بابُ: لا خَيَر فى أن يُعطيَهُم المُسلِمونَ شَيئًا على أن يَكُفُّوا عَنهُم
قال الشَّافِعِىُّ رَحِمَه اللَّهُ: لأنَّ القَتلَ لِلمُسلِمينَ شَهادَةٌ، وأَنَّ الإِسلامَ أعَزُّ
مِن أن يُعطَى مُشرِكٌ على أن يَكُفَّ عن أهلِه؛ لأنَّ أهلَه قاتِلينَ ومَقتولينَ
ظاهِرونَ على الحَقِّ 1.
قال الشيخُ: قَد رُوِّينا فى حَديثِ المُغيرَةِ بنِ شُعبَةَ فى قِصَّةِ الأهوازِ أنَّه
قال: فأخبرَنا نَبيُّنا، عن رِسالَةِ رَبِّنا، أنَّه مَن قُتِلَ مِنّا صارَ إلَى جَنَّةٍ ونَعيمٍ لَم يُرَ
مِثلُه قَطُّ، ومَن بَقِىَ مِنّا مَلَكَ رِقابَكُم 2.
18855 - وأخبرَنا أبو عبدِ اللَّهِ الحافظُ، أخبرَنا أبو الحَسَنِ أحمدُ بنُ
محمدِ بنِ عَبدوسٍ، حدثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، حدثنا موسَى بنُ إسماعيلَ،
حدثنا هَمّامٌ، عن إسحاقَ بنِ عبدِ اللَّهِ قال: حَدَّثَنِى أنَسُ بنُ مالكٍ، أن
رسولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بَعَثَ خالَه، وكانَ اسمَه حَرامٌ، أخا أُمِّ سُلَيمٍ، فى سبعينَ رَجُلًا
فقُتِلوا يَومَ بئرِ مَعونَةَ، وكانَ رَئيسُ المُشرِكينَ عامِرَ بنَ الطُّفَيلِ، وكانَ أتَى
النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - فقالَ: أُخَيِّرُكَ بَينَ ثلاثِ خِصالٍ أن يَكونَ لَكَ أهلُ السَّهلِ ولِى أهلُ
المَدَرِ، وأَكونُ خَليفَتَكَ مِن بَعدِكَ، أو أغزوكَ بغَطَفانَ بأَلفِ أشقَرَ وأَلفِ
شَقراءَ.
قال: فطُعِنَ 3 فى بَيتِ امرأةٍ مِن بَنِى فُلانٍ، فقالَ: غُدَّةٌ كَغُدَّةِ البَكرِ
فى بَيتِ امرأةٍ مِن بَنِى فُلانٍ، ائتونِى بفَرَسِى.
فرَكِبَه فماتَ على ظَهرِ فرَسِه،
فانطَلَقَ حَرامٌ أخو أُمِّ سُلَيمٍ ورَجُلانِ مَعَه رَجُلٌ أعرَجُ ورَجُلٌ مِن بَنِى فُلانٍ،
قال: كونا يَعنى قَريبًا مِنِّى حَتَّى آتيَهُم، فإِن آمَنونِى كُنتُم 1 كَذا،
وإِن قَتَلونِى أتَيتُم أصحابَكُم.
فأَتاهُم حَرامٌ، فقالَ: أتُؤمِنونِى أُبَلِّغْكم رِسالَةَ
رسولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -؟ قالوا: نَعَم.
فجَعَلَ يُحَدِّثُهُم، وأَومَئوا إلَى رَجُلٍ فأَتاه مِن
خَلفِه فطَعَنَه.
قال هَمّامٌ: أحسِبُه قال: فأَنفَذَه بالرُّمحِ.
فقالَ: اللَّهُ أكبَرُ، فُزتُ
ورَبِّ الكَعبَةِ.
فلُحِقَ الرَّجُلُ فقُتِلَ كُلُّهُم إلَّا الأعرَجَ كان فى رأسِ الجَبَلِ.
قال
إسحاقُ: فحَدَّثَنِى أنَسُ بنُ مالكٍ قال: أُنزِلَ عَلَينا 2 ثُمَّ كان مِنَ المَنسوخِ:
(إنّا قَد لَقينا رَبَّنا فرَضِىَ عَنّا وأَرضانا).
فدَعا رسولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - سبعينَ صَباحًا على
رِعلٍ وذَكوانَ وبَنِى لِحيانَ، وعُصَيَّةَ عَصَتِ اللَّهَ ورسولَه 3. رَواه البخارىُّ فى
"الصحيح" عن موسَى بنِ إسماعيلَ 4.
18856 - أخبرَنا أبو عمرٍو الأديبُ، أخبرَنا أبو بكرٍ الإِسماعيلِىُّ،
أخبرَنِى الحَسَنُ بنُ سُفيانَ، حدثنا حِبّانُ، أخبرَنا عبدُ اللهِ، أخبرَنا مَعمَرٌ،
حَدَّثَنِى ثُمامَةُ بنُ عبدِ اللَّهِ بنِ أنَسٍ، سَمِعَ أنَسَ بنَ مالكٍ يقولُ: لما طُعِنَ
حَرامُ بنُ مِلحانَ - وكانَ خالَه - يَومَ بئرِ مَعونَةَ، فقالَ بالدَّمِ هَكَذا،
فنَضَحَه على وجهِهِ ورأسِهِ، ثُمَّ قال: فُزتُ ورَبِّ الكَعبَةِ 5. رَواه البخارىُّ
فى "الصحيح" عن حِبّانَ 1.
18857 - أخبرَنا أبو عمرٍو الأديبُ، أخبرَنا أبو بكرٍ الإسماعيلِىُّ،
أخبرَنا أبو عبدِ اللَّهِ الصوفىُّ، حدثنا خَلَف هو ابنُ سالِمٍ المُخَرِّمِىُّ، حدثنا أبو
أُسامَةَ، حدثنا هِشامُ بنُ عُروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ - رضي الله عنها -: استأذَنَ أبو بكرٍ
النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - فى الخُروجِ مِن مَكَّةَ.
فذَكَرَ الحديثَ فى الهِجرَةِ ومَعَهُما 2 عامِرُ بنُ
فُهَيرَةَ.
قال: فقُتِلَ عامِرُ بنُ فُهَيرَةَ يَومَ بئرِ مَعونَةَ، وأُسِرَ جممرُو بنُ أُمَيَّةَ
الضَّمْرِىُّ، فقالَ له عامِرُ بنُ الطُّفَيلِ: مَن هذا؟ وأَشارَ إلَى قَتيلٍ.
فقالَ له عمرُو
ابنُ أُمَيَّةَ: هذا عامِرُ بنُ فُهَيرَةَ.
فقالَ: لَقَد رأيتُه بَعدَ/ ما قُتِلَ رُفِعَ إلَى السَّماءِ
حَتَّى إنِّى لأنظُرُ إلَى السَّماءِ بَينَه وبَينَ الأرضِ.
قال: فأَتَى النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - خَبَرُهُم،
فنَعاهُم وقالَ: "إن أصحابَكُم أُصيبوا وإِنَّهُم قَد سألوا رَبَّهُم فقالوا: رَبَّنا أخبِرْ عَنّا
إخوانَنا بما رَضينا عَنكَ ورَضيتَ عَنّا".
قال: فأَخبَرَهُم عَنهُم قال: وأُصيبَ مِنهُم
يَومَئذٍ عُروَةُ بنُ أسماءَ بنِ الضَلتِ سُمِّىَ به عُروَةُ، ومُنذِرُ بنُ عُمَرَ وسُمِّىَ به
مُنذِر 3. رَواه البخارىُّ فى "الصحيح" عن عُبَيدِ بنِ إسماعيلَ عن أبى أُسامَةَ،
وجَعَلَ آخِرَ الحديث مِن قَولِ عُروَةَ 4.
18858 - أخبرَنا أبو نَصرٍ محمدُ بنُ على بنِ محمدٍ الفَقيهُ، حدثنا أبو
عبدِ اللَّهِ محمدُ بنُ يَعقوبَ، حدثنا محمدُ بنُ عمرٍو الحَرَشِىُّ، حدثنا
سعيدُ بنُ مَنصورٍ، حدثنا حَمّادُ بنُ زَيدٍ، عن أيّوبَ، عن أبى قِلابَةَ، عن أبى أسماءَ، عن ثَوبانَ قال: قال رسولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: "لا يَزالُ طائفَةٌ مِن أُمَّتِى ظاهِرينَ على الحَقِّ لا يَضُرُّهُم مَن خَذَلهم حَتَّى يأتِىَ أمرُ اللَّهِ وهُم كَذَلِكَ" (1). رَواه مسلمٌ فى "الصحيح" عن سعيدِ بنِ مَنصورٍ وغَيرِهِ (2).
