محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ الزَّاهِدُ، حَدَّثَنَا أحمدُ 1 بنُ مَهدِيِّ بنِ رُستُمٍ، حَدَّثَنَا بشرُ بنُ
شُعَيبِ بنِ أبى حَمزَةَ القُرَشِيُّ، حَدَّثَنِي أبى (ح) وأخبرَنا أبو الحُسَينِ ابنُ
الفَضلِ القَطَّانُ ببَغدادَ، أخبرَنا عبدُ اللهِ بنُ جَعفَرِ بنِ دُرُسْتُويَه، حَدَّثَنَا
يَعقوبُ بنُ سُفيانَ، حَدَّثَنَا الحَجّاجُ بنُ أبى مَنيعٍ، حَدَّثَنَا جَدِّى.
وحَدَّثَنا
يَعقوبُ، حَدَّثَنِي محمدُ بنُ يَحيَى بنِ إسماعيلَ، عن ابنِ وهبٍ، عن يونُسَ،
جَميعًا عن الزُّهرِيِّ، وهَذا لَفظُ حَديثِ شُعَيبِ بنِ أبى حَمزَةَ، عن الزُّهرِيِّ،
أخبرَنِى حَمزَةُ بنُ عبدِ اللَّهِ بنِ عُمَرَ، أنَّه بَينَما هو جالِسٌ مَعَ عبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ إذ
جاءَه رَجُل مِن أهلِ العِراقِ فقالَ: يا أبا عبدِ الرَّحمَنِ، إنِّى واللهِ لَقَد حَرَصتُ
أن أتَسَمَّتَ بسَمتِكَ، وأقتَدِىَ بكَ فى أمرِ فُرقَةِ النّاسِ، وأعتَزِلَ الشَّرَّ ما
استَطَعتُ، وإِنِّى أقرأُ آيَةً مِن كِتابِ اللهِ مُحكَمَةً قَد أخَذَتْ بقَلبِى فأخبِرْنِى
عَنها، أرأيتَ قَولَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالَى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا
فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ
فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ أخبِرنِى عن هذه
الايَةِ؟ فقالَ عبدُ اللهِ: وما لَكَ ولِذاكَ؟ انصَرِفْ عَنِّى.
فانطَلَقَ حَتَّى تَوارَى
عَنّا 2 سَوادُه، أقبَلَ عَلَينا عبدُ اللهِ بنُ عُمَرَ فقالَ: ما وجَدتُ فى نَفسِى في 3
شَىءٍ مِن أمرِ هذه الأُمَّةِ ما وجَدتُ فى نَفسِى أنِّى لَم أُقاتِلْ هذه الفِئَةَ الباغيَةَ
كما أمَرَنِى اللهُ عَزَّ وجَلَّ.
زادَ القَطَّانُ فى رِوايَتِه: قال حَمزَةُ: فقُلنا له: ومَن
تَرَى الفِئَةَ الباغيَةَ؟ قال ابنُ عُمَرَ: ابنُ الزُّبَيرِ بَغَى على هَؤُلاءِ القَومِ؛ فأخرَجَهُم
مِن ديارِهِم ونَكَثَ عَهدَهُم (1).
ففِى قَولِ عبدِ اللَّهِ بنِ عُمَرَ هذا دِلالَةٌ على جَوازِ استِعمالِ الآيَةِ فى قِتالِ
الفِئَةِ الباغيَةِ.
16785 - وأخبرَنا أبو عبدِ اللَّهِ الحافظُ، أخبرَنا أبو بكرٍ محمدُ بنُ
المُؤَمَّلِ بنِ الحَسَنِ بنِ عيسَي، حَدَّثَنَا الفَضلُ بنُ محمدٍ الشَّعرانِيُّ، حَدَّثَنَا
إسماعيلُ بنُ أبى أوَيسٍ، حَدَّثَنَا أبي، عن محمدِ بنِ أبى بكرِ بنِ محمدِ بنِ
عمرِو بنِ حَزمٍ، عن أبيه، عن عَمْرَةَ بنتِ عبدِ الرَّحمَنِ، عن عائشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أنَّها
قالَت: ما رأيتُ مِثلَ ما رَغِبَت عنه هذه الأُمَّةُ مِن هذه الآيَةِ: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ
الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى
تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ (2).
بابُ الدَّليلِ على أنَّ الفِئَةَ الباغيَةَ مِنهُما
لا تَخرُجُ بالبَغىِ عن تَسميَةِ الإسلامِ قال الشّافِعِيُّ رَحِمَه اللَّهُ: سَمّاهُمُ اللهُ المُؤمِنينَ وأمَرَ بالإِصلاحِ بَينَهُم 3. 16786 - أخبرَنا أبو طاهِرٍ محمدُ بنُ محمدِ بنِ مَحمِشٍ الفَقيهُ، أخبرَنا12
أبو بكرٍ محمدُ بنُ الحُسَينِ القَطَّانُ، أخبرَنا أحمدُ بنُ يوسُفَ السُّلَمِيُّ، حَدَّثَنَا
عبدُ الرَّزّاقِ، أخبرَنا مَعمَرٌ، عن هَمَّامِ بنِ مُنَبِّهٍ قال: هذا ما حَدَّثَنَا أبو هريرةَ
قال: وقالَ رسولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "لا تقومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَقتَتِلَ فِئتَانِ عَظيمَتانِ، تَكونُ بَينَهُما
مَقتَلَةٌ عَظيمَةٌ ودَعواهُما واحِدَةٌ" 1. رَواه البخاريُّ فى "الصحيح" عن عبدِ اللهِ بنِ
محمدٍ، ورَواه مُسلِمٌ عن محمدِ بنِ رافِعٍ، كِلاهُما عن عبدِ الرَّزَّاقِ 3.
16787 - أخبرَنا أبو الحُسَينِ محمدُ بنُ الحُسَينِ بنِ الفَضلِ القَطَّانُ
ببَغدادَ، أخبرَنا عبدُ اللهِ بنُ جَعفَرِ بنِ دُرُسْتُويَه، حَدَّثَنَا يَعقوبُ بنُ سُفيانَ،
حَدَّثَنَا الحُمَيدِيُّ وسَعيدُ بنُ مَنصورٍ قالا: حَدَّثَنَا سفيانُ، حَدَّثَنَا إسرائيلُ
أبو موسَى قال: سَمِعتُ الحَسَنَ قال: سَمِعتُ أبا بكرَةَ يقولُ: رأيتُ
رسولَ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على المِنبَرِ والحَسَنُ بنُ عليٍّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَعَه إلَى جَنبِه،
وهو يَلتَفِتُ إلَى النَّاسِ مَرَّةً وِإلَيه مَرَّةً ويَقولُ: "إِنَّ ابنِى هذا سَيِّدٌ، ولَعَلَّ
اللَّهَ يُصلِحُ به بَينَ فِئَتَينِ مِنَ المُسلِمينَ".
قال سفيانُ: قَولُه: "فِئَتَينِ مِنَ
المُسلِمينَ".
يُعجِبُنا جِدًّا 4. رَواه البخاريُّ فى "الصحيح" عن عليِّ بنِ
عبدِ اللهِ وغَيرِه عن سُفيانَ 5.
16788 - وأخبرَنا أبو الحُسَينِ ابنُ الفَضلِ، أخبرَنا عبدُ اللهِ بنُ2
جَعفَرٍ، حَدَّثَنَا يَعقوبُ بنُ سُفيانَ، حَدَّثَنَا أبو الوَليدِ وآدَمُ قالا:
حَدَّثَنَا مُبارَكٌ، عن الحَسَنِ، عن أبى بكرَةَ قال: قال رسولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. فذَكَرَ
نَحوَ حَديثِ سُفيانَ، زادَ آدَمُ: قال الحَسَنُ: فلَمَّا ولِىَ يَعنِى الحَسَنَ بنَ
عليٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - ما أُهْريقَ [فى سَبَبِه] 1 مِحجَمَةٌ مِن دَمٍ.
16789 - أخبرَنا أبو الحُسَينِ ابنُ الفَضلِ، أخبرَنا عبدُ اللَّهِ بنُ جَعفَرٍ،
حَدَّثَنَا يَعقوبُ، حَدَّثَنِي سَلَمَةُ، حَدَّثَنَا عبدُ الرَّزَّاقِ، أخبرَنا مَعمَرٌ، عن أيّوبَ،
عن ابنِ سيرينَ، أن الحَسَنَ بنَ عليٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -. قال: لَو نَظَرتُم ما بَينَ جابَرْسَ إلَى
جابَلَقَ ما وجَدتُم رَجُلًا جَدُّه نَبِىٌّ غَيرِى وغَيرَ أخِي، وإِنِّى أرَى أن تَجتَمِعوا
على مُعاويَةَ ﴿وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ [الأنبياء: 111]. قال
مَعمَرٌ: جابَرْسُ وجابَلَقُ المَغرِبُ والمَشْرِقُ 3.
16790 - وأخبرَنا أبو الحُسَينِ، أخبرَنا عبدُ اللَّهِ، حَدَّثَنَا يَعقوبُ، حَدَّثَنَا
الحُمَيدِيُّ، حَدَّثَنَا سفيانُ، حَدَّثَنَا مُجالِدٌ، عن الشَّعبِىِّ (ح) قال: وحَدَّثَنا
يَعقوبُ، حَدَّثَنَا سعيدُ بنُ مَنصورٍ، حَدَّثَنَا هُشَيمٌ، حَدَّثَنَا مُجالِدٌ، عن الشَّعبِىِّ
قال: لَمَّا صالَحَ الحَسَنُ بنُ عليٍّ.
وقالَ هُشَيمٌ: لَمَّا سَلَّمَ الحَسَنُ بنُ عليٍّ الأمرَ2
إلَى مُعاويَةَ قال له مُعاويَةُ بالنُّخَيْلَةِ 1: قُمْ فتَكَلَّمْ.
فحَمِدَ اللَّهَ وأثنَى عَلَيه، ثُمَّ
قال: أنها بَعدُ، فإِنَّ أكيَسَ الكَيسِ التُّقَي، وإِنَّ أعجَزَ العَجزِ الفُجورُ، ألَا وإِنَّ
هذا الأمرَ الَّذِى اختَلَفتُ فيه أنا ومُعاويَةُ حَقٌّ لامرِئٍ كان أحَقَّ به مِنِّي، أو حَقٌّ
لِى تَرَكتُه لِمُعاويَةَ إرادَةَ إصلاحِ المُسلِمينَ وحَقنِ دِمائِهِم، ﴿وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ
فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ ثُمَّ استَغفَرَ ونَزَلَ 2.
16791 - أخبرَنا أبو عبدِ اللهِ الحافظُ، أخبرَنا أبو الوَليدِ الفَقيهُ، حَدَّثَنَا
الحَسَنُ بنُ سُفيانَ، حَدَّثَنَا أبو بكرِ ابنُ أبى شَيبَةَ، حَدَّثَنَا يَزيدُ بنُ هارونَ، عن
شَريكٍ، عن أبى العَنْبَسِ، عن أبى البَختَرِيِّ قال: سُئلَ عليٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عن أهلِ
الجَمَلِ: أمُشرِكونَ هُم؟ قال: مِنَ الشِّركِ فرّوا.
قيلَ: أمُنافِقونَ هُم؟ قال:
إنَّ المُنافِقينَ لا يَذكُرونَ اللهَ إلَّا قَليلًا.
قيلَ: فما هُم؟ قال: إخوانُنا بَغَوا
عَلَينا 4.
16792 - وأخبرَنا أبو عبدِ اللهِ، أخبرَنا أبو الوَليدِ، حَدَّثَنَا الحَسَنُ بنُ
سُفيانَ، حَدَّثَنَا أبو بكرٍ، حَدَّثَنَا وكيع، عن أبانِ بنِ عبدِ اللَّهِ البَجَلِيِّ، عن
نُعَيمِ بنِ أبى هِندٍ، عن رِبعِىِّ بنِ حِراشٍ قال: قال عليٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: إنِّى لأَرجو أن3
أكونَ أنا وطَلحَةُ والزُّبَيرُ مِمَّن قال اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ
غِلٍّ﴾ 1 [الحجر: 47].
16793 - وأخبرَنا أبو محمدٍ عبدُ اللَّهِ بنُ يوسُفَ الأصبَهانِىُّ، أخبرَنا
أبو سعيدِ ابن الأعرابِيِّ، حَدَّثَنَا سَعدانُ بنُ نَصرٍ، حَدَّثَنَا أبو مُعاويَةَ، حَدَّثَنَا
أبو مالكٍ الأشجَعِيُّ (ح) وحَدَّثَنا أبو عبدِ اللَّهِ الحافظُ إملاءً، حَدَّثَنَا
أبو عبدِاللَّهِ محمدُ بنُ يَعقوبَ الحافظُ، حَدَّثَنَا إبراهيمُ بنُ عبدِاللَّهِ
السَّعدِىُّ، أخبرَنا محمدُ بنُ عُبَيدٍ الطَّنافِسِيُّ، حَدَّثَنَا أبو مالكٍ الأشجَعِيُّ،
عن أبى حَبيبَةَ مَولَى طَلحَةَ قال: دَخَلتُ على عليٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مَعَ عِمرانَ بنِ طَلحَةَ
بَعد ما فرَغَ مِن أصحابِ الجَمَلِ.
