جِماعُ أبوابِ ما خُصَّ به رسولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ممَّا شُدِّدَ عليه وأُبيحَ لغيرِه، على ترتيبِ أبي العباسِ أحمدَ بنِ أبي أحمدَ الطبرِيِّ صاحبِ "التلخيص" (1) رحِمه اللهُ
بابُ ما وجَبَ عَلَيه مِن تَخييِر النِّساءِ
13394 - أخبرَنا أبو عبد اللَّهِ الحافظُ وأبو بكرٍ أحمدُ بن الحَسَنِ القاضِي قالا: حدثنا أبو العباسِ محمدُ بن يَعقوبَ، حدثنا محمدُ بن إسحاقَ الصَّغانِيُّ، حدثنا عثمانُ بن عُمَرَ، أخبرَنا يونُسُ، عن الزُّهرِيّ، عن أبي سلمةَ، عن عائشةَ - رضي الله عنها - قالَت: لَمّا أُمِرَ رسولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بتَخييرِ أزواجِه بَدأَ بي فقالَ: "يا عائشَةُ، إنِّي مُخبِرُكِ خَبرًا، فلا عَلَيكِ ألا تَعجَلِي حَتَّى تَستأمِرِي أبَوَيكِ".
قالَت: وقَد عَلِمَ أنَّ أبَوَيَّ لَم يَكونا يأمُرانِي بفِراقِه، ثُمَّ قال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (28) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 28، 29]. فقُلتُ: في هَذا أستأمِرُ أبَوَيَّ؟ فإِنِّي أُريدُ اللَّهَ ورسولَه والدّارَ الآخِرَةَ، ثُمَّ فعَلَ أزواجُه مِثلَ ما فعَلتُ 2. أخرَجَه البخاريُّ1
ومُسلِمٌ في "الصحيح" مِن حَديثِ يونُسَ بنِ يَزيدَ 1.
13395 - أخبرَنا أبو محمدٍ عبدُ اللَّهِ بن يَحيَى بنِ عبد الجَبّارِ السُّكَّرِيُّ ببَغدادَ، أخبرَنا إسماعيلُ بن محمدٍ الصَّفّارُ، حدثنا أحمدُ بن مَنصورٍ، حدثنا عبدُ الرَّزّاق، أخبرَنا مَعمَر، عن الزُّهرِيّ، عن عُبَيدِ الله بنِ عبد اللَّهِ بنِ أبي ثَورٍ، عن ابنِ عباسٍ - رضي الله عنهما - قال: لَم أزَلْ حَريصًا أن أسأَلَ عُمَرَ - رضي الله عنه - عن المَرأَتَينِ مِن أزواجِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - اللَّتَينِ قال اللهُ تَعالَى: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: 4].
حَتَّى حَجَّ عُمَرُ - رضي الله عنه - وحَجَجْتُ مَعَه، فلَمّا كان ببَعضِ الطَّريقِ عَدَلَ عُمَرُ - رضي الله عنه - لِحاجَتِه، وعَدَلتُ مَعَه بالإداوَة، فتَبَرَّزَ ثُمَّ أتَى فسَكَبتُ على يَدَيه فتَوَضّأَ، فقُلتُ: يا أميرَ المُؤمِنينَ، مَنِ المَرأَتانِ مِن أزواجِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - اللَّتانِ قال اللهُ تَعالَى: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾؟ فقالَ عُمَرُ - رضي الله عنه -: واعَجَبًا لَكَ يا ابنَ عباسٍ! قال الزُّهرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعالَى: كَرِهَ واللهِ ما سأَلَه عنه ولَم يَكتُمْه.
قال: هِيَ حَفصَةُ وعائشَةُ.
ثُمَّ أخَذَ يَسوقُ الحديثَ فقالَ: كُنّا مَعشَرَ قُرَيشٍ قَومًا نَغلِبُ النِّساءَ، فلَمّا قَدِمنا المَدينَةَ وجَدنا قَومًا تَغلِبُهُم نِساؤُهُم، فطَفِقَ نِساؤُنا يَتَعَلَّمنَ مِن نِسائهِم.
قال: وكانَ مَنزِلِي في بَنِي أُمَيَّةَ بنِ زَيدٍ بالعَوالِي، فتَغَضَّبتُ يَومًا على امرأَتِي فإِذا هِيَ تُراجِعُنِي، فأَنكَرتُ أن تُراجِعَنِي، فقالَت: ما تُنكِرُ أن أُراجِعَكَ؟ فواللهِ إنّ أزواجَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - يُراجِعنَه، وتَهجُرُه إحداهُنَّ اليَومَ إلَى اللَّيلِ.
قال: فانطَلَقتُ فدَخَلتُ على حَفصَةَ فقُلتُ: أتُراجِعينَ رسولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -؟ فقالَت: نَعَم، وتَهجُرُه إحداهُنَّ اليَومَ إلَى اللَّيلِ.
قُلتُ: قَد خابَ مَن فعَلَ ذَلِكَ مِنكُنَّ وخَسِرَ، أفَتأمَنُ إحداكُنَّ أن يَغضَبَ اللهُ
عَلَيها لِغَضَبِ رسولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -، فإِذا هِيَ قَد هَلَكَت؟ لا تُراجِعِي رسولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ولا تَسأَليه شَيئًا، وسَلينِي ما بَدا لَك، ولا يَغُرَّنَّكِ أن كانَت جارَتُكِ هِيَ أوسَمَ وأَحَبَّ إلَى رسولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - مِنكِ.
يُريدُ عائشةَ.
قال: وكانَ لِي جارٌ مِنَ الأنصار، وكُنّا نَتَناوَبُ النُّزولَ إلَى رسولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فيَنزِلُ يَومًا وأَنزِلُ يَومًا، فيأتينِي بخَبَرِ الوَحي وغَيرِه، وآتيه بمِثلِ ذَلِكَ.
قال: وكُنّا نَتَحَدَّثُ أنَّ غَسّانَ تُنعِلُ الخَيلَ 1 لِغَزوِنا، فنَزَلَ صاحِبِي يَومًا، ثُمَّ أتانِي عِشاءً فضَرَبَ بابِي، ثُمَّ نادانِي فخَرَجتُ إلَيه فقالَ: حَدَثَ أمرٌ عَظيم.
قال: قُلتُ: ماذا؟ أجاءَت غَسّانُ؟ قال: لا، بَل أعظَمُ مِن ذَلِكَ وأَطوَلُ؛ طَلَّقَ الرَّسولُ - صلى الله عليه وسلم - نِساءَه.
قال: فقُلتُ: قَد خابَت حَفصَةُ وخَسِرَت، قَد كُنتُ أظُنُّ هَذا كائنًا.
حَتَّى إذا صَلَّيتُ الصُّبحَ، شَدَدتُ عليّ ثيابِي، ثُمَّ نَزَلتُ فدَخَلتُ على حَفصَةَ وهِيَ تَبكِي فقُلتُ: أطَلَّقَكُنَّ رسولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -؟ قالَت: لا أدرِي، هو هَذا مُعتَزِلًا في هذه المَشرُبَةِ 2. فأَتَيتُ غُلامًا له أسوَدَ فقُلتُ: استأذِنْ لِعُمَرَ.
فدَخَلَ الغُلامُ ثُمَّ خَرَجَ إلَيَّ فقالَ: قَد ذكرْتُكَ له فصَمَتَ.
فانطَلَقتُ حَتَّى أتَيتُ المَسجِدَ، فإِذا قَومٌ حَولَ المِنبَرِ جُلوسٌ يَبكِي بَعضُهُم، فجَلَستُ قَليلًا، ثُمَّ غَلَبَنِي ما أجِدُ، فأَتَيتُ الغُلامَ فقُلتُ: استأذِنْ لِعُمَرَ.
فدَخَلَ، ثُمَّ خَرَجَ إلَيَّ فقالَ: قَد ذَكَرتُكَ له فصَمَتَ.
فخَرَجتُ فجَلَستُ إلَى المِنبَر، ثُمَّ غَلَبَنِي ما أجِدُ، فأَتَيتُ الغُلامَ فقُلتُ: استأذِنْ لِعُمَرَ.
فدَخَلَ، ثُمَّ خَرَجَ إلَيَّ فقالَ: قَد ذَكَرتُكَ له فصَمَتَ.
قال: فوَلَّيتُ مُدبِرًا فإِذا الغُلامُ يَدعونِي فقالَ: ادخُلْ، قَد أذِنَ لَكَ.
فدَخَلتُ فسَلَّمتُ على
رسولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -، فإِذا هو مُتَّكِئٌ على رَملِ حَصيرٍ قَد أثَّرَ في جَنبِه، فقُلتُ: أطَلَّقتَ يا رسولَ اللهِ نِساءَكَ؟ قال: فرَفَعَ رأسَه إلَيَّ وقالَ: "لا".
فقُلتُ: اللهُ أكبَرُ، لَو رأَيتَنا يا رسولَ اللهِ وكُنّا مَعشَرَ القُرَيشِ 1 قَومًا نَغلِبُ النِّساءَ، فلَمّا قَدِمنا المَدينَةَ وجَدنا قَومًا تَغلِبُهُم نِساؤُهُم، فطَفِقَ نِساؤُنا يَتَعَلَّمنَ مِن نِسائهِم، فتَغَضَّبتُ علَى امرأَتِي يَومًا، فإِذا هِيَ تُراجِعُنِي، يَعنِي فأَنكَرتُ، فقالَت: ما تُنكِرُ أن أُراجِعَكَ؟ فواللهِ إنّ أزواجَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - لَيُراجِعنَه، وتَهجُرُه إحداهُنَّ اليَومَ إلَى اللَّيلِ.
فقُلتُ: قَد خابَ مَن فعَلَ ذَلِكَ مِنهُنَّ وخَسِرَ، أفَتأمَنُ إحداهُنَّ أن يَغضَبَ اللهُ عَلَيها لِغَضَبِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فإِذا هِيَ قَد هَلَكَت؟ فتَبَسَّمَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فقُلتُ - يَعنِي قَد دَخَلتُ على حَفصَةَ فقُلتُ - لا يَغُرَّنَّكِ أن كانَت جارَتُكِ هِيَ أوسَمَ مِنك وأَحَبَّ إلَى رسولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - مِنكِ.
فتَبَسَّمَ أُخرَى، فقُلتُ: أستأنِسُ يا رسولَ اللَّهِ؟ قال: "نَعَم".
فجَلَستُ فرَفَعتُ رأسِي في البَيت، فواللَّهِ ما رأَيتُ فيه شَيئًا يَرُدُّ البَصَرَ إلَّا أُهُبًا ثَلاثَةً.
فقُلتُ: ادعُ اللَّهَ يا رسولَ اللَّهِ أن يوَسِّعَ على أُمَّتِكَ، فقَد وَسَّعَ على فارِسَ والرّومِ وهُم لا يَعبُدونَ اللَّهَ.
فاستَوَى جالِسًا فقالَ: "أفِي شَكٍّ أنتَ يا ابنَ الخطابِ؟ أولَئكَ قَومٌ قد عُجِّلَت لَهُم طَيِّباتُهُم في الحَياةِ الدُّنيا".
فقُلتُ: أستَغفِرُ اللهَ يا رسولَ اللَّهِ.