بابُ الرُّخصَةِ فى الإعطاءِ فى الفِداءِ ونَحوِه لِلضَّرورَةِ
18859 - أخبرَنا أبو الحَسَنِ علىُّ بنُ محمدٍ المُقرِئُ، أخبرَنا الحَسَنُ بنُ محمدِ بنِ إسحاقَ، حدثنا يوسُفُ بنُ يَعقوبَ، حدثنا مُسَدَّدٌ، حدثنا حَمّادُ بنُ زَيدٍ، عن أيّوبَ، عن أبى قِلابَةَ، عن أبى المُهَلَّبِ، عن عِمرانَ بنِ حُصَينٍ، أن النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - فدَى رَجُلًا برَجُلَينِ 3. أخرَجَه مسلمٌ فى "الصحيح " كما مَضى 4. ومَضى حَديثُ سلمةَ بنِ الأكوَعِ فى المَرأَةِ التى استَوهَبَها رسولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - مِنه وبَعَثَ بها إلَى مَكَّةَ، وفِى أيديهِم أسرَى ففَداهُم بتِلكَ المَرأَةِ 5. 18860 - حدثنا أبو سَعدٍ 6 محمدُ بنُ مَنصورٍ الرَّئيسُ الجُرجانِىُّ،12
أخبرَنا أبو أحمدَ محمدُ بنُ أحمدَ العَبدِىُّ، أخبرَنا أبو خَليفَةَ الفَضلُ بنُ
الحُبابِ الجُمَحِىُّ، حدثنا محمدُ بنُ كَثيرٍ، أخبرَنا سفيانُ، عن مَنصورٍ (ح)
وأخبرَنا أبو بكرِ ابنُ فُورَكَ، أخبرَنا عبدُ اللَّهِ بنُ جَعفَرٍ، حدثنا يونُسُ بنُ
حَبيبٍ، حدثنا أبو داودَ، حدثنا جَريرٌ، عن مَنصورٍ، عن أبى وائلٍ، عن أبى
موسَى، أن النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: "أطعِموا الجائعَ، وفُكُّوا العانِىَ، وعودوا المَريضَ".
قال سفيانُ: والعانِى: الأسيرُ (2)، رَواه البخارىُّ فى "الصحيح" عن محمدِ بنِ
كَثيرٍ وعن قُتَيتَةَ عن جَويرٍ (3).
18861 - أخبرَنا أبو الحَسَنِ علىُّ بنُ محمدٍ ابنُ السَّقّاءِ وأبو الحَسَنِ
علىُّ بنُ المُقرِئُ، قالا: أخبرَنا الحَسَنُ بنُ محمدِ بنِ إسحاقَ، حدثنا
يوسُفُ بنُ يَعقوبَ، حدثنا عمرُو بنُ مَرزودقٍ، حدثنا زُهَيرٌ، عن مُطَرِّفٍ، عن
عامِرٍ، عن أبى جُحَيفَةَ قال: قُلتُ لِعَلِىٍّ: يا أميرَ المُؤمِنينَ، هَل عِندَكُم مِنَ
الوَحىِ شَىءٌ؟ قال: لا، والَّذِى فلَقَ الحَبَّةَ وبَرأ النَّسَمَةَ ما أعلَمُه إلَّا فهمًا
يُعطيه اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ رَجُلًا، وما فى الصَّحيفَةِ.
قُلمتُ: وما فى الصَّحيفَةِ؟ قال:
العَقلُ وفَكاكُ الأسيرِ، ولا يُقتَلُ مُؤمِنٌ بقَتلِ مُشرِكٍ (4). قال زُهَيرٌ: فقُلتُ1 = الذهبى: حدث بنيسابور وهراة وغزنة.
توفى سنة (410 هـ). ينظر: تاريخ جرجان (886)، والمنتخب من السياق (8)، والأنساب 2/ 124، وتاريخ الإسلام (حوادث ووفيات سنة 401 هـ-
لمُطَرفٍ: وما فَكاكُ الأسيرِ؟ قال: أن يُفَكَّ مِنَ العَدوِّ، وجَرَت بذَلِكَ السُّنَّةُ.
قال مُطَرِّفٌ: العَقلُ: المَعقُلَةُ (1). رَواه البخارىُّ فى "الصحيح" عن أحمدَ بنِ
يونُسَ عن زُهَيرِ بنِ مُعاويَةَ (2).
بابُ الهُدنَةِ على أن يَرُدَّ الإمامُ مَن جاءَ بَلَدَه مُسلِمًا مِنَ المُشرِكينَ
18862 - أخبرَنا أبو عبدِ اللَّهِ الحافظُ، أخبرَنا أبو بكرٍ أحمدُ بنُ سَلمانَ بنِ الحَسَنِ، حدثنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ عيسَى، حدثنا أبو حُذَيفَةَ، حدثنا سفيانُ، عن أبى إسحاقَ، عن البَراءِ قال: صالَحَ النَبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - المُشرِكينَ يَومَ الحُدَيبيَةِ على ثَلاثَةِ أشياءَ؛ على أن مَن أتاه مِنَ المُشرِكينَ رَدَّه إلَيهِم، ومَن أتاهُم مِنَ المُسلِمينَ لَم يَرُدّوه، وعَلَى أن يَدخُلَها مِن قابِلٍ فيُقيمَ بها ثَلاثَةَ أيّامٍ، ولا يَدخُلَها إلَّا بجُلُبّانِ السِّلاحِ؛ السَّيفِ والقَوسِ ونَحوِه، فجاءَ أبو جَندَلٍ يَحجُلُ فى قُيودِه، فرَدَّه إلَيهِم 3. رَواه البخارىُّ فى "الصحيح" عن أبى حُذَيفَةَ 4. 18863 - أخبرَنا أبو الحَسَنِ علىُّ بنُ محمدٍ المُقرِئُ، أخبرَنا الحَسَنُ بنُ محمدِ بنِ إسحاقَ، حدثنا يوسُفُ بنُ يَعقوبَ، حدثنا هُدبَةُ بنُ خالِدٍ، حدثنا حَمّادُ بنُ سلمةَ، عن ثابِتٍ، عن أنَسٍ، أن رسولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - لما صالَحَ قُرَيشًا يَومَ12
الحُدَيبيَةِ قال لِعَلِىٍّ: / "اكتُبْ: بسمِ اللَّهِ الرَّحمَنِ الرَّحيمِ".
فقالَ سُهَيلُ بنُ
عمرٍو: لا نَعرِفُ الرَّحمَنَ الرَّحيمَ، اكتُبْ: باسمِكَ اللَّهُمَّ.
فقالَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم -
لِعَلِىٍّ: "اكتُبْ: باسمِكَ اللَّهُمَّ".
فقالَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - لِعَلِىٍّ: "اكتُبْ: هذا ما صالَحَ عَلَيه
محمدٌ رسولُ اللَّهِ".
فقالَ سُهَيلُ بنُ عمرٍو: لَو نَعلَمُ أنَّكَ رسولُ اللَّهِ لَصَدَّقناكَ
ولَم نُكَذِّبْكَ؛ اكتُفِ اسمَكَ واسمَ أبيكَ.
فقالَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - لِعَلِىٍّ: "اكتُبْ حمدُ
ابنُ عبدِ اللَّهِ".
وكَتَبَ: مَن أتانا مِنكُم رَدَدناه عَلَيكُم، ومَن أتاكُم مِنّا تَرَكناه
عَلَيكُم.
فقالوا: يا رسولَ اللَّهِ نُعطيهم هذا؟ قال: "مَن أتاهُم مِنّا فأَبعَدَه اللَّهُ، ومَن
أتانا مِنهُم فرَدَدناه عَلَيهِم جَعَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ له فرَجًا ومَخرَجًا" 1. أخرَجَه مسلمٌ فى
"الصحيح" مِن حَديثِ عَفّانَ عن حَمّادِ بنِ سَلَمَةَ 2.
