السنن الكبرى للبيهقي ت التركيصفحات 58-92

كِتابِ أدَبِ القاضى.

صفحات 58-92

لا حُكمَ إلَّا للهِ، كَلِمَةُ حَقٍّ أُريدَ بها باطِلٌ، لَكُم عَلَينا ثَلاثٌ؛ لا نَمنَعُكُم مَساجِدَ اللَّهِ أن تَذكُروا فيها اسمَ اللهِ، ولا نَمنَعُكُمُ الفَىْءَ ما كانَت أيديكُم مَعَ أيدينا، ولا نَبدَؤُكُم بقِتالٍ 1. 16843 - أنبأنِى أبو عبدِ اللهِ الحافظُ إجازَةً، أخبرَنا أبو الوَليدِ، حَدَّثَنَا الحَسَنُ بنُ سُفيانَ، حَدَّثَنَا أبو بكرٍ هو ابنُ أبى شَيبَةَ، حَدَّثَنَا ابنُ نُمَيرٍ، عن الأجلَحِ، عن سلمةَ بنِ كُهَيلٍ، عن كَثيرِبنِ نَمِرٍ قال: بَينا أنا فى الجُمُعَةِ وعَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - على المِنبَرِ، إذ قامَ رَجُلٌ فقالَ: لا حُكمَ إلَّا للهِ.
ثُمَّ قامَ آخَرُ فقالَ: لا حُكمَ إلَّا للهِ.
ثُمَّ قاموا مِن نَواحِى المَسجِدِ، فأشارَ إلَيهِم عليٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بيَدِه: اجلِسوا، نَعَم لا حُكمَ إلَّا للهِ، كَلِمَةٌ يُبتَغَى بها باطِل، حُكمَ اللَّهِ نَنتَظِرُ 2 فيكُم، إلا إنَّ لَكُم عِندِى ثلاثَ خِصالٍ ما كُنتُم معنا؛ لا نَمنَعُكُم مَساجِدَ اللهِ أن تَذكُروا فيها [اسمَ اللهِ] 3، ولا نَمنَعُكُم فيْئًا ما كانَت أيديكُم مَعَ أيدينا، ولا نَقاتِلُكُم حَتَّى تُقاتِلوا.
ثُمَّ أخَذَ فى خُطبَتِهِ 4. ورُوِىَ بَعضُ مَعناه مِن وجهٍ آخَرَ عن عُبَيدِ اللَّهِ بنِ أبى رافِعٍ عن عليٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - 5. 16844 - أخبرَنا أبو عبدِ اللهِ الحافظُ، حَدَّثَنَا أبو العباسِ محمدُ بنُ يَعقوبَ، حَدَّثَنَا إبراهيمُ بنُ بكرٍ المَروَزِيُّ، حَدَّثَنَا عَفّانُ، حَدَّثَنَا

شُعبَةُ، عن أبى إسحاقَ، عن عاصِمِ بنِ ضَمْرَةَ قال: سَمِعَ عليٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَومًا يَقولونَ: لا حُكمَ إلَّا للهِ.
قال: نَعَم لا حُكمَ إلَّا للهِ، ولَكِن لا بُدَّ لِلنّاسِ مِن أميرٍ بَرٍّ أو فاجِرٍ، يَعمَلُ فيه المُؤمِنُ، ويَستَمتِعُ فيه الكافِرُ، ويُبلِغُ اللَّهُ فيها الأجَلَ 1. 16845 - أخبرَنا أبو الحُسَينِ ابنُ الفَضلِ القَطَّانُ ببَغدادَ، أخبرَنا عبدُ اللَّهِ بنُ جَعفَرٍ، حَدَّثَنَا يَعقوبُ بنُ سُفيانَ، حَدَّثَنِي حَرمَلَةُ، أخبرَنا ابنُ وهبٍ، حَدَّثَنِي اللَّيثُ، عن عُقَيلٍ، عن ابنِ شِهابٍ، أن عُمَرَ بنَ عبدِ العَزيزِ أخبَرَه أن الوَليدَ بنَ عبدِ المَلِكِ أرسَلَ إلَيه، فقالَ: ما تَقولُ فيمَن يَسُبُّ الخُلَفاءَ، أتَرَى أن يُقتَلَ؟ قال: فسَكَتُّ.
فانتَهَرَنِى وقالَ: ما لَكَ لا تَكَلَّمُ؟ فسَكَتُّ.
فعادَ لِمِثلِها، فقُلتُ: أقَتَلَ يا أميرَ المُؤمِنينَ؟ قال؛ لا، ولَكِنَّه سَبَّ الخُلَفاءَ.
قال: فقُلتُ: فإِنِّى أرَى أن يُنَكَّلَ فيما انتَهَكَ مِن حُرمَةِ الخُلَفاءِ 2. 16846 - أخبرَنا أبو سعيدِ ابنُ أبى عمرٍو، حَدَّثَنَا أبو العباسِ الأصَمُّ، حَدَّثَنَا بَحرُ بنُ نَصرٍ، حَدَّثَنَا ابنُ وهبٍ، أخبرَنِى خالِدُ بنُ حُمَيدٍ المَهْرِىُّ، عن عُمَرَ 3 مَولَى غُفْرَةَ، أن عبدَ الحَميدِ بنَ عبدِ الرَّحمَنِ بنِ زَيدِ بنِ الخطابِ كان على الكوفَةِ فى عَهدِ عُمَرَ بنِ عبدِ العَزيزِ، فكَتَبَ إلَى عُمَرَ: إنِّى وجَدتُ رَجُلًا بالكُنَاسَةِ - سوقٌ مِن أسواقِ الكوفَةِ - يَسُبُّكَ، وقَد قامَت عَلَيه البَيِّنَةُ،

فهَمَمتُ بقَتلِه، أو بِقَطعِ يَدِه، أو لِسانِه، أو جَلدِه، ثُمَّ بَدا لى أن أُراجِعَكَ فيه.
فكَتَبَ إلَيه عُمَرُ بنُ عبدِ العَزيزِ: سَلامٌ عَلَيكَ، أبيه، بَعدُ، والَّذِى نَفسِى بيَدِه لَو قَتَلتَه لَقَتَلتُكَ به، ولَو قَطَعتَه لَقَطَعتُكَ به، ولَو جَلَدتَه لأَقَدتُه مِنكَ، فإِذا جاءَ كِتابِى هذا فاخرُجْ به إلَى الكُنَاسَةِ، فسُبَّ الَّذِى سَبَّنِى أوِ اعفُ عنه؛ فإِنَّ ذَلِكَ أحَبُّ إلَيَّ؛ فإِنَّه لا يَحِل قَتلُ امرِى مسلمٍ بسَبِّ أحَدٍ مِنَ النّاسِ، إلَّا رَجُلٌ سَبَّ رسولَ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فمَن سَبَّ رسولَ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقَد حَلَّ دَمُه (1).

بابٌ: الخَوارِجُ يَعتَزِلونَ جَماعَةَ النّاسِ، ويَقتُلونَ والِيَهُم مِن جِهَةِ الإمامِ

العادِلِ قبلَ أن يُنَصِّبوا إمامًا ويَعتَقِدوا ويُظهِروا حُكمًا مُخالِفًا لِحُكمِه، كان فى ذَلِكَ عَلَيهِمُ القِصاصُ 16847 - أخبرَنا أبو بكرٍ أحمدُ بنُ محمدِ بنِ الحارِثِ الفَقيهُ الأصبَهانِيُّ، أخبرَنا عليُّ بنُ عُمَرَ الحافظُ، حَدَّثَنَا ابنُ مُبَشَرٍ، حَدَّثَنَا محمدُ بنُ عَبَادَةَ، حَدَّثَنَا يَزيدُ بنُ هارونَ، أخبرَنا سُلَيمانُ التَّيمِيُّ، عن أبى مِجْلَزٍ، أن عَليًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - نَهَى أصحابَه أن يَتَبَسَّطوا على الخَوارجِ حَتَّى يُحدِثوا حَدَثًا، فمَرُّوا بعَبدِ الله بنِ خَبَّاب، فأخَذوه فانطَلَقوا به، فمَرَّوا على تَمرَةٍ ساقِطَةٍ مِن نَخلَةٍ فأخَذَها بَعضهُم فألقاها فى فمِه، فقالَ له بَعضُهُم: تَمرَةُ مُعاهَدٍ، فبِمَ 2 استَحلَلتَها؟ ! فقالَ عبدُ اللهِ بنُ خَبَّابٍ: أفَلا أدُلُّكُم على مَن هو أعظَمُ حُرمَةٌ عَلَيكُم مِن هَذا؟ قالوا: نَعَم.
قال: أنا.
فقَتَلوه، فبَلَغَ ذَلِكَ عَليًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فأرسَلَ إلَيهِم أن1

أَقِيدُونا بعَبدِ اللَّه بنِ خَبَّابٍ.
قالوا: كَيفَ نُقيدُكَ به وكُلُّنا قَتَلَه؟ ! قال: وكُلُّكُم قَتَلَه؟ قالوا: نَعَم.
قال: اللَّهُ أكبَرُ! ثُمَّ أمَرَ أن يَبسُطوا عَلَيهِم، وقالَ: واللَّهِ لا يُقتَلُ مِنكُم عَشرَةٌ، ولا يُفلِتُ مِنهُم عَشرَةٌ.
قال: فقَتَلوهُم.
قال: فقالَ: اطلُبوا فيهِم ذا الثُّدَيَّةِ.
قال.
وذَكَرَ باقِىَ الحديثِ (1).

باب: أهلُ البَغىِ إذا غَلَبوا على بَلَدٍ، وأخَذوا صَدَقاتِ أهلِها،

وأقاموا عَلَيهِمُ الحُدودَ لَم يُعَدْ 2 عَلَيهِم استِدلالًا بما: 16848 - أخبرَنا أبو بكرِ ابنُ فُورَكَ، أخبرَنا عبدُ اللَّهِ بنُ جَعفَرٍ، حَدَّثَنَا يونُسُ بنُ حَبيبٍ، حَدَّثَنَا أبو داودَ، حَدَّثَنَا شُعبَةُ، عن أبى عِمْرانَ، سَمِعَ عبدَ اللهِ بنَ الصَّامِتِ، عن أبى ذَرٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: أمَرَنِى رسولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن أسمَعَ وأُطيعَ ولَو لِعَبدٍ حَبَشِيٍّ مُجَدَّعِ الأطرافِ 3. أخرَجَه مُسلِمٌ فى "الصحيح" مِن حَديثِ شُعبَةَ 4. 16849 - وأخبرَنا أبؤ عبدِ اللَّهِ الحافظُ، أخبرَنا أبو الوَليدِ الفَقيهُ، حَدَّثَنَا إبراهيمُ بنُ عليٍّ، حَدَّثَنَا يَحيَى بنُ يَحيَي، أخبرَنا إسماعيلُ بنُ عَيَّاشٍ (ح) وأخبرَنا أبو سَعدٍ المالينِيُّ، أخبرَنا أبو أحمدَ ابنُ عَدِيٍّ، حَدَّثَنَا محمدُ1

ابنُ جَعفَرِ بنِ رَزينٍ العَطَّارُ الحِمصيُّ، حَدَّثَنَا إبراهيمُ بنُ العَلاءِ الزُّبَيدِيُّ، حَدَّثَنَا إسماعيلُ بنُ عَتاشٍ، حَدَّثَنَا حُمَيدُ بنُ مالكٍ اللَّخمِيُّ، عن مَكحولٍ، عن مُعاذِ بنِ جَبَلٍ قال: قال رسولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "يا مُعاذُ، أطِعْ كُلَّ أميرٍ، وصَلِّ خَلفَ كُلِّ إمامٍ، ولا تَسُبَّنَّ أحَدًا مِن أصحابِى" (1). هذا مُنقَطِعٌ بَينَ مَكحولٍ ومُعاذٍ.