قال: فرَحَّبَ به وأدناه، وقالَ: إنِّى لأَرجو أن
يَجعَلَنِى اللَّهُ وأباكَ مِن الَّذينَ قال اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ
إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾.
فقالَ: يا ابنَ أخِ 2 كَيفَ فُلانَةُ؟ كَيفَ فُلانَةُ؟ قال:
وسالَه عن أُمَّهاتِ أولادِ أبيه.
قال: ثُمَّ قال: لَم نَقبِضْ أرضيكُم 3 هذه السِّنينَ
إلَّا مَخافَةَ أن يَنتَهِبَها النَّاسُ، يا فُلانُ انطَلِقْ مَعَه إلَى ابنِ قَرَظَةَ، مُرْه فلْيُعطِه
غَلَّتَه 4 هذه السِّنينَ، ويَدفَعْ إلَيه أرضَه، قال: فقالَ رَجُلانِ جالِسانِ ناحيَةً
أحَدُهُما الحارِثُ الأعوَرُ: اللَّهُ أعدَلُ مِن ذَلِكَ؛ أن نَقتُلَهُم ويَكونوا إخوانَنا فى
الجَنَّةِ.
قال: قو ما أبْعَدَ أرضِ اللَّهِ وأسحَقَها، فمَن هو إذا لَم أكُنْ أنا وطَلحَةُ؟ !
يا ابنَ أخِي، إذا كانَت لَكَ حاجَةٌ فأْتِنا.
لَفظُ حَديثِ الطَّنَافِسِيِّ، وفِى رِوايَةِ أبى
مُعاويَةَ قال: دَخَلَ عِمر انُ بنُ طَلحَةَ على عليٍّ.
ولَم يُسَمِّ الحارِثَ وقالَ:
إلَى بَنى قَرَظَةَ.
والباقِى بمَعناه 1.
16794 - أخبرَنا أبو عمرٍو الأديبُ، أخبرَنا أبو بكرٍ الإِسماعيلِيُّ،
أخبرَنا إبراهيمُ بنُ هاشِمٍ البَغَوِيُّ وأبو القاسِمِ المَنيعِيُّ قالا: حَدَّثَنَا عليٌّ هو ابنُ
الجَعدِ، أخبرَنا شُعبَةُ، عن الحَكَمِ، عن أبى وائلٍ قال: سَمِعتُ عَمَّارًا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -
يقولُ حينَ بَعَثَه عليٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إلَى الكوفَةِ ليَستَنفِرَ النَّاسَ: إنَّا لَنَعلَمُ أنَّها زَوجَةُ
النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فى الدُّنيا والآخِرَةِ، ولَكِنَّ اللهَ ابتَلاكُم بها 2.
16795 - وأخبرَنا أبو عبدِاللهِ الحافظُ، أخبرَنِى أبو أحمدَ ابنُ
أبى الحَسَنِ، حَدَّثَنَا محمدُ بنُ إسحاقَ، حَدَّثَنَا بُندارٌ، حَدَّثَنَا محمدٌ، حَدَّثَنَا
شُعبَةُ، عن الحَكَمِ قال: سَمِعتُ أبا وائلٍ قال: لَمَّا بَعَثَ عليٌّ
عَمَّارَ بنَ ياسِرٍ والحَسَنَ بنَ عليٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - إلَى الكوفَةِ ليَستَنفِرَهُم، خَطَبَ عَمَّارٌ
فقالَ: إنِّى لَأَعلَمُ أنَّها زَوجَتُه فى الدُّنيا والآخِرَةِ، ولَكِنَّ اللهَ ابتَلاكُم بها ليَنظُرَ
إيُّاه تَتَّبِعونَ أو إيَّاها 3. رَواه البخاريُّ فى "الصحيح" عن بُندارٍ 4.
16796 - أخبرَنا أبو محمدٍ عبدُ اللهِ بنُ يوسُفَ الأصبَهانِيُّ، أخبرَنا
أبو سعيدِ ابنُ الأعرابِيِّ، حَدَّثَنَا سَعدانُ بنُ نَصرٍ، حَدَّثَنَا إسحاقُ الأزرَقُ،
حَدَّثَنَا عَوفٌ، عن ابنِ سيرينَ قال: قال خالِدُ بنُ الواشِمَةِ: لَمَّا فُرِغَ مِن
أصحابِ الجَمَلِ، ونَزَلَت عائشَةُ مَنزِلَها، دَخَلتُ عَلَيها فقُلتُ: السَّلامُ عَلَيكِ
يا أُمّ المُؤمِنينَ.
قالَت: مَن هَذا؟ قُلتُ: خالِدُ بنُ الواشِمَةِ.
قالَت: ما فعَلَ
طَلحَةُ؟ قُلتُ: أُصيبَ.
قالَت: إنَّا للهِ وإِنَّا إلَيه راجِعونَ، يَرحَمُه اللهُ.
قالَت:
فما فعَلَ الزُّبَيرُ؟ قُلتُ: أُصيبَ.
قالَت: إنَّا للهِ وإِنَّا إلَيه راجِعونَ، يَرحَمُه اللهُ.
قُلتُ: بَل نَحنُ للهِ وإِنَّا إلَيه راجِعونَ فى زَيدِ بنِ صُوحَانَ.
قالَت: وأُصيبَ
زَيدٌ؟ قُلتُ: نَعَم.
قالَت: إنَّا للهِ وإِنَّا إلَيه راجِعونَ، يَرحَمُه اللهُ.
فقُلتُ:
يا أُمَّ المُؤمِنينَ ذَكَرتِ طَلحَةَ فقُلتِ: يَرحَمُه اللهُ.
وذَكَرتِ الزُّبَيرَ فقُلتِ:
يَرحَمُه اللهُ.
وذَكَرتِ زَيدًا فقُلتِ: يَرحَمُه اللهُ.
وقَد قَتَلَ بَعضُهُم بَعضًا، واللهِ
لا يَجمَعُهُمُ اللهُ فى الجَنَّةِ أبَدًا.
قالَت: أوَ لا تَدرِى أنَّ رَحمَةَ اللهِ واسِعَةٌ وهو
على كُلِّ شَىءٍ قَديرٌ؟ قال: فكانَت أفضَلَ شَىءٍ 1.
16797 - وأخبرَنا أبو محمدٍ، أخبرَنا أبو سعيدٍ، حَدَّثَنَا سَعدانُ، حَدَّثَنَا
إسحاقُ، حَدَّثَنَا ابنُ عَونٍ، عن ابنِ سيرينَ، عن خالِدِ بنِ الواشِمَةِ بنَحوِه 2.
ورَواه أيضًا أيُّوبُ عن ابنِ سيرينَ 3.
16798 - أخبرَنا أبو عبدِ اللهِ الحافظُ وأبو سعيدِ ابنُ أبى عمرٍو
وأبو صادِقِ ابنُ أبى الفَوارِسِ قالوا: حَدَّثَنَا أبو العباسِ محمدُ بنُ يَعقوبَ،
حَدَّثَنَا يَحيَى بنُ أبى طالِبٍ، أخبرَنا يَزيدُ بنُ هارونَ، أخبرَنا العَوّامُ بنُ
حَوشَبٍ، عن عمرِو بنِ مُرَّةَ، عن أبى وائلٍ قال: رأى عمرُو بنُ شُرَحبيلَ،
وكانَ مِن أفاضِلِ أصحابِ عبدِ اللهِ، قال: رأيتُ كأنِّى دَخَلتُ الجَنَّةَ، فإِذا
أنا بقِبابٍ مَضروبَةٍ فقُلتُ: لِمَن هَذا؟ فقالَ: لِذِى كَلاعٍ وحَوشَبٍ، وكانا
مِمَّن قُتِلَ مَعَ مُعاويَةَ.
قال: قُلتُ: ما فعَلَ عَمَّارٌ وأصحابُهُ؟ قالوا:
أمامَكَ.
قال: قُلتُ: سُبحانَ اللهِ! وقَد قَتَلَ بَعضُهُم بَعضًا.
فقالَ: إنَّهُم
لَقُوا اللَّهَ فوَجَدوه واسِعَ المَغفِرَةِ.
قال: قُلتُ: ما فعَلَ أهلُ النَّهرِ؟ قال:
لَقُوا بَرْحًا 1. فقالَ يَحيَى بنُ أبى طالِبٍ: فسَمِعتُ يَزيدَ فى المَجلِسِ
ببَغدادَ، وكانَ يُقالُ: إنَّ فى المَجلِسِ سبعينَ ألفًا.
قال: لا تَغتَرّوا بهَذا
الحَديثِ؛ فإِنَّ ذا الكَلاعِ وحَوشَبًا أعتَقا اثنَى عَشَرَ ألفَ أهلِ بَيتٍ.
وذَكَرَ
مِن مَحاسِنِهِم أشياءَ 2.
16799 - أخبرَنا أبو زَكَريّا ابنُ أبى إسحاقَ، أخبرَنا أبو عبدِ اللَّهِ ابنُ
يَعقوبَ، حَدَّثَنَا محمدُ بنُ عبدِ الوَهَّابِ، أخبرَنا جَعفَرُ بنُ عَونٍ، أخبرَنا
مِسعَرٌ، عن عبدِ اللهِ بنِ رَباحٍ (1)، أن عَمَّارًا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: لا تَقولوا: كَفَرَ أهلُ
الشّامِ.
ولَكِن قولوا: فسَقوا أو ظَلَموا (2).
16800 - أخبرَنا أبو عبدِاللَّهِ الحُسَينُ (3) بنُ عبدِ اللَّهِ السُّدَيرِىُّ
بخُسْرَوْجِرْدَ، أخبرَنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ الحُسَينِ الخُسْرَوجِردِىُّ، حَدَّثَنَا
داودُ بنُ الحُسَينِ البَيهَقِيُّ، حَدَّثَنَا حُمَيدُ بنُ زَنْجُويَه، حَدَّثَنَا يَعلَى بنُ عُبَيدٍ،
حَدَّثَنَا مِسعَرٌ، عن عامِرِ بنِ شَقيقٍ، عن شَقيقِ بنِ سلمةَ قال: قال رَجُلٌ:
مَن يَتَعَرَّفُ البَغْلَةَ يَومَ قُتِلَ المُشرِكونَ يَعنِى أهلَ النَّهرَوانِ؟ فقالَ علىُّ
ابنُ أبى طالِبٍ: مِنَ الشِّركِ فرّوا.
قال: فالمُنافِقونَ؟ قال: المُنافِقونَ
لا يَذكُرونَ اللَّهَ إلَّا قَليلًا.
قال: فما هُم؟ قال: قَومٌ بَغَوا عَلَينا فنُصِرنا عَلَيهِم (4).
بابُ مَن قال: لا تَبَاعَةَ فى الجِراحِ والدِّماءِ،
وما فاتَ مِنَ الأموالِ فى قِتالِ أهلِ البَغىِ 16801 - أخبرَنا أبو سعيدِ ابنُ أبى عمرٍو، حَدَّثَنَا أبو العباسِ الأصَمُّ، حَدَّثَنَا بَحرُ بنُ نَصرٍ، حَدَّثَنَا عبدُ اللَّهِ بنُ وهبٍ، أخبرَنِى يونُسُ، عن ابنِ شِهابٍ قال: قَد هاجَتِ الفِتنَةُ الأولَى فأدرَكَتْ يَعنِى الفِتنَةَ، رِجالًا ذَوِى عَدَدٍ مِن أصحابِ رسولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِمَّن شَهِدَ مَعَه بَدرًا، وبَلَغَنا أنَّهُم كانوا يَرَونَ أن يُهدَرَ أمرُ الفِتنَةِ، ولا يُقامَ فيها على رَجُلٍ قاتَلَ فى تأْويلِ القُرآنِ قِصاصٌ فيمَن1234
قَتَلَ، ولا حَدٌّ فى سِباءِ امرأةٍ سُبيَت، ولا يُرَى عَلَيها حَدٌّ ولا بَينَها وبَينَ زَوجِها
مُلاعَنَةٌ، ولا يُرَى أن يَقفوَها 1 أحَدٌ إلَّا جُلِدَ الحَدَّ، ويُرَى أن تُرَدَّ إلَى زَوجِها
الأوَّلِ بعدَ أن تَعتَدَّ فتَقضِىَ عِدَّتَها مِن زَوجِها الآخِرِ، ويُرَى أن يَرِثَها
زَوجُها الأَوَّلُ 2.
16802 - وأخبرَنا أبو نَصرِ ابنُ قَتادَةَ، أخبرَنا أبو الفَضلِ ابنُ خَميرُويَه،
أخبرَنا أحمدُ بنُ نَجدَةَ، حَدَّثَنَا الحَسَنُ بنُ الرَّبيعِ، حَدَّثَنَا ابنُ المُبارَكِ، عن
مَعمَرٍ، عن الزُّهرِيِّ قال: كَتَبَ إلَيه سُلَيمانُ بنُ هِشامٍ يَسألُه عن امرأةٍ فارَقَت
زَوجَها، وشَهِدَت على قَومِها بالشِّركِ، ولَحِقَت بالحَروريَّةِ، فتَزَوَّجَت فيهِم
ثُمَّ جاءَت تائبَةً.