وكانَ أقسَمَ ألَّا يَدخُلَ عَلَيهِنَّ شَهرًا مِن شِدَّةِ مَوجِدَتِه عَلَيهِنَّ، حَتَّى عاتبَه اللهُ عَزَّ وجَلَّ 2.
قال الزُّهرِيُّ: فأَخبَرَنِي عُروةُ عن عائشةَ - رضي الله عنها - قالَت: فلَمّا مَضَت تِسعٌ
وعِشرونَ لَيلَةً دَخَلَ عليّ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، بَدأَ بي، فقُلتُ: يا رسولَ اللَّه، أقسَمتَ ألَّا تَدخُلَ عَلَينا - تَعنِي شَهرًا - إنَّكَ دَخَلتَ عليّ مِن تِسعٍ وعِشرينَ أعُدُّهُنَّ.
قال: "إنَّ الشَّهرَ تِسعٌ وعِشرونَ".
ثُمَّ قال: "يا عائشَةُ إنِّي ذاكِرٌ لَكِ أمرًا، فلا عَلَيكِ ألَّا تَعجَلِي فيه حَتَّى تَستأمِرِي أبَوَيكِ".
قال: ثُمَّ قرأَ عليّ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ الآيَةَ.
قالَت: قَد عَلِمَ واللَّهِ أنَّ أبَوَيَّ لَم يَكونا يأمُرانِي بفِراقِه.
قالَت: قُلتُ: أفِي هَذا أستأمِرُ أبَوَيَّ؟ فإِنِّي أُريدُ اللَّهَ ورسولَه والدّارَ الآخِرَةَ 1. قال مَعمَرٌ: وأَخبَرَنِي أيّوبُ قال: فقالَت له عائشَةُ: لا تَقُلْ: إنِّي اختَرتُكَ.
فقالَ رسولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: "إنَّما بُعِثتُ مُبَلِّغًا، ولَم أُبعَثْ مُتَعَنِّتًا" 2. رَواه مسلمٌ في "الصحيح" عن إسحاقَ بنِ إبراهيمَ ومُحَمَّدِ بنِ أبي عُمَرَ عن عبد الرَّزّاقِ بطولِهِ 3.
13396 - أخبرَنا أبو عبد اللَّهِ الحافظُ، حدثنا أبو العباسِ محمدُ بن يَعقوبَ، حدثنا محمدُ بن إسحاقَ الصَّغانِيُّ (ح) قال: وأخبرَنا أحمدُ بن سَلمانَ الفَقيهُ ببَغدادَ، حدثنا الحَسَنُ بن مُكرَمٍ قالا: حدثنا رَوحُ بن عُبادَةَ، حدثنا زَكَريّا بن إسحاقَ، حدثنا أبو الزُّبَير، عن جابِرٍ قال: جاءَ أبو بكرٍ - رضي الله عنه - يَستأذِنُ على رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فوَجَدَ النّاسَ جُلوسًا على بابِه لَم يُؤذَنْ لأحَدٍ مِنهُم.
قال: فأُذِنَ لأبِي بكرٍ - رضي الله عنه - فدَخَلَ، ثُمَّ أقبَلَ عُمَرُ - رضي الله عنه - فاستأذَنَ فأُذِنَ له 4، فوَجَدَ
النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - جالِسًا حَولَه نِساؤُه، واجِمٌ ساكِتٌ.
قال: فقالَ عُمَرُ - رضي الله عنه -: لأقولَنَّ شَيئًا أُضحِكُ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم -. فقالَ: يا رسولَ الله، لَو رأَيتَ ابنَةَ خارِجَةَ سأَلَتنِي النَّفَقَةَ فقُمتُ إلَيها فوَجأْتُ عُنُقَها.
قال: فضَحِكَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وقالَ: "وهُنَّ حَولِي كما تَرَى يَسأَلنَنِي النَّفَقَةَ".
قال: فقامَ أبو بكرٍ - رضي الله عنه - إلَى عائشةَ فوَجأَ عُنُقَها، وقامَ عُمَرُ - رضي الله عنه - إلَى حَفصَةَ فوَجأَ عُنُقَها، وكِلاهُما يقولُ: تَسأَلْنَ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ما لَيسَ عِندَه؟ فقُلنَ: واللهِ لا نَسأَلُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ما لَيسَ عِندَه.
ثُمَّ اعتَزَلَهُنَّ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - شَهرًا أو تِسعَةً وعِشرينَ يَومًا، ثُمَّ نَزَلَت هذه الآيَةُ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ حَتَّى بَلَغَ: ﴿لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾.
قال: فبَدأَ بعائشَةَ - رضي الله عنها - فقالَ: "يا عائشَةُ، إنِّي أُحِبُّ أن أعرِضَ عَلَيكِ أمرًا، فأُحِبُّ ألا تَعجَلِي فيه حَتَّى تَستَشيرِي أبَوَيكِ".
قالَت: وما هو يا رسولَ اللهِ؟ فتَلا عَلَيها الآيَةَ، فقالَت: أفيكَ يا رسولَ اللهِ أستَشيرُ أبَوَيَّ؟ بَل أختارُ اللهَ ورسولَه، أسأَلُكَ ألا تُخبِرَ امرأَةً مِن نِسائكَ بالَّذِي قُلتُ.
قال: "لا تَسأَلُنِي امرأَةٌ مِنهُنَّ إلَّا أخبَرتُها، إنَّ اللَّهَ لَم يَبعَثْنِي مُعَنِّتًا، ولَكِن بَعَثَنِي مُعَلِّمًا مُيَسِّرًا" 1. رَواه مسلمٌ في "الصحيح" عن زُهَيرِ بنِ حَربٍ عن رَوحِ بنِ عُبادَةَ 2.
13397 - أخبرَنا أبو نَصرٍ محمدُ بن عليٍّ الشّيرازِيُّ الفَقيهُ، حدثنا أبو عبد اللهِ محمدُ بن يَعقوبَ الأخرَمُ، حدثنا محمدُ بن عبد الوَهّابِ وعَلِيُّ بن
الحَسَن، قال عليٌّ: حدثنا.
وقالَ محمدٌ: أخبرَنا يَعلَى بن عُبَيدٍ قال: أخبرَنا إسماعيلُ (ح) قال أبو عبد اللَّهِ: وحَدَّثَنا جَعفَرُ بن محمدٍ، حدثنا يَحيَى بن يَحيَى قال: أخبرَنِي عَبثَرٌ، عن إسماعيلَ بنِ أبي خالِدٍ، عن الشَّعبِيّ، عن مَسروقٍ قال: قالَت عائشَةُ - رضي الله عنها -: قَد خَيَّرَنا رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فلَم نَعُدَّه طَلاقًا 1.
رَواه مسلمٌ في "الصحيح" عن يَحيَى بنِ يَحيَى، وأَخرَجَه البخاريُّ مِن وجهٍ آخَرَ عن إسماعيلَ 2.
13398 - أخبرَنا محمدُ بن عبد اللَّهِ الحافظُ، وأبو بكرٍ أحمدُ بن الحَسَنِ القاضي، وأبو عبد اللَّهِ السّوسِيُّ قالوا: حدثنا أبو العباسِ محمدُ بن يَعقوبَ، حدثنا محمدُ بن إسحاقَ الصَّغانِيُّ، أخبرَنا محمدُ بن أسَدٍ، أخبرَنا الوَليدُ بن مُسلِمٍ، عن الأوزاعِيِّ قال: سأَلتُ الزُّهرِيِّ: أيُّ أزواجِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - استَعاذَت مِنهُ؟ فقالَ: حَدَّثَنِي عُروةُ عن عائشةَ - رضي الله عنها - أنَّ ابنَةَ الجَونِ الكِلابيَّةَ لَمّا أُدخِلَت على النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قالَت: أعوذُ باللَّهِ مِنكَ.
قال: "لَقَد عُذتِ بعَظيمٍ، الحَقِي بأَهلِكِ" 3. رَواه البخاريُّ في "الصحيح" عن الحُمَيدِيِّ عن الوَليدِ بنِ مُسلِمٍ 4.
بابُ ما وجَبَ عَلَيه مِن قيامِ اللَّيلِ
قال اللهُ تَبارَكَ وتَعالَى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: 79].
13399 - أخبرَنا أبو عبد اللهِ الحافظُ، أخبرَنا أحمدُ بن كامِلٍ القاضي، أخبرَنا أبو جَعفَرٍ محمدُ بن سَعدِ بنِ محمدِ بنِ الحَسَنِ بنِ عَطيَّةَ العَوفِيُّ، حَدَّثَنِي أبي، حَدَّثَنِي عَمِّي، حَدَّثَنِي أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ - رضي الله عنهما -: قَولُه تَعالَى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾ يَعنِي بالنافِلَةِ أنَّها لِلنَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - خاصَّةً، أُمِرَ بقيامِ اللَّيلِ وكُتِبَ عَلَيهِ 1.
13400 - وأخبرَنا أبو عبد اللهِ الحافظُ قِراءَةً عَلَيه وعبدُ اللهِ بن يوسُفَ الأصبَهانِيُّ إملاءً قالا: حدثنا أبو العباسِ 2 محمدُ بن يَعقوبَ، حدثنا بكرُ بن سَهلٍ، حدثنا عبدُ الغَنِيِّ بن سعيدٍ الثَّقَفِيُّ، حدثنا موسَى بن عبد الرَّحمَنِ الصَّنعانِيُّ، عن هِشامِ بنِ عُروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ - رضي الله عنها - قالَت: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: "ثَلاثَةٌ عليّ فريضَةٌ [وهُنَّ سُنَّةٌ لَكُمُ] 3، الوِترُ، والسِّواكُ، وقيامُ اللَّيلِ" 4. موسَى بن عبد الرَّحمَنِ هَذا ضَعيفٌ جِدًّا 5، ولَم يَثبُتْ
في هَذا إسنادٌ، واللهُ أعلَمُ.
13401 - أخبرَنا أبو نَصرٍ محمدُ بن أحمدَ بنِ إسماعيلَ بنِ إبراهيمَ الطّابَرانِيُّ بها، أخبرَنا أبو محمدٍ عبدُ اللَّهِ بن أحمدَ بنِ مَنصورٍ الطُّوسِيُّ، حدثنا ابنُ أبي مَسَرَّةَ، حدثنا خَلَّادٌ، حدثنا مِسعَرٌ، حدثنا زيادُ بن عِلاقَةَ قال: سَمِعتُ المُغيرَةَ بنَ شُعبَةَ - رضي الله عنه - قال: إنَّ رسولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يُصلِّي حَتَّى تَرِمَ أو تَنتَفِخَ رِجلاه أو قَدَماه.
قال: فقالوا له: قال: "أفَلا أكونُ عبدًا شَكورًا؟ " 1. رَواه البخاريُّ في "الصحيح" عن خَلَّادِ بنِ يَحيَى، وأَخرَجَه مسلمٌ مِن وجهَينِ آخَرَينِ عن زيادِ بنِ عِلاقَةَ 2.
13402 - أخبرَنا محمدُ بن عبد اللَّهِ الحافظُ، أخبرَنِي أبو بكرِ بن إسحاقَ، أخبرَنا أحمدُ بن محمدِ بنِ المُهَنَّى الأزدِيُّ، حدثنا هارونُ بن مَعروفٍ، حدثنا عبدُ اللَّهِ بن وهبٍ، أخبرَنِي أبو صَخرٍ، عن ابنِ قُسَيطٍ، عن عُروةَ بنِ الزُّبَير، عن عائشةَ - رضي الله عنها - قالَت: كان رسولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - إذا صَلَّى قامَ حَتَّى تَفَطَّرَ رِجلاه.