بابٌ: المَقتولُ مِن أهلِ البَغىِ يُغْسَلُ ويُصَلَّى عَلَيهِ

16850 - أخبرَنا عليُّ بنُ أحمدَ بنِ عبدانَ، أخبرَنا أحمدُ بنُ عُبَيدٍ الصَّفَّارُ، حَدَّثَنَا محمدُ بنُ الفَضلِ بنِ جابِرٍ، حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ عيسَي، حَدَّثَنَا ابنُ وهبٍ، عن مُعاويَةَ بنِ صالِحٍ، عن العَلاءِ بنِ الحارِثِ، عن مَكحولٍ، عن أبى هريرةَ قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: "الجِهادُ واجِبٌ عَلَيكُم مَعَ كُلِّ أميرٍ، بَرًّا كان أوَ فاجِرًا وِإن عَمِلَ الكبائرَ، والصَّلاةُ واجِبَةٌ على كُلِّ مسلمٍ، بَرًّا كان أو فاجِرًا وِإن عَمِلَ الكبائرَ" (2).

بابٌ: المَقتولُ مِن أهلِ العَدلِ بسَيفِ أهلِ البَغىِ فى المُعتَركِ شَهيدٌ

لا يُغْسَلُ ولا يُصَلَّى عَلَيه فى أحَدِ القَولَينِ 16851 - أخبرَنا أبو الحُسَينِ ابنُ بِشْرانَ العَدلُ ببَغدادَ، أخبرَنا أبو جَعفَرٍ محمدُ بنُ عمرٍو الرزازُ، حَدَّثَنَا يَحيَى بنُ جَعفَبر، حَدَّثَنَا وهبُ بنُ جَريرٍ،12

حَدَّثَنَا شُعبَةُ، عن إسماعيلَ بنِ أبى خالِدٍ، عن قَيسِ بنِ أبى حازِمِ قال: قال عَمّار - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: ادفِنونِى فى ثيابِى؛ فإِنِّى مُخاصِم 1. 16852 - أخبرَنا أبو الحُسَينِ ابنُ بِشْرانَ، أخبرَنا أبو عمرِو ابنُ السَّمّاكِ، حَدَّثَنَا حَنبَلُ بنُ إسحاقَ، حَدَّثَنَا سعيدُ بنُ مَنصورٍ، حَدَّثَنَا يونُسُ بنُ أبى يَعفورٍ العَبدِىُّ، عن أبيه، عن أبى شَيخٍ مُهاجِرٍ، أن زَيدَ بنَ صُوحَانَ العَبدِىَّ كان يَومَ الجَمَلِ يَحمِلُ رايَةَ عبدِ القَيسِ، فارتُثَّ جَريحًا، فقالَ: لا تَغسِلوا عَنِّى دَمًا، وشُدّوا عليَّ ثيابِى؛ فإِنِّى مُخاصِم.
قال أبو عليٍّ حَنبَلٌ: إمّا مُخاصِمٌ أو مُخاصَمٌ 2. 16853 - أخبرَنا أبو الحُسَينِ ابنُ بِشْر انَ، أخبرَنا أبو جَعفَرٍ الرزازُ، حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ الوَليدِ، حَدَّثَنَا أبو أحمدَ الزُّبَيرِىُّ، حَدَّثَنَا سفيانُ، عن قَيسِ بنِ مسلمٍ، عن عبدِ الرَّحمَنِ بنِ أبى لَيلَي، عن سَعْدِ 3 بنِ عُبَيدٍ، أنَّه قامَ خَطيبًا فقالَ: إنّا مُستَشهَدونَ غَدًا، فلا تَغسِلوا عَنّا الثّيابَ، ولا تكَفِّنونا إلَّا فى ثَوبٍ كان عَلَينا 4. كَذا قال هَؤُلاءِ.
وقَد رُوِّينا فى كِتابِ الجَنائزِ عن الشَّعبِيِّ، أن عَليًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - صَلَّى على عَمّارِ بنِ ياسِرٍ وهاشِمِ بنِ عُتبَةَ 5.

بابُ ما يُكرَهُ لأَهلِ العَدلِ مِن أن يَعمِدَ قَتلَ

ذِى رَحِمِه مِن أهلِ البَغىِ استِدلالًا بما رُوِىَ أن النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَفَ أبا حُذَيفَةَ بنَ عُتبَةَ عن قَتلِ أبيه، وأبا بكرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عن قَتلِ ابنِهِ.
16854 - حَدَّثَنَا أبو عبدِاللهِ الحافظُ إملاءً، حَدَّثَنَا أبو عبدِ اللهِ الأصبَهانِيُّ، حَدَّثَنَا الحَسَنُ بنُ الجَهمِ، حَدَّثَنَا الحُسَينُ بنُ الفَرَجِ، حَدَّثَنَا محمدُ بنُ عُمَرَ الواقِدِىُّ، حَدَّثَنِي ابنُ أبى الزِّنادِ، عن أبيه قال: شَهِدَ أبو حُذَيفَةَ بَدرًا ودَعا أباه عُتبَةَ إلَى البِرازِ، يَعنِى فمَنَعَه عنه رسولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. قال محمدُ بنُ عُمَرَ: وعَبدُ الرَّحمَنِ بنُ أبى بكرٍ الصِّدِّيقِ لَم يَزَلْ على دينِ قَومِه فى الشِّركِ حَتَّى شَهِدَ بَدرًا مَعَ المُشرِكينَ، ودَعا إلَى البِرازِ، فقامَ إلَيه أبوه أبو بكرٍ الصِّدِّقُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ليُبارِزَه، فذُكِرَ أن رسولَ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال لأَبِى بكرٍ - رضي الله عنه -: "مَتِّعْنا بنَفسِكَ".
ثُمَّ إنَّ عبدَ الرَّحمَنِ أسلَمَ فى هُدنَةِ الحُدَيبيَةِ (1).

بابٌ: العادِلُ يَقْتُل الباغِىَ أوِ الباغِى يَقتُلُ العادِلَ وهو وارِثُه،

لَم يَرِثه ويَرِثُه غَيرُ القاتِلِ مِن ورَثَتِهِ 16855 - أخبرَنا أبو عبدِ اللهِ الحافظُ، أخبرَنا أبو الوَليدِ الفَقيهُ، حَدَّثَنَا محمدُ بنُ سُلَيمانَ، حَدَّثَنَا عليُّ بنُ حُجْرٍ، حَدَّثَنَا إسماعيلُ بنُ عَيَّاشٍ، حَدَّثَنِي يَحيَي بنُ سعيدٍ وابنُ جُرَيجٍ والمُثَنَّى بنُ الصَّبَّاحِ (ح) وأخبرَنا أبو عبدِ اللهِ1

الحافظُ، حَدَّثَنَا أبو الوَليدِ الفَقيهُ، حَدَّثَنَا القاسِمُ بنُ زَكَريّا المُطَرِّزُ، حَدَّثَنَا القاسِمُ بنُ هاشِمٍ السِّمسارُ، حَدَّثَنَا يَحيَى بنُ صالِحٍ الوُحَاظيُّ، حَدَّثَنَا يَحيَى بنُ سعيدٍ وابنُ جُرَيجٍ ومُثَنَّى (1) بنُ الصَبّاحِ، عن عمرِو بنِ شُعَيبٍ، عن أبيه، عن جَدِّه قال: قال رسولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "لَيسَ لِقاتِل مِنَ الميراثِ شىءٌ" (2). ورَواه محمدُ بنُ راشِدٍ، عن سُلَيمانَ بنِ موسَي، عن عمرِو بنِ شُعَيبٍ بإِسنادِه فى حَديثٍ ذَكَرَه قال: وقالَ رسولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "لَيسَ لِقاتِلٍ شىءٌ، فإِن لَم يَكُنْ له وارِثٌ يَرِثْه أقرَبُ النّاسِ إلَيه، ولا يَرِثُ القاتِلُ شَيئًا".
وهو بشَواهِدِه قَد مَضَى فى كِتابِ الفَرائضِ (3).

بابٌ: مَن أُريدَ مالُه أو أهلُه أو دَمُه أو دينُه

فقاتَلَ فقُتِلَ فهو شَهيدٌ 16856 - أخبرَنا أبو طاهِرٍ الفَقيهُ، أخبرَنا أبو حامِدِ ابنُ بلالٍ البَزّازُ، حَدَّثَنَا يَحيَى بنُ الرَّبيعِ المَكَيُّ، حَدَّثَنَا سفيانُ، عن الزُّهرِيَّ، عن طَلحَةَ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عَوفٍ، عن سعيدِ بنِ زَيدِ بنِ عمرِو بنِ نُفَيلٍ، أن رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال: "مَن قُتِلَ دونَ مالِه فهو شَهيدٌ" 4.123