قال: فكَتَبَ إلَيه الزُّهرِيُّ وأنا شاهِدٌ: أنَّها بَعدُ؛ فإِنَّ الفِتنَةَ
الأولَى ثارَت، وفِى أصحابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِمَّن شَهِدَ بَدرًا، فرأوا أن يُهدَمَ أمرُ
الفِتنَةِ؟ لا يُقامُ فيها حَدٌّ على أحَدٍ فى فرجٍ استَحَلَّه بتأْويلِ القُرآنِ، ولا قِصاصٌ
فىْ دَمٍ استَحَلَّه بتأويلِ القُرآنِ، ولا مالٍ استَحَلَّه بتأْويلِ القُرآنِ إلَّا أن يوجَدَ
شَىءٌ بعَينِه، وإِنِّى أرَى أن تَرُدَّها إلَى زَوجِها وتَحُدَّ مَن قَذَفَها 3.
16803 - وأخبرَنا أبو نَصرِ ابنُ قَتادَةَ، أخبرَنا أبو الفَضلِ ابنُ خَميرُويَه
أخبَرنا أحمدُ بنُ نَجدَةَ، حَدَّثَنَا الحَسَنُ بنُ الرَّبيعِ، حَدَّثَنَا عبدُ اللهِ بنُ4
المُبارَكِ، عن مَعمَرٍ، حَدَّثَنِي سَيفُ بنُ فُلانِ بنِ مُعاويَةَ العَنَزِيُّ، حَدَّثَنِي
خالِى، عن جَدِّى قال: لَمّا كان يَومُ الجَمَلِ، واضطرَبَ الحَبْلُ (1)، وأغارَ
النَّاسُ.
قال: فجاءَ النّاسُ إلَى عليٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَدَّعونَ أشياءَ، فأكثَروا عَلَيه، فلَم
يَفهَمْ.
قال: أَلا رَجُلٌ يَجمَعُ لِى كَلامَه فى خَمسِ كَلِماتٍ أو سِتٍّ؟ قال:
فاحتَفَزتُ على إحدَى رِجلَيَّ.
قُلتُ: إن فهِمَ قَبلُ كَلامِى وإِلَّا جَلَستُ مِن
قَريبٍ.
قُلتُ: يا أميرَ المُؤمِنينَ، إنَّ الكَلامَ لَيسَ بخَمسٍ ولا سِتٍّ، ولَكِنَّها
كَلِمَتانِ.
قال: فنَظَرَ إلَيَّ.
قال: قُلتُ: هَضْمٌ (2) أو قِصاصٌ.
قال: فعَقَدَ ثَلاثينَ
وقالَ: قالُونْ (3)، أرأيتُم ما عَدَدتُم فهو تَحتَ قَدَمَيَّ هاتَينِ (4).
بابُ ما جاءَ فى قِتالِ الضَّربِ الأوَّلِ مِن أهلِ
الرّدَّةِ بعدَ رسولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال الشّافِعِيُّ رَحِمَه اللهُ: هُم قَومٌ كَفَروا بعدَ إسلامِهِم مِثلُ طُلَيحَةَ ومُسَيلِمَةَ والعَنسِيِّ وأصحابِهِم 6. 16804 - أخبرَنا أبو طاهِرٍ الفَقيهُ، أخبرَنا أبو بكرٍ محمدُ بنُ الحُسَينِ القَطّانُ، حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ يوسُفَ، حَدَّثَنَا عبدُ الرَّزّاقِ، أخبرَنا مَعمَرٌ، عن12345
هَمَّامِ بنِ مُنَبِّهٍ قال: هذا ما حَدَّثَنَا أبو هريرةَ قال: وقالَ رسولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "بَينَما
أنا نائمٌ إذ أُتيتُ بخَزائنِ الأرضِ، فوُضِعَ فى يَدَىَّ سوارَينِ مِن ذَهَب، فكَبُرا عليَّ
وأهَمَّانِي، فأُوحِىَ إلَيَّ أَنِ انْفُخْهُما، فنَفَختُهُما فذَهَبا، فَأَوَّلتُهُما الكَذّابَينِ اللَّذَينِ أنا
بَينَهُما؛ صاحِبَ صَنعاءَ وصاحِبَ اليَمامَةِ" 1. رَواه البخارىُّ فى "الصحيح" عن
إسحاقَ بنِ نَصرٍ، ورَواه مُسلِمٌ عن محمدِ بنِ رافِعٍ، كِلاهُما عن عبدِ الرَّزّاقِ 2.
16805 - أخبرَنا أبو عبدِ اللهِ الحافظُ، حَدَّثَنَا أبو العباسِ محمدُ بنُ
يَعقوبَ، حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ عبدِ الجَبَّارِ، حَدَّثَنَا يونُسُ بنُ بُكَيرٍ، عن محمدِ بنِ
إسحاقَ بنِ يَسارٍ قال: أوَّلُ رِدَّةٍ كانَت فى العَرَبِ مُسَيلِمَةُ باليَمامَةِ فى بَنِى
حَنيفَةَ، والأسوَدُ بنُ كَعبٍ العَنسِيُّ باليَمَنِ فى حَياةِ رسولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وخَرَجَ
طُلَيحَةُ بنُ خوَيلِدٍ الأسَدِىُّ فى بَنى أسَدٍ يَدَّعِى النُّبوَّةَ يَسجَعُ لَهُم.
16806 - أخبرَنا أبو الحُسَينِ ابنُ الفَضلِ القَطّانُ ببَغدادَ، أخبرَنا
عبدُ اللهِ بنُ جَعفَرٍ، حَدَّثَنَا يَعقوبُ بنُ سُفيانَ، حَدَّثَنَا الحَجَّاجُ بنُ أبى مَنيعٍ،
حَدَّثَنَا جَدِّي، عن الزُّهرِيِّ قال: لَمَّا استَخلَفَ اللَّهُ أبا بكرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وارتَدَّ مَنِ
ارتَدَّ مِنَ العَرَبِ عن الإِسلامِ؛ خَرَجَ أبو بكرٍ غازيًا، حَتَّى إذا بَلَغَ نَقْعًا 3 مِن
نَحوِ النَّقيعِ 4 خافَ على المَدينَةِ فرَجَعَ، وأَمَّرَ خالِدَ بنَ الوَليدِ بنِ المُغيرَةِ
سَيفَ اللهِ ونَدَبَ مَعَه النّاسَ، وأمَرَه أن يَسيرَ فى ضاحيَةِ مُضَرَ فيُقاتِلَ مَنِ ارتَدَّ
مِنهُم عن الإِسلامِ، ثُمَّ يَسيرَ إلَى اليَمامَةِ فيُقاتِلَ مُسَيلِمَةَ الكَذّابَ، فسارَ
خالِدُ بنُ الوَليدِ فقاتَلَ طُلَيحَةَ الكَذّابَ الأسَدِىَّ فهَزَمَه اللَّهُ، وكانَ قَدِ اتَّبَعَه
عُيَينَةُ بنُ حِصْنِ بنِ حُذَيفَةَ يَعنِى الفَزارِىَّ، فلَمّا رأى طُلَيحَةُ كَثرَةَ انهِزامِ
أصحابِه قال: ويلَكُم ما يَهزِمُكُم؟ ! قال رَجُلٌ مِنهُم: أنا أُحَدِّثُكَ ما يَهزِمُنا؛
إنَّه لَيسَ مِنّا رَجُلٌ إِلَّا وهو يُحِبُّ أن يَموتَ صاحِبُه قَبلَه، وإِنّا لَنَلقَى قَومًا كُلُّهُم
يُحِبُّ أن يَموتَ قبلَ صاحِبِه، وكانَ طُلَيحَةُ شَديدَ البأْسِ فى القِتالِ؛ فقَتَلَ
طُلَيحَةُ يَومَئذٍ عُكّاشَةَ بنَ مِحصَنٍ وابنَ أقرَمَ، فلَمّا غَلَبَ الحَقُّ طُلَيحَةَ تَرَجَّلَ 1
ثُمَّ أسلَمَ، وأهَلَّ بعُمرَةٍ فرَكِبَ يَسيرُ فى النّاسِ آمِنًا حَتَّى مَرَّ بِأَبِى بكرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -
بالمَدينَةِ، ثُمَّ 2 نَفَذَ إلَى مَكَّةَ فقَضَى عُمرَتَه، ومَضَى خالِدُ بنُ الوَليدِ قِبَلَ
اليَمامَةِ حَتَّى دَنا مِن حَىٍّ مِن بَنِى تَميمٍ، فيهِم مالكُ بنُ نوَيرَةَ، وكانَ قَد صَدَّقَ
قَومَه، فلَمّا توُفِّىَ رسولُ اللَّه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أمسَكَ الصَّدَقَةَ، فبَعَثَ إلَيه خالِدُ بنُ
الوَليدِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - سَريَّةً.
فذَكَرَ الحديثَ فى قَتلِ مالكِ بنِ نوَيرَةَ قال: ومَضَى
خالِدٌ قِبَلَ اليَمامَةِ حَتَّى قاتَلَ مُسَيلِمَةَ الكَذّابَ ومَن مَعَه مِن بَنِى حَنيفَةَ،
فاستَشهَدَ اللَّهُ مِن أصحابِ خالِدٍ أُناسًا كَثيرًا مِنَ المُهاجِرينَ والأنصارِ،
وهَزَمَ اللَّهُ مُسَيلِمَةَ ومَن مَعَه، وقَتَلَ مُسَيلِمَةَ يَومَئذٍ مَولًى مِن مَوالِى قُرَيشٍ
يُقالَ له: وحشِيٌّ 3.
16807 - وأخبرَنا أبو الحُسَينِ ابنُ الفَضلِ، أخبرَنا عبدُ اللَّهِ بنُ جَعفَرٍ،
حَدَّثَنَا يَعقوبُ بنُ سُفيانَ، حَدَّثَنَا زَيدُ بنُ المُبارَكِ الصَّنعانِيُّ وعيسَى بنُ محمدٍ
المَروَزِيُّ قالا: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ حَسَنٍ 1 الصَّنعانِيُّ، حَدَّثَنَا سُلَيمانُ بنُ
وهبٍ، عن النُّعمانِ بنِ بُزُرْجَ 2 قال: خَرَجَ أسوَدُ الكَذَّابُ وكانَ رَجُلًا مِن بَنِى
عَنْسٍ، وكانَ مَعَه شَيطانانِ يُقالُ لأحَدِهِما: سُحَيقٌ.
والآخَرِ: شُقَيقٌ.
وكانا
يُخبِرانِه بكُلِّ شَىءٍ يَحدُثُ مِن أمرِ النَّاسِ، فسارَ الأسوَدُ حَتَّى أخَذَ ذِمارَ 3.
فذَكَرَ قِصَّةً فى شأْنِه وتَزَوُّجِه بالمَرزُبانَةِ امرأةِ باذانَ، وأنَّها سَقَته خَمرًا صِرفًا
حَتَّى سَكِرَ فدَخَلَ فى فِراشِ باذانَ، وكانَ مِن ريشٍ فانقَلَبَ عَلَيه الفِراشُ،
ودَخَلَ فيروزُ وخُرَّزاذُ بنُ بُزُرْجَ 4 فأشارَت إلَيهِما المَرأةُ أنَّه فى الفِراشِ،
وتَناوَلَ فيروزُ برأسِه ولِحيَتِه فعَصَرَ عُنُقَه فدَقَّها، وطَعَنَه ابنُ بُزُرجَ (4) بالخَنجَرِ
فشَقَّه مِن تَرْقُوَتِه إلَى عانَتِه، ثُمَّ احتَزَّ رأسَه، وخَرَجوا وأخرَجوا المَرأةَ مَعَهُم
وما أحَبُّوا مِن مَتاعِ البَيتِ.
ثُمَّ ذَكَرَ قِصَّة أُخرَى وفيها قُدومُ فيروزَ على أميرِ
المُؤمِنينَ عُمَرَ بنِ الخطابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وَإِنَّه قال لِفَيروزَ: كَيفَ قَتَلتَ الكَذَّابَ؟
قال: اللهُ قتلَه يا أميرَ المُؤمِنينَ.
قال: نَعَم، ولَكِن أخبِرْنِى.
فَقَصَّ عَلَيه
القِصَّةَ، ورَجَعَ فيروزُ إلَى اليَمَنِ 5.
بابُ ما جاءَ فى قِتالِ الضَّربِ الثّانِى مِن أهلِ الرِّدَّةِ
بعدَ رسولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
قال الشَّافِعِيُّ رَحِمَه اللَّهُ: وهُم قَومٌ تَمَسَّكوا بالإِسلامِ ومَنَعوا
الصَّدَقاتِ 1. واحتَجَّ فى ذَلِكَ بقَضيَّةِ 2 أبى بكرٍ وعُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -.