18864 - أخبرَنا أبو عبدِ اللَّهِ الحافظُ وأبو بكرٍ القاضِى قالا: حدثنا أبو
العباسِ محمدُ بنُ يَعقوبُ، حدثنا أحمدُ بنُ عبدِ الجَبّارِ، حدثنا يونُسُ بنُ
بُكَيرٍ، عن ابنِ إسحاقَ، حَدَّثَنِى الزُّهرِىُّ، عن عُروةَ، عن مَروانَ والمِسوَرِ بنِ
مَخرَمَةَ فى قِصَّةَ الحُدَيبيَةِ وخُروجِ سُهَيلِ بنِ عمرٍو إلَى النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم -، وأَنَّه لما
انتَهَى إلَى رسولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - جَرَى بَينَهُما القَولُ حَتَّى وقَعَ الصُّلحُ على أن تُوضَعَ
الحَربُ بَينَهُما عَشرَ سِنينَ، وأَن يأمَنَ النّاسُ بَعضُهُم مِن بعضٍ، وأَن يَرجِعَ
عَنهُم عامَهَم ذَلِكَ حَتَّى إذا كان العامُ المُقبِلُ 3 قَدِمَها، خَلَّوا بَينَه وبَينَ مَكَّةَ
فأَقامَ بها ثَلاثًا، وأَنَه لا يَدخُلُها إلَّا بسِلاحِ الرّاكِبِ والسُّيوفِ فى القُرُبِ، وأَنَّه
مَن أتانا مِن أصحابِكَ بغَيرِ إذنِ وليِّه لَم نَرُدَّه عَلَيكَ، وأَنَّه مَن أتاكَ مِنّا
بغَيرِ إذنِ وليِّه رَدَدتَه عَلَينا.
وذَكَرَ الحديث فى كِتْبةِ الصَّحيفَةِ قال: فإِنَّ
الصَّحيفَةَ لَتُكتَبُ إذ طَلَعَ أبو جَندَلِ ابنُ سُهَيلِ بنِ عمرٍو يَرسُفُ فى الحَديدِ،
وقَد كان أبوه حَبَسَه فأَفلَتَ، فلَمّا رآه سُهَيلٌ قامَ إلَيه فضَرَبَ وجهَه، وأَخَذَ
[يُلَبِّبُه يَتُلُّه] 1، وقالَ: يا محمدُ قَد ولَجَتِ القَضيَّةُ بينِى وبَينَكَ قبلَ أن يأتيَكَ
هذا.
قال: "صَدَقتَ".
وصاحَ أبو جَندَلٍ بأَعلَى صوتِه: يا مَعشَرَ المُسلِمينَ أأُرَدُّ
إلَى المُشرِكينَ يَفتِنونِى فى دينِى؟ فقالَ رسولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - لأبِى جَندَلِ: "أبا جَندَلٍ،
اصبِرْ واحتَسِبْ فإِن اللَّهَ جاعِلٌ لَكَ ولمَن مَعَكَ مِنَ المُستَضعَفينَ فرَجًا ومَخرَجًا، إنّا
قَد صالَحنا هَؤُلاءِ القَومَ، وجَرَى بَينَنا وبَينَهُمُ العَهدُ، وِإنّا لا نَغدِرُ".
فقامَ عُمَرُ بنُ
الخطابِ يَمشِى إلَى جَنبِ أبى جَندَلٍ وأَبوه يَتُلُّه، وهو يقولُ: أبا جَندَلٍ، اصبِرْ
واحتَسِبْ؛ فإِنَّما هم المُشرِكونَ، وِإنَّما دَمُ أحَدِهِم دَمُ كَلبٍ.
وجَعَلَ عُمَرُ يُدنِى
مِنه قائمَ السَّيفِ، فقالَ عُمَرُ: رَجَوتُ أن يأخُذَه فيَضرِبَ به أباه فضَنَّ بأَبيه.
ثُمَّ
ذَكَرَ الحديثَ فى التَّحَلُّلِ مِنَ العُمرَةِ والرُّجوعِ.
قالا: ولما قَدِمَ رسولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -
المَدينَةَ واطمأنَّ بها أفلَتَ إلَيه أبو بَصيرٍ عُتبَةُ بنُ أَسيدِ بنِ جاريَةَ الثَّقَفِىُّ حَليفُ
بَنى زُهرَةَ، فكَتَبَ إلَى رسولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فيه الأخنَسُ بنُ شَريقٍ والأزهَرُ بنُ عبدِ
عَوفٍ، وبَعَثا بكِتابِهِما مَعَ مَولًى لَهُما ورَجُلٍ مِن بَنِى عامِرِ بنِ لُؤَىٍّ استأجَراه
لَيَرُدَّ عَلَيهِما صاحِبَهُما أبا بَصيرٍ، فقَدِما على رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فدَفَعا إلَيه
كِتابَهُما، فدَعا رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أبا بَصيرٍ، فقالَ له: "يا أبا بَصيرٍ إنَّ هَؤُلاءِ القَومَ قَد
صالَحونا على ما قَد عَلِمتَ، وِإنّا لا نَغدِرُ، فالحَقْ بقَومِكَ".
فقالَ: يا رسولَ اللَّهِ
تَرُدُّنِى إلَى المُشرِكينَ يَفتِنونِى فى دينِى ويَعبَثونَ بى؟ فقالَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -:
"اصبِر يا أبا بَصيرٍ واحتَسِبْ، فإِنّ اللَّهَ جاعِلٌ لَكَ ولِمَن مَعَكَ مِنَ المُستَضعَفينَ مِنَ
المُؤمِنينَ فرَجًا ومَخرَجًا".
قال: فخَرَجَ أبو بَصيرٍ وخَرَجا، حَتَّى إذا كانوا بذِى
الحُلَيفَةِ جَلَسوا إلَى سُورِ جِدارٍ، فقالَ أبو بَصيبر لِلعامِرِىِّ: أصارِمٌ سَيفُكَ هذا
يا أخا بَنِى عامِرٍ؟ قال: نَعَم.
قال: أنظُرُ إلَيه؟ قال: إن شِئتَ.
فاستَلَّه
فضَرَبَ به عُنُقَه، وخَرَجَ المَولَى يَشتَدُّ، فطَلَعَ على رسولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وهو جالِسٌ
فى المَسجِدِ فلَمّا رآه رسولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قال: "هذا رَجُلٌ قَد رأى فزَعًا".
فلَمّا انتَهَى
إلَيه قال: "ويحَكَ ما لَكَ؟ ". قال: قَتَلَ صاحِبُكُم صاحِبِى.
فما بَرِحَ حَتَّى طَلَعَ أبو
بَصيرٍ مُتَوَشِّحًا السَّيفَ، فوَقَفَ على رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فقالَ: يا رسولَ اللهِ وفَتْ
ذِمَّتُكَ، وأَدَّى اللَّهُ عَنكَ، وقَدِ امتَنَعتُ بنَفسِى عن المُشرِكينَ أن يَفتِنونِى فى
دينِى أو أن يَعبَثوا بى.
فقالَ رسولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: "ويلُ أُمِّه مِحَشَّ 1 حَرب لَو كان مَعَه
رِجالٌ".
فخَرَجَ أبو بَصيرٍ حَتَّى نَزَلَ بالعِيصِ، وكانَ طَريقَ أهلِ مَكَّةَ إلَى الشّامِ،
فسَمِعَ به مَن كان بمَكَّةَ مِنَ المُسلِمينَ، وبِما قال رسولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فيه، فلَحِقوا
به حَتَّى كان فى عُصبَةٍ مِنَ المُسلِمينَ قَريبٍ مِنَ السِّتّينَ أوِ السَّبعينَ، فكانوا لا
يَظفَرونَ برَجُلٍ مِن قُرَيشٍ إلَّا قَتَلوه، ولا تَمُرُّ عَلَيهِم عيرٌ إلَّا اقتَطَعوها، حَتَّى
كَتَبَت فيها قُرَيشٌ إلَى رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - / يَسأَلونَه بأَرحامِهِم لَما آواهُم، فلا
حاجَةَ لَنا بهِم.
ففَعَلَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فقَدِموا عَلَيه المَدينَةَ 1.
18865 - أخبرَنا أبو الحُسَينِ ابنُ الفَضلِ القَطّانُ، أخبرَنا أبو بكرِ ابنُ
عَتّابٍ العَبدِىُّ، حدثنا القاسِمُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ المُغيرَةِ، حدثنا ابنُ أبى أوَيسٍ،
أخبرَنا إسماعيلُ بنُ إبراهيمَ بنِ عُقبَةَ، عن عَمِّه موسَى بنِ عُقبَةَ.
فذَكَرَ هذه
القَصَّةَ قال فيها: فقالَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: "ويلُ أُمِّه مِسعَرَ حَربٍ لَو كان مَعَه أحَدٌ".
وجاءَ أبو بَصيرٍ بسَلَبِه إلَى رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فقالَ: خَمِّسْ يا رسولَ اللهِ.
قال:
"إنِّى إذا خَمَّستُه لَم أُوفِ لهم بالَّذِى عاهَدتُهُم عَلَيه، ولكن شأنَكَ بسَلَبِ صاحِبِكَ،
واذهَبْ حَيثُ شِئتَ".