16857 - وحَدَّثَنَا أبو بكرٍ محمدُ بنُ الحَسَنِ بنِ فُورَكَ، أخبرَنا عبدُ اللهِ بنُ جَعفَرٍ، حدثنا يونُسُ بنُ حَبيبٍ، حدثنا أبو داودَ الطَّيالِسِىُّ، حدثنا إبراهيمُ بنُ سَعدٍ، عن أبيه، عن أبى عُبَيدَةَ ابنِ محمدِ بنِ عَمّارِ بن ياسِرٍ، عن طَلحَةَ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عَوفٍ، عن سعيدِ بنِ زَيدٍ - رضي الله عنه -، أن النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: "مَن قُتِلَ دونَ مالِه فهو شَهيدٌ، ومَن كُلَ دونَ أهلِه فهو شَهيدٌ، ومَن قُتِلَ دونَ دَمِه فهو شَهيدٌ" 1. 16858 - ورَواه هارونُ بنُ عبدِ اللهِ، عن الطَّيالِسِىِّ وأبِى أيّوبَ الهاشِمِىِّ، عن إبراهيمَ بنِ سَعدٍ فقالَ: "ومَن قُتِلَ دونَ أهلِه، أو دونَ دَمِه، أو دونَ دينِه فهو شَهيدٌ".
أخبرَناه أبو علىٍّ الرُّوذْبارىُّ، أخبرَنا أبو بكرِ ابنُ داسَةَ، حدثنا أبو داودَ السِّجِستانِىُّ، حدثنا هارونُ بنُ عبدِ اللهِ، حدثنا أبو داودَ الطَّيالِسِىُّ وسُلَيمانُ بنُ داودَ، يَعنِى أبا أيّوبَ الهاشِمِىَّ، عن إبراهيمَ بنِ سَعدٍ.
فذَكَرَه 2. 16859 - حدثنا أبو الحَسَنِ محمدُ بنُ الحُسَينِ بنِ داودَ العَلَوِىُّ رَحِمَه اللهُ إملاءً، أخبرَنا أبو حامِدٍ أحمدُ بنُ محمدِ بنِ الحَسَنِ الحافظُ، حدثنا محمدُ بنُ يَحيَى الذُّهلِىُّ، حدثنا عبدُ الرَّحمَنِ بنُ مَهدِى، حدثنا سفيانُ، عن عبدِ اللهِ بنِ الحَسَنِ، عن إبراهيمَ بنِ محمدِبنِ طَلحَةَ، عن

عبدِ اللَّهِ بنِ عمرٍو، أن النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: "مَن أُريدَ مالُه بغَيرِ حَقٍّ، فقاتَلَ فقُتِلَ، فهو شَهيدٌ" (1). 16860 - قال: وأحسِبُ الأعرَجَ عن أبى هريرةَ بمِثلِهِ (2).

بابُ الخِلافِ في قِتالِ أهلِ البَغىِ

احتَجَّ الشّافِعِىُّ رَحمَةُ اللَّهِ عَلَيه في القَديمِ بالآيَةِ: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: 9].
فأذِنَ تَبارَكَ اسمُه بقِتالِ الفِئَةِ الباغيَةِ إذا أبَت أن تَفِىءَ.
قال: ورَغَّبَ رسولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - في قِتالِ أهلِ البَغىِ.
ثُمَّ ساقَ الأحاديثَ التى ذَكَرناها في أوَّلِ هذا الكِتابِ 4، ونَحنُ نَسوقُها هاهنا بأسانيدَ أُخَرَ.
16861 - أخبرَنا أبو الحُسَينِ ابنُ بِشْرانَ العَدلُ ببَغدادَ، أخبرَنا أبو جَعفَرٍ محمدُ بنُ عمرٍو الرزازُ، حدثنا محمدُ بنُ عُبَيدِ اللَّهِ هو ابنُ المُنادِى، حدثنا إسحاقُ بنُ يوسُفَ الأزرَقُ، حدثنا عَوفٌ الأعرابِىُّ، عن أبى نَضرَةَ، عن أبى سعيدٍ الخُدرِىِّ قال: قال رسولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: "تَفتَرِقُ أُمَّتِى123

فِرقَتينِ 1 فتَمرُقُ بَينَهُم مارِقَةٌ، تَقتُلُها أَوْلَى الطّائفَتَينِ بالحَقِّ" 2. أخرَجَه مُسلِمٌ كما مَضَى 3. 16862 - أخبرَنا أبو الحُسَينِ ابنُ بِشْرانَ، أخبرَنا أبو جَعفَرٍ الرزازُ، حدثنا محمدُ بنُ عُبَيدِ اللهِ هو ابنُ المُنادِى، حدثنا رَوحٌ، حدثنا عثمانُ الشَّحّامُ، حدثنا مُسلِمُ بنُ أبى بكرَةَ قال: وسألَه رَجُلٌ: هَل سَمِعتَ في الخَوارجِ مِن شَىءٍ؟ قال: سَمِعتُ والِدِى أبا بكرَةَ يقولُ عن نَبِىِّ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: "ألَا إنَّه سيَخرُجُ في أُمَّتِى أقوامٌ أشِدّاءُ أحِدّاءُ ذَلِقَةٌ ألسِنَتُهُم بالقُرآنِ، لا يجاوِز القُرآن تَراقِيَهُم، ألَا فإذا رأيتُموهُم فَأَنِيمُوهم 4، ثُمَّ إذا رأيتُموهُم فَأَنِيمُوهم، فالمأْجورُ مَن قَتلَهُم" 5. 16863 - أخبرَنا أبو بكرٍ أحمدُ بنُ محمدِ بنِ غالِبٍ الخُوارِزمِىُّ ببَغدادَ، حدثنا أبو العباسِ محمدُ بنُ أحمدَ بنِ حَمدانَ النَّيسابورِىُّ، حدثنا محمدُ بنُ أيّوبَ، أخبرَنا محمدُ بنُ كَثيرٍ، أخبرَنا سفيانُ، حدثنا الأعمَشُ، عن خَيثَمَةَ، عن سوَيدِ بنِ غَفَلَةَ قال: قال علىٌّ - رضي الله عنه -: إذا حَدَّثتُكُم عن رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فلأَن

أخِرَّ مِنَ السَّماءِ أحَبُّ إلَىَّ مِن أن أكذِبَ عَلَيه، وإِذا حَدَّثتُكُم بَينِى وبَينَكُم فإِنَّما الحَربُ خَدعَةٌ، سَمِعتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يقولُ: "يأْتِى في آخِرِ الزَّمانِ قَومٌ حُدَثاءُ الأسنانِ، سُفَهاءُ الأحلامِ، يَقولونَ مِن خَيرِ قَولِ البَريَّةِ، يَمرُقونَ مِنَ الإِسلامِ كما يَمرُقُ السَّهمُ مِنَ الرَّميَّةِ، لا يُجاوِزُ إيمانُهُم حَناجِرَهُم، فأينَما لَقِيتُموهُم فاقتُلوهُم، فإِنَّ قَتلَهُم أجرٌ لِمَن قَتَلَهُم يَومَ القيامَةِ" 1. رَواه البخارىُّ في "الصحيح" عن محمدِ بنِ كَثيرٍ، وأخرَجَه مُسلِمٌ كما مَضَى 2. 16864 - أخبرَنا أبو بكرِ ابنُ فُورَكَ، أخبرَنا عبدُ اللَّهِ بنُ جَعفَرٍ، حدثنا يونُسُ بنُ حَبيبٍ، حدثنا أبو داودَ، حدثنا حَمّادُ بنُ سلمةَ، عن أبى غالِبٍ قال: كُنتُ مَعَ أبى أُمامَةَ فجِىءَ برُءوسٍ مِن رُءوسِ الخَوارجِ، فنُصِبَت على دَرَجِ دِمَشقَ، فقالَ: "كِلابُ النّارِ" قالَها ثَلاثًا "شرُّ قَتلَى قُتِلوا تَحتَ ظِلِّ السَّماءِ، خَيرُ قَتلَى مَن قَتَلَهُم وقَتلوه".
قالَها ثَلاثًا، قُلتُ: شَيئًا سَمِعتَه مِن رسولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أو شَيئًا تَقولُه برأْيِكَ؟ قال: إنِّى إِذَنْ لَجَرِىءٌ، بَل شَىءٌ سَمِعتُه مِن رسولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - 3. 16865 - أخبرَنا أبو الحَسَنِ علىُّ بنُ أحمدَ بنِ عبدانَ، أخبرَنا أحمدُ بنُ عُبَيدٍ الصَّفّارُ، حدثنا إسماعيلُ بنُ إسحاقَ القاضِى، حدثنا محمدُ بنُ

أبى بكرٍ، حدثنا حَمّادٌ هو ابنُ زَيدٍ، عن أبى غالِبٍ قال: كُنتُ بالشّامِ فبَعَثَ المُهَلَّبُ سِتّينَ رأْسًا مِنَ الخَوارجِ، فنُصِبوا على دَرَجِ دِمَشقَ، وكُنتُ على ظَهرِ بَيتٍ لِى، إذ مَرَّ أبو أُمامَةَ فنَزَلتُ فاتَّبَعتُه، فلَمّا وقَفَ عَلَيهِم دَمَعَت عَيناه وقالَ: سُبحانَ اللهِ! ما يَصنَعُ الشَّيطانُ ببَنِى آدَمَ؟ ! ثَلاثًا، كِلابُ جَهَنَّمَ، كِلابُ جَهَنَّمَ، شَرُّ قَتلَى تَحتَ ظِلِّ السَّماءِ، ثلاثَ مَرّاتٍ، خَيرُ قَتلَى مَن قَتَلوه، طوبَى لِمَن قَتَلَهُم أو قَتَلوه.
ثُمَّ التَفَتَ إلَىَّ فقالَ: يا أبا غالِبٍ أعاذَكَ اللهُ مِنهُم.
قُلتُ: رأيتُكَ بَكَيتَ حينَ رأيتَهُم.
قال: بَكَيتُ رَحمَةً؛ رأيتُهُم كانوا مِن أهلِ الإِسلامِ، هَل تَقرأُ سورَةَ "آلِ عِمران"؟ قُلتُ: نَعَم.
فقَرأ: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ حَتَّى بَلَغَ: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: 7].
وِإنَ هَؤُلاءِ كان فى قُلوبِهِم زَيغٌ وزِيغَ بهِم.
ثُمَّ قرأ: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا﴾ إلَى قَولِه: ﴿فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [آل عمران: 105 - 107]. قُلتُ: هُم هَؤُلاءِ يا أبا أُمامَةَ؟ قال: نَعَم.
قُلتُ: مِن قِبَلِكَ تَقولُ، أو شَىءٌ سَمِعتَه مِن رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -؟ قال: إنِّى إِذَنْ لَجَرِىءٌ، بَل سَمِعتُه لا مَرَّةً ولا مَرَّتَينِ.
حَتَّى عَدَّ سَبعًا، ثُمَّ قال: إنّ بَنِى إسرائيلَ تَفَرَّقوا على إحدَى وسَبعينَ فِرقَةً، وِإنَّ هذه الأُمَّةَ تَزيدُ عَلَيهِم فِرقَةً، كُلُّها فى النّارِ إِلَّا السَّوادَ الأعظَمَ.
قُلتُ: يا أبا أُمامَةَ ألا تَرَى ما يَفعَلونَ؟ قال: عَلَيهِم ما حُمِّلوا وعَلَيكُم ما حُمِّلتُم 1.