16808 - أخبرَنا أبو صالِحِ ابنُ أبى طاهِرٍ العَنبَرِيُّ، أخبرَنا جَدِّى
يَحيَى بنُ مَنصورٍ القاضِي، حَدَّثَنَا أحمدُبنُ سلمةَ، حَدَّثَنَا قُتَيبَةُ بنُ سعيدٍ
الثَّقَفِيُّ، حَدَّثَنَا اللَّيثُ، عن عُقَيلٍ، عن الزُّهرِيِّ قال: أخبرَنِى عُبَيدُ اللهِ بنُ
عبدِ اللهِ بنِ عُتبَةَ بنِ مَسعودٍ، عن أبى هريرةَ قال: لَمَّا توُفِّىَ رسولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
واستُخلِفَ أبو بكرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بَعدَه، وكَفَرَ مَن كَفَرَ مِنَ العَرَبِ؛ قال عُمَرُ بنُ
الخطابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لأبِى بكرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: كَيفَ تُقاتِلُ 3 النّاسَ وقَد
قال رسولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "أُمِرتُ أن أُقاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقولوا: لا إلَهَ إِلَّا اللَّهُ.
فمَن قال:
لا إلَهَ إِلّا اللهُ.
فقَد عَصَمَ مِنِّى مالَه ونَفسَه إِلَّا بحَقِّه، وحِسابُه على اللَّهِ"؟ فقالَ
أبو بكرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: لأُقاتِلَنَّ مَن فَرَّقَ بَينَ الصَّلاةِ والزَّكَاةِ؛ فإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ المالِ،
واللهِ لَو مَنَعونِى عِقالًا 4 كانوا يُؤَدُّونَه إلَى رسولِ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَقاتَلتُهُم على مَنعِه.
قال عُمَرُ بنُ الخطابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: فواللهِ ما هو إلَّا أن رأيتُ اللهَ قَد شَرَحَ صَدرَ
أبى بكرٍ لِلقِتالِ، فعَرَفتُ أنَّه الحَقُّ 1. رَواه البخارىُّ ومُسلِمٌ فى "الصحيح"
عن قُتَيبَةَ بنِ سعيدٍ 2.
16809 - ورَوَى الشّافِعِيُّ وغَيرُه عن سُفيانَ بنِ عُيَينَةَ، عن ابنِ شِهابٍ،
أن عُمَرَ بنَ الخطابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال لأبِى بكرٍ الصِّدِّيقِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: ألَيسَ قَد قال
رسولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "أُمِرتُ أن أُقاتِلَ النَّاسَ حتَّى يَقولوا: لا إلَهَ إِلَّا اللَّهُ.
فإِذا
قالوها عَصَموا مِنِّى دِماءَهُم وأموالَهُم إِلَّا بحَقِّها، وحِسابُهُم على اللَّهِ"؟ ! فقالَ
أبو بكرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: هذا مِن حَقِّها، لا تُفَرِّقوا بَينَ ما جَمَعَ اللهُ، لَو مَنَعونِى
عَناقًا 3 مِمَّا أَعطَوا رسولَ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قاتَلتُهُم عَلَيهِ.
أخبرَناه أبو زَكَريّا ابنُ أبى
إسحاقَ المُزَكِّي، حَدَّثَنَا أبو العباسِ محمدُ بنُ يَعقوبَ، أخبرَنا الرَّبيعُ بنُ
سُلَيمانَ، أخبرَنا الشَّافِعِيُّ، أخبرَنا سفيانُ.
فذَكَرَه، إلَّا أنَّه سَقَطَ مِنه قَولُه: لا
تُفَرِّقوا بَينَ ما جَمَعَ اللهُ 4.
قال الشيخُ الإمامُ رَحِمَه اللَّهُ: واحتَجَّ أبو بكرٍ الصِّدِّيقُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فى هذا الحَديثِ
بشَيئَينِ 5؛ أحَدُهُما: أن قال: قَد قال النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "إِلَّا بحَقِّها".
وهَذا مِن حَقِّها.
والآخَرُ: أن قال: لا تُفَرِّقوا بَينَ ما جَمَعَ اللَّهُ.
قال الشَّافِعِيُّ رَحِمَه اللَّهُ: يَعنِي، فيما أرَى واللَّهُ أعلمُ، أنَّه مُجاهِدُهُم
على الصلاةِ وأنَّ الزَّكاةَ مِثلُها.
قال الشّافِعِيُّ: ولَعَلَّ مَذهَبَه فيه أن اللَّهَ يقولُ:
﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ
دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: 5]، وأنَّ اللَّهَ فرَضَ عَلَيهِم شَهادَةَ الحَقِّ والصِّلاةَ والزَّكاةَ،
وأنَّه مَتَى مَنَعَ فرضًا قَد لَزِمَه لَم يُترَكْ ومَنْعَه حَتَّى يُؤَدِّيَه أو يُقتَلَ 1.
قال الشيخُ رَحِمَه اللَّهُ: وأمّا قَولُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: فواللهِ ما هو إلَّا أنِّى رأيتُ اللَّهَ
قَد شَرَحَ صَدرَ أبى بكرٍ لِلقِتالِ، فعَرَفتُ أنَّه الحَقُّ.
يُريدُ: أنَّه انشِراحُ 2 صَدرِه
بالحُجَّةِ التى أدلَى بها، والبُرهانِ الَّذِى أقامَه.
وقالَ بَعضُ أئمَّتِنا رَحِمَهُمُ اللَّهُ:
قَد وقَعَ اختِصارٌ فى رِوايَةِ هذا الحَديثِ، وقَد صَحَّ عن النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِن أوجُهٍ
كَثيرَةٍ أنَّه أمَرَ بالقِتالِ على الشَّهادَتَينِ، وعَلَى إقامِ الصلاةِ، وإيتاءِ الزَّكاةِ،
فأبو بكرٍ الصِّدّيقُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إنَّما قاتَلَ مانِعِى الزَّكاةِ بالنَّصِّ مَعَ ما ذَكَرَ
مِنَ الدَّلالَةِ، وعُمَرُ بنُ الخطابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إنَّما سَلَّمَ ذَلِكَ له حينَ قامَت عَلَيه
الحُجَّةُ بما رَوَى فيه مِنَ النَّصِّ وذَكَرَ فيه مِنَ الدَّلالَةِ، لا أنَّه قَلَّدَه فيهِ.
16810 - أخبرَنا أبو عبدِ اللَّهِ الحافظُ، حَدَّثَنَا أبو العباسِ محمدُ بنُ
يَعقوبَ، حَدَّثَنَا محمدُ بنُ سِنانٍ القَزّازُ، حَدَّثَنَا عمرُو بنُ عاصِمٍ الكِلابِىُّ،
حَدَّثَنَا عِمرانُ بنُ داوَرٍ القَطّانُ، حَدَّثَنَا مَعمَرُ بنُ راشِدٍ، عن الزُّهرِيَّ،
عن أنَسٍ قال: لَمّا توُفِّىَ رسولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ارتَدَّتِ العَرَبُ.
قال: فقالَ
عُمَرُ بنُ الخطابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: يا أبا بكرٍ، أتُريدُ أن تُقاتِلَ العَرَبَ؟ قال: فقالَ
أبو بكرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: إنَّما قال رسولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "أُمِرتُ أن أُقاتِلَ النّاسَ حَتَّى يَشهَدوا أن
لا إلَىَ إِلَّا اللَّهُ وأنِّى رسولُ اللَّهِ، ويُقيموا الصَّلاةَ ويُؤتوا الزَّكاةَ".
واللهِ لَو مَنَعونِى عَناقًا
مِمَّا كانوا يُعطُونَ رسولَ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لأُقاتِلَنَّهُم عَلَيه.
قال عُمَرُ بنُ الخطابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -:
فلَمّا رأيتُ رأْىَ أبى بكرٍ قَد شُرِحَ عَلَيه، عَلِمتُ أنَّه الحَقُّ 1.
16811 - أخبرَنا محمدُ بنُ عبدِ اللهِ الحافظُ، أخبرَنا أبو الحَسَنِ
عليُّ بنُ محمدِ بنِ عُقبَةَ الشَّيبانِيُّ بالكوفَةِ، حَدَّثَنَا الهَيثَمُ بنُ خالِدٍ، حَدَّثَنَا أبو
نُعَيمٍ، حَدَّثَنَا أبو العَنبَسِ سعيدُ بنُ كَثيرٍ، حَدَّثَنِي أبي، عن أبى هريرةَ قال:
قال رسولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "أُمِرتُ أن أُقاتِلَ النّاسَ حَتَّى يَشهَدوا أن لا إلَهَ إِلَّا اللَّهُ، ويُقيموا
الصَّلاةَ، ويُؤتُوا الزَّكاةَ، ثُمَّ حَرُمَت علَيَّ دِماؤُهُم وأموالُهُم، وحِسابُهُم على اللَّهِ
تَعالَى" 2.
16812 - أخبرَنا أبو طاهِرٍ الفَقيهُ، أخبرَنا أبو عثمانَ عمرُو بنُ عبدِ اللهِ
البَصرِيُّ، حَدَّثَنَا أبو أحمدَ 3 محمدُ بنُ عبدِ الوَهَّابِ، أخبرَنا أبو النَّضرِ
هاشِمُ بنُ القاسِمِ، حَدَّثَنَا أبو جَعفَرٍ الرَّازِيُّ، عن يونُسَ، عن الحَسَنِ، عن
أبى هريرةَ قال: قال رسولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "أُمِرتُ أن أُقاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقولوا:
لا إلَهَ إِلَّا اللهُ.
ويُقيموا الصَّلاةَ، ويؤتوا الزّكاةَ، فإذا فعَلوا مَنَعوا مِنِّى دِماءَهُم
وأموالَهم إِلَّا بحَقِّها، وحِسابُهُم على اللهِ عَزَّ وجَلَّ" 1.
16813 - أخبرَنا أبو عبدِ اللهِ الحافظُ، حَدَّثَنَا أبو عبدِ اللَّهِ محمدُ بنُ
يَعقوبَ الحافظُ، حَدَّثَنَا إسماعيلُ بنُ قُتَيبَةَ، حَدَّثَنَا عبدُ اللَّهِ بنُ محمدٍ
المُسنَدِىُّ، حَدَّثَنَا حَرَمِيُّ بنُ عُمارَةَ، حَدَّثَنَا شُعبَةُ، عن واقِدِ بنِ محمدٍ قال:
سَمِعتُ أبى يُحَدِّثُ عن ابنِ عُمَرَ، أن رسولَ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "أُمِرتُ أن أُقاتِلَ
النّاسَ حَتَّى يَشهَدوا أن لا إلَهَ إِلَّا اللهُ، وأنَّ محمدًا رسولُ اللَّهِ، ويُقيموا الصَّلاةَ،
ويُؤتوا الزَّكاةَ، فإذا فعَلوا ذَلِك عَصَموا مِنِّى دِماءَهُم وأموالَهم إِلَّا بحَقِّ
الإِسلامِ، وحِسابُهُم على اللهَ" 2. رَواه البخاريُّ فى "الصحيح" عن المُسنَدِيِّ،
وأخرَجَه مُسلِمٌ مِن [وجهٍ آخَرَ] 3 عن شُعبَةَ 4.
16814 - أخبرَنا أبو عبدِ اللَّهِ الحافظُ وأبو سعيدِ ابنُ أبى عمرٍو قالا:
حَدَّثَنَا أبو العباسِ محمدُ بنُ يَعقوبَ، حَدَّثَنَا يَحيَى بنُ أبى طالِبٍ، أخبرَنا
عبدُ الوَهّابِ بنُ عَطاءٍ، أخبرَنا سعيدُ هو ابنُ أبى عَروبَةَ، عن قَتادَةَ فى قَولِه
عَزَّ وجَلَّ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾
[المائدة: 54] كُلّها.
قال: نَزَلَت هذه الآيَةُ وقَد عَلِمَ اللَّهُ أنَّه
سَيَرتَدُّ مُرتَدُّونَ مِنَ النّاسِ، فلَمَّا قَبَضَ اللهُ رسولَه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ارتَدَّ النّاسُ عن الإِسلامِ
إلَّا ثَلاثَةَ مَساجِدَ؛ أهلُ المَدينَةِ، وأهلُ مَكَّةَ، وأهلُ جُواثا مِن أهلِ البحرَينِ
مِن عبدِ القَيسِ، وقالَتِ العَرَبُ: أمَّا الصَّلاةُ فنُصَلِّي، وأمَّا الزَّكاةُ فواللهِ
لا تُغصبُ أموالُنا.
فكُلِّمَ أبو بكرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أن يَتَجاوَزَ عَنهُم ويُخَلِّىَ عَنهُم، وقيلَ
له: إنَّهُم لَو قَد فقِهوا لأَعطَوُا الزَّكَاةَ طائعينَ.
فأبَى عَلَيهِم أبو بكرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال:
واللهِ لا أُفَرِّقُ بَينَ شَىءٍ جَمَعَ اللهُ بَينَه، واللهِ لَو مَنَعونِى عَناقًا مِمّا فرَضَ اللهُ
ورسولُه لَقاتَلتُهُم عَلَيه.
