عَلَيكُم ألا تَفعَلوا، فإِنَّ اللَّهَ قَد كَتَبَ مَن هو خالِقٌ إلَى يَومِ القيامَةِ" 2. رَواه مسلمٌ فى "الصحيح" عن محمدِ ابنِ الفَرَجِ مَولَى بَنِى هاشِمٍ عن محمدِ بنِ الزِّبرِقانِ 3. قال الشَّافِعِى رَحِمَه اللَّهُ: وعَرَّسَ رسولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بصفيَّةَ بالصَّهباءِ، وهِىَ غَيرُ بلادِ الإسلامِ يَومَئذٍ 4. 18349 - أخبرَناه أبو القاسِمِ زَيدُ بنُ جَعفَرِ بنِ محمدٍ العَلَوِىُّ بالكوفَةِ مِن أصلِ سَماعِه، أخبرَنا أبو جَعفَرٍ محمدُ بنُ عليِّ بنِ دُحَيمٍ، حَدَّثَنَا محمدُ بنُ1
الحُسَينِ بنِ أبى الحُنَينِ، حَدَّثَنَا سعيدُ بنُ مَنصورٍ، حَدَّثَنَا يَعقوبُ بنُ
عبدِ الرَّحمَنِ، عن عمرِو بنِ أبى عمرٍو، عن أنَسِ بنِ مالكٍ، أن رسولَ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
قال لأبِى طَلحَةَ حينَ أرادَ الخُروجَ إلَى خَيبَرَ: "التَمِسْ لِى غُلامًا مِن غِلمانِكُم
يَخدُمُنِى".
فخَرَجَ بى أبو طَلحَةَ مُردِفِى وأَنا غُلامٌ قَد راهَقتُ، فكانَ إذا نَزَلَ
خَدَمتُه، فسَمِعتُه كَثيرًا مِمَّا 1 يقولُ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذُ بكَ مِنَ الهَمِّ والحَزَنِ،
والعَجزِ والكَسَلِ، والبُخلِ والجُبنِ، وظَلَعِ الدَّينِ 2 وغَلَبَةِ الرِّجالِ".
فلَمَّا فُتِحَ
الحِصنُ ذُكِرَ له جَمالُ صَفيَّةَ، وكانَت عَروسًا وقُتِلَ زَوجُها، فاصطَفاها
رسولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِنَفسِه، فلَمَّا كُنَّا بسَدِّ الصَّهباءِ حَلَّت، فبَنَى بها رسولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -،
واتَخَذَ حَيسًا فى نِطَعٍ صَغيرٍ، وكانَت وليمَةً، فرأيتُ رسولَ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُحَوِّى لَها
بعَباءَةٍ خَلفَه، ويَجلِسُ عِندَ ناقَتِه فيَضَعُ رُكبَتَه، فتَجِىءُ صَفيَّةُ فتَضَعُ رِجلَها على
رُكبَتِه ثُمَّ تَركَبُ، فلَمَّا بَدا لَنا أُحُدٌ قال رسولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "هذا جَبَلٌ يُحِبُّنَا ونُحِبُّه".
فلَمَّا أشرَفَ على المَدينَةِ قال: "اللَّهُم إن إِبراهيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ، اللَّهُمَّ وإِنى أُحَرِّمُ ما
بَينَ لابَتَيها، اللَّهُمَّ بارِكْ لَهُم فى صاعِهِم ومُدِّهِم" 3. رَواه مسلمٌ فى "الصحيح" عن
سعيدِ بنِ مَنصورٍ 4، وأَخرَجاه عن قتيبَةَ عن يَعقوبَ 5.
قال الشَّافِعِيُّ رَحِمَه اللهُ: وقَد غَزا رسولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فى غَزوَةِ المُرَيسيعِ بامرأةٍ أوِ امرأتَينِ مِن نِسائه، والغَزوُ بالنِّساءِ أولَى - لَو كان فيه مَكروهٌ - أن يَتَوَقَّى (1). قال الشيخُ رَحِمَه اللَّهُ: قَد مَضَتِ الأحاديثُ فى ذَلِكَ فى كِتابِ القَسْمِ، ومَضت أحاديثُ فى غَزوِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بالنِّساءِ فى هذا الكِتابِ (2).
بابُ بَيعِ السَّبىِ وغَيِره فى دارِ الحَربِ
18350 - أخبرَنا أبو عبدِ اللَّهِ الحافظُ، أخبرَنا أبو العباسِ
محمدُ بنُ أحمدَ المَحبوبِيُّ بمَروَ، حَدَّثَنَا سعيدُ بنُ مَسعودٍ، حَدَّثَنَا عُبَيدُ اللَّهِ بنُ
موسَي، أخبرَنا شَيبانُ، عن الأَعْمَشِ، عن مُجاهِدٍ، عن ابنِ عباسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قال:
نَهَى رسولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَومَ خَيبَرَ عن 3 لُحومِ الحُمُرِ الأهليَّةِ، وعن النِّساءِ الحَبالَى
أن يوطأْنَ حَتَّى يَضَعنَ ما فى بُطونِهِنَّ، وعن كُلِّ ذِى نابٍ مِنَ السِّباعِ، وعن
بَيعِ الخُمُسِ حَتَّى يُقسَمَ.
