فسَرَقَ رَجُلٌ مِن حَضرَمَوْتَ مِغفَرَ حَديدٍ مِنَ المَتاعِ، فأُتِىَ به علىٌّ - رضي الله عنه - فقالَ:
لَيسَ عَلَيه قَطعٌ، هو خائنٌ ولَه نَصيبٌ 1.
وروَاه الثَّورِىُّ عن سِماكٍ عن دِثارِ بنِ يَزيدَ بنِ عَبيدِ بنِ الأبرَصِ قال: أُتِىَ
علىٌّ - رضي الله عنه - برَجُلٍ.
فذَكَرَه 2.
17382 - أخبرَنا أبو عبدِ اللَّهِ الحافظُ وأبو سعيدِ ابنُ أبى عمرٍو قالا:
حدثنا أبو العباسِ محمدُ بنُ يَعقوبَ، أخبرَنا الرَّبيعُ بنُ سُلَيمانَ،
أخبرَنا الشّافِعِىُّ قال: قال أبو يوسُفَ: أخبرَنا بَعضُ أشياخِنا، عن مَيمونِ بنِ
مِهرانَ، عن النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم -، أن عبدًا مِن [رَقيقِ الخُمُسِ] 3 سَرَقَ مِنَ الخُمُسِ، فلَم
يَقطَعْه وقالَ: "مالُ اللَّهِ بَعضُه فى بَعضٍ" 4.
17383 - وقَد رُوِىَ مَوصولًا بإِسنادٍ فيه ضَعفٌ، أخبرَناه أبو بكرِ ابنُ
الحارِثِ الفَقيهُ، أخبرَنا أبو محمدِ ابنُ حَيّانَ، أخبرَنا أبو يَعلَى، حدثنا جُبارَةُ،
حدثنا حَجّاجُ بنُ تَميمٍ، عن مَيمونِ بنِ مِهرانَ، عن ابنِ عباسٍ، أن عبدًا مِن
رَقيقِ الخُمُسِ سَرَقَ مِنَ الخُمُسِ، فرُفِعَ إلَى النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - فلَم يَقطَعْه وقالَ:
"مالُ اللَّهِ سَرَقَ بَعضُه بَعضًا" 5.
بابُ قُطّاعِ الطَّريقِ
قال اللَّهُ تَبارَكَ وتَعالَى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي
الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ
يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ الآيَة [المائدة: 33].
17384 - أخبرَنا أبو محمدٍ عبدُ اللَّهِ بنُ يوسُفَ الأصبَهانِىُّ، أخبرَنا
أبو سعيدِ ابنُ الأعرابِىِّ، حدثنا الحَسَنُ بنُ محمدِ بنِ الصَّبّاحِ الزَّعفَرانِىُّ،
حدثنا عبدُ الوَهّابِ بنُ عَطاءٍ، أخبرَنا سعيدٌ هو ابنُ أبى عَروبَةَ، عن قَتادَةَ، عن
أنَسِ بنِ مالكٍ، أن رَهطًا مِن عُكْلٍ وعُرَينَةَ أتَوا رسولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فقالوا:
يا رسولَ اللَّهِ، إنا أُناس مِن أهلِ ضَرْعٍ، ولَم نكُنْ أهلَ ريفٍ، فاستَوخَمْنا
المَدينَةَ 1. فأمَرَ لَهُم رسولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بذَودٍ 2 وزادٍ، وأمَرَهُم أن يَخرُجوا فيها
فيَشرَبوا مِن أبوالِها وألبانِها.
فانطَلَقوا حَتَّى إذا كانوا فى ناحيَةِ الحَرَّةِ قَتَلوا
راعِىَ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - واستاقوا الذَّودَ، وكَفَروا بعدَ إسلامِهِم، فبَعَثَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - فى
طَلَبِهِم، فأمَرَ بهِم فقَطَعَ أيديَهُم وأرجُلَهُم، وسَمَرَ 3 أعيُنَهُم، وتَرَكَهُم فى
ناحيَةِ الحَرَّةِ حَتَّى ماتوا وهُم كَذَلِكَ.