فبَعَثَ اللهُ عَلَيهِم عَصائبَ، فقاتَلوا على ما قاتَلَ عَلَيه
رسولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى أقَرُّوا بالماعونِ، وهِىَ الزَّكاةُ المَفروضَةُ، ثُمَّ إنَّ وفدَ
العَرَب قَدِموا عَلَيه فخَيَّرَهُم بَينَ خُطَّةٍ مُخزيَةٍ أو حَربٍ مُجلِيَةٍ، فاختاروا
الخُطَّةَ، وكانَت أهوَنَ عَلَيهِم أن يَشهَدوا أن قَتلاهُم فى النَّارِ وقَتلَى المُسلِمينَ
فى الجَنَّةِ، وما أصابَ المُسلِمونَ مِن أموالِهِم فهو حَلالٌ، وما أصابوا مِنَ
المُسلِمينَ رَدُّوه عَلَيهِم 1.
16815 - أخبرَنا أبو الحُسَينِ ابنُ الفَضلِ القَطّانُ، أخبرَنا عبدُ اللَّهِ بنُ
جَعفَرٍ، حَدَّثَنَا يَعقوبُ بنُ سُفيانَ، حَدَّثَنَا أبو اليَمانِ الحَكَمُ بنُ نافِعٍ، حَدَّثَنَا
صَفوانُ بنُ عمرٍو، عن عبدِ الرَّحمَنِ بنِ جُبَيرٍ، أن أبا بكرٍ الصِّدِّيقَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كان
جَهَّزَ بعدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جُيوشًا على بَعضِها شُرَحبيلُ ابنُ حَسَنَةَ ويَزيدُ بنُ أبى سُفيانَ
وعَمرُو بنُ العاصِ، فساروا حَتَّى نَزَلوا الشَّامَ، فجَمَعَت لَهُمُ الرُّومُ جُموعًا
عَظيمَةً، فحُدِّثَ أبو بكرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بذَلِكَ، فأرسَلَ إلَى خالِدِ بنِ الوَليدِ وهو
بالعِراقِ، أو كَتَبَ أن: انصَرِفْ بثَلاثَةِ آلافِ فارِسٍ فأمِدَّ إخوانَكَ بالشّامِ،
والعَجَلَ العَجَلَ.
فأقبَلَ خالِدٌ مُغِذًّا جَوَادًا 1، فاشتَقَّ الأرضَ بمَن مَعَه حَتَّى
خَرَجَ إلَى ضُمَيرٍ 2، فوَجَدَ المُسلِمينَ مُعَسكِرينَ بالجابيَةِ 3، وتَسامَعَ
الأعرابُ الَّذينَ كانوا فى مَملَكَةِ الرّومِ بخالِدٍ؛ ففَزِعوا له، ففِى
ذَلِكَ يقولُ قائلُهُم:
أَلَا يا اصْبِحِينا قَئلَ خَيلِ أبى بكرِ ... لَعَلَّ مَنايانا قَريبٌ وما نَدرِى 4
16816 - وفِى رِوايَةِ الشّافِعِيِّ رَحِمَه اللَّهُ فى "المبسوط":
أَلَا فاصْبِحيْنا قَبْلَ نائرَةِ الفَجرِ 5 ... لَعَل مَنايانا قَريبٌ وما نَدرِى
أطَعْنا رسولَ اللَّهِ ما كان وسْطَنا ... فيا عَجَبًا ما بالُ مُلكِ أبى بكرِ
فإِنَّ الَّذِى سالُوكُمُ فمَنَعتُمُ ... لَكَالتَّمرِ أو أحلَى إلَيهِمْ مِنَ التَّمرِ
سَنَمنَعُهُمْ ما كان فينا بَقيَّةٌ ... كِرامٌ على العَزّاءِ 6 فى ساعَةِ العُسْرِ
وهَذا فيما أجازَ لِى أبو عبدِ اللهِ الحافظُ رِوايَتَه عنه، عن أبى العباسِ، عن
الرَّبيعِ، عن الشّافِعِيِّ.
فذَكَرَ هذه الأبياتَ، قال الشّافِعِيُّ: قالوا لأَبِى بكرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -
بعدَ الإِسارِ: ما كَفَرنا بعدَ إيمانِنا، ولَكِن شَحَحنا على أموالِنا 7.
بابٌ: لَا يُبدأُ الخَوارِجُ بالقِتالِ حَتَّى يسألوا ما نَقَموا
... ثُمَّ يُؤمَروا بالعَودِ ثُمَّ يُؤذَنُوا بالحَربِ 16817 - أخبرَنا أبو عبدِ اللهِ الحافظُ، حَدَّثَنَا أبو العباسِ محمدُ بنُ يَعقوبَ، حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ عبدِ الجَبَّارِ، حَدَّثَنَا يونُسُ بنُ بُكَيرٍ، عن ابنِ إسحاقَ، حَدَّثَنِي طَلحَةُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ الرَّحمَنِ بنِ أبى بكرٍ الصِّدِّيقِ قال: كان أبو بكرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يأمُرُ أُمَراءَه حينَ كان يَبعَثُهُم فى الرَدَّةِ: إذا غَشِيتُم دارًا فإِن سَمِعتُم بها أذانًا بالصَّلاةِ فكُفُّوا حَتَّى تَسألوهُم ماذا نَقَموا، فإِن لَم تَسمَعوا أذانًا فشُنّوها غارَةً واقتُلوا وحَرِّقوا، وانهَكوا فى القَتلِ والجِراحِ، لا يُرَى بكُم وهْنٌ لِمَوتِ نَبيِّكُم - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. 16818 - أخبرَنا أبو الحَسَنِ محمدُ بنُ يَعقوبَ بنِ أحمدَ الفَقيهُ بالطَّابَرانِ، أخبرَنا أبو عليٍّ محمدُ بنُ أحمدَ بنِ الحَسَنِ بنِ الصَّوَّافِ، حَدَّثَنَا أبو يَعقوبَ إسحاقُ بنُ الحَسَنِ بنِ مَيمونٍ الحَربِيُّ، حَدَّثَنَا أبو غَسَّانَ، حَدَّثَنَا زيادٌ البَكائيُّ، حَدَّثَنَا مُطَرِّفُ بنُ طَريفٍ، عن سُلَيمانَ بنِ الجَهمِ أبى الجَهمِ مَولَى البَراءِ بنِ عازِبٍ، عن البَراءِ بنِ عازِبٍ قال: بَعَثَنى عليٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إلَى النَّهَرِ إلَى الخَوارِجِ، فدَعَوتُهُم ثَلاثًا قبلَ أن نُقاتِلَهُم 1. 16819 - أخبرَنا أبو عبدِ اللهِ الحافظُ، حَدَّثَنَا أبو العباسِ محمدُ بنُ يَعقوبَ مِن أصلِ كِتابِه، حَدَّثَنَا أبو أُمَيَّةَ محمدُ بنُ إبر اهيمَ الطَّرَسُوسِيُّ، حَدَّثَنَا
عُمَرُ بنُ يونُسَ بنِ القاسِمِ بنِ مُعاويَةَ اليَمامِيُّ، حَدَّثَنَا عِكرِمَةُ بنُ عَمّارٍ
العِجلِيُّ، حَدَّثَنِي أبو زُمَيلٍ سِماكٌ الحَنَفِيُّ، حَدَّثَنَا عبدُ اللهِ بنُ عباسٍ قال: لَمّا
خَرَجَتِ الحَرورِيَّةُ اجتَمَعوا فى دارٍ وهُم سِتَّةُ آلافٍ، أتَيتُ عَليًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فقُلتُ:
يا أميرَ المُؤمِنينَ، أَبْرِدْ بالظُّهرِ لَعَلِّى آتِى هَؤُلاءِ القَومَ فأُكَلِّمَهُم.
قال: إنِّى
أخافُ عَلَيكَ.
قال: قُلتُ: كَلَّا.
قال: فخَرَجتُ آتيهُم، ولَبِستُ أحسَنَ
ما يَكونُ مِن حُلَلِ اليَمَنِ، فأتَيتُهُم وهُم مُجتَمِعونَ فى دارٍ وهُم قائلونَ،
فسَلَّمتُ عَلَيهِم فقالوا: مَرحَبًا بكَ يا أبا عباسٍ، فما هذه الحُلَّةُ؟ قال: قُلتُ:
ما تَعيبونَ علَيَّ؟ لَقَد رأيتُ علَى رسولِ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أحسَنَ ما يَكونُ مِنَ الحُلَلِ،
ونَزَلَت: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾
[الأعراف: 32].
قالوا: فما جاءَ بكَ؟ قُلتُ: أتَيتُكُم مِن عِندِ صَحابَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
مِنَ المُهاجِرينَ والأَنصارِ، لأُبلِغَكُم ما يَقولونَ، وتُخبِرونِى بما تَقولونَ،
فعَلَيهِم نَزَلَ القُرآنُ، وهُم أعلمُ بالوَحىِ مِنكُم، وفيهِم أُنزِلَ، ولَيسَ فيكُم
مِنهُم أحَدٌ.
فقالَ بَعضُهُم: لا تُخاصِموا قُرَيشًا، فإِنَّ اللهَ يقولُ:
﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف: 58].
قال ابنُ عباسٍ: وأتَيتُ قَومًا لَم أرَ قَومًا قَط أشَدَّ
اجتِهادًا مِنهُم، مُسَهَّمَةٌ وُجوهُهُم مِنَ السَّهَرِ، كأنَ أيديَهُم ورُكَبَهُم ثَفِنٌ،
عَلَيهِم قُمُصٌ مُرَخَصَّة.
فقال بَعضُهُم: لَنُكَلَمَنَّه ولَنَنظُرَنَّ ما يَقولُ.
قُلتُ:
أَخبِرونِى ماذا نَقَمتُم على ابنِ عَمِّ رسولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وصِهرِه والمُهاجِرينَ
والأَنصارِ؟ قالوا: ثَلاثًا.
قُلتُ: ما هُنَّ؟ قالو ا: أنها إحداهُنَّ فإِنَّه حَكَّمَ الرِّجالَ
فى أمرِ اللَّهِ، قال اللهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [الأنعام: 57].
وما لِلرِّجالِ
وما لِلحُكمِ؟ فقُلتُ: هذه واحِدَةٌ.
قالوا: وأمّا الأُخرَى فإِنَّه قاتَلَ ولَم يَسبِ
ولَم يَغنَمْ، فلَئن كان الَّذينَ قاتَلَ كُفّارًا لَقَد حَلَّ سَبيُهُم وغَنيمَتُهُم، وإِن كانوا
مُؤمِنينَ ما حَلَّ قِتالُهُم.
قُلتُ: هذه ثِنتانِ، فما الثّالِثَةُ؟ قالوا: إنَّه مَحا اسمَه مِن
أميرِ المُؤمِنينَ، فهو أميرُ الكافِرينَ! قُلتُ: أعِندَكُم سِوَى هَذا؟ قالوا: حَسبُنا
هَذا.
فقُلتُ لَهُم: أرأيتُم إن قَرأْتُ عَلَيكُم مِن كِتابِ اللهِ ومِن سُنَةِ نَبيِّه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ما يُرَدُّ
به قَولُكُم، أتَرضَونَ؟ قالوا: نَعَم.
فقُلتُ لَهُم: أنها قَولُكُم: حَكَمَ الرِّجالَ فى
أمرِ اللهِ.
فأنا أقرأُ عَلَيكُم ما قَد رُدَّ حُكمُه إلَى الرِّجالِ فى ثَمَنِ رُبُعِ
دِرهَمٍ فى أرنَبٍ أو 1 نَحوِها مِنَ الصَّيدِ، فقالَ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ
وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ إلَى قَولِه: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المائدة: 95].
فنَشَدتُكُم باللَّهِ،
أحُكمُ الرجالِ فى أرنَبٍ ونَحوِها مِنَ الصَّيدِ أفضَلُ، أم حُكمُهُم فى دِمائهِم
وإِصلاحِ ذاتِ بَينِهِم؛ ! وأن تَعلَموا أنَّ اللهَ لَو شاءَ لَحَكَمَ ولَم يُصَيِّرْ ذَلِكَ إلَى
الرجالِ، وفِى المَرأةِ وزَوجِها قال اللهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء: 35].
فجَعَلَ اللهُ حُكمَ الرجالِ سُنَّةً ماضيَةً، أخَرَجتُ مِن هَذِهِ؟ قالوا:
نَعَم.
قال: وأمّا قَولُكُم: قاتَلَ فلَم يَسبِ ولَم يَغنَمْ.
أتَسْبُونَ أُمَّكُم عائشَةَ ثُمَّ
تَستَحِلّونَ مِنها ما يُستَحَلُّ مِن غَيرِها؟ ! فلَئن فعَلتُم لَقَد كَفَرتُم، وهِىَ أُمُّكُم،
ولَئن قُلتُم: لَيسَت بأُمِّنا.
لَقَد كَفَرتُم؟ فإِنَ اللهَ تَعالَى يقولُ: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾
[الأحزاب: 6].
فأنتُم تَدورونَ بَينَ ضَلالَتَينِ
أيَّهُما صرتُم إلَيها صرتُم إلَى ضَلالَةٍ.
فنَظَرَ بَعضُهُم إلَى بَعضٍ، قُلتُ: أخَرَجتُ
مِن هَذِهِ؟ قالوا: نَعَم.
وأمّا قَولُكُم: مَحا نَفسَه مِن أميرِ المُؤمِنينَ.