فخَرَجَ أبو بَصيرٍ مَعَه خَمسَةُ نَفَرٍ كانوا قَدِموا مَعَه مِنَ
المُسلِمينَ مِن مَكَّةَ، حَتَّى كانوا بَينَ العِيصِ وذِى المَروَةِ مِن أرضِ جُهَينَةَ على
طَريقِ عِيراتِ 2 قُرَيشٍ ممّا يَلِى سِيفَ البحرِ، لا يَمُرُّ بهِم عيرٌ لِقُرَيشٍ إلَّا
أخَذوها، وقَتَلوا أصحابَها، وانفَلَتَ أبو جَندَلِ ابنُ سُهَيلِ بنِ عمرٍو فى سبعينَ
راكِبًا أسلَموا وهاجَروا، فلَحِقوا بأَبِى بَصيرٍ، وكَرِهوا أن يَقدَموا على
رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فى هُدنَةِ المُشرِكينَ.
ثُمَّ ذَكَرَ ما بَعدَه بمَعنَى ما تَقَدَّمَ وأَتَمَّ
مِنه 3.
بابُ نَقضِ الصُّلحِ فيما لا يَجوزُ
وهو تَركُ رَدِّ النِّساءِ إن كُنَّ دَخَلْنَ فى الصُّلحِ.
18866 - أخبرَنا علىُّ بنُ أحمدَ بنِ عبدانَ، أخبرَنا أحمدُ بنُ عُبَيدٍ
الصَّفّارُ، حدثنا عُبَيدُ بنُ شَريكٍ، حدثنا يَحيَى، حدثنا اللَّيثُ، عن عُقَيلٍ، عن
ابنِ شِهابٍ أنَّه قال: بَلَغَنا أنَّه قاضَى رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - مُشرِكِى قُرَيشٍ على المُدَّةِ
التى جَعَلَ بَينَه وبَينَهُم يَومَ الحُدَيبيَةِ، أنزَلَ اللَّهُ فيما قَضَى به بَينَهُم، فأَخبَرَنِى
عُروَةُ بنُ الزُّبَيرِ أنَّه سَمِعَ مَروانَ بنَ الحَكَمِ والمِسوَرَ بنَ مَخرَمَةَ يُخبِرانِ عن
أصحابِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، أن رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - لما كاتَبَ سُهَيلَ بنَ عمرٍو يَومَئذٍ،
كان فيما اشتَرَطَ سُهَيلُ بنُ عمرٍو على رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه لا يأتيكَ مِنّا أحَدٌ وإِن
كان على دينِكَ إلَّا رَدَدتَه إلَينا فخَلَّيتَ بَينَنا وبَينَه.
فكَرِهَ المُؤمِنونَ ذَلِكَ وأَلغَطوا
به.
أو قال كَلِمَةً أُخرَى - قال الإمامُ أحمدُ 1 رَحِمَه اللهُ: لَم يُقِمْ شَيِخُنا هذه
الكَلِمَةَ، ورأيتُه فى نُسخَةٍ: وامتَعَظوا 2 - وأَبَى سُهَيلٌ إلَّا ذَلِكَ، فكاتَبَه
رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، ورَدَّ يَومَئذٍ أبا جَندَلٍ إلَى أبيه سُهَيلِ بنِ عمرٍو، ولَم يأتِه أحَدٌ
مِنَ الرِّجالِ إلَّا رَدَّه فى تِلكَ المُدَّةِ وإِن كان مُسلِمًا، وجاءَ المُؤمِناتُ، وكانَت
أُمُّ كُلثومٍ بنتُ عُقبَةَ بنِ أبى مُعَيطٍ ممَّن خَرَجَ إلَى رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَومَئذٍ، وهِىَ
عاتِقٌ 3، فجاءَ أهلُها يَسأَلونَ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أن يَرجِعْها إليهِم فلَم يَرجِعْها
إليهِم لِما أنزَلَ اللَّهُ فيهِنَ: ﴿إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ
بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة: 10].
قال عُروَةُ: فأَخبَرَتنِى عائشَةُ - رضي الله عنها - أن رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - كان يَمتَحِنُهُنَّ
بهَذِه الآيَةِ ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا
يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾ [الممتحنة: 12].
قال عُروَةُ: قالَت
عائشَةُ - رضي الله عنها -: فمَن أقَرَّ بهَذا الشَّرطِ مِنهُنَّ قال لَها رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: "قَد بايَعتُكِ".
كَلامًا يُكَلِّمُها به، واللَّهِ ما مَسَّتْ يدُه يَدَ امرأةٍ قَطُّ فى المُبايَعَةِ، ما بايَعَهُنَّ إلَّا
بقَولِهِ 1. رَواه البخارىُّ فى "الصحيح" عن يَحيَى بنِ بُكَيرٍ 2.
18867 - أخبرَنا أبو علىٍّ الرُّوذْبارِىُّ، أخبرَنا محمدُ بنُ بكرٍ، حدثنا أبو
داودَ، حدثنا محمدُ بنُ عُبَيدٍ، أن محمدَ بنَ ثَورٍ حَدَّثَهُم، عن
مَعمَرٍ، عن الزُّهرِىِّ، عن عُروةَ بنِ الزُّبَيرِ، عن المِسوَرِ بنِ مَخرَمَةَ قال: خَرَجَ
رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - زَمَنَ الحُدَيبيَةِ.
فذَكَز الحديثَ بمَعنَى ما مَضَى، زادَ: ثُمَّ جاءَ
نِسوَةٌ مُؤمِناتٌ مُهاجِراتٌ، الآيَة 3، فنَهاهُمُ اللهُ أن يَرُدّوهُنَّ وأَمَرَهُم أن يَرُدّوا
الصَّداقَ 4.
18868 - أخبرَنا أبو عبدِ اللهِ الحافظُ وأبو بكرٍ القاضِى قالا: حدثنا أبو
العباسِ محمدُ بنُ يَعقوبَ، حدثنا أحمدُ بنُ عبدِ الجَبّارِ، حدثنا يونُسُ بنُ
بُكَيرٍ، عن ابنِ إسحاقَ، حَدَّثَنِى الزُّهرِىُّ قال: دَخَلتُ على عُروةَ بنِ الزُّبَيرِ
وقَد كَتَبَ إلَيه ابنُ أبى هُنَيدَةَ 1 يَسأَلُه عن قَولِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿إِذَا جَاءَكُمُ
الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾.
فكَتَبَ إلَيه عُروَةُ: إن رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - كان صالَحَ
أهلَ الحُدَيبيَةِ، وشَرَطَ لَهُم أنَّه مَن أتاه بغَيرِ إذنِ وليِّه رَدَّه عَلَيهِم.
فلَمّا هاجَرَ
المُسلِماتُ إلَى رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أمَرَه اللَّهُ بامتِحانِهِنَّ؛ فإِن كُنَّ جِئنَ رَغبَةً فى
الإسلامِ لَم يَرُدَّهُنَ عَلَيهِم، قال اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ
إِلَى الْكُفَّارِ﴾.
فحَبَسَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - النِّساءَ ورَدَّ الرِّجالَ 2.
18869 - وأخبرَنا أبو عبدِ اللهِ الحافظُ، حدثنا أبو العباسِ، حدثنا
أحمدُ بنُ عبدِ الجَبّارِ، حدثنا يونُسُ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، قال: حَدَّثَنِى
الزُّهرِىُّ وعَبدُ اللهِ بنُ أبى بكرٍ قالا: هاجَرَتْ أُمُّ كُلثومٍ بنتُ عُقبَةَ بنِ أبى مُعَيطٍ
إلَى رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عامَ الحُدَيبيَةِ، فجاءَ أخَواها الوَليدُ وفُلانٌ ابنا عُقبَةَ إلَى
رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَطلُبانِها فأَبَى أن يَرُدَّها عَلَيهِما 3.
وقَد مَضَى فى رِوايَةِ مَعمَرٍ عن الزُّهرِىِّ فى صُلحِ حُدَيبيَةَ، فقالَ سُهَيلٌ
على ألَّا يأتيكَ مِنا رَجُلٌ وإِن كان على دينِكَ إلَّا رَدَدتَه إلَينا 4.
وفِى ذَلِكَ دلالَةٌ على أن النِّساءَ لَم يَدخُلنَ فى هذا الشَّرطِ.
بابُ مَن جاءَ مِن عَبيدِ (1) أهلِ الهُدنَةِ مُسلِمًا
18870 - أخبرَنا أبو عبدِ اللهِ الحافظُ، أخبرَنِى أحمدُ بنُ محمدٍ
النَّسَوِىُّ، حدثنا حَمّادُ بنُ شاكِرٍ، حدثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ، حَدَّثَنِى إبراهيمُ
ابنُ موسَى، أخبرَنا هِشام، عن ابنِ جُرَيجٍ قال: قال عَطاءٌ، عن ابنِ
عباسٍ - رضي الله عنهما -: وإِن هاجَرَ عبدٌ أو أمَةٌ لِلمُشرِكينَ أهلِ العَهدِ لَم يُرَدّو، ، ورُدَّت
أثمانُهُم.