فقالَت عائشَةُ - رضي الله عنها -: يا رسولَ اللَّه، تَصنَعُ هَذا وقَد غَفَرَ اللهُ لَكَ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وما تأَخَّرَ؟ قال: "يا عائشَةُ، أفَلا أكونُ عبدًا شَكورًا؟ " 3. رَواه مسلمٌ في "الصحيح" عن هارون بنِ مَعروفٍ 4.
بابُ ما حَرُمَ عَلَيه وتَنَزَّهَ عنه مِنَ الصَّدَقَةِ
13403 - أخبرَنا الفَقيهُ أبو الحَسَنِ محمدُ بن يَعقوبَ بنِ أحمدَ بنِ يَعقوبَ ابنُ عَمِّ أبي النَّضرِ الفَقيه، أخبرَنا أبو النَّضرِ الفَقيهُ، حدثنا محمدُ بن أيّوبَ، أخبرَنا مُسلِمُ بن إبراهيمَ، أخبرَنا الرَّبيعُ بن مُسلِمٍ القُرَشِيُّ، عن محمدِ بنِ زيادٍ، عن أبي هريرةَ - رضي الله عنه -، أنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان يأكُلُ الهَديَّةَ ولا يأكُلُ الصَّدَقَةَ 1. أخرَجَه مسلمٌ في "الصحيح" كما مَضَى ذِكرُه في آخِرِ كِتابِ الهِباتِ 2.
13404 - أخبرَنا أبو الحُسَينِ بنُ الفَضلِ القَطّانُ ببَغدادَ، أخبرَنا عبدُ اللهِ بن جَعفَرِ بنِ دُرُستُويَه، حدثنا يَعقوبُ بن سُفيانَ، حَدَّثَنى المَكِّيُّ بن إبراهيمَ قال: بَهزٌ ذَكَرَه، عن أبيه، عن جَدِّه قال: كان رسولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - إذا أُتِيَ بطَعامٍ سأَلَ عنه: "أهَديَّةٌ أو صَدَقَةٌ؟ ". فإِن قالوا: هَديَّةٌ.
بَسَطَ يَدَه، وإِن قالوا: صَدَقَةٌ.
قال لأصحابِه: "كُلوا".
بَهزٌ هو ابنُ حَكيمِ بنِ مُعاويَةَ بنِ حَيدَةَ القُشَيرِيُّ، أحَدُ بَنِي عامِرِ بنِ صَعصَعَةَ بنِ هَوازِنَ.
قالَه يَعقوبُ بن سُفيانَ 3.
بابُ ما حَرُمَ عَلَيه مِن خائنَةِ الأعيِنُ دونَ المَكيدَةِ في الحَربِ
13405 - أخبرَنا أبو طاهِرٍ الفَقيهُ، أخبرَنا أبو بكرٍ محمدُ بن الحُسَينِ القَطّانُ، حدثنا أحمدُ بن يوسُفَ، أخبرَنا أحمدُ بن المُفَضَّل، حدثنا أسباطُ بن نَصرٍ الهَمْدانِيُّ قال: زَعَمَ السُّدِّيُّ، عن مُصعَبِ بنِ سَعدٍ، عن أبيه قال: لَمّا كان يَومُ فتحِ مَكَّةَ أَمَّنَ رسولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - النّاسَ إلَّا أربَعَةَ نَفَرٍ وامرأَتَينِ؛ مِنهُم عبدُ اللَّهِ بن سَعدِ بنِ أبي سَرحٍ.
فذَكَرَ الحديثَ إلَى أن قال: وأَمّا عبدُ اللهِ بن سَعدِ بنِ أبي سَرحٍ فإِنَّه اختَبأَ عِندَ عثمانَ بنِ عَفّانَ - رضي الله عنه -، فلَمّا دَعا رسولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - النّاسَ إلَى البَيعَة، جاءَ به حَتَّى أوقَفَه على النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فقالَ: يا رسولَ اللَّه، بايعْ عبدَ اللَّهِ.
فرَفَعَ رأسَه فنَظَرَ إلَيه ثَلاثًا، كُلَّ ذَلِكَ يأبَى، فبايَعَه بَعدَ ثَلاثٍ، ثُمَّ أقبَلَ على أصحابِه فقالَ: "أما فيكُم رَجُلٌ رَشيدٌ يَقومُ إلَى هَذا حَيثُ رآنِي قَد كَفَفتُ يَدِي عن بَيعَتِه فيَقتُلُه؟ ". قال: ما يُدرينا يا رسولَ اللَّهِ ما في نَفسِكَ، هَلَّا أومأْتَ إلَينا بعَينِكَ؟ قال: "إنَّه لا يَنبغِي أن تَكونَ لِنَبِيٍّ خائنَةُ الأعيُنِ" 1.
13406 - أخبرَنا محمدُ بن محمدِ بنِ مَحمِشٍ الفَقيهُ، أخبرَنا أبو حامِدِ بنُ بلالٍ، حدثنا عبدُ الرَّحمَنِ بن بشرٍ، حدثنا سفيانُ بن عُيَينَةَ، عن عمرِو بنِ دينارٍ، عن جابِرِ بنِ عبد اللهِ - رضي الله عنهما -، عن النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: "الحَربُ خُدعَةٌ" 2.
رَواه البخاريُّ في "الصحيح" عن صَدَقَةَ بنِ الفَضل، ورَواه مسلمٌ عن عليِّ بنِ حُجرٍ وزُهَيرٍ، كُلُّهُم عن ابنِ عُيَينَةَ 1.
13407 - أخبرَنا أبو عبد اللهِ الحافظُ، أخبرَنا أبو بكرِ بن إسحاقَ، أخبرَنا عُبَيدُ بن شَريكٍ، حدثنا يَحيَى بن بُكَيرٍ، حدثنا اللَّيثُ، عن عُقَيلٍ، عن ابنِ شِهابٍ، عن عبد الرَّحمَنِ بنِ عبد اللهِ بنِ كَعبِ بنِ مالكٍ، أنَّ عبدَ الله بنَ كَعبٍ قال: سَمِعتُ كَعبَ بنَ مالكٍ يُحَدِّثُ حينَ تَخَلَّفَ عن رسولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -. فذَكَرَ الحديثَ قال: ولَم يَكُنْ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يُريدُ غَزوَةً يَغزوها إلَّا ورَّى بغَيرِها 2. رَواه البخاريُّ في "الصحيح" عن ابنِ بُكَيرٍ، وأَخرَجَه مسلمٌ مِن وجهٍ آخَرَ عن اللَّيثِ 3.
13408 - وأخبرَنا أبو عبد اللهِ الحافظُ، أخبرَنا أبو بكرِ بن إسحاقَ، أخبرَنا بشرُ بن موسَى، حدثنا الحُمَيدِيُّ، حدثنا سفيانُ، عن عمرٍو، عن جابِرٍ - رضي الله عنه - قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: "مَن لِكَعبِ بنِ الأشرَفِ؟ فإِنَّه قَد آذَى اللَّهَ ورسولَه".
فقالَ محمدُ بن مَسلَمَةَ - رضي الله عنه -: يا رسولَ الله، أتُحِبُّ أن أقتُلَهُ؟ قال: "نَعَم".
قال: فأْذَنْ لِي فأَقولَ.
قال: "قَد أذِنتُ لَكَ".
فذَكَرَ القِصَّةَ في احتيالِه في قَتلِ كَعبِ بنِ الأشرَفِ.
قال: فلَمّا استَمكَنَ مِنه قَتَلوه، فأَتَوُا النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - = (16962) من طريق سفيان به.
فأَخبَروه، فقالَ رسولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: "الحَربُ خُدعَةٌ" (1). أخرَجاه في "الصحيح" مِن حَديثِ ابنِ عُيَينَةَ (2).
بابٌ: لَم يَكُنْ له إذا لَبِسَ لأمَتَه أن يَنزِعَها حَتَّى يَلقَى العَدوَّ ولَو بنَفسِهِ
13409 - أخبرَنا محمدُ بن عبد اللَّهِ الحافظُ، أخبرَنا أبو جَعفَرٍ محمدُ بن محمدِ بنِ عبد اللَّهِ البَغدادِيُّ، أخبرَنا أبو عُلاثَةَ محمدُ بن عمرِو بنِ خالِدٍ، حدثنا أبي، حدثنا ابنُ لَهيعَةَ، عن أبي الأسوَد، عن عُروةَ.
فذَكَرَ قِصَّةَ أُحُدٍ وإِشارَةَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - على المُسلِمينَ بالمُكثِ في المَدينَة، وأَنَّ كَثيرًا مِنَ النّاسِ أبَوْا إلَّا الخُروجَ إلَى العَدوّ، قال: ولَو تَناهَوا إلَى قَولِ رسولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وأَمرِه كان خَيرًا لَهُم، ولَكِنْ غَلَبَ القَضاءُ والقَدَرُ.
قال: وعامَّةُ مَن أشارَ عَلَيه بالخُروجِ رِجالٌ لَم يَشهَدوا بَدرًا، وقَد عَلِموا الَّذِي سَبَقَ لأهلِ بَدرٍ مِنَ الفَضيلَة، فلَمّا صَلَّى رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - صَلاةَ الجُمُعَةِ وعَظَ النّاسَ وذَكَّرَهُم، وأَمَرَهُم بالجِدِّ والاجتِهاد، ثُمَّ انصَرَفَ مِن خُطبَتِه وصَلاتِه فدَعا بلأمَتِه فلَبِسَها، ثُمَّ أذَّنَ في النّاسِ بالخُروج، فلَمّا أبصَرَ ذَلِكَ رِجالٌ مِن ذَوِي الرّأىِ قالوا: أمَرَنا رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أن نَمكُثَ بالمَدينَة، فإِن دَخَلَ عَلَينا العَدوُّ قاتَلناهُم في الأزِقَّة، وهو أعلَمُ باللَّهِ وبِما يُريدُ ويأتيه الوَحيُ مِنَ السَّماء، ثُمَّ12
أشخَصناه.
فقالوا: يا نَبِيَّ الله، أنَمكُثُ كما أمَرتَنا؟ قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: "لا يَنبغِي لِنَبِيٍّ إذا أخَذَ لأمَةَ الحَرب، وأَذَّنَ في النَّاسٍ بالخُروجِ إلَى العَدوِّ أن يَرجِعَ حَتَّى يُقاتِلَ، وقَد دَعَوتُكُم إلَى هَذا الحديثِ فأَبَيتُم إلَّا الخُروجَ، فعَلَيكُم بتَقوَى اللَّهِ والصَّبرِ إذا لَقِيتُمُ العَدوَّ، وانظُروا ما أمَرتُكُم به فافعَلوه".
فخَرَجَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - والمُسلِمونَ مَعَه.
وذَكَرَ الحديثَ 1.
وهَكَذا ذكره موسَى بن عُقبَةَ عن الزُّهرِيِّ 2. وكَذَلِكَ ذَكَرَه محمدُ بن إسحاقَ بنِ يَسارٍ عن شُيوخِه مِن أهلِ المَغازِي 3، وهو عامٌّ في أهلِ المَغازِي وإِن كان مُنقَطِعًا.