قال قَتادَةُ: فذُكِرَ لَنا أنَّ هذه الآيَةَ نَزَلَت
فيهِم؟ يَعنِى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾ = إسناده جبارة وهو ضعيف.
وقال الذهبى 7/ 3419 عن جبارة: ضعيف.
وسيأتى فى (18252).
الآيَةَ.
قال قَتادَةُ: وبَلَغَنا أن رسولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - كان يَحُثُّ فى خُطبَتِه بعدَ ذَلِكَ على
الصَّدَقَةِ ويَنهَى عن المُثْلَةِ 1. أخرَجَه البخارىُّ ومُسلِمٌ فى "الصحيح" مِن
حَديثِ ابنِ أبى عَروبَةَ 2.
17385 - أخبرَنا أبو علىٍّ الرُّوذْبارىُّ، أخبرَنا أبو بكرِ ابنُ داسَةَ، حدثنا
أبو داودَ، حدثنا أحمدُ بنُ صالِحٍ، حدثنا عبدُ اللَّهِ بنُ وهبٍ، أخبرَنِى عمرٌو،
عن سعيدِ بنِ أبى هِلالٍ، عن أبى الزِّنادِ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ عُبَيدِ اللَّهِ - قال
أحمدُ: يَعنِى ابنَ عُمَرَ بنِ الخطابِ - عن ابنِ عُمَرَ - رضي الله عنهما -، أن أُناسًا أغَارُوا على
إبِلِ رسولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - واستاقُوها، وارتَدّوا عن الإسلامِ، وقَتَلوا راعِىَ
رسولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -، / فبَعَثَ فى آثارِهِم فأُخِذوا، فقَطَعَ أيديَهُم وأرجُلَهُم وسَمَلَ أعيُنَهُم 3. قال: ونَزَلَت فيهِم آيَةُ المُحارَبَةِ، وهم الذينَ أخبَر أنَسُ بنُ مالكٍ
عنهم الحَجّاجَ حينَ سألَه 4.
17386 - وأخبرَنا أبو علىٍّ، أخبرَنا أبو بكرِ ابنُ داسَةَ، حدثنا أبو داودَ،
حدثنا أحمدُ بنُ عمرِو بنِ السَّرْحِ، حدثنا ابنُ وهبٍ، أخبرَنِى اللَّيثُ بنُ سَعدٍ،
عن محمدِ بنِ عَجْلانَ، عن أبى الزِّنادِ، أن رسولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - لما قَطَعَ الذينَ
سَرَقوا لِقاحَه وسَمَلَ أعيُنَهُم بالنّارِ، عاتبَه اللَّهُ فى ذَلِكَ، فأنزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ:
﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ
يُصَلَّبُوا﴾ الآيَة 1.
قَولُ قَتادَةَ وأبِى الزِّنادِ وغَيرِهِما فى نُزولِ الآيَةِ فيهِم مُرسَلٌ.
17387 - وأخبرَنا أبو محمدِ ابنُ يوسُفَ، أخبرَنا أبو سعيدِ ابنُ
الأعرابِىِّ، حدثنا الزَّعفَرانِىُّ، حدثنا عَفّانُ، حدثنا هَمّامٌ، عن قَتادَةَ قال:
فحَدَّثَنِى ابنُ سيرينَ أنَّ هذا قبلَ أن تَنزِلَ الحُدودُ 2. يَعنِى ما فُعِلَ بالعُرَنيّينَ.
17388 - أخبرَنا أبو الحُسَينِ محمدُ بنُ الحُسَينِ بنِ الفَضلِ القَطّانُ
ببَغدادَ، حدثنا محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ بنِ عمرُويَه الصَّفّارُ، حدثنا محمدُ بنُ إسحاقَ
الصَّغانِىُّ، حدثنا محمدُ بنُ سابِقٍ، حدثنا إبراهيمُ بنُ طَهمانَ، عن عبدِ العَزيزِ
ابنِ رُفَيعٍ، عن عُبَيدِ بنِ عُمَيرٍ، عن عائشَةَ قالَت: قال رسولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: "لا يَحِلُّ
قَتلُ امرِئً، مسلمٍ يَشهَدُ أن لا إلهَ إلَّا اللَّهُ وأنِّى رسولُ اللَّهِ إلَّا فى إحدَى
ثَلاثٍ؛ زانٍ بعدَ إحصانٍ، ورَجُلٌ قَتَلَ فقُتِلَ 3 به، ورَجُلٌ خَرَجَ مُحارِبًا للهِ ورسولِه،
فيُقتَلُ أو يُصلَبُ أو يُنفَى مِنَ الأرضِ" 4.