16866 - أخبرَنا أبو محمدٍ عبدُ اللَّهِ بنُ يوسُفَ الأصبَهانِىُّ، حدثنا أبو سعيدِ ابنُ الأعرابِىِّ، حدثنا الحَسَنُ بنُ محمدٍ الزَّعفَرانِىُّ، حدثنا يَزيدُ بنُ هارونَ، أخبرَنا هِشامٌ، عن محمدٍ، عن عَبيدَةَ، عن علىٍّ - رضي الله عنه - قال لأَهلِ النَّهْرِ: فيهِم رَجُلٌ مُخدَجُ اليَدِ أو مودَنُ اليَدِ أو مَثدونُ اليَدِ، لَولا أن تَبطَروا لأَنبأتُكُم ما قَضى اللهُ على لِسانِ نَبيِّه - صلى الله عليه وسلم - لمن قَتَلَهُم.
قال عَبيدَةُ: فقُلتُ لِعَلِىٍّ - رضي الله عنه -: أنتَ سَمِعتَ هذا مِنَ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم -؟ قال: نَعَم ورَبِّ الكَعبَةِ، نَعَم ورَبِّ الكَعبَةِ.
ثَلاثًا 1. قال الشّافِعِىُّ رَحِمَه اللهُ فى القَديمِ: وأنكَرَ قَومٌ قِتالَ أهلِ البَغىِ، وقالوا: أهلُ البَغىِ هُم أهلُ الكُفرِ، ولَيسوا بأهلِ الإِسلامِ، ولا يَحِلُّ قِتالُ المُسلِمينَ؛ لأَنَّ رسولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا يَحِلُّ دَمُ امرِئٍ مسلمٍ إِلَّا بثَلَاثةٍ؛ المُرتَدُّ بعدَ الإِسلامِ، والزّانِى بعدَ الإِحصانِ، والقاتِلُ فيُقتَلُ".
فقالوا: حَرَّمَ رسولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - الدِّماءَ إلَّا مِن هذه الجِهَةِ، فلا يَحِلُّ الدَّمُ إلَّا بها، وقِتالُ المُسلِمِ كَقَتلِه؛ لأَنَّ القِتالَ يَصيرُ إلَى القَتلِ.
قال الشّافِعِىُّ: يُقالُ لَهُم: أمَرَ اللهُ بقِتالِ الفِئَةِ الباغيَةِ، وأمَرَ بذَلِكَ رسولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -، ولَيسَ القِتالُ مِنَ القَتلِ بسَبيلٍ؛ قَد يَجوزُ أن يَحِلَّ قِتالُ المُسلِمِ ولا يَحِلُّ قَتلُه، كما يَحِلُّ جَرحُه وضَربُه، ولا يَحِلُّ قَتلُه.
ثُمَّ ساقَ الكَلامَ إلَى أن قال: مَعَ أن أصحابَ رسولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - لَم يُنكِروا على علىٍّ - رضي الله عنه - قِتالَه الخَوارجَ، وأنكَروا قِتالَه أهلَ البَصرَةِ وأهلَ الشّامِ وكَرِهوه 2، ولَم يَكرَهوا صَنيعَه بالخَوارجِ.

قال الشيخُ رَحِمَه اللهُ: هَكَذا رَواه أبو عبدِ الرَّحمَنِ البَغدادِىُّ عن الشّافِعِىِّ، وإِنَّما أرادَ به بَعضَ الصَّحابَةِ لما كانوا يَكرَهونَ مِنَ القِتالِ فى الفُرقَةِ، فأمّا الخَوارجُ فلا نَعلَمُ أحَدًا مِنهُم كَرِهَ قِتالَه إيّاهُم.
16867 - أخبرَنا أبو عبدِ اللهِ الحافظُ وأبو سعيدِ ابنُ أبى عمرٍو قالا: حدثنا أبو العباسِ محمدُ بنُ يَعقوبَ، حدثنا محمدُ بنُ علىٍّ الوَرّاقُ، حدثنا مُسَدَّدٌ، حدثنا حَمّادُ بنُ زَيدٍ، عن أيّوبَ، عن محمدِ بنِ سيرينَ قال: ما عَلِمتُ أحَدًا كَرِهَ قِتالَ اللُّصوصِ والحَروريَّةِ تأثُّمًا إلَّا أن يَجبُنَ رَجُلٌ 1. قال الشيخُ رَحِمَه اللهُ: وقَد رُوِّينا عن بَعضِ الصَّحابَةِ الَّذينَ كَرِهوا قِتالَه ولَم يَمضوا مَعَه فى حَربِ صِفّينَ، أنَّهُمُ اعتَذَروا ببَعضِ المَعاذيرِ، وهُم سَعدُ بنُ أبى وقّاصٍ، وأُسامَةُ بنُ زَيدٍ، ومُحَمَّدُ بنُ مَسلَمَةَ وغَيرُهُم، فبَعضُهُم رُوِىَ عنه أنَّه قال: أخطَأ رأْيِى.
وبَعضُهُم كان قَد قَتَلَ مُسلِمًا حَسِبَه بإِسلامِه مُتَعَوِّذًا، فعاهَدَ اللهَ تَعالَى ألّا يَقْتُلَ رَجُلًا يقولُ: لا إلَهَ إلَّا اللهُ.
وبَعضُهُم كان سَمِعَ تَعظيمَ القِتالِ فى الفُرقَةِ فحَسِبَه قِتالًا فى الفُرقَةِ، وبَعضُهُم أحَبَّ أن يَتَوَلَّاه غَيرُه.
وقَد ذَهَبَ أكثَرُهُم إلَى أن عَليًّا - رضي الله عنه - كان مُحِقًّا فى قِتالِه، حامِلًا لمن خالَفَه على طاعَتِه، يَقصِدُ بقِتالِه أهلَ الشّامِ، حَملَ أهلِ الامتِناعِ على تَركِ الطّاعَةِ لِلإمامِ، وبِقِتالِه أهلَ البَصرَةِ دَفعَ ما كانوا يَظُنّونَ عَلَيه مِن قَتلِه عثمانَ بنِ عَفانَ - رضي الله عنه -، أو مُشارَكَتِه قاتِلَه فى دَمِه، أو ما يَقدَحُ فى إمامَتِه.
واستَدَلّوا على بَغىِ مَن خالَفَه مِن أهلِ الشّامِ، بما كان سَبَقَ له مِن شورَى

أميرِ المُؤمِنينَ عُمَرَ بنِ الخطابِ - رضي الله عنه -، وبَيعَةِ مَن بَقِىَ مِن أصحابِ الشّورَى إيّاه قبلَ وُقوعِ الفُرقَةِ، وأنَه كان فى وقتِه أحَقَّهُم بالإِمامَةِ بخَصائصِه، وأنَّهُم وجَدوا عَلامَةَ رسولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - لِلفِئَةِ الباغيَةِ فيمَن خالَفَه، وهِىَ فيما: 16868 - أخبرَنا أبو عبدِ اللهِ الحافظُ وأبو الحَسَنِ علىُّ بنُ محمدٍ السُّبعِىُّ قالا: حدثنا أبو العباسِ محمدُ بنُ يَعقوبَ، حدثنا إبراهيمُ بنُ مَرزوقٍ، حدثنا عبدُ الصَّمَدِ بنُ عبدِ الوارِثِ، حدثنا شُعبَةُ، عن خالِدٍ الحَذّاءِ، عن سعيدِ بنِ أبى الحَسَنِ، عن أُمِّه، عن أُمِّ سلمةَ - رضي الله عنها -، أن رسولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قال لِعَمّارٍ: "تَقتُلُكَ الفِئَةُ الباغيَةُ" 1. 16869 - قال: وحَدَّثَنا إبر اهيمُ بنُ مَرزوقٍ، حدثنا أبو داودَ، حدثنا شُعبَةُ، عن خالِدٍ الحَذّاءِ، عن الحَسَنِ بنِ أبى الحَسَنِ، عن أُمِّه، عن أُمِّ سلمةَ - رضي الله عنها -. فذَكَرَ مِثلَه 2. 16870 - وأخبرَ نا أبو عبدِ اللَّهِ الحافظُ، أخبرَنا أبو الفَضلِ ابنُ إبراهيمَ، حدثنا أحمدُ بنُ سلمةَ، حدثنا إسحاقُ بنُ مَنصورٍ، حدثنا عبدُ الصَّمَدِ بنُ عبدِ الوارِثِ.
فذَكَرَ بنَحوِه، إلَّا أنَّه قال: عن سعيدِ بنِ أبى الحَسَنِ والحَسَنِ عن أُمِّهِما.
رَواه مُسلِمٌ فى "الصحيح" عن إسحاقَ بنِ مَنصورٍ 3.

16871 - وأخبرَنا أبو عبدِ اللهِ الحافظُ، أخبرَنا أبو الفَضلِ ابنُ إبراهيمَ، حدثنا أحمدُ بنُ سلمةَ، حدثنا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ وإِسحاقُ بنُ مَنصورٍ، عن النَّضرِ بنِ شُمَيلٍ، حدثنا شُعبَةُ، عن أبى مَسلَمَةَ، عن أبى نَضرَةَ، عن أبى سعيدٍ الخُدرِىِّ قال: حَدَّثَنِى مَن هو خَيرٌ مِنِّى أبو قَتادَةَ، أن النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - قال لِعَمّارِ بنِ ياسِرٍ - رضي الله عنه -: "بُؤسًا لَكَ يا ابنَ سُمَيَّةَ، تَقتُلُكَ الفِئَةُ الباغيَةُ" 1. رَواه مُسلِمٌ فى "الصحيح" عن إسحاقَ بنِ إبراهيمَ وإِسحاقَ بنِ مَنصورٍ وغَيرِهِما 2. 16872 - أخبرَنا أبو الحُسَينِ علىُّ بنُ محمدِبنِ عبدِ اللهِ بنِ بِشْرانَ وأبو محمدٍ عبدُ اللهِ بنُ يَحيَى بنِ عبدِ الجَبّارِ السُّكَّرِىُّ ببَغدادَ قالا: أخبرَنا إسماعيلُ بنُ محمدٍ الصَّفّارُ، حدثنا أحمدُ بنُ مَنصورٍ، حدثنا عبدُ الرَّزّاقِ، أخبرَنا مَعمَرٌ، عن ابنِ طاوُسٍ، عن أبى بكرِ ابنِ محمدِ بنِ عمرِو بنِ حَزمٍ، عن أبيه قال: لا أدرِى أكانَ مَعَ أبيه، أو أخبَرَه أبوه، قال: لَمّا قُتِلَ عَمّارٌ - رضي الله عنه - قامَ عمرُو بنُ حَزمٍ فدَخَلَ على عمرِو بنِ العاصِ فقالَ: قُتِلَ عَمّارٌ، وقَد قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: "تَقتُلُه الفِئَةُ الباغيَةُ".
فقامَ عمرو مُنتَقِعًا لَونُه، فدَخَلَ على مُعاويَةَ فقالَ: قُتِلَ عَمّارٌ؟ ! فقالَ مُعاويَةُ: قُتِلَ عَمّارٌ، فماذا؟ ! قال عمرٌو: سَمِعتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يقولُ: "تَقتُلُه الفِئَةُ الباغيَةُ".
قال: فقالَ مُعاويَةُ: دُحِضتَ

فى بَولِكَ، أَوَ نَحنُ قَتَلناه؟ إنَّما قَتَلَه علىٌّ وأصحابُه، جاءوا به حَتَّى ألقَوه بَينَ رِماحِنا، أو قال: سُيوفِنا.
لَفظُ حَديثِ السُّكَّرِىِّ، وفِى رِوايَةِ ابنِ بِشْرانَ قال: فقامَ عمرٌو فزِعًا يَرتَجِعُ حَتَّى دَخَلَ على مُعاويَةَ، فقالَ مُعاويَةُ: ما شأْنُكَ؟ فقالَ: قُتِلَ عَمّارٌ؟ ! ثُمَّ ذَكَرَه (1).