فأنا آتيكُم
بمَن تَرضَونَ، أُرَيَكم 1 قَد سَمِعتُم أن النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَومَ الحُدَيبيَةِ كاتَبَ المُشرِكينَ
سُهَيلَ بنَ عمرٍو وأبا سُفيانَ بنَ حَربٍ، فقالَ رسولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لأَميرِ المُؤمِنينَ:
"اكتُبْ يا عليُّ: هذا ما اصطَلَحَ عَلَيه محمدٌ رسولُ اللَّهِ؟ . فقالَ المُشرِكونَ: لا،
واللهِ ما نَعلَمُ أنَّكَ رسولُ اللَّهِ، لَو نَعلَمُ أنَّكَ رسولُ اللَّهِ ما قاتَلناكَ.
فقالَ
رسولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "اللَّهُمَّ إنَّكَ تَعلَمُ أنِّى رسولُكَ، اكتُبْ يا عليُّ: هذا ما اصطَلَحَ عَلَيه
محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ".
فواللَّهِ لَرسولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَيرٌ مِن عليٍّ، وما أخرَجَه مِنَ النُّبوَّةِ
حينَ مَحا نَفسَه.
قال عبدُ اللَّهِ بنُ عباسٍ: فرَجَعَ مِنَ القَومِ ألفانِ، وقُتِلَ سائرُهُم
على ضَلالَةٍ 2.
16820 - وأخبرَنا أبو عبدِ اللَّهِ الحافظُ، حَدَّثَنَا عليُّ بنُ حَمْشاذَ العَدلُ،
حَدَّثَنَا هِشامُ بنُ عليٍّ السَّدوسِيُّ، حَدَّثَنَا محمدُ بنُ كَثيرٍ العَبدِىُّ، حَدَّثَنَا
يَحيَى بنُ سُلَيبم وعَبدُ اللَّهِ بنُ واقِدٍ، عن عبدِاللهِ بنِ عثمانَ بنِ خُثَيمٍ، عن
عبدِ اللَّهِ بنِ شَدّادِ بنِ الهادِ قال: قَدِمتُ على عائشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -، فبَينا نَحنُ جُلوسٌ
عِندَها - مَرجِعَها مِنَ العِراقِ لَيالِىَ قُوتِلَ عليٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إذ قالَت لِى: يا عبدَ اللَّهِ بنَ
شَدّادٍ، هَل أنتَ صادِقِى عَمّا أسألُكَ عنه؟ حَدِّثْنِى عن هَؤُلاءِ القَومِ الَّذينَ قَتَلَهُم
عليٌّ.
قُلتُ: وما لِى لا أصدُقُكِ! قالَت: فحَدِّثْنِى عن قِصتِهِم.
قُلتُ: إنَّ عَليًّا لَمّا
أن كاتَبَ مُعاويَةَ، وحَكَّمَ الحَكَمَينِ، خَرَجَ عَلَيه ثَمانيَةُ آلافٍ مِن قُرَّاءِ النّاسِ،
فنَزَلوا أرضًا مِن جانِبِ الكوفَةِ يُقالُ لها: حَروراءُ.
وإِنَّهُم أنكَروا عَلَيه فقالوا:
انسَلَختَ مِن قَميصٍ ألبَسَكَه اللهُ وأسماكَ به، ثُمَّ انطَلَقتَ فحَكَمتَ فى
دينِ اللَّهِ، ولا حُكمَ إلَّا للهِ.
فلَمَّا أن بَلَغَ عَليًّا ما عَتَبوا عَلَيه وفارَقوه؛ أمَرَ فأذَّنَ
مُؤَذِّنٌ: لا يَدخُلَنَّ على أميرِ المُؤمِنينَ إلَّا رَجُلٌ قَد حَمَلَ القُرآنَ.
فلَمّا أن امتَلأَ
مِن قُرَّاءِ النّاسِ، الدّارُ؛ دَعا بمُصحَفٍ عَظيمٍ، فوَضَعَه عليٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بَينَ يَدَيه،
فطَفِقَ يَصُكُّه بيَدِه ويَقولُ: أيُّها المُصحَفُ حَدِّثِ النّاسَ.
فناداه النَّاسُ فقالوا: يا
أميرَ المُؤمِنينَ، ما تَسألُه عنه؟ إنَّما هو ورَقٌ ومِدادٌ ونَحنُ نَتَكَلَّمُ بِمَا رُوِّينا مِنه،
فماذا تُريدُ؟ قال: أصحابُكُمُ الَّذينَ خَرَجوا بَينِى وبَينَهُم كِتابُ اللهِ تَعالَى؛
يقولُ الله عَزَّ وجَلَّ فى امرأةٍ ورَجُلٍ: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ﴾
[النساء: 35].
فأُمَّةُ محمدٍ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أعظَمُ حُرمَةً مِنِ امرأةٍ ورَجُلٍ، ونَقَموا علَيَّ
أنِّى كاتَبتُ مُعاويَةَ وكَتَبتُ: عليَّ بنَ أبى طالِبٍ.
وقَد جاءَ سُهَيلُ بنُ عَمْرٍو ونَحنُ
مَعَ رسولِ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بالحُدَيبيَةِ حينَ صالَحَ قَومَه قُرَيشًا، فكَتَبَ رسولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -:
"بسمِ اللَّهِ الرَّحمَنِ الزحيمِ".
فقالَ سُهَيلٌ: لا تكتُبْ: بسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحيمِ.
قُلتُ: فكَيفَ أكتُبُ؟ قال: اكتُبْ باسمِكَ اللَّهُمَّ.
فقالَ رسولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "اكتُبْه".
ثُمَّ قال: "اكتُبْ: مِن محمدٍ رسولِ اللهِ".
فقالَ: لَو نَعلَمُ أنَّكَ رسولُ اللهِ لَم
نُخالِفْكَ.
فكَتَبَ: "هذا ما صالَحَ عَلَيه محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ قُرَيشًا".
يقولُ اللَّهُ في
كِتابِه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾
[الأحزاب: 21] فبَعَثَ إلَيهِم عليُّ بنُ أبى طالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، عبدَ اللهِ بنَ عباسٍ،
فخَرَجتُ مَعَه، حَتَّى إذا تَوَسَّطنا عَسكَرَهُم قامَ ابنُ الكَوّاءِ فخَطَبَ النّاسَ فقالَ:
يا حَمَلَةَ القُرآنِ، إنَّ هذا عبدُ اللهِ بنُ عباسٍ، فمَن لَم يَكُنْ يَعرِفُه فأنا أعرِفُه مِن
كِتابِ اللَّهِ؟ هذا مَنْ نَزَلَ فيه وفِى قَومِه: ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف: 58].
فرُدّوه إلَى صاحِبِه ولا تُواضِعوه كِتابَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ.
قال: فقامَ خُطَباؤُهُم
فقالوا: واللهِ لَنواضِعَنَّه كِتابَ اللَّهِ، فإِذا جاءَنا بحَق نَعرِفُه اتَّبَعناه، ولَئن جاءَنا
بالباطِلِ لَنُبَكِّتَنَّه بباطِلِه، ولَنَرُدَّنَّه إلَى صاحِبِه.
فواضَعوه على كِتابِ اللَّهِ ثَلاثَةَ
أيّامٍ، فرَجَعَ مِنهُم أربَعَةُ آلافٍ كُلُّهُم تائبٌ، فأقبَلَ بهِمُ ابنُ الكَوّاءِ حَتَّى أدخَلَهُم
على عليٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، فبَعَثَ عليٌّ إلَى بَقيَّتِهِم فقالَ: قَد كان مِن أمرِنا وأمرِ النّاسِ ما
قَد رأيتُم، قِفوا حَيثُ شِئتُم حَتَّى تَجتَمِعَ أُمَّةُ محمدٍ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وتَنزِلوا فيها حَيثُ
شِئتُم، بَينَنا وبَينَكُم أن نَقِيَكُم رِماحَنا ما لَم تَقطَعوا سَبيلًا أو 1 تَطلُبوا دَمًا، فإنَّكُم
إن فعَلتُم ذَلِكَ فقَد نَبَذْنا إلَيكُم الحَربَ على سَواءٍ، إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الخائنينَ.
فقالَت له عائشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: يا ابنَ شَدّادٍ، فقَد قَتَلَهُم.
فقالَ: واللَّهِ ما بَعَثَ إلَيهِم حَتَّى
قَطَعوا السَّبيلَ، وسَفَكوا الدِّماءَ، وقَتَلوا ابنَ خَبّابٍ، واستَحَلّوا أهلَ الذِّمَّةِ.
فقالَت: آللهِ؟ قُلتُ: آللهِ الَّذِى لا إلَهَ إلَّا هو لَقَد كان! قالَت: فما شَىءٌ بَلَغَنِى
عن أهلِ العِراقِ يَتَحَدَّثونَ به؛ يَقولونَ: ذو الثُّدَيِّ، ذو الثُّدَىِّ؟ قُلتُ: قَد رأيتُه
ووَقَفتُ عَلَيه مَعَ عليٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فى القَتلَي، فدَعا النّاسَ فقالَ: هَل تَعرِفونَ هذا؟ فما
أكثَرَ مَن جاءَ يقولُ: قَد رأيتُه فى مَسجِدِ بَنِى فُلانٍ يُصَلِّي، ورأيتُه فى مَسجِدِ بَنِى
فُلانٍ يُصلِّى! فلَم يأْتوا بثَبَتٍ يُعرَفُ إلَّا ذَلِكَ.
قالَت: فما قَولُ عليٍّ حينَ قامَ
عَلَيه - كما يَزعُمُ - أهلُ العِراقِ؟ قُلتُ: سَمِعتُه يقولُ: صَدَقَ اللَّهُ ورسولُه.
قالَت: فهَل سَمِعتَ أنتَ مِنه قال غَيرَ ذَلِكَ؟ قُلتُ: اللَّهمَّ لا! قالَت: أجَلْ،
صَدَقَ اللهُ ورسولُه، يَرحَمُ اللهُ عَليًّا! إنَّه مِن كَلامِه، كان لا يَرَى شَيئًا يُعجِبُه إلَّا
قال: صَدَق اللهُ ورسولُه 1.
16821 - وأخبرَنا أبو عبدِ الرَّحمَنِ السُّلَمِيُّ، أخبرَنا أبو الحُسَينِ ابنُ
عبدَةَ السَّلِيطيُّ، حَدَّثَنَا أبو محمدٍ أحمدُ بنُ إبراهيمَ بنِ عبدِ اللهِ، حَدَّثَنَا
إبراهيمُ بنُ محمدٍ الشَّافِعِيُّ قال: عُرِضَ على مُسلِمِ بنِ خالِدٍ الزَّنجِيِّ،
عن ابنِ خُثَيمٍ، عن ابنِ عبدِ اللَّهِ بنِ عياضٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ شَدّادِ بنِ الهادِ،
أنَّه دَخَل على عائشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -، ونَحنُ عِندَها، مَرجِعَه مِنَ العِراقِ لَيالِىَ قُتِلَ
علىٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. فذَكَرَ الحديثَ بنَحوِهِ 2.
قال الشيخُ الإمامُ رَحِمَه اللهُ: حَديثُ الثُّدَيَّةِ حَديثٌ صَحيحٌ قَد ذَكَرناه فيما
مَضى 3، ويَجوزُ ألَّا يَسمَعَه ابنُ شَدَّادٍ وسَمِعَه غَيرُه، واللَّهُ أعلَمُ.
16822 - أخبرَنا أبو الحُسَينِ ابنُ بِشْرانَ العَدلُ ببَغدادَ، أخبرَنا
أبو جَعفَرٍ محمدُ بنُ عمرٍو الرزازُ، حَدَّثَنَا يَحيَى بنُ جَعفَرٍ، حَدَّثَنَا وهبُ بنُ
جَريرٍ، حَدَّثَنَا جوَيريَةُ بنُ أسماءَ قال: أُراه عن يَحيَى بنِ سعيدٍ قال: حَدَّثَنِي
عَمِّي، أو عَمٌّ لِى قال: لَمّا تَواقَفْنا يَومَ الجَمَلِ، وقَد كان عليٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - حينَ صَفَّنا
نادَى فى النّاسِ: لا يَرميَنَّ رَجُلٌ بسَهمٍ، ولا يَطْعُنْ برُمحٍ، ولا يَضرِبْ
بسَيفٍ، ولا تَبدَءوا القَومَ بالقِتالِ، وكَلِّموهُم بألطَفِ الكَلامِ.
وأظُنُّه قال:
فإِنَّ هذا مَقامٌ مَن فلَجَ 1 فيه فلَجَ يَومَ القيامَةِ.
فلَم نَزَل وُقوفًا حَتَّى تَعالَى
النَّهارُ، حَتَّى نادَى القَومُ بأجمَعِهِم: يا ثاراتِ عثمانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. فنادى عليٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -
محمدَ ابنَ الحَنَفيَّةِ وهو أمامَنا ومَعَه اللِّواءُ فقالَ: يا ابنَ الحَنَفيَّةِ، ما يَقولونَ؟
فأقبَلَ عَلَينا محمدُ ابنُ الحَنَفيَّةَ فقالَ: يا أميرَ المُؤمِنينَ، يا ثاراتِ عثمانَ.