17389 - أخبرَنا أبو عبدِ اللَّهِ الحافظُ، حدثنا أبو العباسِ محمدُ بنُ
يَعقوبَ، أخبرَنا الرَّبيعُ بنُ سُلَيمانَ، أخبرَنا الشّافِعِىُّ، أخبرَنا إبراهيمُ، عن
صالِحٍ مَولَى التَّوءمَةِ، عن ابنِ عباسٍ فى قُطّاعِ الطَّريقِ: إذا قَتَلوا وأخَذوا
المالَ قُتِلوا وصُلِبوا، وإِذا قَتَلوا ولَم يأخُذوا المالَ قُتِلوا ولَم يُصلَبوا، وإِذا
أخَذوا المالَ ولَم يَقتُلوا قُطِعَت أيديهِم وأرجُلُهُم مِن خِلافٍ، وإِذا أخافوا
السَّبيلَ ولَم يأخُذوا مالًا نُفوا مِنَ الأرضِ 1.
ولِإبراهيمَ بنِ أبى يَحيَى فى هذا إسنادٌ آخَرُ.
17390 - أخبرَنا أبو عبدِ الرَّحمَنِ السُّلَمِىُّ وأبو بكرِ ابنُ الحارِثِ الفَقيهُ
قالا: أخبرَنا علىُّ بنُ عُمَرَ الحافظُ، حدثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ الفارِسِىُّ،
حدثنا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ، أخبرَنا عبدُ الرَّزّاقِ، عن إبراهيمَ، عن داودَ، عن
عِكرِمَةَ، عن ابنِ عباسٍ قال: نَزَلَت هذه الآيَة فى المُحارِبِ: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ
الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾.
إذا عَدا فقَطَعَ الطَّريقَ فقَتَلَ وأخَذَ المالَ صُلِبَ،
فإِن قَتَلَ ولَم يأخُذْ مالًا قُتِلَ، فإِن أخَذَ المالَ ولَم يَقتُلْ قُطِعَ مِن خِلافٍ، فإِن
هَرَبَ وأعجَزَهُم فذَلِكَ نَفيُه 2.
17391 - وأخبرَنا أبو عبدِ اللَّهِ الحافظُ، أخبرَنا أبو بكرٍ أحمدُ بنُ كامِلٍ
القاضِى، حدثنا محمدُ بنُ سَعدِ بنِ محمدِ بنِ الحَسَنِ بنِ عَطيَّةَ، حدثنا أبى،
حَدَّثَنِى عَمِّى، حَدَّثَنِى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ فى قَولِه: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ
الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآيَة.
قال: إذا حارَبَ فقَتَلَ فعَلَيه القَتلُ إذا ظُهِرَ
عَلَيه قبلَ تَوبَتِه، وإِذا حارَبَ وأخَذَ المالَ وقَتَلَ، فعَلَيه الصَّلبُ إن ظُهِرَ عَلَيه
قبلَ تَوبَتِه، وإِذا حارَبَ وأخَذَ المالَ ولَم يَقتُلْ فعَلَيه قَطعُ اليَدِ والرِّجْلِ مِن
خِلافٍ إن ظُهِرَ عَلَيه قبلَ تَوبَتِه، وإِذا حارَبَ وأخافَ السَّبيلَ فإِنَّما عَلَيه النَّفىُ،
ونَفيُه أن يُطلَبَ 1.
وروَى عثمانُ بنُ عَطاءٍ، عن أبيه، عن علىٍّ - رضي الله عنه - قال: إن أُخِذَ وقَد أصابَ
المالَ ولَم يُصِبِ الدَّمَ قُطِعَتْ يَدُه ورِجلُه مِن خِلافٍ، وإِن وُجِدَ وقَد أصابَ
الدَّمَ قُتِلَ وصُلِبَ.