بابُ النَّهىِ عن القِتالِ فى الفُرقَةِ، ومَن تَرَكَ قِتالَ الفِئَةِ الباغيَةِ

خَوفًا مِن أن يَكونَ قِتالًا فى الفُرقَةِ 16873 - حدثنا أبو بكرِ ابنُ فُورَكَ، أخبرَنا عبدُ اللَّهِ بنُ جَعفَرٍ، حدثنا يونُسُ بنُ حَبيبٍ، حدثنا أبو داودَ، حدثنا قُرَّةُ بنُ خالِدٍ، عن محمدِ بنِ سيرينَ، عن عبدِ الرَّحمَنِ بنِ أبى بكرَةَ، عن أبيه، أن النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا تَرجِعوا بَعدِى ضُلَّالًا يَضرِبُ بَعضُكُم رِقابَ بَعض" 2. أخرَجاه فى "الصحيح" مِن حَديثِ قُرَّةَ 3. 16874 - أخبرَنا أبو نَصرٍ محمدُ بنُ علىٍّ الفَقيهُ الشِّيرازِىُّ، أخبرَنا أبو محمدٍ يَحيَى بنُ مَنصورٍ، حدثنا أبو بكرٍ محمدُ بنُ النَّضرِ الجارُودِىُّ، حدثنا أحمدُ بنُ عبدَةَ الضَّبِّىُّ، حدثنا حَمّادُ بنُ زَيدٍ، حدثنا أيّوبُ ويونُسُ والمُعَلَّى، عن الحَسَنِ، عن الأحنَفِ بنِ قَيسٍ، عن أبى بكرَةَ قال: قال1

رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: "إذا التقَى المُسلِمانِ بسَيفَيهِما، فقَتَلَ أحَدُهُما صاحِبَه، فالقاتِلُ والمَقتولُ فى النّارِ" 1. 16875 - وأخبرَنا أبو الحُسَينِ علىُّ بنُ محمدِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ بِشْرانَ ببَغدادَ، أخبرَنا إسماعيلُ بنُ محمدٍ الصَّفّارُ، حدثنا محمدُ بنُ الحُسَينِ بنِ موسَى الحُنَينِىُّ، حدثنا عبدُ الرَّحمَنِ بنُ المُبارَكِ، حدثنا حَمّادُ بنُ زَيدٍ، حدثنا أيّوبُ ويونُسُ، عن الحَسَنِ، عن الأحنَفِ بنِ قَيسٍ قال: ذَهَبتُ لأنصُرَ هذا الرَّجُلَ، فتَلَقّانِى أبو بكرَةَ فقالَ: أينَ تُريدُ؟ قُلتُ: أنصُرُ هذا الرَّجُلَ.
قال: ارجِعْ؛ فإِنِّى سَمِعتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يقولُ: "إذا التقَى المُسلِمانِ بسَيفِهِما 2 فالقاتِلُ والمَقتولُ فى النّارِ".
قال: قُلتُ: يا رسولَ اللهِ، هذا القاتِلُ، فما بالُ المَقتولِ؟ قال: "إنَّه كان حَريصًا على قَتلِ صاحِبِهِ" 3. رَواه البخارىُّ فى "الصحيح" عن عبدِ الرَّحمَنِ بنِ المُبارَكِ، ورَواه مُسلِمٌ عن أحمدَ بنِ عبدَةَ 4. 16876 - وأخبرَنا أبو عبدِ اللهِ الحافظُ، أخبرَنِى أحمدُ بنُ صالِحٍ الكَرابيسِىُّ ببُخارَى، حدثنا محمدُ بنُ نَصرٍ، حدثنا أبو كامِلٍ الجَحْدَرِىُّ، حدثنا حَمّادُ بنُ زَيدٍ.
فذَكَرَه بمَعناه، إلَّا أنَّه قال: قُلتُ: أُريدُ نَصرَ ابنِ عَمِّ

رسولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -. وقالَ: "إذا تَواجَهَ المُسلِمانِ بسَيفَيهِما".
وقالَ: فما بالُ المَقتولِ؟ قال: "إنَّه أرادَ قَتلَ صاحِبِهِ" 1. رَواه مُسلِمٌ فى "الصحيح" عن أبى كامِلٍ 2. ومَن يُقاتِلُ أهلَ البَغىِ لا يُريدُ قَتلَهُم ولا يَقصِدُه، إنَّما يُريدُ حَملَ أهلِ الامتِناعِ مِن حُكمِ الإمامِ على الطّاعَةِ، أو دَفعَهُم عن المُزاحَمَةِ والمُنازَعَةِ، فإِن أتَى القِتالُ على نَفسٍ فلا عَقلَ ولا قَوَدَ بأنّا أبَحنا قِتالَها كما أبَحنا قِتالَ مَن قَصَدَ مالَه أو حَريمَه أو نَفسَه دَفعًا، فإِن أتَى القِتالُ على نَفسِه فلا عَقلَ ولا قَوَدَ بأنّا أبَحنا قِتالَه.
واللهُ أعلَمُ.
16877 - أخبرَنا أبو عمرٍو الأديبُ، أخبرَنا أبو بكرٍ الإسماعيلِىُّ، أخبرَنِى الحَسَنُ بنُ سُفيانَ، حدثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، حدثنا الوَليدُ بنُ مسلمٍ، حدثنا عبدُ الرَّحمَنِ بنُ يَزيدَ بنِ جابِرٍ، حَدَّثَنِى بُسرُ بنُ عُبَيدِ اللهِ الحَضْرَمِىُّ أنَّه سَمِعَ أبا إدريسَ الخَوْلانِىَّ يقولُ: سَمِعتُ حُذَيفَةَ بنَ اليَمانِ يقولُ: كان النّاسُ يَسألونَ رسولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عن الخَيرِ، وكُنتُ أسألُه عن الشَّرِّ مَخافَةَ أن يُدرِكَنِى، فقُلتُ: يا رسولَ اللهِ، إنّا كُنّا فى جاهِليَّةٍ وشَرٍّ، فجاءَنا اللهُ بهَذا الخَيرِ، فهَل بعدَ هذا الخَيرِ شَرٌّ؟ قال: "نَعَم".
فقُلتُ: هَل بعدَ ذَلِكَ الشَّرِّ مِن خَيرٍ؟ قال: "نَعَم، وفيه دَخَنٌ".
قُلتُ: ومما دَخَنُهُ؟ قال: "قَومٌ يَستَنُّونَ بغَيرِ سُنَّتِى، ويَهدُونَ بغَيرِ هَديِى، تَعرِفُ مِنهُم وتُنكِرُ".
فقُلتُ: هَل بعدَ ذَلِكَ الخَيرِ مِن شَرٍّ؟ قال: "نَعَم؛

دُعاةٌ على أبوابِ جَهَنَّمَ، مَن أجابَهُم إلَيها قَذَفوه فيها".
فقُلتُ: يا رسولَ اللهِ، صِفْهُم لَنا.
قال: "نَعَم؛ هُم مِن جِلْدَتِنا، يَتَكَلَّمونَ بألسِنَتِنا".
قُلتُ: يا رسولَ اللهِ، فما تأمُرُنِى إن أدرَكَنِى ذَلِكَ؟ قال: "تَلزَمُ جَماعَةَ المُسلِمينَ وِإمامَهُم".
قُلتُ: فإِن لَم يَكُنْ لَهُم جَماعَةٌ ولا إمامٌ؟ قال: "فاعتَزِلْ تِلكَ الفِرَقَ كُلَّها، ولَو أن تَعَضَّ على أصلِ شجَرَة، حَتَّى يُدرِكَكَ المَوتُ وأنتَ على ذَلِكَ" 1. رَواه البخارىُّ ومُسلِمٌ فى "الصحيح" عن محمدِ بنِ المُثَنَّى 2. 16878 - أخبرَنا أبو بكرِ ابنُ فُورَكَ، أخبرَنا عبدُ اللَّهِ بنُ جَعفَرٍ، حدثنا يونُسُ بنُ حَبيبٍ، حدثنا أبو داودَ، حدثنا إبراهيمُ بنُ سَعدٍ، عن أبيه، عن أبى سلمةَ، عن أبى هريرةَ قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: "إنَّها سَتَكونُ فِتنَةٌ - أو: فِتَنٌ - يَكونُ النّائمُ فيها خَيرًا مِنَ اليَقْظانِ، والماشِى فيها خَيرٌ مِنَ السّاعِى، والقاعِدُ فيها خَيرٌ مِنَ القائمِ، والقائمُ فيها خَيرٌ مِنَ الماشِى، فمَن وجَدَ مِنها مَلْجأً أو مَعاذًا فليَستَعِذْ به" 3. رَواه مُسلِمٌ فى "الصحيح" عن إسحاقَ بنِ مَنصورٍ عن أبى داودَ، وأخرَجَه البخارىُّ عن محمدِ بنِ عُبَيدِ اللهِ عن إبراهيمَ 4. 16879 - أخبرَنا أبو الحُسَينِ ابنُ بِشْرانَ، أخبرَنا أبو جَعفَرٍ محمدُ بنُ عمرٍو الرزَّازُ، حدثنا محمدُ بنُ عُبَيدِ اللهِ هو ابنُ المُنادِى، حدثنا رَوحُ بنُ