وقالَ فى مَوضِعِ آخَرَ: وعن شِرَى المَغنَمِ حَتَّى
يُقسَمَ 4.
18351 - أخبرَنا عليُّ بنُ أحمدَ بنِ عبدانَ، أخبرَنا أحمدُ بنُ عُبَيدٍ12
الصَّفَّارُ، حَدَّثَنَا مُعاذُ بنُ المُثَنَّي، حَدَّثَنَا إبراهيمُ بنُ حَمزَةَ، حَدَّثَنَا المُغيرَةُ بنُ
عبدِ الرَّحمَنِ، عن أبيه، عن عبدِ اللهِ بنِ أبى نَجيحٍ، عن مُجاهِدٍ، عن ابنِ
عباسٍ - رضي الله عنهكما -، أن النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى أن يوقَعَ على الحَبالَى حَتَّى يَضَعنَ حَملَهُنَّ،
وقالَ: "زَرعُ غَيرِكَ".
وعن بَيعِ المَغانِمِ قبلَ أن تُقسَمَ، وعن أكلِ الحُمُرِ
الإنسيَّةِ، وعن كُلِّ ذِى نابٍ مِنَ السِّباعِ (1).
دَليلُه أنَّها إذا قُسِمَت جازَ بَيعُها.
وقَد مَضَتِ الدِّلالَةُ على جَوازِ قَسْمِها (2) فى دارِ الحَربِ.
بابُ التَّفريقِ بَينَ المَرأَةِ ووَلَدِها
18352 - أخبرَنا أبو عبدِ اللهِ الحافظُ، أخبرَنا عبدُ الرَّحمَنِ بنُ حَمدانَ الجَلَّابُ، حَدَّثَنَا أبو حاتِمٍ الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا عبدُ المُؤمِنِ بنُ خالِدٍ الرَّازِىُّ، حَدَّثَنَا عبدُ السَّلامِ بنُ حَرب، عن يَزيدَ بنِ عبدِ الرَّحمَنِ أبى خالِدٍ الدَّالانِيِّ، عن الحَكَمِ، عن مَيمونِ بنِ أبى شَبيبٍ، عن عليِّ بنِ أبى طالِبٍ أنَّه باعَ جاريَةً ووَلَدَها ففَرَّقَ بَينَهُما، فنَهاه رسولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن ذَلِكَ 3. 18353 - وأخبرَنا أبو عليٍّ الرُّوذْبارِيُّ، أخبرَنا محمدُ بنُ بكرٍ، حَدَّثَنَا أبو داودَ، حَدَّثَنَا عثمانُ بنُ أبى شَيبَةَ، حَدَّثَنَا إسحاقُ بنُ مَنصورٍ، حَدَّثَنَا12
عبدُ السَّلامِ بنُ حَربٍ.
فذَكَرَه بمِثلِ إسنادِه، أنَّه فرَّقَ بَينَ جاريَةٍ ووَلَدِها، فنَهاه
النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ورَدَّ البَيعَ.
قال أبو داودَ: مَيمونٌ لَم يُدرِكْ عَليًّا 1.
18354 - أخبرَنا أبو بكرٍ أحمدُ بنُ الحَسَنِ القاضِي، أخبرَنا أبو جَعفَرٍ
محمدُ بنُ عليِّ بنِ دُحَيمٍ، حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ حازِمٍ، أخبرَنا عَونُ بنُ سَلَّامٍ،
عن أبى مَريَمَ، عن الحَكَمِ بنِ عُتَيبَةَ، عن مَيمونِ بنِ أبى شَبيبٍ، عن عليٍّ
قال: أصَبتُ جاريَةً مِنَ السَّبىِ مَعَها ابنٌ لَها، فأَرَدتُ أن أبيعَها وأُمسِكَ
ابنَها، فقالَ لى رسولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - "بعْهُما جَميعًا، أو أمسِكْهُما جَميعًا" 2.
18355 - أخبرَنا أبو عبدِ اللَّهِ الحافظُ وأبو بكرٍ أحمدُ بن الحَسَنِ
القاضِى قالا: حَدَّثَنَا أبو العباسِ محمدُ بنُ يَعقوبَ، أخبرَنا أبو عبدِ اللَّهِ
محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ بنِ عبدِ الحَكَمِ بنِ أعيَنَ المصرِىُّ، حَدَّثَنَا ابنُ وهبٍ،
أخبرَنِى ابنُ أبى ذِئبٍ وأَنَسُ بنُ عياضٍ، عن جَعفَرِ بنِ محمدٍ، عن
أبيه.