17392 - أخبرَنا أبو عبدِ اللَّهِ الحافظُ، حدثنا أبو العباسِ محمدُ بنُ
يَعقوبَ، حدثنا يَحيَى بنُ أبى طالِبٍ، أخبرَنا عبدُ الوَهّابِ بنُ عَطاءٍ، عن سعيدٍ،
عن قَتادَةَ أنَّه قال فى هذه الآيَةِ: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ
فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾ الآيَة.
قال: حُدودٌ أربَعَةٌ أنزَلَها اللَّهُ؛ فأمّا مَن حارَبَ فسَفَكَ
الدَّمَ وأخَذَ المالَ فإِنَّ عَلَيه الصَّلبَ، وأمّا مَن حارَبَ فسَفَكَ الدَّمَ ولَم يأخُذْ مالًا
فعَلَيه القَتلُ، وأمّا مَن حارَبَ وأخَذَ المالَ ولَم يَسفِكْ دَمًا فإِنَّ عَلَيه النَّفىَ 2.
ورُوِىَ ذَلِكَ عن قَتادَةَ عن موَرِّقٍ (1)، ورُوِّيناه عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ وإِبراهيمَ النَّخَعِىِّ (2). قال الشّافِعِىُّ رَحِمَه اللَّهُ: واختِلافُ حُدودِهِم باختِلافِ أفعالِهِم على ما قال ابنُ عباسٍ إن شاءَ اللَّهُ (3).
بابّ: الرِّدءُ (4) لا يُقتَلُ
17393 - استِدلالًا بما أخبرَنا أبو بكرٍ أحمدُ بنُ الحَسَنِ، أخبرَنا حاجِبُ ابنُ أحمدَ الطّوسِىُّ، حدثنا محمدُ بنُ حَمّادٍ، حدثنا أبو مُعاويَةَ، عن الأعمَشِ، / عن عبدِ اللَّهِ بنِ مرَّةَ، عن مَسروقٍ، عن عبدِ اللَّهِ قال: قال رسولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: "لا يَحِلُّ دَمُ امرِئً يَشهَدُ أن لا إلهَ إلَّا اللَّهُ وأنِّى رسولُ اللَّهِ إلَّا بإِحدَى ثَلاثٍ؛ الثَّيِّبُ الزّانِى، والنَّفسُ بالنَّفسِ، والتّارِكُ لِدييه المُفارِقُ لِلجَماعَةِ" 5. رَواه مُسلِمٌ فى "الصحيح" عن أبى بكرِ ابنِ أبى شَيبَةَ عن أبى مُعاويَةَ، وأخرَجَه البخارىُّ مِن وجهٍ آخَرَ عن الأعمَشِ 6. 17394 - أخبرَنا أبو أحمدَ المهرَجانِىُّ، أخبرَنا أبو بكرِ ابنُ جَعفَرٍ1234
المُزَكَى، حدثنا محمدُ بنُ إبراهيمَ، حدثنا ابنُ بُكَيرٍ، حدثنا مالكٌ، عن
أبى الزِّنادِ، أن عامِلًا لِعُمَرَ بنِ عبدِ العَزيزِ أخَذَ أُناسًا فى حِرابَةٍ ولَم يَقَتُلوا،
فأرادَ (1) أن يَقتُلَ أو يَقطَعَ، فكَتَبَ إلَى عُمَرَ بنِ عبدِ العَزيزِ فى ذَلِكَ،
فكَتَبَ إلَيه: أن لَو أخَذتَ بأيسَرِ ذَلِكَ؟ (2).
وروَاه ابنُ أبى الزِّنادِ، عن أبيه، فقالَ فى هذه القِصَّةِ: إنَّه قَتَلَ أحَدَهُم.
وقالَ فى جَوابِه: فهَلَّا إذ تأوَّلتَ عَلَيهِم هذه الآيَةَ، ورأيتَ أنَّهُم أهلُها أخَذتَ
بأيسَرِ ذَلِكَ.