عُبادَةَ (ح) وأخبرَنا علىُّ بنُ أحمدَ بنِ عَبدانَ، أخبرَنا أحمدُ بنُ عُبَيدٍ الصَّفّارُ، حدثنا الحارِثُ بنُ أبى أُسامَةَ، حدثنا رَوحُ بنُ عُبادَةَ، حدثنا عثمانُ الشَّحّامُ، حدثنا مُسلِمُ بنُ أبى بكْرَةَ، عن أبى بكْرَةَ، عن رسولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قال: "إنَّها سَتَكونُ فِتَنٌ، ثُمَّ تَكونُ فِتنَةٌ، ألَا فالماشِى فيها خَيرٌ مِنَ السّاعِى إلَيها، ألَا والقاعِدُ فيها خَيرٌ مِنَ القائمِ فيها، ألَا والمُضْطَجِعُ فيها خَيرٌ مِنَ القاعِدِ، ألَا فإِذا نَزَلَت فمَن كانَت له غَنَمٌ فليَلحَقْ بغَنَمِه، ألَا ومَن كانَت له أرضٌ فليَلحَقْ بأرضِه، ألَا ومَن كانَت له إبِلٌ فليَلحَقْ بإبلِه".
فقالَ رَجُلٌ مِنَ القَومِ: يا نَبِىَّ الله- جَعَلَنِى اللهُ فِداكَ- أرأيتَ مَن لَيسَ له غَنَمٌ ولا إبِلٌ كَيفَ يَصنَعُ؟ قال: "فلْيأخُذْ سَيفَه، ثُمَّ ليَعمِدْ به إلَى صَخرَةٍ، ثُمّ ليَدُقَّهُ على حَدِّه بحَجَرٍ، ثُمَّ ليَنجُو 1 به إنِ استَطاعَ النَّجاءَ، اللَّهُمَّ هَل بَلَّغتُ؟ اللَّهُمَّ هَل بَلَّغتُ؟ ". فقالَ رَجُلٌ: يا نَبِىَّ اللَّهِ- جَعَلَنِى اللهُ فِداكَ- أرأيتَ إن أُخِذَ بيَدِى مُكرَهًا حَتَّى يُنطَلَقَ بى إلَى أحَدِ الصَّفَّينِ- أو: أحَدِ الفَريقَينِ.
عثمانُ شَكَّ- فيَحذِفُنِى 2 رَجُلٌ بسَيفِه فيَقتُلُنِى، ماذا يَكونُ مِن شأنِى؟ قال: "يَبوءُ بإِثمِكَ وِإثمِه، ويَكونُ مِن أصحابِ النّارِ" 3. أخرَجَه مُسلِمٌ فى "الصحيح" مِن أوجُهٍ عن عثمانَ الشَّحّامِ 4.

16880 - حدثنا أبو الحَسَنِ محمدُ بنُ الحُسَينِ بنِ داودَ العَلَوِىُّ إملاءً، أخبرَنا أبو حامِدٍ أحمدُ بنُ محمدِ بنِ الحَسَنِ الحافظُ، حدثنا أحمدُ ابنُ محمدِ بنِ الصَّبّاحِ الدُّولابِىُّ، حدثنا شَبابَةُ بنُ سَوّارٍ، حدثنا شُعبَةُ، عن أبى عِمرانَ الجَوْنِىِّ، عن عبدِ اللهِ بنِ الصّامِتِ، عن أبى ذَرًّ قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: "يا أبا ذَرٍّ، كَيفَ تَصنَعُ إذا بَلَغَ النّاسَ مِنَ الجَهدِ ما يُعجِزُ الرَّجُلَ أن يَقومَ مِن فِراشِه إلَى مُصَلَّاهُ؟ ". فَقُلتُ: اللهُ ورسولُه أعلَمُ.
قال: "تَعَفَّفُ".
ثُمَّ قال: "كَيفَ تَصنَعُ يا أبا ذَرٍّ إذا كَثُرَ المَوتُ حَتَّى يَصيرَ البَيتُ 1 بالعَبدِ؟ ". قُلتُ: اللهُ ورسولُه أعلَمُ.
قال: "تَصبِرُ".
ثُمَّ قال: "يا أبا ذَرٍّ" كَيفَ تَصنَعُ إذا كَثُرَ القَتلُ حَتَّى تَغرَقَ أحجارُ الزّيتِ بالدِّماءِ؟ ". قُلتُ: اللهُ ورسولُه أعلَمُ.
قال: "تَلحَقُ بمَن أنتَ مِنه".
قُلتُ: لا أحمِلُ مَعِىَ السِّلاحَ؟ قال: "لا، شارَكتَ القَومَ إذن، ولَكِن إذا خِفتَ أن يَبهَرَكَ شُعاعُ السَّيفِ، فألقِ ثَوبَك على وجهِكَ يَبُؤْ بإِثمِكَ وِإثمِه" 2. 16881 - وأخبرَنا أبو الحَسَنِ علىُّ بنُ محمدٍ المُقرِئُ، حدثنا الحَسَنُ بنُ محمدِ بنِ إسحاقَ، حدثنا يوسُفُ بنُ يَعقوبَ، حدثنا أبو الرَّبيعِ، حدثنا حَمّادُ بنُ زَيدٍ، عن أبى عِمرانَ، عن المُشَعَّثِ 3 بنِ

طَريفٍ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ الصّامِتِ، عن أبى ذَرٍّ.
فذَكَرَ الحديثَ بمَعناه إلَّا أنَّه قال: قُلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، أفَلا آخُذُ سَيفِى فأضَعَه على عاتِقِى؟ قال: "شارَكتَ القَومَ إذن".
قال: قُلتُ: فما تأمُرُنِى؟ قال: "الزَمْ بَيتَكَ".
قال: قُلتُ: إن دُخِلَ علىَّ بَيتِى؟ قال: "فإن خَشِيتَ أن يَبهَرَكَ شُعاعُ السَّيفِ فالْقِ رِداءَكَ على وجهِكَ يَبُؤْ بإِثمِه وِإثمِكَ" 1. 16882 - أخبرَنا أبو علىٍّ الرُّوذْبارىُّ، أخبرَنا أبو بكرِ ابنُ داسَةَ، حدثنا أبو داودَ، حدثنا مُسَدَّد، حدثنا عبدُ الوارِثِ بنُ سعيدٍ، عن محمدِ بنِ جُحادَةَ، عن عبدِ الرَّحمَنِ بنِ ثَرْوانَ، عن هُزَيلٍ، عن أبى موسَى الأشعَرِىِّ - رضي الله عنه - قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: "إنَّ بَينَ يَدَىِ السّاعَةِ فِتنًا كَقِطَعِ اللَّيلِ المُظلِمِ، يُصبِحُ الرَّجُلُ فيها مُؤمِنًا ويُمسِى كافِرًا، ويُمسِى مُؤمِنًا ويُصبِحُ كافِرًا، القاعِدُ فيها خَيرٌ مِنَ القائمِ، والماشِى فيها خَيرٌ مِنَ السّاعِى؛ فكَسِّروا قِسِيَّكم 2، وقَطِّعوا أوتارَكُم، واضرِبوا سُيوفَكُم بالحِجارَةِ، فإن دُخِلَ على أحَدٍ مِنكُم فليَكُنْ كَخَيرِ ابنَىْ آدَمَ" 3. ورُوِّينا عن سَعدِ بنِ أبى وقّاصٍ عن النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - هذا المَعنَى 4.

16883 - أخبرَنا أبو علىٍّ الرُّوذْبارىُّ، أخبرَنا أبو طاهِرٍ محمدُ بنُ الحَسَنِ المُحَمَّداباذِىُّ، حدثنا محمدُ بنُ عبدِ الوَهّابِ، حدثنا يَعقوبُ بنُ محمدٍ الزُّهرِىُّ، حدثنا إبراهيمُ بنُ سَعدٍ، حدثنا سالِمُ بنُ صالِحِ بنِ إبراهيمَ بنِ عبدِ الرَّحمَنِ بنِ عَوفٍ، عن أبيه، عن مَحمودِ بنِ لَبِيدٍ، عن محمدِ بنِ مَسلَمَةَ أنَّه قال: يا رسولَ اللَّهِ، كَيفَ أصنَعُ إذا اختَلَفَ المُصَلُّونَ؟ قال: "تَخرُجُ بسَيفِكَ إلَى الحَرَّةِ فتَضرِبُ بها، ثُمَّ تَدخُلُ بَيتَكَ حَتَّى تأتيَكَ مَنِيَّةٌ قاضيَةٌ أو يَدٌ خاطِيةٌ" 1. 16884 - أخبرَنا الحُسَينُ بنُ محمدٍ الرُّوذْبارىُّ، أخبرَنا إسماعيلُ بنُ محمدٍ الصَّفّارُ، حدثنا محمدُ بنُ غالِبٍ، حَدَّثَنِى عُبَيدُ بنُ عَبِيدَةَ، حدثنا مُعتَمِرُ بنُ سُلَيمانَ، عن أبيه، عن سُلَيمانَ الأعمَشِ، عن شَقيقِ بنِ سلمةَ، عن عمرِو بنِ شُرَحبيلَ، عن عبدِ اللهِ، عن النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - قال: "يَجِىءُ الرَّجُلُ آخِذًا بيَدِ الرَّجُلِ فيقولُ: يا رَبِّ، هذا قَتلَنِى.
قال: فيقولُ اللهُ: لِمَ قَتَلتَه؟ فيقولُ: لِتَكونَ العِزَّةُ لِفُلانٍ.
فيقولُ: فإنَّها لَيسَت لِفُلانٍ، بُؤْ بذَنبِه" 2. 16885 - أخبرَنا أبو الحَسَنِ علىُّ بنُ محمدٍ المُقرِئُ، أخبرَنا الحَسَنُ بنُ محمدِ بنِ إسحاقَ، حدثنا يوسُفُ بنُ يَعقوبَ القاضِى، حدثنا محمدُ بنُ أبى بكرٍ، حدثنا عبدُ العَزيزِ بنُ عبدِ الصَّمَدِ العَمِّىُّ، حدثنا أبو عِمرانَ الجَونِىُّ قال: قُلتُ لِجُندُبٍ: إنّ ابنَ الزُّبَيرِ أخَذَ بَيعَتِى على أن