وكَتَبناه مَوصولًا بإِسنادٍ حَسَنٍ:
13410 - أخبرَنا أبو عبد اللهِ الحافظُ، حدثنا أبو العباسِ محمدُ بن يَعقوبَ، حدثنا محمدُ بن عبد اللهِ بنِ عبد الحَكَم، حدثنا عبدُ اللهِ بن وهبٍ، أخبرَنِي ابنُ أبي زنادٍ 4، عن أبيه، عن عُبَيدِ اللهِ بنِ عبد اللهِ بنِ عُتبَةَ، عن ابنِ عباسٍ - رضي الله عنهما - قال: تنَفَّلَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - سَيفَه ذو 5 الفَقارِ يَومَ بَدرٍ.
قال ابنُ عباسٍ - رضي الله عنهما -: وهو الَّذِي رأَى فيه الرُّؤيا يَومَ أُحُدٍ؛ وذَلِكَ أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - لَمّا جاءَه المُشرِكونَ يَومَ أُحُدٍ، كان رأيُه أن يُقيمَ بالمَدينَةِ فيُقاتِلَهُم فيها، فقالَ له
ناسٌ لَم يَكونوا شَهِدوا بَدرًا: تَخرُجُ بنا يا رسولَ الله إلَيهِم نُقاتِلُهُم بأُحُدٍ.
ورَجَوا أن يُصيبوا مِنَ الفَضيلَةِ ما أصابَ أهلُ بَدرٍ، فما زالوا به حَتَّى لَبِسَ أداتَه، ثُمَّ نَدِموا وقالوا: يا رسولَ الله، أقِمْ، فالرّأيُ رأيُكَ.
فقالَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: "ما يَنبغِي لِنَبِيٍّ أن يَضَعَ أداتَه بَعدَ أن لَبِسَها حَتَّى يَحكُمَ اللهُ بَينَه وبَينَ عَدوِّه".
قال: وكانَ مِمّا قال لَهُم رسولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَومَئذٍ قَبلَ أن يَلبَسَ الأداةَ: "إنِّي رأَيتُ أنِّي في دِرعٍ حَصينَةٍ فأَوَّلتُها المَدينَةَ، وأَنِّي مُردِفٌ كَبشًا فأَوَّلتُه كَبشَ الكَتيبَة، ورأَيتُ أنَّ سَيفِي ذا الفَقارِ فُلَّ فأَوَّلتُه فلًّا فيكُم، ورأيتُ بَقَرًا تُذبَحُ، فبَقَرٌ، واللهِ خَيرٌ، فبَقَرٌ، واللهِ خَيرٌ" (1).
بابٌ: لَم يَكُنْ له إذا سَمعَ المُنكَرَ تَركُ النَّكيِر
13411 - أخبرَنا أبو الحُسَينِ بن الفَضلِ القَطّانُ ببَغدادَ، أخبرَنا عبدُ اللهِ بن جَعفَرِ بنِ دُرُستُويَه، حدثنا يَعقوبُ بن سُفيانَ، حَدَّثَنِي عبدُ اللَّهِ بن مَسلَمَةَ، عن مالكٍ، عن ابنِ شِهاب، عن عُروةَ، عن عائشةَ - رضي الله عنها - أنَّها قالَت: ما خُيِّرَ رسولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - في أمرَينِ إلَّا أخَذَ أيسَرَهُما ما لَم يَكُنْ إثمًا، فإِذا كان إثمًا كان أبعَدَ النّاسِ مِنه، وما انتَقَمَ رسولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - لِنَفسِه إلَّا أن تُنتَهَكَ حُرمَةُ اللَّهِ فيَنتَقِمَ للَّهِ بها 2.1
13412 - وأخبرَنا أبو عبد اللَّهِ الحافظُ، حدثنا عليُّ بن عيسَى، حدثنا موسَى بن محمدٍ الذُّهلِيُّ، حدثنا يَحيَى بن يَحيَى قال: قَرأتُ على مالكٍ.
فذَكَرَه إلَّا أنَّه لَم يَذكُرْ قَولَه: فيَنتَقِمَ للهِ بها 1. رَواه البخاريُّ في "الصحيح" عن عبد اللَّهِ بنِ مَسلَمَةَ، ورَواه مسلم عن يَحيَى بنِ يَحيَى 2.
13413 - أخبرَنا أبو الحُسَينِ بنُ الفَضلِ القَطّانُ، أخبرَنا عبدُ اللَّهِ بن جَعفَرٍ، حدثنا يَعقوبُ بن سُفيانَ، حدثنا سعيدُ بن حَمّادٍ الأنصارِيُّ المِصرِيُّ ومالِكُ بن إسماعيلَ النَّهدِيُّ قالا: حدثنا جُمَيعُ بن عُمَرَ بنِ عبد الرَّحمَنِ العِجلِيُّ، حَدَّثَنِي رَجُلٌ بمَكَّةَ، عن ابنِ أبِي هالَةَ التَّميمِيّ، عن الحَسَنِ بنِ عليٍّ قال: سأَلتُ خالِي هِندَ بنَ أبي هالَةَ التَّميمِيَّ (ح) وحَدَّثَنَا أبو عبد اللَّهِ الحافظُ، حدثنا أبو محمدٍ الحَسَنُ بن محمدٍ الحُسَينِيُّ العَقيقِيُّ صاحِبُ كِتابِ "النسب" ببَغدادَ، حدثنا إسماعيلُ بن محمدِ بنِ إسحاقَ بنِ جَعفَرِ بنِ محمدٍ، حَدَّثَنِي عليُّ بن جَعفَرِ بنِ محمدٍ، عن أخيه موسَى بنِ جَعفَرٍ، عن جَعفَرِ بنِ محمدٍ، عن أبيه محمدِ بنِ عليٍّ، عن عليِّ بنِ الحُسَينِ قال: قال الحَسَنُ بن عليٍّ: سأَلتُ خالِي هِندَ بنَ أبي هالَةَ عن حِليَةِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وكانَ وصّافًا.
فذَكَرَ الحديثَ وفيه قال: ويَتَفَقَّدُ أصحابَه، ويَسأَلُ النّاسَ عَما فيه النّاسُ؛ يُحَسِّنُ الحَسَنَ ويُصَوِّبُه، ويُقَبِّحُ القَبيحَ ويوَهِّنُه.
وفِي الرِّوايَةِ الأولَى: ويُقَوّيه.
بَدَلَ: ويُصَوِّبُه 3.
بابٌ: لَم يَكُنْ له أن يَتَعَلَّمَ شِعرًا ولا يَكتُبَ
قال اللهُ تَعالَى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يس: 69].
وقالَ: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ﴾ [الأعراف: 158]. قال بَعضُ أهلِ التَّفسيرِ: الأُمِّيُّ الَّذِي لا يَقرأُ الكِتابَ ولا يَخُطُّ بيَمينِهِ 1. وهَذا قَولُ مُقاتِلِ بنِ سُلَيمانَ وغَيرِه مِن أهلِ التَّفسيرِ 2.
13414 - وأخبرَنا أبو حازِمٍ الحافظُ، أخبرَنا أبو بكرٍ الإسماعيلِيُّ، حدثنا عليُّ بن سِراجٍ المِصرِيُّ، حدثنا محمدُ بن عبد الرَّحمَنِ ابنُ أخِي حُسَينٍ الجُعفِيّ، حدثنا أبو أُسامَةَ، عن إدريسَ الأودِيّ، عن الحَكَمِ بنِ عُتَيبَةَ، عن مُجاهِدٍ، عن عبد اللَّهِ بنِ عباسِ - رضي الله عنهما - في قَولِه عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ [العنكبوت: 48].
قال: لَم يَكُنْ رسولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقرأُ ولا يَكتُبُ 3.
13415 - وأخبرَنا أبو نَصرٍ محمدُ بن أحمدَ بنِ إسماعيلَ الطّابَرانِيُّ بها، حدثنا أبو محمدٍ عبدُ اللَّهِ بن أحمدَ بنِ مَنصورٍ الطُّوسِيُّ، حدثنا محمدُ بن = به.
والترمذي في الشمائل (321) من طريق جميع به.
وابن شاذان في مشيخته (61) من طريق إسماعيل بن محمد بن إسحاق به.
إسماعيلَ الصّائغُ، حدثنا رَوحُ بن عُبادَةَ، حدثنا شُعبَةُ قال: سَمِعتُ الأسوَدَ بنَ قَيسٍ، عن سعيدِ بنِ عمرِو بنِ سعيدٍ، عن ابنَ عُمَرَ - رضي الله عنهما -، عن النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال: "إنّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لا نَكتُبُ ولا نَحسُبُ، والشَّهرُ هَكَذا وهَكَذا وهَكَذا - وقَبَضَ [أحَدَ أصابِعِه] 1 - وهَكَذا وهَكَذا وهَكَذا".
يَعنِي ثَلاثينَ 2. أخرَجاه في "الصحيح" مِن حَديثِ شُعبَةَ 3.
13416 - أخبرَنا أبو عبد اللهِ الحافظُ، أخبرَنِي أبو أحمدَ الحافظُ، أخبرَنا أبو جَعفَرٍ محمدُ بن الحُسَينِ الخَثعَمِيُّ، حدثنا أحمدُ بن عثمانَ بنِ حَكيمٍ الأودِيُّ، حدثنا شُرَيحُ بن مَسلَمَةَ، حدثنا إبراهيمُ يَعنِي ابنَ يوسُفَ بنِ أبي إسحاقَ، حَدَّثَنِي أبي، عن أبي إسحاقَ، حَدَّثَنِي البَراءُ - رضي الله عنه - أنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - لَمّا أرادَ أن يَعتَمِرَ أرسَلَ إلَى أهلِ مَكَّةَ يَستأذِنُهُم ليَدخُلَ مَكَّةَ، فاشتَرَطوا عَلَيه ألا يُقيمَ بها إلا ثَلاثَ لَيالٍ، ولا يَدخُلَها إلَّا بجُلُبّانِ السِّلاحِ 4، ولا يَدْعوَ مِنهُم أحَدًا.
قال: فأَخَذَ يَكتُبُ الشَّرطَ بَينَهُم عليُّ بن أبي طالِبٍ - رضي الله عنه - كَتَبَ: هَذا ما قاضَى عَلَيه محمدٌ رسولُ اللهِ.
فقالوا: لَو عَلِمنا أنَّكَ رسولُ اللهِ لَم نَمنَعْكَ ولَبايَعناكَ، ولَكِنِ اكتُبْ: هَذا ما قاضَى عَلَيه محمدُ بن عبد اللهِ.
فقالَ: "أنا واللَّهِ محمدُ بن عبد الله، وأَنا واللَّهِ رسولُ اللهِ".
قال: وكانَ لا يَكتُبُ.
قال: فقالَ
لِعَلِيٍّ: "امحُ رسولَ اللَّهِ".
قال عليٌّ: لا واللَّهِ لا أمحاه أبَدًا.
قال: "فأَرِنيه".
قال: فأَراه إيّاه فمَحاه النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - بيَدِه، فلَمّا دَخَلَ ومَضَى الأجَلُ أتَوا عَليًّا - رضي الله عنه - فقالوا: مُرْ صاحِبَكَ فليَرتَحِلْ.