وأنكَرَ القَتلَ.
بابُ المُحارِبِ يَتوبُ
قال اللَّهُ تَعالَى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: 34].
قال الشّافِعِىُّ رَحِمَه اللَّهُ حِكايَةً عن بَعضِ أصحابِه قال: كُلّ ما كان للَّهِ
مِن حَدٍّ يَسقُطُ بتَوبَتِه، وكُل ما كان لِلآدَميّينَ لَم يَبطُلْ.
قال: وبِهَذا أقولُ 3.
17395 - أخبرَنا أبو بكرٍ أحمدُ بنُ علىٍّ الحافظُ، أخبرَنا أبو عمرِو ابنُ
حَمدانَ، أخبرَنا الحَسَنُ بنُ سُفيانَ، أخبرَنا أبو بكرِ ابنُ أبى شَيبَةَ، حدثنا
محمدُ بنُ بكرٍ، عن ابنِ جُرَيجٍ قال: حُدِّثتُ عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ قال: مَن
حارَبَ فهو مُحارِبٌ.
قال سعيدٌ: فإِن أصابَ دَمًا قُتِلَ، وإِن أصابَ دَمًا ومالًا
صُلِبَ؛ فإِنَّ الضَلبَ أشَدُّ، وإِذا أصابَ مالًا ولَم يُصبْ دَمًا قُطِعَت يَدُه12
ورِجلُه؛ لِقَولِه: ﴿أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ﴾.
فإِن تابَ فتَوبَتُه
بَينَه وبَينَ اللَّهِ، ويُقامُ عَلَيه الحَدُّ 1.
17396 - قال: وحَدَّثَنا أبو بكرِ ابنُ أبى شَيبَةَ، حدثنا عبدَةُ بنُ
سُلَيمانَ، عن هِشامٍ، عن أبيه فى الرَّجُلِ يُصيبُ الحُدودَ ثُمَّ يَجِىءُ تائبًا،
قال: تُقامُ عَلَيه الحُدودُ 2.
17397 - قال: وحَدَّثَنا أبو بكرٍ، حدثنا جَريرٌ، عن مُغيرَةَ، عن حَمّادٍ،
- عن إبراهيمَ فى الرَّجُلِ إذا قَطَعَ الطَّريقَ وأغارَ ثُمَّ رَجَعَ تائبًا: أُقيمَ عَلَيه الحَدُّ، وتَوبَتُه فيما بَينَه وبَينَ رَبِّهِ 3. وروِىَ عن علىِّ بنِ أبى طالِبٍ - رضي الله عنه - فى قَبولِ تَوبَةِ المُحارِبِ بخِلافِ قَولِ هَؤُلاءِ، واللَّهُ أعلَمُ 4. 17398 - وأنبأنِى أبو عبدِ اللَّهِ الحافظُ إجازَةً، أخبرَنا أبو الوَليدِ، حدثنا أحمدُ بنُ محمدٍ يَعنِى أبا عمرٍو الحِيرِىَّ، حدثنا أحمدُ بنُ يوسُفَ السُّلَمِىُّ، حدثنا محمدُ بنُ يوسُفَ، عن سُفيانَ، عن أشعَثَ بنِ سَوّارٍ، عن الشَّعبِىِّ، أن عثمانَ استَخلَفَ أبا موسَى الأشعَرِىَّ، فلَمّا صَلَّى الفَجرَ جاءَ رَجُلٌ مِن مُرادٍ فقالَ: هذا مَقامُ العائذِ التّائبِ، أنا فُلانُ بنُ فُلانٍ ممَّنْ حارَبَ اللَّهَ ورسولَه،
جِئتُ تائبًا مِن قَبلِ أن تَقدِروا علىَّ.
فقالَ أبو موسَى: جاءَ تائبًا مِن قَبلِ أن
تَقدِروا عَلَيه فلا يُعرَضُ إلَّا بخَيرٍ.
وذَكَرَ الحديثَ (1).