أُقاتِلَ مَن قاتَلَ وأُحارِبَ مَن حارَبَ، وإِنَّه يَدعونِى إلَى قِتالِ أهلِ الشّامِ.
قال: افتَدِهِ بمالِكَ.
قال: قُلتُ: إنَّهُم أَبَوْا إلَّا أن أُقاتِلَ مَعَهُم.
قال: حَدَّثَنِى رَجُلٌ- واللَّهِ ما كَذَبَنِى- أن النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: "يَجِىءُ العَبدُ يَومَ القيامَةِ وقَد تَعَلَّقَ بالرَّجُلِ فيَقولُ: أىْ رَبِّ، قَتَلَنِى هذا.
قال: فيقولُ اللهُ عَزَّ وجَلَّ: عَلَامَ قَتَلتَ هذا؟ فيقولُ: قَتَلتُه على مُلكِ فُلانٍ" 1. 16886 - أخبرَنا أبو الحُسَينِ ابنُ بِشرانَ ببَغدادَ، أخبرَنا إسماعيلُ بنُ محمدٍ الصَّفّارُ، حدثنا محمدُ بنُ إسحاقَ الصَّغانِىُّ، حدثنا يَعلَى بنُ عُبَيدٍ، حدثنا الأعمَشُ، عن أبى ظَبْيانَ، حدثنا أُسامَةُ بنُ زَيدٍ قال: بَعَثَنا رسولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - سَرِيَّةً إلَى الحُرَقُاتِ 2، فنَذِروا 3 وهَرَبوا، وأدرَكنا رَجُلًا، فلَمّا غَشِيناه قال: لا إلَهَ إلَّا اللهُ.
فضَرَبناه حَتَّى قَتَلناه، فعَرَضَ فى نَفسِى مِن ذَلِكَ شَىءٌ، فذَكَرتُه لِرسولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فقالَ: "مَن لَكَ بلا إلَهَ إلَّا اللهُ يَومَ القيامَةِ؟ ". قُلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، إنَّما قالَها مَخافَةَ السِّلاحِ والقَتلِ.
قالَ: "أفَلا شَقَقْتَ عن قَلبِه حَتَّى تَعلَمَ قالَها مِن أجلِ ذَلِكَ أم لا؟ مَن لَكَ بلا إلَهَ إلَّا اللهُ يَومَ القيامَةِ؟ ". قال: فما زالَ يقولُ حَتَّى ودِدتُ أنِّى لَم أُسلِمْ إلَّا يَومَئذٍ.
قال أبو ظَبيانَ: قال سَعدٌ: وأنا واللَّهِ لا أقتُلُه حَتَّى يَقتُلَه ذو البُطَينِ- يَعنِى أُسامَةَ- فقالَ رَجُل: ألَيسَ قَد قال اللهُ: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: 193، الأنفال: 39] قال سَعدٌ: فقَد

قاتَلناهُم حَتَّى لَم تكنْ فِتنَةٌ، وأنتَ وأصحابُكَ تُريدونَ أن نُقاتِلَ حَتَّى تَكونَ فتنَةٌ 1. أخرَجَه مُسلِمٌ فى "الصحيح" مِن حَديثِ الأعمَش 2. 16887 - أخبرَنا أبو عبدِ اللهِ الحافظُ، أخبرَنِى أبو محمدِ ابنُ زيادٍ العَدلُ، أخبرَنا محمدُ بنُ إسحاقَ بنِ خُزَيمَةَ، حدثنا محمدُ بنُ عمرِو بنِ العباسِ، حدثنا عبدُ الوَهّابِ الثَّقَفِىُّ، حدثنا عُبَيدُ اللهِ بنُ عُمَرَ، عن نافِعٍ، عن ابنِ عُمَرَ أنَّه أتاه رَجُلانِ فى فِتنَةِ ابنِ الزُّبَيرِ فقالا: إنَّ النّاسَ قَد صَنَعوا ما تَرَى، وأنتَ ابنُ عُمَرَ بنِ الخطابِ صاحِبُ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فما يَمنَعُكَ أن تَخرُجَ؟ قال: يَمنَعُنِى أن اللهَ حَرَّمَ علىَّ دَمَ أخِى المُسلِمِ.
قَالَا: أوَ لَم يَقُلِ اللهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال: 39]؟ قال: فقَد قاتَلنا حَتَّى لَم تكُنْ فِتنَةٌ وكانَ الدّينُ للهِ، وأنتُم تُريدونَ أن نُقاتِلَ حَتَّى تَكونَ فِتنَةٌ ويَكونَ الدّينُ لِغَيرِ اللهِ 3. رَواه البخارىُّ فى "الصحيح" عن محمدِ بنِ بَشّارٍ عن عبدِ الوَهّابِ الثَّقَفِىِّ 4. 16888 - وأخبرَنا أبو عمرٍو الأديبُ الرَّزْجاهِىُّ، أخبرَنا أبو بكرٍ الإسماعيلِىُّ، أخبرَنِى عبدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ ناجِيَةَ، حدثنا الحَسَنُ بنُ عبدِ العَزيزِ الجَرَوِىُّ، حدثنا عبدُ اللهِ بنُ يَحيَى المَعافِرِىُّ، حدثنا حَيوَةُ بنُ

شُرَيحٍ، عن بكرِ بنِ عمرٍو، عن بُكَيرِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ الأشَجِّ، عن نافِعٍ، عن ابنِ عُمَرَ - رضي الله عنه - أن رَجُلًا جاءَه فقالَ: يا أبا عبدِ الرَّحمَنِ ألا تَسمَعُ ما ذَكَرَ اللهُ فى كِتابِه: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات: 9] فما يَمنَعُكَ أن تُقاتِلَ كما ذَكَرَ اللهُ فى كِتابِه؟ فقالَ: يا ابنَ أخِى، أعبُرُ بهَذِه الآيَةِ ولا أُقاتِلُ أحَبُّ إلَىَّ مِن أن أعبُرَ بالآيَةِ التى قال اللهُ عَزَّ وجَلَّ قَبلَها: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ الآية [النساء: 93].
قال: فإِنَّ اللهَ قال: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾.
فقالَ ابنُ عُمَرَ: قَد فعَلناه على عَهدِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - إذ كان الإسلامُ قَليلًا، وكانَ الرَّجُلُ يُفتَنُ عن دينِه إمّا أن يَقتُلوه أو يوثِقوه، حَتَّى ظَهَرَ الإسلامُ ولَم يمُنْ فِتنَةٌ.
فلَمّا رأى أنَّه لا يوافِقُه فيما يُريدُ قال: فما قَولُكَ فى علىٍّ وعُثمانَ - رضي الله عنهما -؟ فقالَ ابنُ عُمَرَ: أمّا عُثمانُ فقَد عَفا اللهُ عنه فكَرِهتُم أن [يَعفوَ اللهُ عنه] 1، وأمّا علىٌّ فابنُ عَمِّ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وخَتَنُه.
وأشارَ بيَدِه فقالَ: هذا بَيتُه حَيثُ تَرَونَ 2. رَواه البخارىُّ فى "الصحيح" عن الحَسَنِ بنِ عبدِ العَزيزِ الجَرَوِىِّ 3. 16889 - وأخبرَنا أبو عبدِ اللهِ الحافظُ وأبو بكرٍ أحمدُ بنُ الحَسَنِ القاضي قالا: حدثنا أبو العباسِ محمدُ بنُ يَعقوبَ، حدثنا السَّرِىُّ بنُ يَحيَى، حدثنا أحمدُ بنُ يونُسَ، حدثنا زُهَيرٌ، عن بَيانٍ، أن وَبَرَةَ حَدَّثَه قال: حَدَّثَنِى

سعيدُ بنُ جُبَيرٍ قال: خَرَجَ عَلَينا- أو: إلَينا- عبدُ اللَّهِ بنُ عُمَرَ ونَحنُ نَرجو أن يُحَدِّثَنا حَديثًا حَسَنًا، فمَرَرنا برَجُلٍ يُقالُ له حُكَيمٌ فقالَ: يا أبا عبدِ الرَّحمَنِ كَيفَ تَرَى فى القِتالِ فى الفِتنَةِ؟ فقالَ: هَل تَدرِى ما الفِتنَةُ ثَكِلَتكَ أُمُّكَ؟ كان محمدٌ - صلى الله عليه وسلم - يُقاتِلُ المُشرِكينَ، فكان الدُّخولُ فيهِم- أو قال: فى دينِهِم- فِتنَةً، ولَيسَ بقِتالِكُم على المُلكِ 1. رَواه البخارىُّ فى "الصحيح" عن أحمدَ بنِ يونُسَ 2. 16890 - أخبرَنا أبو الحُسَينِ ابنُ الفَضلِ القَطّانُ ببَغدادَ، أخبرَنا عبدُ اللهِ بنُ جَعفَرِ بنِ دُرُسْتُويَه، حدثنا يَعقوبُ بنُ سُفيانَ، حدثنا ابنُ عثمانَ، أخبرَنا عبدُ اللهِ هو ابنُ المُبارَكِ، أخبرَنا كَهمَسُ بنُ الحَسَنِ، عن أبى الأزهَرِ الضُّبَعِىِّ، عن أبى العاليَةِ البَرَّاءِ، أن عبدَ اللهِ بنَ الزُّبَيرِ وعَبدَ اللهِ بنَ صَفوانَ كانا ذاتَ يَومٍ قاعِدَينِ فى الحِجرِ، فمَرَّ بهِما ابنُ عُمَرَ وهو يَطوفُ بالبَيتِ، فقالَ أحَدُهُما لِصاحِبِه: أتُراه بَقِىَ أحَدٌ خَيرٌ مِن هذا؟ ثُمَّ قال لِرَجُلٍ: ادعُه لَنا إذا قَضَى طَوافَه.
فلَمّا قَضَى طَوافَه وصلَّى رَكعَتَينِ أتاه رسولُهُما فقالَ: هذا عبدُ اللهِ بنُ الزُّبَيرِ وعَبدُ اللهِ بنُ صَفوانَ يَدعُوانِكَ.
فجاءَ إلَيهِما، فقالَ عبدُ اللَّهِ بنُ صَفوانَ: يا أبا عبدِ الرَّحمَنِ، ما يَمنَعُكَ أن تُبايعَ أميرَ المُؤمِنينَ- يَعنى ابنَ الزُّبَيرِ- فقَد بايَعَ له أهلُ العَروضِ 3 وأهلُ العِراقِ وعامَّةُ أهلِ

الشّام.
فقالَ: واللَّهِ لا أُبايِعُكُم وأنتُم واضِعو سُيوفِكُم على عَواتِقِكُم تَصَبَّبُ أيديكُم مِن دِماءِ المُسلِمينَ 1. 16891 - وأخبرَنا أبو الحُسَينِ ابنُ الفَضلِ، أخبرَنا عبدُ اللَّهِ بنُ جَعفَرٍ، حدثنا يَعقوبُ بنُ سُفيانَ، حدثنا ابنُ عثمانَ، أخبرَنا عبدُ اللَّهِ، أخبرَنا المُنذِرُ بنُ ثَعلَبَةَ، حَدَّثَنِى سعيدُ بنُ حَربٍ العَبدِىُّ قال: كُنتُ جَليسًا لِعَبدِ الله بنِ عُمَرَ فى المَسجِدِ الحَرامِ زَمَنَ ابنِ الزُّبَيرِ، وفِى طاعَةِ ابنِ الزُّبَيرِ رُءوسُ الخَوارجِ؛ نافِعُ بنُ الأزرَقِ وعَطيَّةُ بنُ الأسوَدِ ونَجدَةُ، فبَعَثوا أو بَعضُهُم شابًّا إلَى عبدِ اللَّهِ بنِ عُمَرَ: ما يَمنَعُكَ أن تُباجَ لِعَبدِ اللَّهِ بنِ الزُّبَيرِ أميرِ المُؤمِنينَ؟ فرأيتُه حينَ مَدَّ يَدَه وهِىَ تَرجُفُ مِنَ الضَّعفِ، فقالَ: واللَّهِ ما كُنتُ لأُعطِىَ بَيعَتِى فى فُرقَةٍ، ولا أمنَعُها مِن جَماعَةٍ 3. 16892 - أخبرَنا أبو الحُسَينِ ابنُ الفَضلِ، أخبرَنا عبدُ اللَّهِ بنُ جَعفَرٍ، حدثنا يَعقوبُ بنُ سُفيانَ، حدثنا ابنُ عثمانَ، أخبرَنا عبدُ اللَّهِ، أخبرَنا عَوفٌ، عن أبى المِنْهالِ قال: لَمّا كان زَمَنُ أُخرِجَ ابنُ زيادٍ، وثَبَ مَروانُ بالشّامِ حَيثُ وثَبَ 4، ووَثَبَ ابنُ الزُّبَيرِ بمَكَّةَ، ووَثَبَ الَّذينَ كانوا يُدعَونَ القُرّاءَ 52