فذَكَرَ ذَلِكَ عليٌّ لِرسولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قال: "نَعَم أرتَحِلُ".
رَواه البخاريُّ في "الصحيح" عن أحمدَ بنِ عثمانَ الأودِيّ، وأَخرَجَه مسلمٌ مِن حَديثِ زَكَريّا بنِ أبي زائدَةَ عن أبي إسحاقَ بمَعناه 1، وأَخرَجَه البخاريُّ عن عُبَيدِ اللَّهِ بنِ موسَى عن إسرائيلَ عن أبي إسحاقَ، وقالَ في الحديثِ: فأَخَذَ رسولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - الكِتابَ ولَيسَ يُحسِنُ يَكتُبُ 2.
13417 - أخبرَنا أبو عبد اللهِ الحافظُ، أخبرَنا أبو العباسِ المَحبوبِيُّ، حدثنا سعيدُ بن مَسعودٍ، حدثنا عُبَيدُ اللَّهِ بن موسَى، حدثنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ، عن البَراءِ - رضي الله عنه -. فذَكَرَ حَديثَ القَضيَّة، وذَكَرَ فيه أنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: "يا عليُّ، امحُ رسولَ اللَّهِ".
قال: واللَّهِ لا أمحوكَ أبَدًا.
فأَخَذَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - الكِتابَ ولَيسَ يُحسِنُ يَكتُبُ 3.
وفِي رِوايَةِ يوسُفَ بنِ أبي إسحاقَ عن أبيه عن البَراءِ في هذه القِصَّةِ قال: فقالَ: "أرِنيه".
فأَراه إيّاه، فمَحاه بيَدِهِ.
13418 - وأَمّا الحَديثُ الَّذِي أخبرَنا أبو عبد اللهِ الحافظُ في آخَرينَ قالوا: حدثنا أبو العباسِ محمدُ بن يَعقوبَ، حدثنا بكرُ بن سَهلٍ الدِّمياطيُّ، حدثنا عبدُ الخالِقِ بن مَنصورٍ القُشَيرِيُّ النَّيسابورِيُّ، حدثنا أبو النَّضرِ هاشِمُ بن القاسِم، حدثنا أبو عَقيلٍ يَحيَى بن المُتَوَكِّل، حدثنا مُجالِدُ بن سعيدٍ، حَدَّثَنِي عَونُ بن عبد الله، عن أبيه قال: ما ماتَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - حَتَّى كَتَبَ وقَرأَ.
قال مُجالِدٌ: فذَكَرتُ ذَلِكَ لِلشَّعبِيِّ فقالَ: قَد صَدَقَ، قَد سَمِعتُ مِن أصحابِنا يَذكُرونَ ذَلِكَ 1. فهَذا حَديثٌ مُنقَطِعٌ، وفِي رواتِه جَماعَةٌ مِنَ الضُّعَفاءِ والمَجهولينَ، واللهُ تَعالَى أعلَمُ.
13419 - حدثنا أبو عبد اللهِ الحافظُ، حدثنا أبو حَفصٍ عُمَرُ بن أحمدَ نِ نُعَيمٍ وكيلُ المُتَّقِي ببَغدادَ، حدثنا أبو محمدٍ عبدُ اللَّهِ بن هِلالٍ النَّحوِيُّ الضَّريرُ، حدثنا عليُّ بن عمرٍو 2 الأنصارِيُّ، حدثنا سفيانُ بن عُيَينَةَ، عن الزُّهرِيّ، عن عُروةَ، عن عائشةَ - رضي الله عنها - قالَت: ما جَمَعَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بَيتَ شِعرٍ قَطُّ إلَّا بَيتًا واحِدًا:
تَفاءَلْ بما تَهوَى يَكُنْ فلقَلَّما ... يُقالُ لِشَىءٍ كان إلَّا تَحَقَّقَ
قالَت عائشَةُ - رضي الله عنها -: ولَم يَقُلْ: تَحَقَّقا.
لِئَلَّا يُعرِبَه فيَصيرَ شِعرًا 3.
قال الشيخُ رَحِمَهُ اللهُ: لَم أكتُبْه إلَّا بهَذا الإسناد، وفيهِم مَن يُجهَلُ حالُه 1، وأَمّا الرَّجَزُ، فقَد كان - صلى الله عليه وسلم - يَقولُه: 13420 - أخبرَنا أبو طاهِرٍ الفَقيهُ مِن أصلِ سَماعِه، أخبرَنا أبو الفَضلِ عَبدوسُ بن الحُسَينِ بنِ مَنصورٍ السِّمسارُ النَّيسابورِيُّ، حدثنا أبو حاتِمٍ محمدُ بن إدريسَ الرّازِيُّ، حدثنا محمدُ بن عبد اللَّهِ الأنصارِيُّ، حَدَّثَنِي حُمَيدٌ الطَّويلُ، عن أنَسِ بنِ مالكٍ - رضي الله عنه - قال: خَرَجَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - في غَداةٍ بارِدَةٍ، والمُهاجِرونَ والأنصارُ يَحفِرونَ الخَندَقَ فقالَ: اللَّهمَّ إنَّ الخَيرَ خَيرُ الآخِرَه ... فاغفِر لِلأنصارِ والمُهاجِرَه فأَجابوه: نَحنُ الَّذينَ بايَعوا محمدَا ... على الجِهادِ ما بَقِينا أبَدَا 2 أخرَجَه البخاريُّ مِن أوجُهٍ عن حُمَيدٍ 3. 13421 - أخبرَنا أبو عبد اللَّهِ الحافظُ، حدثنا أبو عبد اللَّهِ محمدُ بن يَعقوبَ، حدثنا يَحيَى بن محمدِ بنِ يَحيَى، حدثنا مُسَدَّدٌ، حدثنا أبو الأحوَص، حدثنا أبو إسحاقَ، عن البَراءِ بنِ عازِبٍ قال: رأَيتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يَومَ الخَندَقِ وهو يَنقُلُ التُّرابَ حَتَّى وارَى التُّرابُ شَعَرَ صَدرِه، وكانَ رَجُلًا كَثيرَ
الشَّعَر، وهو يَرتَجِزُ برَجَزِ عبد اللَّهِ بنِ رَواحَةَ - رضي الله عنه -:
اللَّهمَّ لَولا أنتَ ما اهتَدَينا ... ولا تَصَدَّقنا ولا صَلَّينا
فأَنزِلَن سَكينَةً عَلَينا ... وثَبِّتِ الأقدامَ إن لاقَينا
إنَّ الأعداءَ قَد بَغَوا عَلَينا ... وإن أرادوا فِتنَةً أبَينا
يَرفَعُ بها صَوتَه 1. رَواه البخاريُّ في "الصحيح" عن مُسَدَّدٍ 2.
وأَخرَجاه مِن حَديثِ شُعبَةَ، عن أبي إسحاقَ، وقالَ شُعبَةُ في رِوايَتِه: وقَد وارَى التُّرابُ بَياضَ بَطنِه وهو يقولُ: وقالَ: "إنَّ الأُلَى قَد بَغَوا عَلَينا" 3.
13422 - أخبَرَناه أبو عبد اللهِ الحافظُ، أخبرَنِي محمدُ بن المُؤَمَّلِ بنِ الحَسَنِ بنِ عيسَى، حدثنا الفَضلُ بن محمدٍ الشَّعرانِيُّ، حدثنا أبو الوَليد، حدثنا شُعبَةُ، أخبرَنا أبو إسحاقَ قال: سَمِعتُ البَراءَ قال: كان رسولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَنقُلُ التُّرابَ معنا يَومَ الأحزابِ.
ثُمَّ ذَكَرَه 4. رَواه البخاريُّ عن أبي الوَليدِ 5.
13423 - أخبرَنا أبو بكرٍ أحمدُ بن محمدِ بنِ غالِبٍ الخُوارِزمِيُّ الحافظُ
ببَغدادَ، حدثنا أبو العباسِ محمدُ بن أحمدَ بنِ حَمدانَ النَّيسابورِيُّ، حدثنا محمدُ بن أيّوبَ، أخبرَنا محمدُ بن كَثيرٍ العَبدِيُّ، أخبرَنا سفيانُ بن سعيدٍ، عن أبي إسحاقَ قال: سَمِعتُ البَراءَ بنَ عازِبٍ - رضي الله عنه - يقولُ وجاءَه رَجُلٌ فقالَ له: يا أبا عُمارَةَ، أوَلَّيتُم يَومَ حُنَينٍ؟ قال: أمّا أنا فأَشهَدُ على رسولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه لَم يوَلّ، ولَكِن عَجِلَ سَرَعانُ القَومِ وقَد رَشَقَتهُم هَوازِنُ، وأبو سُفيانَ بنُ الحارِثِ آخِذٌ برأسِ بَغلَتِه البَيضاءِ وهو يقولُ: "أنا النَّبِيُّ لا كَذِب ... أنا ابنُ عبد المُطَّلِب" 1 رَواه البخاريُّ في "الصحيح" عن محمدِ بنِ كَثيرٍ، وأَخرَجَه مسلمٌ مِن وجهٍ آخَرَ عن سُفيانَ 2. 13424 - أخبرَنا أبو محمدٍ عبدُ اللَّهِ بن يوسُفَ الأصبَهانِيُّ، أخبرَنا أبو سعيدِ بن الأعرابِيّ، حدثنا سَعدانُ بن نَصرٍ، حدثنا سفيانُ، عن الأسوَدِ بنِ قَيسٍ، عن جُندُبٍ - رضي الله عنه - قال: كُنّا مَعَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - في غارٍ فنُكِبَت إصبَعُه فقالَ: "هَل أنتِ إلَّا إصبَعٌ دَمِيتِ ... وفِي سَبيلِ اللهِ ما لَقيتِ" 3
رَواه مسلمٌ في "الصحيح" عن أبي بكرِ بنِ أبي شَيبَةَ وغَيرِه عن سُفيانَ، وأَخرَجَه البخاريُّ مِن وجهٍ آخَرَ عن الأسوَدِ (1).
بابُ قَولِ اللَّهِ تَعالَى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: 65]
قال أبو العباسِ: ولَيسَ كَذَلِكَ غَيرُه حَتَّى يَموتَ؛ لِقَولِه عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ [البقرة: 217].
قال الشيخُ رَحِمَهُ اللهُ: كذا قال أبو العباس، وذَهَبَ غَيرُه إلَى أنَّ المُرادَ بهَذا الخِطابِ غَيرُ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -، ثُمَّ المُطلَقُ يَكونُ مَحمولًا على المُقَيَّد، واللهُ أعلَمُ.