أخرَجَه محمدٌ فى "الصحيح" (2).
بابُ مَن جاءَ مِن عَبيدِ أهلِ الحَربِ مُسلِمًا
18871 - أخبرَنا أبو عبدِ اللهِ الحافظُ، أخبرَنِى أبو عبدِ اللهِ
ابنُ قانِعٍ قاضِى الحَرَمَينِ ببَغدادَ، أخبرَنا أبو شُعَيبٍ عبدُ اللهِ بنُ الحَسَنِ
الحَرّانِىُّ، حدثنا عبدُ العَزيزِ بنُ يَحيَى الحَرّانِىُّ، حدثنا محمدُ بنُ سلَمةَ
الحَرّانِىُّ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن أبانِ بنِ صالِحٍ، عن مَنصورِ بنِ
المُعتَمِرِ، عن رِبعِىِّ بنِ حِراشٍ، عن علىِّ بنِ أبى طالِبٍ قال: خَرَجَ عبدانِ إلَى
رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَومَ الحُدَيبيَةِ قبلَ الصُّلحِ فكَتَبَ إلَيه مَواليهِم، قالوا: يا محمدُ
واللَّهِ ما خَرَجوا إلَيكَ رَغبَةً فى دينِكَ؛ وِانَّما خَرَجوا هَرَبًا مِنَ الرِّقِّ.
فقالَ
ناسٌ: صَدَقوا يا رسولَ اللهِ، رُدَّهُم إلَيهِم.
فغَضِبَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وقالَ: "ما12
أُراكُم تَنتَهونَ يا مَعشَرَ قُرَيشٍ حَتَّى يبعَثَ اللَّهُ عَلَيكُم مَن يَضرِبُ رِقابَكُم على هذا".
وأَبَى أن يَرُدَّهُم، وقالَ: "هُم عُتَقاءُ اللهِ عَزَّ وجَلَّ " 1.
18872 - أخبرَنا أبو عبدِ اللهِ الحافظُ، حدثنا أبو العباسِ محمدُ بنُ
يَعقوبَ، حدثنا أحمدُ بنُ عبدِ الجَبّارِ، حدثنا يونُسُ بنُ بُكَيرٍ، عن ابنِ
إسحاقَ، عن عبدِ اللهِ بنِ المُكَدَّمِ الثَّقَفِىِّ قال: لما حاصَرَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أهلَ
الطّائفِ خَرَجَ إلَيه رَقيق مِن رَقيقِهِم؛ أبو بكرَةَ وكانَ عبدًا لِلحارِثِ بنِ كَلَدَةَ،
والمُنبَعِثُ، ويُحَنِّسُ، ووَردانُ، فى رَهطٍ مِن رَقيقِهِم، فأَسلَموا، فلَمّا قَدِمَ
وفدُ أهلِ الطّائفِ على رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فأَسلَموا، قالوا: يا رسولَ اللهِ رُدَّ عَلَينا
رَقيقَنا الَّذينَ أتَوكَ.
فقالَ: "لا، أولئكَ عُتَقاءُ اللهِ عَزَّ وجَلَّ ". ورَدَّ على كُلِّ رَجُلٍ
ولاءَ عبدِه، فجَعَلَه إلَيهِ 3. هذا مُنقَطِعٌ.
18873 - وقَد أخبرَنا أبو محمدٍ عبدُ اللهِ بنُ يَحيَى السُّكَّرِىُّ ببَغدادَ،
أخبرَنا إسماعيلُ بنُ محمدٍ الصَّفارُ، حدثنا سَعدانُ بنُ نَصرٍ، حدثنا
أبو مُعاويَةَ، عن الحَجّاجِ، عن الحَكَمِ، عن مِقسَمٍ، عن ابنِ عباسٍ - رضي الله عنهما - أن
رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أعتَقَ مَن خَرَجَ إلَيه يَومَ الطّائفِ مِن عَبِيدِ المُشرِكينَ 4.2
18874 - وأخبرَنا علىُّ بنُ أحمدَ بنِ عَبدانَ، أخبرَنا أحمدُ بنُ عُبَيدٍ الصَّفّارُ، حدثنا إسماعيلُ القاضِى، حدثنا حَجّاجُ بنُ مِنهالٍ وسُلَيمانُ بنُ حَربٍ قالا: / حدثنا حَمّادُ بنُ سلمةَ، عن الحَجّاجِ، عن الحَكَمِ، عن مِقسَمٍ، عن ابنِ عباسٍ - رضي الله عنهما -، أن أربَعَةَ أعبُدٍ وثَبوا إلَى النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - زَمَنَ الطّائفِ فأَعتَقَهُم 1. 18875 - وأخبرَنا أبو عبدِ اللهِ الحافظُ، أخبرَنا أبو الوَليدِ الفَقيهُ، حدثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ، حدثنا أبو كُرَيبٍ، حدثنا حَفصُ بنُ غياثٍ، حدثنا الحَجّاجُ، عن الحَكَمِ، عن مِقسَمٍ، عن ابنِ عباسٍ - رضي الله عنهما - أن عبدَينِ خَرَجا مِنَ الطّائفِ فأَسلَما فأَعتَقَهُما رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -؛ أحَدُهُما أبو بكرَةَ 2. 18876 - أخبرَنا أبو عبدِ اللهِ الحافظُ، أخبرَنِى أحمدُ بنُ محمدٍ النَّسَوِىُّ، حدثنا حَمّادُ بنُ شاكِرٍ، حدثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ، حَدَّثَنِى إبراهيمُ ابنُ موسَى، أخبرَنا هِشامٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ قال: قال عَطاءٌ، عن ابنِ عباسٍ - رضي الله عنهما - قال: وإِن هاجَرَ عبدٌ مِنهُم - يَعنى أهلَ الحَربِ - أو أمَةٌ، فهُما حُرَّانِ، ولهما ما لِلمُهاجِرينَ 3. أَخرَجَه البخارىُّ فى "الصحيحِ" 4.
بابُ ما يُستَدَلُّ به على أنَّه إنَّما أعتَقَهُم بالإسلامِ
والخُروجِ مِن بلادٍ مَنصوبٍ عَلَيها الحَربُ
18877 - أخبرَنا محمدُ بنُ عبدِ اللهِ الحافظُ، حدثنا أبو بكرِ ابنُ
إسحاقَ، أخبرَنا محمدُ بنُ أيّوبَ، أخبرَنا قُتَيبَةُ بنُ سعيدٍ، حدثنا اللَّيثُ، عن
أبى الزُّبَيرِ، عن جابِرٍ قال: جاءَ عبدٌ فبايَعَ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - على الهِجرَةِ ولَم يَشعُرْ أنَّه
عبدٌ، فجاءَ سَيِّدُه يُريدُه، فقالَ له النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم -: "بعنيه".
فاشتَراه بعَبدَينِ أسوَدَينِ،
ثُمَّ لَم يُباجْ أحَدًا بَعدُ حَتَى يَساِّلَه: أعَبدٌ هوَ؟ (1). رَواه مسلمٌ فى "الصحيح" عن
قُتَيبَةَ وغَيرِهِ (2).
قال الشَّافِعِىُّ رَحِمَه اللهُ: ولَو كان الإسلامُ يُعتِقُه لَم يَشتَرِ مِنه حُرًّا، ولَكِنَّه
أسلَمَ غَيرَ خارجٍ مِن بلادٍ مَنصوبٍ عَلَمها الحَربُ (3).
بابُ الوَفاءِ بالعَهدِ إذا حان العَقدُ مُباحًا
وما ورَدَ مِنَ التَّشديدِ فى نَقضِه
قال اللَّهُ تَبارَكَ وتَعالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1].
18878 - أخبرَنا أبو عبدِ اللهِ الحافظُ، حدثنا أبو العباسِ محمدُ بنُ
يَعقوبَ، حدثنا الحَسَنُ بنُ علىِّ بنِ عَفّانَ العامِرِىُّ، حدثنا عبدُ اللهِ بنُ نُمَيرٍ،123
عن الأعمَشِ، عن عبدِ اللهِ بنِ مُرَّةَ، عن مَسروقٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ
عمرٍو - رضي الله عنهما -، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: "أربَعٌ مَن كُنَّ فيه كان مُنافِقًا خالِصًا، ومَن
كان فيه خَصلَةٌ مِنهُنَّ كانَت فيه خَصلَةٌ مِنَ النِّفاقِ حَتَّى يَدَعَها؟ إذا حَدَّثَ كَذَبَ، وِإذا
عاهَدَ غَدَرَ، وإِذا وعَدَ أخلَفَ، وِإذا خاصَمَ فجَرَ" 1. رَواه مسلمٌ فى "الصحيح" عن
محمدِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ نُمَيرٍ عن أبيه 2، وأَخرَجاه مِن حَديثِ الثَّورِىِّ عن
الأعمَشِ 3.