بالبَصرَةِ، قال: غُمَّ أبى غَمًّا شَديدًا فقالَ: انطَلِقْ- لا أبا لَكَ- إلَى هذا الرَّجُلِ مِن أصحابِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، إلَى أبى بَرْزَةَ الأسلَمِىِّ.
قال: فانطَلَقتُ مَعَه حَتَّى دَخَلنا عَلَيه فى دارِه، فإِذا هو قاعِدٌ فى ظِلِّ عُلْوٍ له مِن قَصَبٍ فى يَومٍ حارٍّ شَديدِ الحَرِّ، فجَلَسنا إلَيه، فأنشأ أبى يَستَطعِمُه قال: يا أبا بَرْزَةَ ألا تَرَى؟ ألا تَرَى؟ قال: فكانَ أوَّلَ شَىءٍ تَكَلَّمَ به أن قال: إنِّى أحتَسِبُ عِندَ اللهِ أنِّى أصبَحتُ ساخِطًا على أحياءِ قُرَيشٍ؛ إنَّكُم مَعشَرَ العُرَيبِ كُنتُم على الحالِ التى قَد عَلِمتُم فى جاهِليَّتِكُم مِنَ القِلَّةِ والذِّلَّةِ والضَّلالَةِ، وإِنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ نَعَشَكُم 1 بالإسلامِ وبِمُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - حَتَّى بَلَغَ بكُم ما تَرَونَ، وإِنَّ هذه الدُّنيا التى أفسَدَت بَينَكُم؛ إنَّ ذاكَ الَّذِى بالشّامِ- يَعنِى مَروانَ- واللهِ ما يُقاتِلُ إلَّا على الدُّنيا، وِإنَّ ذاكَ الَّذِى بمَكَّةَ واللهِ إنْ يُقاتِلُ إلَّا على الدُّنيا، وإِنَّ الَّذينَ حَولَكُمُ الَّذينَ تَدعونَهُم قُرّاءَكُم واللهِ إنْ يُقاتِلونَ إلَّا على الدُّنيا.
قال: فلَمّا لَم يَدَعْ أحَدًا قال له أبى: فما تأمُرُنا إذن؟ قال: إنِّى لا أرَى خَيرَ النّاسِ اليَومَ إلَّا عِصابَةً مُلبِدَةً 2 - وقالَ بيَدِه- خِماصَ البُطونِ 3 مِن أموالِ النّاسِ، خِفافَ الظُّهورِ مِن دِمائهِم 4. أخرَجَه البخارىُّ فى "الصحيح" مِن حَديثِ عَوفٍ الأعرابِىِّ 5.

16893 - أخبرَنا أبو عبدِ اللهِ الحافظُ، أخبرَنا أبو عبدِ اللَّهِ محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ الصَّفّارُ الأصبَهانِىُّ، حدثنا أحمدُ بنُ يونُسَ بنِ المُسَيَّبِ الضَّبِّىُّ، حدثنا جَعفَرُ بنُ عَونٍ، أخبرَنا إسماعيلُ بنُ أبى خالِدٍ، عن قَيسِ بنِ أبى حازِمٍ وعامِرٍ الشَّعبِىَّ قالا: قال مَروانُ بنُ الحَكَمِ لأيمَنَ بنِ خُرَيمٍ: ألا تَخرُجُ فتُقاتِلَ معنا؟ فقالَ: إنَّ أبى وعَمِّى شَهِدا بَدرًا، وإِنَّهُما عَهِدا إلَىَّ أَلَّا أُقاتِلَ أحَدًا يقولُ لا إلَهَ إلا اللهُ، فإِن أنتَ جِئتَنِى ببَراءَةٍ مِنَ النّارِ قاتَلتُ مَعَكَ.
قال: فاخرُجْ عَنّا.
قال: فخَرَجَ وهو يقولُ: ولَستُ بقاتِلٍ رَجُلًا يُصَلِّى ... على سُلطانِ آخَرَ مِن قُرَيشِ له سُلطانُه وعَلَىَّ إثمِى ... مَعاذَ اللَّهِ مِن جَهلٍ وطَيشِ أأقتُلُ مُسلِمًا فى غَيرِ جُزْمٍ ... فلَيسَ بنافِعِى ما عِشتُ عَيشِى (1)

بابُ أمانِ المَرأةِ المُسلِمَةِ والرَّجُلِ المُسلِمِ حُرًّا كان أو عبدًا

16894 - أخبرَنا أبو عبدِ اللهِ الحافظُ وأبو سعيدِ ابنُ أبى عمرٍو قالا: حدثنا أبو العباسِ محمدُ بنُ يَعقوبَ، حدثنا أحمدُ بنُ عبدِ الجَبّارِ، حدثنا أبو مُعاويَةَ، عن الأعمَشِ، عن إبراهيمَ بنِ يَزيدَ التَّيمِىِّ، عن أبيه، عن علىٍّ - رضي الله عنه - قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: "ذِمَّةُ المُسلِمينَ واحِدَةٌ، يَسعَى بها أدناهُم؛1

فمَن أخفَرَ 1 مُسلِمًا فعَلَيه لَعنَةُ اللهِ والمَلائكَةِ والنّاسِ أجمَعينَ، لا يَقبَلُ اللهُ عَزَّ وجَلَّ مِنه صَرْفًا ولا عَدْلًا 2 ". رَواه مُسلِمٌ فى "الصحيح" عن جَماعَةٍ عن أبى مُعاويَةَ 3. 16895 - وأخبرَنا أبو عبدِ اللهِ الحافظُ، حدثنا أبو العباسِ محمدُ بنُ يَعقوبَ، حدثنا العباسُ بنُ محمدٍ، حدثنا رَوحُ بنُ عُبادَةَ وعَبدُ الوَهّابِ الخَفّافُ قالا: حدثنا سعيدُ بنُ أبى عَروبَةَ (ح) قال: وأخبرَنا أحمدُ بنُ جَعفَرٍ القَطيعِىُّ، حدثنا عبدُ اللهِ بنُ أحمدَ بنِ حَنبَل، حَدَّثَنِى أبى، حدثنا يَحيَى، عن سعيدٍ، عن قَتادَةَ، عن الحَسَنِ، عن قَيسِ بنِ عُبَاد قال: دَخَلتُ أنا والأَشْتَرُ على على بنِ أبى طالِبٍ - رضي الله عنه - يَومَ الجَمَلِ، فقُلتُ: هَل عَهِدَ إلَيكَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عَهدًا دونَ العامَّةِ؟ فقالَ: لا، إلَّا هذا.
وأخرَجَ مِن قِرابِ سَيفِه، فإِذا فيها: "المُؤمِنونَ تَكَافَأُ دِماؤُهُم، يَسعَى بذِمَّتِهِم أدناهُم، وهُم يَدٌ على مَن سِواهُم، لا يُقتَلُ مُؤمِنٌ بكافِرٍ، ولا ذو عَهدٍ فى عَهدِهِ" 4. 16896 - أخبرَنا أبو بكرِ ابنُ فُورَكَ، أخبرَنا عبدُ اللهِ بنُ جَعفَرٍ، حدثنا يونُسُ بنُ حَبيبٍ، حدثنا أبو داودَ، حدثنا شُعبَةُ، عن الأعمَشِ قال: سَمِعتُ

إبراهيمَ يُحَدِّثُ عن الأسوَدِ، عن عائشَةَ - رضي الله عنها - قالَت: إن كانَتِ المَرأةُ لتجِيرُ على المُسلِمينَ 1. 16897 - أخبرَنا أبو عبدِ اللَّهِ الحافظُ، حدثنا أبو العباسِ محمدُ بنُ يَعقوبَ، حدثنا أبو جَعفَرٍ محمدُ بنُ عَنبَسَةَ بنِ عمرٍو اليَشكُرِىُّ، حدثنا عُمَرُ بنُ حَفصٍ المَكِّىُّ مِن ولَدِ عبدِ الدّارِ، حدثنا ابنُ جُرَيجٍ، عن عَطاءٍ، عن ابنِ عباسٍ - رضي الله عنه - قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: "العَبدُ لا يُعطَى مِنَ الغَنيمَةِ شيئًا، ويُعطَى مِن خُرْثِىِّ المَتاعِ، وأمانُه جائزٌ".
عُمَرُ بنُ حَفصٍ المَكِّىُّ ضَعيفٌ 2. 16898 - أخبرَنا أبو عبدِ اللهِ الحافظُ، أخبرَنا أبو الوَليدِ الفَقيهُ، حدثنا الحَسَنُ بنُ سُفيانَ، حدثنا أبو بكرِ ابنُ أبى شَيبَةَ، حدثنا عبدُ الرَّحيمِ بنُ سُلَيمانَ، عن عاصِمِ بنِ سُلَيمانَ، عن فُضَيلِ بنِ زَيدٍ - وكانَ غَزا على عَهدِ عُمَرَ بنِ الخطابِ - رضي الله عنه - سَبعَ غَزَواتٍ - قال.
وذَكَرَ الحديثَ قال: فلَمّا رَجَعنا تَخَلَّفَ عبدٌ مِن عَبيدِ المُسلِمينَ، فكَتَبَ لَهُم أمانًا فى صَحيفَةٍ، فرَماه إلَيهِم.
قال: فكَتَبْنا إلَى عُمَرَ بنِ الخطابِ - رضي الله عنه -، فكَتَبَ عُمَرُ: إنَّ عبدَ المُسلِمينَ منَ المُسلِمينَ، ذِمَّتُه ذِمَّتُهُم.
فأجازَ عُمَرُ - رضي الله عنه - أمانَه 3.4

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

جارٍ التحميل