بابُ مَن قال: يَسقُطُ كُلُّ حَقٍّ للهِ تَعالَى بالتَّوبَةِ
قياسًا على آيَةِ المُحارَبَةِ، واستِدلالًا بما:
17399 - أخبرَنا أبو القاسِمِ زَيدُ بنُ أبى هاشِمٍ العَلَوِىُّ وعَبدُ الواحِدِ بنُ
محمدِ بنِ النَّجّارِ المُقرِئُ بالكوفَةِ قالا: أخبرَنا أبو جَعفَرٍ محمدُ بنُ علىِّ بنِ
دُحَيمٍ الشَّيبانِىُّ، حدثنا أحمدُ بنُ حازِمِ بنِ أبى غَرَزَةَ، حدثنا عمرُو بنُ حَمّادٍ،
عن أسباطِ بنِ نَصْرٍ، عن سِماكٍ، عن عَلقَمَةَ بنِ وائلٍ، عن أبيه وائلِ بنِ حُجرٍ،
زَعَمَ أن امرأةً وقَعَ عَلَيها رَجُلٌ فى سَوادِ الصُّبحِ وهِىَ تَعمِدُ إلَى المَسجِدِ،
فاستَغاثَت برَجُلٍ مَرَّ عَلَيها وفَرَّ صاحِبُها، ثُمَّ مَرَّ عَلَيها قَومٌ ذو عِدَّةٍ فاستَغاثَت
بهِم، فأدرَكوا الَّذِى استَغاثَتْ به، وسَبَقَهُمُ الآخَرُ فذَهَبَ، فجاءوا به يَقودونَه
إلَيها، فقالَ: إنَّما أنا الذِى أغَثتُكِ وقَد ذَهَبَ الآخَرُ.
فأتَوا به رسولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -
فأخبَرَتْه أنَّه وقَعَ عَلَيها، وأخبَرَه القَومُ أنَّهُم أدرَكوه يَشتَدُّ، فقالَ: إنَّما كُنتُ
أُغيثُها 2 على صاحِبِها فأدرَكونِى هَؤُلاءِ فأخَذونِى.
قالَت: كَذَبَ، هو الذِى
وقَعَ عَلَىَّ.
فقالَ رسولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: "اذهَبوا ول فارجُموه".
قال: فقامَ رَجُلٌ مِنَ
النّاسِ فقالَ: لا تَرجُموه وارجُمونِى؛ أنا الَّذِى فعَلتُ/ بها الفِعلَ.
فاعتَرَفَ،
فاجتَمَعَ ثَلاثَةٌ عِندَ رسولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -؛ الذِى وقَعَ عَلَيها، والذِى أجابَها،1
والمَرأةُ، فقالَ: "أمّا أنتِ فقَد غُفِرَ لَكِ".
وقالَ لِلَّذِى أجابَها قَولًا حَسَنًا، فقالَ
عُمَرُ - رضي الله عنه -: ارْجُمِ الذِى اعتَرَفَ بالزِّنى.
قال رسولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: "لا؛ إنَّه قَد تابَ
إلَى اللَّهِ".
أحسِبُه قال: "تَوبَةً لَو تابَها أهلُ المَدينَةِ - أو: أهلُ يَثرِبَ - لَقُبِلَ
مِنهُم".
فأرسَلَهُم 1.
ورَواه إسرائيلُ عن سِماكٍ وقالَ فيه: فأتَوا به النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم -، فلَمّا أمَرَ به قامَ
صاحِبُها الَّذِى وقَعَ عَلَيها.
فذَكَرَ الحديثَ 2.
فعَلَى هذه الرِّوايَةِ يَحتَمِلُ أنَّه إنَّما أمَرَ بتَعزيرِه، ويَحتَمِلُ أنَّهُم شَهِدوا عَلَيه
بالزِّنى وأخطَئوا فى ذَلِكَ حَتَّى قامَ صاحِبُها فاعتَرَفَ بالزِّنى، وقَد وُجِدَ مِثلُ
اعتِرافِه مِن ماعِزٍ والجُهَنيَّةِ والغامِديَّةِ ولَم يُسقِطْ حُدودَهُم، وأحاديثُهُم أكثَرُ
وأشهَرُ، واللَّهُ أعلَمُ.