18879 - أخبرَنا أبو علىٍّ الرُّوذْبارِىُّ، أخبرَنا محمدُ بنُ بكرٍ، حدثنا أبو
داودَ، حدثنا القَعنَبِىُّ، عن مالكٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ دينارٍ، عن ابنِ عُمَرَ - رضي الله عنهما -،
أن رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال (ح) وأخبرَنا محمدُ بنُ عبدِ اللهِ الحافظُ، أخبرَنِى
أبو النَّضرِ الفَقيهُ، حدثنا محمدُ بنُ عمرٍو كشمَرْدُ 4، حدثنا
يَحعصَ بنُ يَحيَصَ، أخبرَنا إسماعيلُ بنُ جَعفَرٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ دينارٍ، أنَّه
سَمِعَ عبدَ اللهِ ابنَ عُمَرَ - رضي الله عنهما - يقولُ: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: "إنَّ الغادِرَ يُنصَبُ له
لِواءٌ يَومَ القيامَةِ، فيُقالُ: هذه غَدرَةُ فُلابنٍ".
هَذا لَفظُ حَديثِ إسماعيلَ، وفِى
رِوايَةِ/ مالكٍ: "إنَّ الغادِرَ يُنصَبُ له لِواءٌ يَومَ القيامَةِ، فيُقالُ: هذه غَدرَةُ فُلانِ بنِ
فُلانٍ" 1. رَواه البخارىُّ فى "الصحيح" عن القَعنَبِىِّ، ورَواه مسلمٌ عن يَحيَى
ابنِ يَحيَى 2.
18880 - أخبرَنا أبو علىٍّ الرُّوذْبارِىُّ، أخبرَنا محمدُ بنُ بكرٍ، حدثنا أبو
داودَ، حدثنا حَفصُ بنُ عُمَرَ النَّمَرِىُّ، حدثنا شُعبَةُ، عن أبى الفَيضِ، عن
سُلَيمِ بنِ عامِرٍ، رَجُلٌ مِن حِميَرَ قال: كان بَينَ مُعاويَةَ وبَينَ الرُّومِ عَهدٌ، وكانَ
يَسيرُ نَحوَ بلادِهِم حَتَى إذا انقَضَى العَهدُ غَزاهُم، فجاءَ رَجُلٌ على فرَسٍ أو
برذَونٍ، وهو يقولُ: اللهُ أكبَرُ! اللهُ أكبَرُ! وفاءٌ لا غَدرٌ.
فنَظَروا، فإِذا عمرُو بنُ
عَبَسَةَ، فأَرسَلَ إلَيه مُعاويَةُ فسألَه، فقالَ: سَمِعتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يقولُ: "مَن
كان بَينَه وبَينَ قَومٍ عَهدٌ فلا يَشُدَّ عُقدَةً ولا يَحُلَّها حَتَّى يَنقَضِىَ أمَدُها أو يَنبِذَ إلَيهِم
على سواءٍ".
فرَجَعَ مُعاويَةُ 3.
18881 - وأخبرَنا أبو الحَسَنِ المُقرِئُ، أخبرَنا الحَسَنُ بنُ محمدِ بنِ
إسحاقَ، حدثنا يوسُفُ بنُ يَعقوبَ، حدثنا حَفصُ بنُ عُمَرَ، حدثنا شُعبَةُ، عن
أبى الفَيضِ، عن سُلَيمِ بنِ عامِرٍ قال: كان بَينَ مُعاويَةَ وبَينَ الرُّومِ عَهدٌ.
فذَكَرَه.
وكَذَلِكَ رَواه يَحيَى بنُ سعيدٍ القَطّانُ ويَحيَى بنُ أبى بُكَيرٍ 1 وأبو داودَ الطَّيالِسِىُّ 2 وسُلَيمانُ بنُ حَربٍ 3 وجَماعَةٌ عن شُعبَةَ 4. 18882 - حدثنا أبو بكرٍ محمدُ بنُ الحَسَنِ بنِ فُورَكَ، أخبرَنا عبدُ اللهِ ابنُ جَعفَرٍ، حدثنا يونُسُ بنُ حَبيبٍ، حدثنا أبو داودَ، حدثنا عُيَينَةُ يَعنِى ابنَ عبدِ الرَّحمَنِ بنِ جَوشَنٍ، عن أبيه، عن أبى بكرَةَ قال: سَمِعتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يقولُ: "مَن قَتَلَ مُعاهَدًا فى غَيرِ كُنهِه 6 حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيه الجَنَّةَ" 7. 18883 - أخبرَنا أبو زَكَريّا ابنُ أبى إسحاقَ، أخبرَنا أبو محمدٍ عبدُ اللهِ ابنُ إسحاقَ ابنُ الخُراسانِىِّ، حدثنا الحَسَنُ بنُ سَلَّامٍ (ح) وأخبرَنا أبو عبدِ اللهِ الحافظُ، حدثنا أبو جَعفَرٍ محمدُ بنُ علىٍّ الشَّيبانِىُّ، حدثنا أحمدُ بنُ حازِمٍ الغِفارِىُّ، قالا: أخبرَنا عُبَيدُ 8 اللهِ بنُ موسَى، أخبرَنا بَشيرُ بنُ مُهاجِرٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ بُرَيدَةَ، عن أبيه قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: "ما نَقَضَ قَومٌ العَهدَ قَطُّ5
إلَّا كان القَتلُ بَينَهُم، ولا ظَهَرَتِ الفاحِشَةُ فى قَومٍ قَطُّ إلَّا سَلَّطَ اللهُ عَلَيهِمُ المَوتَ، ولا مَنَعَ قَومٌ الزَّكاةَ إلَّا حَبَسَ اللهُ عَنهُمُ القَطرَ" (1). خالَفَه الحُسَينُ بنُ واقِدٍ فرَواه عن عبدِ اللهِ بنِ بُرَيدَةَ عن ابنِ عباسٍ - رضي الله عنهما - مِن قَولِه أتَمَّ مِنه (2). وروِىَ دى ذَلِكَ عن ابنِ عُمَرَ - رضي الله عنهما - عن النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - (3). 18884 - أخبرَنا أبو الخَيرِ جامِعُ بنُ أحمدَ بنِ محمدِ بنِ مَهدِىٍّ الوَكيلُ، أخبرَنا أبو طاهِرٍ المُحَمَّداباذِىُّ، حدثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ الدارمىُّ، حدثنا مُسلِمُ بنُ إبراهيمَ، حدثنا أبو هِلالٍ، عن قَتادَةَ، عن أنَسٍ قال: خَطَبَنا رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فقالَ: "لا إيمانَ لمن لا أمانَةَ له، ولا دِينَ لمن لا عَهدَ له" (4).
بابُ: لا يوفَى مِنَ العُهودِ بما يَكونُ مَعصيَةً
18885 - استِدلالًا بما أخبرَنا أبو عبدِ اللهِ الحافظُ وأبو زَكَريّا ابنُ أبى إسحاقَ المُزَكِّى وأبو بكرٍ أحمدُ بنُ الحَسَنِ القاضِى قالوا: حدثنا أبو العباسِ محمدُ بنُ يَعقوبَ، أخبرَنا محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ الحَكَمِ، أخبرَنا ابنُ وهبٍ، أخبرَنِى مالكُ بنُ أنَسٍ، عن طَلحَةَ بنِ عبدِ الملِكِ الأيلىِّ، عن القاسِمِ1234
ابنِ محمدٍ، عن عائشةَ زَوجِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم -، عن رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: "مَن نَذَرَ
أن يُطيعَ اللَّهَ فليُطِعْه، ومَن نَذَرَ أن يَعصىَ اللَّهَ فلا يَعصِه" 1. رَواه البخارىُّ فى
"الصحيح" عن أبى نُعَيمٍ وغَيرِه عن مالكٍ 2.