13425 - وأخبرَنا أبو صالِحِ بنُ أبي طاهِرٍ العَنبَرِيُّ، أخبرَنا جَدِّي يَحيَى بن مَنصورٍ القاضِي، حدثنا أحمدُ بنُ سلمةَ، حدثنا إسحاقُ بن إبراهيمَ، أخبرَنا أبو مُعاويَةَ، حدثنا الأعمَشُ، عن أبي سُفيانَ، عن جابِرٍ - رضي الله عنه - قال: جاءَ أعرابِيٌّ إلَى رسولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فقالَ: يا رسولَ الله، ما الموجِبَتانِ؟ فقالَ: "مَن ماتَ لا يُشرِكُ باللهِ شَيئًا دَخَلَ الجَنَّةَ، ومَن ماتَ يُشرِكُ به شَيئًا دَخَلَ النّارَ" 2. رَواه مسلمٌ في "الصحيح" عن أبي بكرِ بنِ أبي شَيبَةَ وغَيرِه عن أبي مُعاويَةَ 3.1
بابٌ: كان عَلَيه قَضاءُ دَينِ مَن ماتَ مِنَ المُسلِميَن
13426 - أخبرَنا أبو عبد اللَّهِ الحافظُ، وأبو زَكَريّا بنُ أبي إسحاقَ، وأبو بكرِ بن الحَسَنِ القاضِي قالوا: حدثنا أبو العباسِ محمدُ بن يَعقوبَ، حدثنا بَحرُ بن نَصرٍ، حدثنا ابنُ وهبٍ، أخبرَنِي يونُسُ، عن ابنِ شِهابٍ، عن أبي سلمةَ، عن أبي هريرةَ - رضي الله عنه -، أنَّ رسولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - كان يُؤتَى بالرَّجُلِ (1) أظُنُّه عَلَيه الدَّينُ فيَسأَلُ: "هَل تَرَكَ لِدَينِه مِن قَضاءٍ؟ ". فإِن حُدِّثَ أنَّه تَرَكَ وفاءً صَلَّى عَلَيه، وإِلَّا قال: "صَلُّوا على صاحِبِكُم".
فلَمّا فتَحَ اللهُ عَلَيه الفُتوحَ قال: "أنا أولَى بالمُؤمِنينَ مِن أنفُسِهِم، فمَن توُفِّيَ وعَلَيه دَينٌ فعَلَيَّ قَضاؤُه، ومَن تَرَكَ مالًا فلِوَرَثَتِه" (2). رَواه مسلم في "الصحيح" عن حَرمَلَةَ عن ابنِ وهب، وأَخرَجَه البخاريُّ مِن وجهٍ آخَرَ عن يونُسَ (3).
بابُ ما أمَرَه اللهُ تَعالَى به مِن أن يَدفَعَ بالَّتِي هِيَ أحسَنُ السَّيِّئَةَ فقالَ: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [فصلت: 34]
قال بَعضُ أهلِ التَّفسيرِ: وذَلِكَ أنَّ أبا جَهلٍ لَعَنَه اللهُ كان يُؤذِي النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم -، وكانَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - له مُبغِضًا، ويَكرَهُ رُؤيَتَه، فأَمَرَه اللهُ تَعالَى بالعَفوِ والصَّفحِ.123
قال الشيخُ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا الَّذِي حَكاه أبو العباسِ عن بَعضِ أهلِ التَّفسيرِ.
13427 - أخبَرَناه أبو إسحاقَ إبراهيمُ بن محمدِ بنِ إبراهيمَ الإمامُ، أخبرَنا عبدُ الخالِقِ بن الحَسَن، حدثنا عبدُ اللهِ بن ثابِتٍ، أخبرَنِي أبي، عن الهُذَيل، عن مُقاتِلِ بنِ سُلَيمانَ في قَولِه تَعالَى: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾: وذَلِكَ أنَّ أبا جَهلٍ لَعَنَه اللهُ كان يُؤذِي النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم -، وكانَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - له مُبغِضًا يَكرَهُ رُؤيَتَه، فأَمَرَه اللهُ تَعالَى بالعَفوِ والصَّفح، يقولُ: فإِذا فعَلتَ ذَلِكَ ﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ﴾ يَعنِي أبا جَهلٍ ﴿كَأَنَّهُ وَلِيٌّ﴾ في الدُّنيا ﴿حَمِيمٌ﴾ [فصلت: 34] لَكَ في النَّسَب، الشَّفيقُ عَلَيكَ، وقالَ في قَولِه تَعالَى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ﴾ [المؤمنون: 96]: نَزَلَت في النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - وأَبِي جَهلٍ حينَ جَهِلَ على النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - 1.
13428 - وقَد أخبرَنا أبو زَكَريّا بنُ أبي إسحاقَ المُزَكِّي، أخبرَنا أبو الحَسَنِ أحمدُ بن محمدِ بنِ عَبدوسٍ، حدثنا عثمانُ بن سعيدٍ الدّارِمِيُّ، حدثنا عبدُ اللهِ بن صالِحٍ، عن مُعاويَةَ بنِ صالِحٍ، عن علي بنِ أبي طَلحَةَ، عن ابنِ عباسٍ في قَولِه تَعالَى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ قال: أمَرَ اللهُ سُبحانَه المُؤمِنينَ بالصَّبرِ عِندَ الغَضَب، والحِلمِ عِندَ الجَهل، والعَفوِ عِندَ الإساءَة، فإِذا فعَلوا ذَلِكَ عَصَمَهُمُ اللهُ مِنَ الشَّيطان، وخَضَعَ لَهُم عَدوُّهُم كأَنَّه ولِيٌّ
حَميمٌ 1. ذَكَرَ البخاريُّ مَتنَه في التَّرجَمَةِ 2. وكأنَّ ابنَ عباسٍ ذَهَبَ إلَى أنَّه وإِن خاطَبَ به النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - فالمُرادُ به هو وغَيرُه، واللهُ أعلَمُ.
13429 - أخبرَنا أبو الحُسَينِ بنُ الفَضلِ القَطّانُ ببَغدادَ، أخبرَنا أبو سَهلِ بنُ زيادٍ القَطّانُ، حدثنا القاسِمُ بن نَصرٍ البَزّازُ دُوسْتُ 3، حدثنا سُرَيجُ بن النُّعمان، حدثنا فُلَيحٌ، عن هِلالِ بنِ عليٍّ، عن عَطاءِ بنِ يَسارٍ قال: لَقِيتُ عبدَ اللَّهِ بنَ عمرِو بنِ العاصِ - رضي الله عنهما - فقُلتُ له: أخبِرْنِي عن صِفَةِ رسولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - في التَّوراةِ.
فقالَ: أجَل، واللَّهِ إنَّه لَمَوصوفٌ في التَّوراةِ ببَعضِ صِفَتِه في الفُرقانِ: يا أيُّها النَّبِيُّ، إنّا أرسَلناكَ شاهِدًا ومُبَشِّرًا ونَذيرًا، وحِرزًا لِلأُمّيّينَ، أنتَ عبدِي ورسولِي، سَمَّيتُكَ المُتَوَكِّلَ، لَيسَ بفَظٍّ ولا غَليظٍ ولا صَخِبٍ 4 بالأسواق، ولا يَدفَعُ السَّيِّئَةَ بالسَّيِّئَة، ولَكِن يَعفو ويَغفِرُ، ولَن أقبِضَه حَتَّى أُقيمَ به المِلَّةَ العَوجاءَ؛ أن يَقولوا: لا إلَهَ إلَّا اللهُ.
وأَفتَحُ به أعيُنًا عُميًا، وآذانًا صُمًّا، وقُلوبًا غُلفًا.
قال عَطاءُ بن يَسارٍ رَحِمَهُ اللهُ: ثُمَّ لَقيتُ كَعبَ الحَبرِ فسأَلتُه، فما اختَلَفا في حَرفٍ إلَّا أنَّ كَعبًا يقولُ: أعيُنًا عُمومَى، وقُلوبًا غُلوفَى، وآذانًا صُمومَى 5. رَواه البخاريُّ في "الصحيح"
عن محمدِ بنِ سِنانٍ عن فُلَيحِ بنِ سُلَيمانَ 1. 13430 - أخبرَنا محمدُ بن الحُسَينِ بنِ الفَضل، أخبرَنا عبدُ اللَّهِ بن جَعفَرِ بنِ دُرُستُويَه، حدثنا يَعقوبُ بن سُفيانَ، حدثنا أبو عُمَرَ حَفصُ بن عُمَرَ، حدثنا شُعبَةُ قال: أنبأنِي أبو إسحاقَ، عن أبي عبد اللهِ الجَدَلِيّ، عن عائشةَ - رضي الله عنها - قالَت: لَم يَكُنْ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بفاحِشٍ ولا مُتَفَحِّشٍ، ولا سَخّابِ في الأسواق، ولا يَجزِي بالسَّيِّئَةِ مِثلَها، ولَكِن يَعفو ويَصفَحُ 2. 13431 - أخبرَنا أبو الحُسَينِ بنُ الفَضل، أخبرَنا عبدُ اللهِ بن جَعفَرٍ، حدثنا يَعقوبُ بن سُفيانَ، حدثنا عبدُ اللهِ بن عثمانَ، أخبرَنا عبدُ اللهِ هو ابنُ المُبارَك، أخبرَنا هِشامُ بن عُروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ رَضِيَ اللهُ تَعالَى عَنها قالَت: ما ضَرَبَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أحَدًا مِن نِسائه قَطُّ، ولا ضَرَبَ خادِمًا قَطُّ، ولا ضَرَبَ شَيئًا بيَمينِه قَطُّ، إلَّا أن يُجاهِدَ في سَبيلِ اللَّه، وما نيلَ مِنه شَىءٌ قَطُّ فانتَقَمَ لِنَفسِه، إلا أن تُنتَهَكَ مَحارِمُ اللهِ فيَنتَقِمَ لَها، وما خُيِّرَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بَينَ أمرَينِ قَطُّ أحَدُهُما أيسَرُ مِنَ الآخَرِ إلَّا اختارَ أيسَرَهُما، إلَّا أن يَكونَ إثمًا، فإِذا كان إثمًا كان أبعَدَ النّاسِ مِنه 3. أخرَجَه مسلمٌ في "الصحيح" مِن وجهٍ
آخَرَ عن هِشامٍ (1).
بابُ ما أمَرَه اللهُ تَعالَى به مِنَ المَشورَةِ فقالَ: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: 159]
13432 - أخبرَنا أبو زَكَريّا يَحيَى بن إبراهيمَ بنِ محمدِ بنِ يَحيَى، حدثنا أبو العباسِ محمدُ بن يَعقوبَ، أخبرَنا الرَّبيعُ بن سُلَيمانَ، أخبرَنا الشّافِعِيُّ - رضي الله عنه -، أخبرَنا ابنُ عُيَينَةَ، عن الزُّهرِيِّ قال: قال أبو هريرةَ - رضي الله عنه -: ما رأَيتُ أحَدًا أكثَرَ مُشاوَرَةً لأصحابِه مِن رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -. قالَ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللهُ تَعالَى عنه: وقالَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: 38] 2. 13433 - وفيما أجازَ لِي أبو عبد اللَّهِ الحافظُ رِوايَتَه عنه عن أبي العباس، عن الرَّبيع، عن الشّافِعِيِّ قال: قال الحَسَنُ البَصرِيُّ: إن كان النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - لَغَنيًّا عن المُشاوَرَةِ 3، ولَكِنَّه أرادَ أن يَستَنَّ بذَلِكَ الحُكّامُ بَعدَه 4. واللهُ أعلَمُ.1
بابُ ما أمَرَه اللهُ تَعالَى به مِنِ اختيارِ الآخِرَةِ على الأولَى ولا يَمُدُّ عَينَيه إلَى زَهرَةِ الحَياةِ الدُّنيا
فقالَ: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه: 131].