قال ابنُ أبى ذِئبٍ: عن جَعفَرِ بنِ محمدٍ، عن أبيه، عن جَدِّه، أن
أبا أُسَيدٍ الأنصارِىَّ قَدِمَ بسَبىٍ مِنَ البحرَينِ فصُفّوا، فقامَ رسولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
فنَظَرَ إلَيهِم فإِذا امرأةٌ تَبكِي، فقالَ: "ما يُبكيكِ؟ ". قالَت: بيعَ ابنِى فى
عَبسٍ.
فقالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لأبِى أُسَيدٍ: "لَتَركَبَنَّ فلَتَجيئَنَّ به كما بعتَ بالثَّمَنِ".
فرَكِبَ أبو أُسَيدٍ فجاءَ بهِ 1. هذا وإِن كان فيه إرسالٌ فهو مُرسَلٌ حَسَنٌ شاهِدٌ
لما تَقَدَّمَ.
18356 - أخبرَنا أبو عبدِ اللهِ الحافظُ وأبو بكرٍ أحمدُ بنُ الحَسَنِ
القاضِى قالا: حَدَّثَنَا أبو العباسِ محمدُ بنُ يَعقوبَ، أخبرَنا ابنُ عبدِ
الحَكَمِ، أخبرَنا ابنُ وهبٍ، أخبرَنِى حُيَيُّ بنُ عبدِ اللهِ المَعافِرِيُّ، عن أبى
عبدِ الرَّحمَنِ، عن أبى أيُّوبَ الأنصارِيِّ أنَّه قال: سَمِعتُ رسولَ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
يقولُ: "مَن فَرَّقَ بَينَ والِدَةٍ ووَلَدِها فرَّقَ اللهُ بَينَه وبَينَ أحِبَّتِه يَومَ القيامَةِ" 2.
وروِىَ ذَلِكَ مِن وجهٍ آخَرَ عن أبى أيُّوبَ:
18357 - أخبرَناه أبو عبدِ اللهِ الحافظُ وأبو بكرٍ القاضِى وأبو صادِقِ ابنُ
أبى الفَوارِسِ قالوا: حَدَّثَنَا أبو العباسِ محمدُ بنُ يَعقوبَ، حَدَّثَنَا أبو عُتبَةَ،
حَدَّثَنَا بَقيَّةُ، حَدَّثَنَا خالِدُ بنُ حُمَيدٍ، عن العَلاءِ بنِ كَثيرٍ، عن أبى أيّوبَ
الأنصارِيِّ قال: سَمِعتُ رسولَ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقولُ: "مَن فرَّقَ بَينَ الوَلَدِ وأُمُّه فرَّقَ اللهُ
بَينَه وبَينَ أحِبَّتِهِ يَومَ القيامَةِ" 4.3
18358 - أخبرَنا أبو عبدِ اللهِ الحافظُ وأبو بكرٍ القاضى قالا: حَدَّثَنَا
أبو العباسِ محمدُ بنُ يَعقوبَ، حَدَّثَنَا محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ الحَكَمِ،
أخبرَنا ابنُ وهبٍ، أخبرَنِى ابنُ أبى ذِئبٍ، عن حُسَينِ بنِ عبدِ اللَّهِ بنِ
ضُمَيرَةَ، عن أبيه، عن جَدِّه ضُمَيرَةَ، أن رسولَ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَرَّ بأُمِّ ضمَيرَةَ
وهِىَ تَبكِى فقالَ: "ما يُيكيكِ؟ أجائعَةٌ أنتِ، أم عاريَةٌ أنتِ؟ ". فقالَت:
يا رسولَ اللَّهِ، فُرِّقَ بَينِى وبَينَ ابنِى.
فقالَ رسولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "لا يُفَرَّقُ بَينَ
والِدَةٍ ووَلَدِها".
ثُمَّ أرسَلَ إلَى الَّذِى عِندَه ضُمَيرَةُ، فدَعاه فابتاعَه مِنه
ببَكرَةٍ 1.
18359 - أخبرَنا أبو نَصرٍ عُمَرُ بنُ عبدِ العَزيزِ بنِ عُمَرَ بنِ قَتادَةَ،
أخبرَنا أبو الفَضلِ محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ بنِ خَميرُويَه، أخبرَنا أحمدُ بنُ
نَجدَةَ، حَدَّثَنَا الحَسَنُ بنُ الرَّبيعِ، حَدَّثَنَا عبدُ اللهِ بنُ المُبارَكِ، عن أشعَثَ،
عن الشَّعبِيِّ، أن عُمَرَ بنَ الخطابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - استَعمَلَ شُرَحبيلَ بنَ السِّمطِ على
المَدائنِ وأَبوه بالشّامِ، فكَتَبَ إلَى عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: إِنَكَ تأمُرُ ألَّا يُفَرَّقَ
بَينَ السَّبايا وبَينَ أولادِهِنَ، فإِنَّكَ قَد فرَّقتَ بَينِى وبَينَ ابنِى 2. فكَتَبَ إلَيه،