8886 1 - قال الشّافِعِىُّ رَحِمَه اللهُ: وأَسَرَ المُشرِكونَ امرأةً مِنَ الأنصارِ
وأَخَذوا ناقَةً لِلنَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - فانفَلَتَت الأنصاريَّةُ على ناقَةِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - فنَذَرَت إن
نَجّاها اللهُ عَلَيها أن تَنحَرَها، فذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - فقالَ: "لا نَذرَ فى مَصيَةٍ، ولا
فيما لا يَملِكُ ابنُ آدَمَ"./ أخبرَناه أبو زَكَريّا ابنُ أبى إسحاقَ، حدثنا أبو العباسِ
الأصَمُّ، أخبرَنا الرَّبيعُ، أخبرَنا الشّافِعِىُّ، أخبرَنا عبدُ الوَهّابِ بنُ عبدِ المَجيدِ،
حدثنا أيّوبُ، عن أبى قِلابَةَ، عن أبى المُهَلَّبِ، عن عِمرانَ بنِ حُصينٍ.
فذَكَرَ
مَعناه 3. أخرَجَه مسلمٌ كما مَضَى 4.
قال الشّافِعِىُّ: وقالَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: "مَن حَلَفَ على يَمينٍ فرأى غَيرَها خَيرًا
مِنها فليأتِ الَّذِى هو خَيرٌ وليُكَفِّرْ عن يَميِنه".
18887 - أخبرَنا أبو الحَسَنِ علىُّ بنُ أحمدَ بنِ عبدانَ، أخبرَنا أحمدُ بنُ
عُبَيدٍ الصَّفّارُ، حدثنا الأسفاطِىُّ يَعنى العباسَ بنَ الفَضلِ، حدثنا إسماعيلُ بنُ
أبى أوَيسٍ، حدثنا عبدُ العَزيزِ بنُ المُطَّلِبِ، عن سُهَيلِ بنِ أبى صالِحٍ، عن أبيه، عن أبى هريرةَ قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: "مَن حَلَفَ على يَمينٍ فرأى غَيرَها خَيرًا مِنها فليأتِ الَّذِى هو خَيرٌ وليُكَفِّر عن يَمينِه " (1). رَواه مسلمٌ فى "الصحيح" عن زُهَيرِ بنِ حَربٍ عن إسماعيلَ بنِ أبى أوَيسٍ (2). قال الشّافِعِىُّ: فأَعلَمَ أنَّ طاعَةَ اللهِ ألَّا يَفِىَ باليَمينِ إذا كان غَيرُها خَيرًا وأَن يُكَفِّرَ بما فرَضَ اللهُ مِنَ الكَفّارَةِ، وكُلُّ هذا يَدُلُّ على أنَّه إنَّما يوفَى بكُلِّ عَقدِ نَذرٍ وعَهدٍ لِمُسلِمٍ أو مُشرِكٍ كان مُباحًا لا مَعصيَةَ للهِ فيهِ (3).
بابُ نَقضِ أهلِ العَهدِ أو بَعضِهِمُ العَهدَ
18888 - أخبرَنا أبو علىٍّ الرُّوذْبارِىُّ، أخبرَنا محمدُ بنُ بكرٍ، حدثنا أبو
داودَ، حدثنا محمدُ بنُ داودَ بنِ سُفيانَ، حدثنا عبدُ الرَّزّاقِ، أخبرَنا مَعمَرٌ،
عن الزُّهرِىِّ، عن عبدِ الرَّحمَنِ بنِ كَعبِ بنِ مالكٍ، عن رَجُلٍ مِن أصحابِ
النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - فى قِصَّةِ بَنِى النَّضيرِ وما أجمَعوا عَلَيه مِنَ السكرِ بالنَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - قال:
فلَمّا كان الغَدُ غَدا عَلَيهِم رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بالكَتائبِ، فحَصرَهُم، فقالَ لَهُم:
"إنكُم واللَّهِ لا تأمَنونَ عِندِى إلّا بعَهدٍ تُعاهِدونِى عَلَيه".
فأَبَوا أن يُعطوه عَهدًا
فقاتَلَهُم يَومَهُم ذَلِكَ، ثُمَّ غَدا على بَنِى قُرَيظَةَ بالكَتائبِ، وتَرَكَ بَنِى النَّضيرِ
ودَعاهُم إلَى أن يُعاهِدوه، فعاهَدوه، فانصَرَفَ عَنهُم وغَدا إلَى بَنى النَّضيرِ123
بالكَتائبِ، فقاتَلَهُم حَتَى نَزَلوا على الجَلاءِ، فهَذا عَهدُ بَنِى قُرَيظَةَ 1.
وأَمّا نَقضُهُمُ العَهدَ ففيما:
18889 - أخبرَنا أبو عبدِ اللهِ الحافظُ، حدثنا أبو العباسِ محمدُ بنُ
يَعقوبَ، حدثنا أحمدُ بنُ عبدِ الجَبّارِ، حدثنا يونُسُ بنُ بُكَيرٍ، عن ابنِ إسحاقَ
قال: وحَدَّثَنِى يَزيدُ بنُ رومانَ، عن عُروةَ بنِ الزُّبَيرِ، قال: وحَدَّثَنِى يَزيدُ بنُ
زيادٍ، عن محمدِ بنِ كَعبٍ القُرَظىِّ وعُثمانَ بنِ يَهوذا أحَدِ بَنِى عمرِو بنِ
قُرَيظَةَ، عن رِجالٍ مِن قَومِه قالوا: كان الَّذينَ حَزَّبوا الأحزابَ نَفَرٌ مِن بَنِى
النَّضيرِ ونَفَر مِن بَنِى وائلٍ، وكانَ مِن بَنى النَّضيرِ حُيَىُّ بنُ أخطَبَ وكِنانَةُ بنُ
الرَّبيعِ بنِ أبى الحُقَيقِ وأبو عَمّارٍ، ومِن بَنى وائلٍ حَىٌّ مِنَ الأنصارِ مِن
أوسِ اللهِ وحْوَحُ بنُ عمرٍو، ورِجالٌ مِنهُم، خَرَجوا حَتَى قَدِموا على قُرَيشٍ
فدَعَوهُم إلَى حَربِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فنَشِطوا لِذَلِكَ.
ثُمَّ ذَكَرَ القِصَّةَ فى
خُروجِ أبى سُفيانَ ابنِ حَربٍ والأحزابِ.
قال: وخَرَجَ حُيَىُّ بنُ أخطَبَ حَتَّى
أتَى كَعبَ بنَ أسَدٍ صاحِبَ عَقدِ بَنِى قُرَيظَةَ وعَهدِهِم، فلَمّا سَمِعَ به كَعبٌ أغلَقَ
حِصنَه دونَه، فقالَ: ويحَكَ يا كَعبُ، افتَحْ لى حَتَّى أدخُلَ عَلَيكَ.
فقالَ:
ويحَكَ يا حُيَىُّ إنَّكَ امرُؤٌ مَشئومٌ، وإِنَّه لا حاجَةَ لى بكَ ولا بما جِئتَنِى به، إنِّى
لَم أرَ مِن محمدٍ إلَّا صِدقًا ووَفاءً، وقَد وادَعَنِى ووادَعتُه فدَعنى وارجِعْ عَنِّى.
فقالَ: واللَّهِ إنْ غَلَّقتَ دونِى إلَّا عن جَشيشَتِكَ 2 أن آكُلَ مَعَكَ مِنها.
فأَحفَظَه 1، ففَتَحَ له فلَمّا دَخَلَ عَلَيه قال له: ويحَكَ يا كَعبُ، جِئتُكَ بعِزِّ
الدَّهرِ؛ بقُرَيشٍ مَعَها قادَتُها حَتَّى أنزَلتُها برومَةَ، وجِئتُكَ بغَطَفانَ على قادَتِها
وسادَتِها حَتَّى أنزَلتُها إلَى جانِبِ أُحُدٍ، جِئتُكَ ببَحرٍ طامٍّ 2 لا يَرُدُّه شَىءٌ.
فقالَ:
جِئتَنِى واللَّهِ بالذُّلِّ، ويلَكَ فدَعْنِى وما أنا عَلَيه؛ فإِنَّه لا حاجَةَ لِى بكَ ولا بما
تَدعونِى إلَيه.
فلَم يَزَلْ حُيَىُّ بنُ أخطَبَ يَفتِلُه فى الذِّروَةِ والغارِبِ 3 حَتَّى أطاعَ
له وأَعطاه حُيَىٌّ العَهدَ والميثاقَ؛ لَئن رَجَعَت قُرَيشٌ وغَطَفانُ قبلَ أن يُصيبوا
محمدًا لأدخُلَنَّ مَعَكَ فى حِصنِكَ حَتَّى يُصيبَنِى ما أصابَكَ.
فنَقَضَ كَعبٌ
العَهدَ وأَظهَرَ البَراءَةَ مِن رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وما كان بَينَه وبَينَه.