13434 - أخبرَنا أبو عبد اللهِ الحافظُ، حدثنا إسماعيلُ بن أحمدَ التّاجِرُ، أخبرَنا أبو يَعلَى، حدثنا زُهَيرُ بن حَربٍ، حدثنا عُمَرُ بن يونُسَ، حدثنا عِكرِمَةُ بن عَمّارٍ، حَدَّثَنِي أبو زُمَيلٍ سِماكٌ الحَنَفِيُّ، حَدَّثَنِي عبدُ اللهِ بن عباسٍ، حَدَّثَنِي عُمَرُ بن الخطابِ - رضي الله عنه -. فذَكَرَ الحديثَ في اعتِزالِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - نِساءَه قال: فدَخَلتُ على رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وهو مُضطَجِعٌ على حَصيرٍ، فجَلَستُ فإِذا عَلَيه إزارُه ولَيسَ عَلَيه غَيرُه، وإِذا الحَصيرُ قَد أثَّرَ في جَنبِه، فنَظَرتُ في خِزانَةِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، وإِذا أنا بقَبضَةٍ مِن شَعيرٍ نَحوَ الصّاع، ومِثلُها قَرَظٌ 1 في ناحيَةِ الغُرفَة، وإِذا أفيقٌ 2 مُعَلَّقٌ.
قال: فابتَدَرَت عَينايَ فقالَ: "ما يُبكيكَ يا ابنَ الخطابِ؟ ". قُلتُ: يا نَبِيَّ الله، وما لِي لا أبكِي وهَذا الحَصيرُ قَد أثَّرَ في جَنبِكَ، وهَذِه خِزانَتُكَ لا أرَى فيها إلَّا ما أرَى، وذَلِكَ قَيصَرُ وكِسرَى في الثِّمارِ والأنهار، وأَنتَ رسولُ اللهِ وصَفوَتُه وهَذِه خِزانَتُه؟ فقالَ: "يا ابنَ الخطاب، ألا تَرضَى أن تَكونَ لَنا الآخِرَةُ ولَهُمُ الدُّنيا؟ ". قُلتُ: بَلَى.
وذَكَرَ
الحديثَ 1. رَواه مسلمٌ في "الصحيح" عن زُهَيرِ بنِ حَربٍ 2. وأَخرَجاه مِن حَديثِ عُبَيدِ اللَّهِ بنِ عبد اللَّه، عن ابنَ عباسٍ، عن عُمَرَ، عن النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - في هذه القِصَّةِ: "أولَئكَ قَومٌ عُجِّلَت لَهُم طَيِّباتُهُم في الحَياةِ الدُّنيا" 3. 13435 - أخبرَنا أبو عبد اللهِ الحافظُ وأبو زَكَريّا ابنُ أبي إسحاقَ وأبو بكرٍ أحمدُ بن الحَسَنِ القاضِي قالوا: حدثنا أبو العباسِ محمدُ بن يَعقوبَ، حدثنا بَحرُ بن نَصرٍ، حدثنا ابنُ وهبٍ، أخبرَنِي يونُسُ بن يزيدَ، عن ابنِ شِهابٍ، عن عُبَيدِ اللَّهِ بنِ عبد اللَّهِ بنِ عُتبَةَ، عن أبي هريرةَ - رضي الله عنه -، أنَّ رسولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قال: "لَو أنَّ لِي مِثلَ أُحُدٍ ذَهَبًا ما سَرَّنِي أن يأتِيَ عليّ ثلاثُ لَيالٍ وعِندِي مِنه شَىءٌ إلَّا شَىءٌ أُرصِدُه لِدَينٍ" 4. أخرَجَه البخاريُّ في "الصحيح" مِن حَديثِ يونُسَ 5. 13436 - أخبرَنا أبو محمدٍ عبدُ اللَّهِ بن يوسُفَ الأصبَهانِيُّ، أخبرَنا أبو سعيدِ بن الأعرابِيّ، حدثنا الحَسَنُ بن علي بنِ عَفّانَ، حدثنا أبو أُسامَةَ، عن الأعمَش، عن عُمارَةَ بنِ القَعقاع، عن أبي زُرعَةَ، عن أبي هريرةَ قال: قال
رسولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: "اللَّهمَّ اجعَلْ رِزقَ آلِ محمدٍ قُوتًا" 1. رَواه مسلمٌ في "الصحيح" عن أبي سعيدٍ الأشَجِّ عن أبي أُسامَةَ 2، وأَخرَجاه مِن حَديثِ فُضيلِ بنِ غَزوانَ عن عُمارَةَ 3. 13437 - أخبرَنا أبو عبد اللَّهِ الحافظُ، أخبرَنا أبو محمدٍ عبدُ اللهِ بن إسحاقَ الخُراسانِيُّ العَدلُ ببَغدادَ، حدثنا عبدُ الرَّحمَنِ بن محمدِ بنِ مَنصورٍ، حدثنا يَحيَى بن سعيدٍ القَطّانُ، عن يَزيدَ بنِ كَيسانَ، حَدَّثَنِي أبو حازِمٍ قال: رأَيتُ أبا هريرةَ - رضي الله عنه - يُشيرُ بأَصابِعِه مِرارًا ويَقولُ: والَّذِي نَفسِي بيَدِه، ما شَبعَ نَبِيُّ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وأَهلُه ثَلاثَةَ أيّامٍ تِباعًا مِن خُبزِ حِنطَةٍ حَتَّى فارَقَ الدُّنيا 4. رَواه مسلمٌ في "الصحيح" عن محمدِ بنِ حاتِمٍ عن يَحيَى بنِ سعيدٍ 5. 13438 - أخبرَنا أبو محمدِ بن يوسُفَ، أخبرَنا أبو سعيدِ بن الأعرابِيّ، حدثنا محمدُ بن سعيدِ بنِ غالِبٍ، حدثنا أبو مُعاويَةَ، عن الأعمَش، عن إبراهيمَ، عن الأسوَد، عن عائشةَ - رضي الله عنها - قالَت: ما شَبعَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ثَلاثَةَ
أيّامٍ تِباعًا حَتَّى مَضَى لِسَبيلِهِ 1.
13439 - وأخبرَنا أبو عبد اللهِ الحافظُ، أخبرَنا أبو الفَضلِ بنُ إبراهيمَ، حدثنا أحمدُ بن سلمةَ، حدثنا إسحاقُ بن إبراهيمَ، أخبرَنا أبو مُعاويَةَ.
فذَكَرَه بنَحوِه، زادَ فيه: مُنذُ قَدِمَ المَدينَةَ.
وقالَ: مِن خُبزِ بُرٍّ 2. رَواه مسلمٌ في "الصحيح" عن إسحاقَ بنِ إبراهيمَ 3.
وأَخرَجاه مِن حَديثِ مَنصورٍ عن إبراهيمَ إلَّا أنَّه قال في الحديثِ: ما شَبعَ آلُ محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - مُنذُ قَدِمَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - المَدينَةَ مِن طَعامِ بُرٍّ ثَلاثَ لَيالٍ تِباعًا حَتَّى قُبِضَ.
13440 - أخبَرَناه أبو عبد اللهِ الحافظُ، حدثنا أبو الفَضلِ بنُ إبراهيمَ، حدثنا أحمدُ بن سلمةَ، حدثنا إسحاقُ بن إبراهيمَ وقُتَيبَةُ بن سعيدٍ، عن جَريرٍ، عن مَنصورٍ بذَلِكَ 4. رَواه البخاريُّ عن قُتَيبَةَ، ورَواه مسلمٌ عن إسحاقَ 5.
وبِمَعناه رَواه عُروةُ بن الزُّبَيرِ وعابِسُ بن رَبيعَةَ عن عائشةَ:
13441 - أخبرَنا محمدُ بن عبد اللهِ الحافظُ وأبو طاهِرٍ الفَقيهُ وأبو زَكَريّا
ابنُ أبي إسحاقَ وأبو سعيدِ بن أبي عمرٍو قالوا: حدثنا أبو العباسِ محمدُ بن يَعقوبَ، أخبرَنا محمدُ بن عبد اللهِ بنِ عبد الحَكَم، أخبرَنا أنَسُ بن عياضٍ، عن هِشامِ بنِ عُروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ - رضي الله عنها - أنَّها قالَت: قَد كُنّا آلَ محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - يَمُرُّ بنا الهِلالُ والهِلالُ والهِلالُ ما نوقِدُ بنارٍ لِطَعامٍ إلَّا أنَّه التَّمرُ والماءُ، إلَّا أنَّه حَولَنا أهلُ دورٍ مِنَ الأنصارِ فيَبعَثُ أهلُ كُلِّ دارٍ بغَزِيرةِ 1 شاتِهِم إلَى رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فكانَ لِلنَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - مِن ذَلِكَ اللَّبَنِ 2. أخرَجاه في "الصحيح" مِن حَديثِ هِشامٍ وغَيرِه عن عُروَةَ 3. 13442 - أخبرَنا أبو عبد اللهِ الحافظُ، أخبرَنا أبو الحَسَنِ عليُّ بن محمدِ بنِ سَختُويَه، حدثنا محمدُ بن أيّوبَ وتَميمُ بن محمدٍ قالا: حدثنا هُدبَةُ بن خالِدٍ، حدثنا هَمّامٌ، عن قَتادَةَ قال: كُنّا نأتِي أنَسَ بنَ مالكٍ - رضي الله عنه - وخَبّازُه قائمٌ قال: كُلوا، فما أعلَمُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - رأَى رَغيفًا مُرَقَّقًا حَتَّى لَحِقَ بالله، ولا رأى شاةً سَميطًا بعَينِه قَطُّ 4. رَواه البخاريُّ في "الصحيح" عن هُدبَةَ بنِ خالِدٍ 5.
13443 - أخبرَنا أبو عبد اللهِ الحافظُ، حدثنا أبو العباسِ محمدُ بن يَعقوبَ، حدثنا العباسُ بن محمدٍ الدُّورِيُّ، حدثنا أبو إسحاقَ الطّالْقانِيُّ، حدثنا مُعاذُ بن هِشامٍ الدَّستُوائيُّ، عن أبيه، عن يونُسَ بنِ أبي الفُرات، عن قَتادَةَ، عن أنَسٍ - رضي الله عنه - قال: ما أكَلَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - على مائدَةٍ قَطُّ، ولا أكَلَ خُبزَ رُقاقٍ قَطُّ، ولا اصطَبَغَ في سُكُرُّجَةٍ 1 قَطُّ.
قال: فقيلَ: يا أبا حَمزَةَ، فعَلَى أيِّ شَىءٍ كانوا يأكُلونَ؟ قال: على السُّفَرِ 2. رَواه البخاريُّ في "الصحيح" عن عليِّ بنِ عبد اللهِ وغَيرِه عن مُعاذِ بنِ هِشامٍ 3.
13444 - أخبرَنا أبو الحَسَنِ عليُّ بن محمدٍ المُقرِئُ، أخبرَنا الحَسَنُ بن محمدِ بنِ إسحاقَ، حدثنا يوسُفُ بن يَعقوبَ القاضِي، حدثنا محمدُ بن كَثيرٍ، حدثنا سفيانُ، حدثنا عبدُ الرَّحمَنِ بن عابِسِ بنِ رَبيعَةَ، عن أبيه عابِسِ بنِ رَبيعَةَ، أنَّ عائشةَ - رضي الله عنها - قالَت: لَقَد كُنّا نُخرِجُ الكُراعَ بَعدَ خَمسَ عَشرَةَ فنأكُلُه.