فرَفَعَ
علىٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَدَيه فقالَ: اللَّهُمَّ كُبَّ اليَومَ قَتَلَةَ عثمانَ لِوُجوهِهِم 2.
16823 - أخبرَنا أبو القاسِمِ عبدُ الرَّحمَنِ بنُ عُبَيدِ اللهِ بنِ عبدِ اللَّهِ
الحُرفِيُّ، حَدَّثَنَا أبو الحَسَنِ عليُّ بنُ محمدِ بنِ الزُّبَيرِ القُرَشِىُّ، حَدَّثَنَا
الحَسَنُ بنُ عليِّ بنِ عَفّانَ، حَدَّثَنَا زَيدُ بنُ الحُبابِ، حَدَّثَنِي جَعفَرُ بنُ إبراهيمَ
مِن ولَدِ عبدِ اللَّهِ بنِ جَعفَرٍ ذِى الجَناحَينِ، حَدَّثَنِي محمدُ بنُ عُمَرَ بنِ عليِّ بنِ
أبى طالِبٍ، أن عَليًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَم يُقاتِلْ أهلَ الجَمَلِ حَتَّى دَعا النّاسَ ثَلاثًا، حَتَّى إذا
كان يَومُ الثّالِثِ دَخَلَ عَلَيه الحَسَنُ والحُسَينُ وعَبدُ اللَّهِ بنُ جَعفَرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - فقالوا:
قَد أكثَروا فينا الجِراحَ.
فقالَ يا ابنَ أخِ: واللهِ ما جَهِلتُ شَيئًا مِن أمرِهِم إلَّا
ما كانوا فيه.
وقالَ: صُبَّ لِى ماءً.
فصبَّ له ماءً فتَوَضّأ به ثُمَّ صَلَّى رَكعَتَينِ،
حَتَّى إذا فرَغَ رَفَعَ يَدَيه ودَعا رَبَّه، وقالَ لَهُم: إن ظَهَرتُم على القَومِ فلا تَطلُبوا
مُدبِرًا، ولا تُجيزوا على جَريحٍ (1)، وانظُروا ما حُضِرَت به الحَربُ مِن آنيَةٍ
فاقبِضوه، وما كان سِوَى ذَلِكَ فهو لِوَرَثَتِهِ.
قال رَحِمَه اللَّهُ: هذا مُنقَطِعٌ، والصَّحيحُ أنَّه لَم يأْخُذْ شَيئًا ولَم يَسلُبْ قَتيلًا.
16824 - وأخبرَنا أبو عبدِ اللهِ الحافظُ، حَدَّثَنَا أبو العباسِ محمدُ بنُ
يَعقوبَ، حَدَّثَنَا الحَسَنُ بنُ عليِّ بنِ عَفَّانَ العامِرِيُّ، حَدَّثَنَا عُبَيدُ اللهِ بنُ موسَي،
أخبرَنا أبو مَيمونَةَ، عن أبى بَشيرٍ الشَّيبانِىِّ فى قِصَّةِ حَربِ الجَمَلِ قال: فاجتَمَعوا
بالبَصرَةِ فقالَ عليٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: مَن يأخُذُ المُصحَفَ ثُمَّ يقولُ لَهُم: ماذا تَنقِمونَ؟
تُريقونَ دِماءَنا ودِماءَكُم؟ فقالَ رَجُلٌ: أنا يا أميرَ المُؤمِنينَ.
قالَ: إنَّكَ مَقتولٌ.
قال: لا أُبالِى.
قال: خُذِ المُصحَفَ.
قالَ: فذَهَبَ إلَيهِم فقَتَلوه.
ثُمَّ قال مِنَ الغَدِ
مِثلَ ما قال بالأمسِ.
فقالَ رَجُلٌ: أنا.
قال: إنَّكَ مَقتول كما قُتِلَ صاحِبُكَ.
قال:
لا أُبالِى.
قال: فذَهَبَ فقُتِلَ.
ثُمَّ قُتِلَ آخِرَ كُلِّ يَومٍ واحِدٌ.
فقالَ عليٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: قَد حَلَّ
لَكُم قِتالُهُمُ الآنَ.
قال: فبَرَزَ هَؤُلاءِ وهَؤُلاءِ، فاقتَتَلوا قِتالًا شَديدًا.
وذَكَرَ
الحديثَ، قال أبو بَشيرٍ: فرَدَّ عَلَيهِم ما كان فى العَسكَرِ حَتَّى القِدرَ.
بابٌ: أهلُ البَغىِ إذا فاءوا لَم يُتبَعْ مُدبِرُهُم، ولَم يُقَتَلْ أَسيرُهُم،
ولَم يُجهَزْ على جَريحِهِم، ولَم يُستَمتَعْ بشَىءٍ مِن أموالِهِم 16825 - فيما أجازَ لِى أبو عبدِ اللهِ الحافظُ رِوايَتَه عنه، حَدَّثَنَا أبو العباسِ، حَدَّثَنَا الرَّبيعُ، أخبرَنا الشَّافِعِيُّ وأظُنُّه عن إبراهيمَ بنِ محمدٍ، عن جَعفَرِ بنِ محمدٍ، عن أبيه، عن جَدِّه عليِّ بنِ الحُسَينِ قال: دَخَلتُ على1
مَروانَ بنِ الحَكَمِ فقالَ: ما رأيتُ أحَدًا أكرَمَ غَلَبَةً مِن أبيكَ، ما هو إلَّا أن ولَّينا
يَومَ الجَمَلِ، فنادَى مُنادِيه: لا يُقتَلُ مُدبِرٌ، ولا يُذَفَّفُ 1 على جَريحٍ.
قال
الشَّافِعِيُّ رَحِمَه اللهُ: ذَكَرتُ هذا الحديثَ لِلدَّراوَرْدِىِّ فقالَ: ما أحفَظَه!
تَعَجَّبَ لِحِفظِه.
هَكَذا ذَكَرَه جَعفَرٌ بهَذا الإِسنادِ 2.
16826 - قال الدَّراوَردِيُّ: أخبرَنا جَعفَر، عن أبيه، أنَّ عَليًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كان
لا يأْخُذُ سَلَبًا، وأنَّه كان يُباشِرُ القِتالَ بنَفسِه، وأنَّه كان لا يُذَفِّفُ 3 على
جَريحٍ، ولا يَقتُلُ مُدبِرًا 4.
16827 - وأخبرَنا أبو عبدِ اللَّهِ الحافظُ، أخبرَنا أبو الوَليدِ الفَقيهُ، حَدَّثَنَا
الحَسَنُ بنُ سُفيانَ، حَدَّثَنَا أبو بكرِ ابنُ أبى شَيبَةَ، حَدَّثَنَا حَفصُ بنُ غِياثٍ، عن
جَعفَرِ بنِ محمدٍ، عن أبيه قال: أمَرَ عليٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مُنادِيَه فنادَى يَومَ البَصرَةِ: لا
يُتبَعُ مُدبِر، ولا يُذَفَّفُ على جَريحٍ، ولا يُقتَلُ أسيرٌ، ومَن أغلَقَ بابَه فهو آمِنٌ،
ومَن ألقَى سِلاحَه فهو آمِنٌ.
ولَم يأْخُذْ مِن مَتاعِهِم شَيئًا (5).5
16828 - أخبرَنا أبو عبدِ اللهِ الحافظُ، حَدَّثَنَا محمدُ بنُ صالِحِ بنِ
هانِئٍ، حَدَّثَنَا أبو سعيدٍ محمدُ بنُ شاذانَ، حَدَّثَنَا عليُّ بنُ حُجرٍ، حَدَّثَنَا
شَريكٌ، عن السُّدِّيَّ، عن يَزيدَ بنِ ضُبَيعَةَ العَبسِىِّ قال: نادَى مُنادِى عَمّارٍ - أو
قال: عليٍّ - يَومَ الجَمَلِ، وقَد ولَّى النّاسُ: ألا لا يُدافُّ 1 على جَريحٍ،
ولا يُقتَلُ مُوَلٍّ، ومَن ألقَى السِّلاحَ فهو آمِنٌ.
فشَقَّ ذَلِكَ عَلَينا 2.
16829 - أخبرَنا محمدُ بنُ عبدِ اللهِ الحافظُ ومُحَمَّدُ بنُ موسَى بنِ
الفَضلِ قالا: حَدَّثَنَا أبو العباسِ محمدُ بنُ يَعقوبَ، حَدَّثَنَا هارونُ بنُ سُلَيمانَ
الأصبَهانِىُّ، حَدَّثَنَا عبدُ الرَّحمَنِ بنُ مَهدِيٍّ، عن سُفيانَ، عن أبى إسحاقَ،
عن خُمَيرِ بنِ مالكٍ قال: سَمِعتُ عَمَّارَ بنَ ياسِرٍ سألَ عَليًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - عن سَبْىِ الذُّرّيَّةِ.
فقالَ: لَيسَ عَلَيهِم سَبيٌ؛ إنَّما قاتَلْنا مَن قاتَلَنا.
قال: لَو قُلتَ غَيرَ ذَلِكَ
لَخالَفْتُكَ 3.
16835 - أخبرَنا أبو الحَسَنِ محمدُ بنُ أبى المَعروفِ الإِسفَرايينِيُّ بها،
أخبرَنا بشرُ بنُ أحمدَ، حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ الحُسَينِ بنِ نَصرٍ الحَذّاءُ، حَدَّثَنَا
عليُّ بنُ عبدِ اللهِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بنُ أُسامَةَ، حَدَّثَنَا الصَّلتُ بنُ بَهرامَ، عن
شَقيقِ بنِ سلمةَ قال: لَم يَسبِ عليٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَومَ الجَمَلِ ولا يَومَ النَّهرَوانِ 4.
16831 - وأخبرَنا أبو الحَسَنِ ابنُ أبى المَعروفِ، أخبرَنا بشرُ بنُ
أحمدَ، حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ الحُسَينِ الحَذّاءُ، حَدَّثَنَا عليُّ بنُ عبدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا أبو أُسامَةَ حَمّادُ بنُ أُسامَةَ، حَدَّثَنِي عبدُ اللَّهِ بنُ محمدِ بنِ عُمَرَ بنِ عليِّ بنِ أبى طالِبٍ، عن أبيه: قال عليٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَومَ الجَمَلِ: نَمُنُّ عَلَيهِم بشَهادَةِ أن لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، ونوَرِّثُ الآباءَ مِنَ الأبناءِ 1. 16832 - أخبرَنا أبو عبدِ اللَّهِ الحافظُ وأبو سعيدِ ابنُ أبى عمرٍو قالا: حَدَّثَنَا أبو العباسِ محمدُ بنُ يَعقوبَ، حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ عبدِ الجَبّارِ، حَدَّثَنَا حَفصُ بنُ غِياثٍ، عن عبدِ المَلِكِ بنِ سَلْعٍ، عن عبدِخَيرٍ قال: سُئلَ علىٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عنْ أهلِ الجَمَلِ فقالَ: إخوانُنا بَغَوا عَلَينا فقاتَلْناهُم، وقَد فاءوا وقَد قَبِلنا مِنهم 2. 16833 - أخبرَنا أبو عبدِ اللَّهِ الحافظُ، حَدَّثَنَا عليُّ بنُ حَمشاذَ العَدلُ، أخبرَنا الحارِثُ بنُ أبى أُسامَةَ، أن كَثيرَ بنَ هِشامٍ حَدَّثَهُم، حَدَّثَنَا جَعفَرُ بنُ بُرقانَ، حَدَّثَنَا مَيمونُ بنُ مِهرانَ، عن أبى أُمامَةَ قال: شَهِدتُ صِفّينَ فكانوا لا يُجيزونَ على جَريحٍ، ولا يَقتُلونَ موَلّيًا، ولا يَسلُبونَ قَتيلًا 3. 16834 - وفيما أجازَ لِى أبو عبدِ اللَّهِ الحافظُ رِوايَتَه عنه، عن أبى العباسِ، أخبرَنا الرَّبيعُ، أخبرَنا الشّافِعِيُّ، أخبرَنا ابنُ عُيَينَةَ، عن
عمرِو بنِ دينارٍ، عن أبى فاخِتَةَ، أن عَليًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أُتِىَ بأسيرٍ يَومَ صِفّينَ، فقالَ:
لا تَقتُلْنِى صَبرًا.
فقالَ عليٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: لا أقتُلُكَ صَبرًا، إنِّى أخافُ اللهَ رَبَّ
العالَمينَ.
فخَلَّى سَبيلَه، ثُمَّ قال: أفيكَ خَيرٌ تُبايِعُ؟ قال الشَّافِعِيُّ: والحَربُ
يَومَ صِفِّينَ قائمَةٌ، ومُعاويَةُ يُقاتِلُ جادًّا فى أيَّامِه كُلِّها مُنتَصِفًا، أو مُستَعليًا،
وعَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يقولُ لِأَسيرٍ مِن أصحابِ مُعاويَةَ: لا أقتُلُكَ صَبرًا إنِّى أخافُ اللهَ
رَبَّ العالَمينَ 1.