فقُلتُ: ولِمَ تَفعَلونَ ذَلِكَ؟ قال: فضَحِكَت وقالَت: ما شَبعَ آلُ محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - مِن خُبزٍ مأدومٍ ثَلاثَةَ أيّامٍ حَتَّى لَحِقَ باللهِ عَزَّ وجَلَّ 4. رَواه البخاريُّ في "الصحيح" عن محمدِ بنِ كَثيرٍ، وأَخرَجَه مسلمٌ مِن وجهٍ آخَرَ عن سُفيانَ 5.
13445 - أخبرَنا أبو محمدٍ عبدُ اللهِ بن يوسُفَ، أخبرَنا أبو سعيدِ بن الأعرابِيِّ (ح) وأخبرَنا محمدُ بن عبد اللهِ الحافظُ، حدثنا أبو العباسِ محمدُ بن يَعقوبَ قالا: حدثنا الحَسَنُ بن عليِّ بنِ عَفّانَ العامِرِيُّ، حدثنا أبو أُسامَةَ، عن هِشامِ بنِ عُروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ - رضي الله عنها - قالَت: لَقَد توُفِّيَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وما في بَيتِي شَىءٌ يأكُلُه ذو كَبِدٍ إلَّا شَطْرُ شَعيرٍ في رَفٍّ لِي، فأَكَلتُ مِنه حَتَّى طالَ عليّ فكِلتُه ففَنِيَ 1. رَواه البخاريُّ في "الصحيح" عن عبد اللهِ بنِ أبي شَيبَةَ، ورَواه مسلمٌ عن أبي كُرَيبٍ، كِلاهُما عن أبي أُسامَةَ 2. 13446 - أخبرَنا أبو طاهِرٍ الفَقيهُ، أخبرَنا أبو حامِدٍ أحمدُ بن محمدِ بنِ يَحيَى بنِ بلالٍ البَزّازُ، حدثنا أحمدُ بن مَنصورٍ المَروَزِيُّ، حدثنا النَّضرُ بن شُمَيلٍ، أخبرَنا هِشامُ بن عُروةَ، أخبرَنِي أبي، عن عائشةَ - رضي الله عنها - قالَت: كان فِراشُ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - مِن أدَمٍ حَشوُه ليفٌ 3. رَواه البخاريُّ في "الصحيح" عن أحمدَ بنِ أبي رَجاءٍ عن النَّضرِ بنِ شُمَيلٍ، وأَخرَجَه مسلمٌ مِن أوجُهٍ عن هِشامِ بنِ عُروَةَ 4.
13447 - أخبرَنا أبو محمدٍ عبدُ اللهِ بن يوسُفَ، أخبرَنا أبو سعيدِ بن الأعرابِيّ، حدثنا أحمدُ بن مَنصورٍ هو الرَّمادِيُّ، حدثنا عبدُ الرَّزّاق، أخبرَنا مَعمَرٌ، عن الزُّهرِيّ، عن سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ وأَبِي سلمةَ بنِ عبد الرَّحمَن، عن أبي هريرةَ قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: "نُصِرتُ بالرُّعب، وأُعطيتُ جَوامِعَ الكَلِم، وبَينا أنا نائمٌ إذ جِيءَ بمَفاتيحِ خَزائنِ الأرضِ فوُضِعَت في يَدِي".
قال أبو هريرةَ: فقَد ذَهَبَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وأَنتُم تنتَثِلونَها 1. رَواه مسلمٌ في "الصحيح" عن محمدِ بنِ رافِعٍ وعَبدِ بنِ حُمَيدٍ عن عبد الرَّزّاق، وأَخرَجَه البخاريُّ مِن وجهٍ آخَرَ عن الزُّهرِيِّ عن سعيدٍ وحدَه 2.
13448 - أخبرَنا أبو محمدِ بن يوسُفَ، أخبرَنا أبو سعيدِ بن الأعرابِيّ، حدثنا أحمدُ بن مَنصورٍ، حدثنا عبدُ الرَّزّاق، أخبرَنا مَعمَرٌ، عن ابنِ طاوُسٍ، عن أبيه قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "نُصِرتُ بالرُّعب، وأُعطيتُ الخَزائنَ، وخُيِّرْتُ بَينَ أن أبقَى حَتَّى أرَى ما يُفتَحُ على أُمَّتِي وبَينَ التَّعجيل، فاختَرتُ التَّعجيلَ" 3.
13449 - وأخبرَنا أبو محمدِ بن يوسُفَ، أخبرَنا أبو سعيدِ بن
الأعرابِيّ، أخبرَنِي يَحيَى بن أبي طالِبٍ، حدثنا شَبابَةُ بن سَوّارٍ، حدثنا يَحيَى بن إسماعيلَ بنِ سالِمٍ الأسَدِيُّ قال: سَمِعتُ الشَّعبِيَّ يُحَدِّثُ عن ابنِ عُمَرَ أنَّه قال: إنَّ جِبريلَ عَلَيه السَّلامُ أتَى النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - فخَيَّرَه بَينَ الدُّنيا والآخِرَة، فاختارَ الآخِرَةَ ولَم يُرِدِ الدُّنيا (1).
13450 - أخبرَنا أبو الحُسَينِ بنُ بشرانَ ببَغدادَ، أخبرَنا إسماعيلُ بن محمدٍ الصَّفّارُ، حدثنا أحمدُ بن مَنصورٍ، حدثنا عبدُ الرَّزّاق، أخبرَنا مَعمَرٌ، عن ابنِ طاوُسٍ، عن أبيه قال: بُعِثَ إلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - مَلَكٌ لَم يَعرِفْه فقالَ: إنَّ رَبَّكَ تَعالَى يُخَيِّرُكَ بَينَ أن تَكونَ نَبيًّا عبدًا أو نَبيًّا مَلِكًا.
فأَشارَ إلَيه جِبريلُ عَلَيه السَّلامُ: أن تَواضَعْ، قال: "نَبيًّا عبدًا" (2).
بابُ: كان إذا رأَى شَيئًا يُعجِبُه قال: "لَبَّيكَ إنَّ العَيشَ عَيشُ الآخِرَةِ"
13451 - أخبرَنا أبو بكرٍ أحمدُ بن الحَسَنِ القاضِي، حدثنا أبو العباسِ محمدُ بن يَعقوبَ، أخبرَنا الرَّبيعُ بن سُلَيمانَ، أخبرَنا الشّافِعِيُّ، أخبرَنا سعيدٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ، أخبرَنِي حُمَيدٌ الأعرَجُ، عن مُجاهِدٍ أنَّه قال: كان النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - يُظهِرُ مِنَ التَّلبيَةِ: "لَبَّيكَ اللَّهمَّ لَبَّيكَ، لَبَّيكَ لا شَريكَ لكَ لَبَّيكَ، إنَّ الحَمدَ والنِّعمَةَ لَكَ والمُلكَ، لا شَريكَ لَكَ".
قال: حَتَّى إذا كان ذاتَ يَومٍ والنّاسُ يُصرَفونَ عنه كأَنَّه أعجَبَه ما هو فيه فزادَ فيها: "لَبَّيكَ إنَّ العَيشَ عَيشُ الآخِرَةِ".12
قال ابنُ جُرَيجٍ: وحَسِبتُ أنَّ ذَلِكَ يَومَ عَرَفَةَ (1). هَذا مُرسَلٌ.
وقَد رُوِيَ مَوصولًا مُختَصَرًا عن عِكرِمَةَ عن ابنِ عباسٍ (2). وهَذِه كَلِمَةٌ صَدَرَت مِن رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - في أنعَمِ حالِه يَومَ حَجَّ بعَرَفَةَ، وفِي أشَدِّ حالِه يَومَ الخَندَقِ:
13452 - أخبرَنا أبو عبد اللهِ الحافظُ، أخبرَنِي أبو الحَسَنِ محمدُ بن عبد اللهِ الجَوهَرِيُّ، حدثنا محمدُ بن إسحاقَ بنِ خُزَيمَةَ، حدثنا أحمدُ بن المِقدامِ العِجلِيُّ، حدثنا الفُضَيلُ يَعنِي ابنَ سُلَيمانَ، حدثنا أبو حازِمٍ، حدثنا سَهلُ بن سَعدٍ - رضي الله عنه - قال: كُنّا مَعَ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بالخَندَقِ وهو يَحفِرُ ونَحنُ نَنقُلُ، فبَصُرَ بنا فقالَ: "اللَّهمَّ لا عَيشَ إلَّا عَيشُ الآخِرَه فاغفِر لِلأنصارِ والمُهاجِرَه" (3). رَواه البخاريُّ في "الصحيح" عن أحمدَ بنِ المِقدامِ (4).
بابُ فضلِ عِلمِه على عِلمِ غَيرِه
قال أبو العباسِ 5 رَحِمَه اللهُ: كُلِّفَ وحدَه مِنَ العِلمِ ما كُلِّفَ النّاسُ بأَجمَعِهِم.
13453 - أخبرَنا أبو عبد اللهِ الحافظُ، وأبو محمدٍ عبدُ اللهِ بن يوسُفَ، وأبو زَكَريّا بنُ أبي إسحاقَ قالوا: حدثنا أبو العباسِ محمدُ بن يَعقوبَ، حدثنا بَحرُ بن نَصرٍ، حدثنا ابنُ وهبٍ، أخبرَنِي يونُسُ بن يَزيدَ، عن1234
ابنِ شِهابٍ، عن حَمزَةَ بنِ عبد اللهِ بنِ عُمَرَ، عن أبيه، عن رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال: "بَينا أنا نائمٌ إذ رأَيتُ قَدَحًا أُتيتُ به فيه لَبَنٌ، فشَرِبتُ مِنه حَتَّى إنِّي لأرَى الرِّيَّ يَجرِي في أظفارِي، ثُمّ أعطَيتُ فضلِي عُمَرَ بنَ الخطابِ".
قالوا: فما أوَّلتَ يا رسولَ اللهِ؟ قال: "العِلمَ" (1). رَواه مسلمٌ في "الصحيح" عن حَرمَلَةَ عن ابنِ وهبٍ، وأَخرَجَه البخاريُّ مِن وجهٍ آخَرَ عن يونُسَ (2).
بابُ ما رُوِيَ عنه في قَولِه: "أمّا أنا فلا آكُلُ مُتَّكِئًا"
13454 - أخبرَنا الإمامُ أبو إسحاقَ إبراهيمُ بن محمدِ بنِ إبراهيمَ الإسفَرايينِيُّ، أخبرَنا أبو بكرٍ الشّافِعِيُّ، حدثنا أبو قِلابَةَ، حدثنا يَعقوبُ بن إسحاقَ الحَضرَمِيُّ وسَعيدُ بن عامِرٍ قالا: حدثنا شُعبَةُ، عن سُفيانَ الثَّورِيّ، عن عليِّ بنِ الأقمَر، عن أبي جُحَيفَةَ قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: "أمّا أنا فلا آكُلُ مُتَّكِئًا" 3. 13455 - وأخبرَنا أبو القاسِمِ غَيلانُ بن محمدِ بنِ إبراهيمَ البَزّازُ12