قال الشيخُ الإمامُ رَحِمَه اللَّهُ: قَولُ الشَّافِعِيِّ: ومُعاويَةُ يُقاتِلُ جادًّا فى أيّامِه
كُلِّها، مُنتَصِفًا أو مُستَعليًا.
مَعناه: أنَّه كان يُساوِيه مَرَّةً فى القِتالِ ويَعلوه
أُخرَي، فكانَ فِئَةً لِهَذا الأسيرِ، ومَعَ ذَلِكَ لَم يَقتُلْه عليٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ولَم يَستَجِزْ قَتلَه.
وقيلَ: مُنتَصِفًا عِندَ نَفسِه لِدَعواه أنَّه يَطلُبُ دَمَ عثمانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، ومُستَعليًا عِندَ غَيرِه
لِعِلمِهِم بأنَّ عَليًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كان بَريئًا مِن دَمِ عثمانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. والأَوَّلُ أصَحُّ 2.
وقَد رُوِىَ فى هذا حَديثٌ مُسنَدٌ إلَّا أنَّه ضَعيفٌ:
16835 - أخبرَنا أبو عبدِ اللهِ الحافظُ وأبو بكرٍ أحمدُ بنُ الحَسَنِ
القاضِى قالا: حَدَّثَنَا أبو العباسِ محمدُ بنُ يَعقوبَ، حَدَّثَنَا يوسُفُ بنُ عبدِ اللهِ
الخُوارِزمِيُّ، حَدَّثَنَا أبو نَصرٍ التَّمَّارُ (ح) وأخبرَنا أبو عبدِ اللهِ الحافظُ، حَدَّثَنِي
أبو بكرٍ محمدُ بنُ أحمدَ بنِ بالُويَه، حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ عليٍّ الخَزّازُ 3، حَدَّثَنَا
أبو نَصرٍ التَّمّارُ، حَدَّثَنَا كَوثَرُ بنُ حَكيمٍ، عن نافِعٍ، عن ابنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قال: قال
رسولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعَبدِ اللَّهِ بنِ مَسسعودٍ: "يا ابنَ مَسعود، أتَدرِى ما حُكمُ اللهِ فيمَن
بَغَى مِن هذه الأُمَّةِ؟ ". قال ابنُ مَسعودٍ: اللهُ ورسولُه أعلَمُ.
قال: "فإِنَّ حُكمَ اللهِ
فيهِم ألا يُتبَعَ مُدبِرُهُم، ولا يُقتَلَ أسيرُهُم، ولا يُذَفَّفَ على جَريحِهِم".
لَفظُ حَديثِ
الخَزَّازِ 1، وفِى رِوايَةِ الخُوارِزمِيِّ: "ولا يُجازَ على جَريحِهِم - زادَ: - ولا يُقسَمَ
فَيْؤُهُم" 2. تَفَرَّدَ به كَوثَرُ بنُ حَكيمٍ، وهو ضَعيفٌ 3.
16836 - أخبرَنا أبو الحُسَينِ ابنُ بِشْرانَ ببَغدادَ، أخبرَنا إسماعيلُ بنُ
محمدٍ الصَّفّارُ، حَدَّثَنَا محمدُ بنُ عبدِ المَلِكِ، حَدَّثَنَا يَزيدُ بنُ هارونَ، أخبرَنا
سُلَيمانُ التَّيمِيُّ، أخبرَنِي رَجُلٌ بالبَحرَينِ، أن رسولَ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال فى حَجَّةِ
الوَداعِ (ح) وأخبرَنا علىُّ بنُ أحمدَ بنِ عبدانَ، أخبرَنا أحمدُ بنُ عُبَيدٍ الصَّفّارُ،
حَدَّثَنَا محمدُ بنُ إسحاقَ الصَّفَّارُ، حَدَّثَنَا عبدُ الأعلَى هو ابنُ حَمَّادٍ، حَدَّثَنَا
حَمَّادُ بنُ سلمةَ، عن عليِّ بنِ زيدٍ، عن أبى حُرَّةَ الرَّقَاشِيِّ، عن عَمِّه، أن
رسولَ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "لا يَحِلُّ مالُ رَجُل مسلمٍ لأَخيه إِلَّا ما أعطاه بطيبِ نَفسِه".
لَفظُ حَديثِ التَّيمِيِّ، وفِى رِوايَةِ الرَّقَاشِيِّ: "لا يَحِلُّ مالُ امرِئٍ - يَعنِى مُسلِمًا - إِلَّا بطيب مِن نَفسِه" 1. 16837 - أخبرَنا عليُّ بنُ أحمدَ بنِ عبدانَ، أخبرَنا أحمدُ بنُ عُبَيدٍ، حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ الهَيثَمِ الشَّعْرانِيُّ، حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ يونُسَ، حَدَّثَنَا أبو شِهابٍ، عن أبى إسحاقَ الشَّيبَانِيُّ، عن عَرفَجَةَ، عن أبيه قال: لَمَّا قَتَلَ عليٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أهلَ النَّهْرِ جالَ فى عَسكَرِهِم، فمَن كان يَعرِفُ شَيئًا أخَذَه حَتَّى بَقيَت قِدْرٌ، ثُمَّ رأيتُها أُخِذَت بَعدُ 2. ورَواه سفيانُ، عن الشَّيبَانِيُّ، عن عَرفَجَةَ، عن أبيه، أن عَليًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أُتِىَ برِثَّةِ 3 أهلِ النَّهْرِ فعَرَّفَها، فكانَ مَن عَرَفَ شَيئًا أخَذَه، حَتَّى بَقيَت قِدْرٌ لَم تُعرَفْ 4. ورُوِّينا عن رَجُلٍ مِن بَنِى تَميمٍ قال: سألتُ ابنَ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عن أموالِ الخَوارجِ فقالَ: لا أرَى فى أموالِهِم غَنيمَةً 5. 16838 - أخبرَنا أبو سعيدٍ الصَّيرَفِيُّ، أخبرَنا أبو عبدِ اللهِ الصَّفَّارُ، حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ محمدٍ البِرْتِىُّ، حَدَّثَنَا أبو الوَليدِ، حَدَّثَنَا يَعلَى بنُ الحارِثِ، عن جامِعِ بنِ شَدَّادٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ قَتادَةَ، رَجُلٌ مِنَ الحَيِّ، قال: كُنتُ فى
الخَيلِ يَومَ النَّهْرَوانِ مَعَ علىِّ بنِ أبى طالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، فلَمّا أن فرَغَ مِنهُم وقَتَلَهُم لَم يَقطَعْ رأْسًا، ولَم يَكشِفْ عَورَةً.
بابٌ: الرَّجُلُ يَقتُلُ واحِدًا مِنَ المُسلِميَن على التَّأْويلِ، أو جَماعَةٌ
غَيرُ مُمتَنِعينَ يَقتُلونَ واحِدًا، كان عَلَيهِمُ القِصاصُ
قال الشّافِعِيُّ رَحِمَه اللهُ: قال الله تَعالَى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾
[الإسراء: 33].
وقالَ رسولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فيما يُحِلُّ دَمَ المُسلِمِ:
" و 1 قَتلُ نَفسٍ بغَيرِ نَفسٍ".
ورُوِىَ عن رسولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "مَنِ اعتَبَطَ مُسلِمًا بقَتلٍ 2
فهو قَوَدُ يَدِه" 3.
16839 - واحتَجَّ أيضًا بما أخبرَنا أبو بكرٍ أحمدُ بنُ الحَسَنِ القاضِي،
حَدَّثَنَا أبو العباسِ محمدُ بنُ يَعقوبَ، أخبرَنا الرَّبيعُ بنُ سُلَيمانَ، أخبرَنا
الشَّافِعِيُّ، أخبرَنا إبراهيمُ بنُ محمدٍ، عن جَعفَرِ بنِ محمدٍ، عن أبيه، أن
عَليًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال فى ابنِ مُلْجَمٍ بعدَما ضَرَبَه: أَطعِموه واسقُوه وأَحسِنوا إسارَه،
فإِن عِشتُ فأنا ولِىُّ دَمِى؛ أَعفو إن شِئتُ، وإِن شِئتُ استَقَدتُ، وإِن مُتُّ
فقَتَلتُموه فلا تُمَثِّلوا 4.
بابُ مَن قال فى المُرتَدّيِنَ يَقتُلونَ مُسلِمًا فى القِتالِ
وهُم مُمتَنِعونَ ثُمَّ تابوا: لَم يُتبَعوا بدَمٍ
قال الشَّافِعِيُّ رَحِمَه اللهُ: قَد قَتَلَ طُلَيحَةُ عُكّاشَةَ بنَ مِحْصَنٍ وثابِتَ بنَ
أقرَمَ، ثُمَّ أسلَمَ فلَم يُضَمَّنْ عَقلًا ولا قَوَدًا (1).
16840 - أخبرَنا أبو الحُسَينِ ابنُ الفَضلِ القَطَّانُ، أخبرَنا عبدُ اللهِ بنُ
جَعفَرٍ، حَدَّثَنَا يَعقوبُ بنُ سُفيانَ، حَدَّثَنَا الحَجَّاجُ بنُ أبى مَنيعٍ، حَدَّثَنَا
جَدِّي، عن الزُّهرِيِّ قال: لَمَّا استَخلَفَ اللهُ أبا بكرٍ، وارتَدَّ مَنِ ارتَدَّ مِنَ
العَرَبِ عن الإِسلامِ.
فذَكَرَ القِصَّةَ فى بَعثِ خالِدِ بنِ الوَليدِ وقِتالِه، قال:
وكانَ طُلَيحَةُ شَديدَ البأْسِ فى القِتالِ؛ فقَتَلَ طُلَيحَةُ يَومَئذٍ عُكّاشَةَ بنَ مِحْصَنٍ
وابنَ أقرَمَ، فلَمّا غَلَبَ الحَقُّ طُلَيحَةَ تَرَحَّلَ (2)، ثُمَّ أسلَمَ وأهَلَّ بعُمرَةٍ، فرَكِبَ
يَسيرُ فى النّاسِ آمِنًا حَتَّى مَزَ بأبِى بكرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - به بالمَدينَةِ، ثُمَّ نَفَذَ إلَى مَكَّةَ فقَضَى
عُمرَتَه (3).
ويُذكَرُ عن عَطاءِ بنِ أبى رَباحٍ أنَّه أسقَطَ عنه القِصاصَ.
بابُ مَن قال: يُتبَعونَ بالدَّمِ
16841 - أخبرَنا أبو الحُسَينِ ابنُ الفَضلِ، أخبرَنا عبدُ اللهِ بنُ جَعفَرٍ، حَدَّثَنَا يَعقوبُ بنُ سُفيانَ، حَدَّثَنَا قَبيصَةُ، حَدَّثَنَا سفيانُ، عن قَيسِ بنِ مسلمٍ،123
عن طارِقِ بنِ شِهابٍ قال: فجاءَ وفدُ بُزاخَةَ؛ أسَدٌ وغَطَفانُ إلَى أبى بكرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -
يَسألونَه الصُّلحَ، فخَيَّرَهُم بَينَ الحَربِ المُجْلِيَةِ أوِ السِّلْمِ المُخزيَةِ (1).
16842 - وأخبرَنا أبو الحُسَينِ، أخبرَنا عبدُ اللهِ، حَدَّثَنَا يَعقوبُ، حَدَّثَنَا
أبو بكرِ ابنُ أبى شَيبَةَ، حَدَّثَنَا عبدُ الرَّحيمِ بنُ سُلَيمانَ، عن زَكَريّا، عن أبى
إسحاقَ، عن عاصِمِ بنِ ضَمرَةَ قال: ارتَدَّ عَلقَمَةُ بنُ عُلاثَةَ عن دينِه بعدَ
النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فأبَى أن يَجنَحَ لِلسلمِ، فقالَ أبو بكرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: لا نَقبَلُ مِنكَ إلَّا بسِلْمٍ
مُخْزِيَةٍ أَوْ حَربٍ مُجْلِيَةٍ.
فقالَ: ما سِلْم مُخزيَةٌ؟ قال: تَشهَدونَ على قَتلانا
أنَّهُم فى الجَنَّةِ، وأنَّ قَتلاكُم فى النّارِ، وتَدونَ قَتلانا ولا نَدِى قَتلاكُم.
فاختاروا سِلْمًا مُخزيَةً (2).
وقَد رُوِّينا فى هذه القِصَّةِ أن عُمَرَ بنَ الخطابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - رأَى ألَّا يَدوا قَتلانا.
وقالَ: قَتلانا قُتِلوا على أمرِ اللهِ، فلا دياتِ لَهُم.
وذَلِكَ يَرِدُ فى بابِ قِتالِ أهلِ الرِّدَّةِ، إن شاءَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ (3).
بابُ القَومِ يُطهِرونَ رأْىَ الخَوارِجِ لَم يَحِلَّ به قِتالُهُم
قال الشَّافِعِيُّ رَحِمَه اللَّهُ: بَلَغَنا أن عَليًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بَينا 4 هو يَخطُبُ إذ سَمِعَ
تَحكيمًا مِن ناحيَةِ المَسجِدِ: لا حُكمَ إلَّا للهِ.
فقالَ عليُّ بنُ أبى طالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -:123