قال ابنُ إسحاقَ:
حَدَّثَنِى عاصِمُ بنُ عُمَرَ بنِ قَتادَةَ قال: لما بَلَغَ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - خَبَرُ كَعبٍ ونَقضُ
بَنِى قُرَيظَةَ بَعَثَ إلَيهِم سَعدَ بنَ عُبادَةَ وسَعدَ بنَ مُعاذٍ وخَوّاتَ بنَ جُبَيرٍ
وعَبدَ اللهِ بنَ رَواحَةَ ليَعلَموا خَبَرَهُم، فلَمّا انتَهَوا إلَيهِم وجَدوهُم على أخبَثِ
ما بَلغَهُم.
قال ابنُ إسحاقَ: حَدَّثَنِى عاصِمُ بنُ عُمَرَ بنِ قَتادَةَ عن شَيخٍ مِن بَنِى
قُرَيظَةَ.
فذَكَرَ قِصَّةَ سَبَبِ إسلامِ ثَعلَبَةَ وأَسيدٍ ابنَى سَعيَةَ وأَسَدِ بنِ عُبَيدٍ ونُزولِهِم
عن حِصنِ بَنِى قُرَيظَةَ، وإِسلامِهِم، / وخَرَجَ فى تِلكَ اللَّيلَةِ فيما زَعَمَ = ليطبخ.
غريب الحديث لابن الجوزى 1/ 157.
ابنُ إسحاقَ عمرُو بنُ سَعدِىٍّ القُرَظىُّ، فمَرَّ بحَرَسِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وعَليه محمدُ
ابنُ مَسلَمَةَ تِلكَ اللَّيلَةَ، فلَمّا رآه قال: مَن هَذا؟ قال: أنا عمرُو بنُ سَعدِىٍّ،
وكانَ عمرٌو قَد أبَى أن يَدخُلَ مَعَ بَنِى قُرَيظَةَ فى غَدرِهِم، وقالَ: لا أغدِرُ بمُحَمَّدٍ
أبَدًا.
فقالَ محمدُ بنُ مَسلَمَةَ حينَ عَرَفَه: اللَّهُمَّ لا تَحرِمْنِى عَثَراتِ
الكِرامِ.
ثُمَّ خَلَّى سَبيلَه فخَرَجَ حَتَّى باتَ فى مَسجِدِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - تِلكَ اللَّيلَةَ،
ثُمَّ ذَهَبَ فلَم يُدرَ أينَ ذَهَبَ مِنَ الأرضِ، فذُكِرَ شأنُه لِرسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - فقالَ:
"ذَلِكَ رَجُلٌ نَجّاه اللهُ بوَفائه" 1.
وذَكَرَ موسَى بنُ عُقبَةَ فى هذه القِصَّةِ: أن حُييًّا لَم يَزَل بهِم حَتَّى
شأمَهُم 2، فاجتَمَعَ مَلَؤُهُم على الغَدرِ على أمرِ رَجُلٍ واحِدٍ، غَيرَ أسَدٍ وأَسيدٍ
وثَعلَبَةَ، خَرَجوا إلَى رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - 3.
18890 - أخبرَنا أبو علىٍّ الرُّوذْبارِىُّ، أخبرَنا محمدُ بنُ بكرٍ، حدثنا أبو
داودَ، حدثنا محمدُ بنُ يَحيَى بنِ فارِس، حدثنا عبدُ الرَّزّاقِ، أخبرَنا ابنُ
جُرَيجٍ، عن موسَى بنِ عُقبَةَ، عن نافِع، عن ابنِ عُمَرَ - رضي الله عنهما -، أن يَهودَ النَّضيرِ
وقُرَيظَةَ حارَبوا رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فأَجلَى رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بَنِى النَّضيرِ، وأَقَرَّ
قُرَيظَةَ ومَنَّ عَلَيهِم، حَتَّى حارَبَت قُرَيظَةُ بَعدَ ذَلِكَ فقَتَلَ رِجالَهُم وقَسَمَ نِساءَهُم
وأَموالَهُم وأَولادَهُم بَينَ المُسلِمينَ، إلَّا بَعضَهُم لَحِقوا برسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -
فأَمَّنَهُم وأَسلَموا 1. أَخرَجاه فى "الصحيح" كما مَضَى 2.
قال الشَّافِعِىُّ رَحِمَه اللهُ: وكَذَلِكَ إن نَقَضَ رَجُلٌ مِنهُم فقاتَلَ كان لِلِإمامِ
قالُ جَماعَتِهِم، قَد أعانَ على خُزاعَةَ وهُم فى عَقدِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - ثَلاثَةُ نَفَرٍ مِن
قُرَيشٍ فشَهِدوا قِتالَهُم، فغَزا النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - قُرَيشًا عامَ الفَتحِ بغَدرِ النَّفَرِ الثَّلاثَةِ
وتَركِ الباقينَ مَعونَةَ خُزاعَةَ، وإيوائهِم مَن قاتَلَ خُزاعَةَ 3.
18891 - أخبرَنا أبو عبدِ اللهِ الحافظُ وأبو بكرِ ابنُ الحَسَنِ القاضى
قالا: حدثنا أبو العباسِ محمدُ بنُ يَعقوبَ، حدثنا أحمدُ بنُ عبدِ الجَبّارِ،
حدثنا يونُسُ بنُ بُكَيرٍ، عن ابنِ إسحاقَ قال: حَدَّثَنِى الزُّهرِىُّ، عن عُروةَ بنِ
الزُّبَيرِ، عن مَروانَ بنِ الحَكَمِ والمِسوَرِ بنِ مَخرَمَةَ، أنَّهُما حَدَّثاه جَميعًا قالا:
كان فى صُلحِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَومَ الحُدَيبيَةِ بَينَه وبَينَ قُرَيشٍ: أنَّه مَن شاءَ أن
يَدخُلَ فى عَقدِ محمدٍ وعَهدِه دَخَلَ، ومَن شاءَ أن يَدخُلَ فى عَقدِ قُرَيشٍ
وعَهدِهِم دَخَلَ.
فتَواثَبَت خُزاعَةُ، فقالوا: نَحنُ نَدخُلُ فى عَقدِ محمدٍ وعَهدِه.
وتَواثَبَت بَنو بكرٍ فقالوا: نَحنُ نَدخُلُ فى عَقدِ قُرَيشٍ وعَهدِهِم.
فمَكَثوا فى
تِلكِ الهُدنَةِ نَحوَ السَّبعَةَ أوِ الثَّمانيَةَ عَشَرَ شَهرًا، ثُمَّ إنَّ بَنِى بكرٍ الَّذينَ كانوا
دَخَلوا فى عَقدِ قُرَيشٍ وعَهدِهِم وثَبوا على خُزاعَةَ الذينَ دَخَلوا فى عَقدِ
رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وعَهدِه لَيلًا بماء لَهُم يُقالُ له: الوَتيرُ 1 قَريبٍ مِن
مَكَّةَ، فقالَت قُرَيشٌ: ما يَعلَمُ بنا محمدٌ وهَذا اللَّيلُ، وما يَرانا أحَدٌ.
فأَعانوهُم
عَلَيهِم بالكُراعِ والسِّلاحِ، فقاتَلوهُم مَعَهُم لِلضِّغنِ على رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، وإِنَّ
عمرَو بنَ سالِمٍ رَكِبَ إلَى رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عِندَما كان مِن أمرِ خُزاعَةَ وبَنِى بكرٍ
بإلوَتيرِ حَتَّى قَدِمَ المَدينَةَ إلَى رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يُخبِرُه الخَبَرَ، وقَد قال أبياتَ
شِعرٍ، فلَقا قَدِمَ على رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أنشَدَه إيّاها.
اللهُمَّ إنِّى ناشِدٌ محمدا ... حِلفَ أبينا وأَبيه الأتلَدا
كُنّا والِدًا وكُنتَ ولَدا ... ثَمَّتَ أيسلَمنا ولَم نَنزِعْ يَدا
فانصُرْ رسولَ اللهِ نَصرًا عَتَدَا ... وادعوا عِبادَ اللهِ يأتوا مَدَدَا
فيهِم رسولُ اللهِ قَد تَجَرَّدا ... إنَّ سيمَ خَسفًا وجهُه تَرَبَّدا
فى فيلَقٍ 2 كالبَحرِ يَجرِى مُزيدا ... إن قُرَيشًا أخلَفوكَ المَوعِدا
ونَقَضوا ميثاقَكَ المُؤَكَّدا ... وزَعَموا أنْ لَستُ أدعو أحَدا
فهُم أذَلُّ وأَقَلُّ عَدَدا ... قَد جَعَلوا لِى بكَداءٍ مَرصَدا
هُم بَيَّتونا بالوَتيرِ هُجَّدا ... فقَتَلونا رُكَّعًا وسُجَّدا
/ فقالَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: "نُصِرتَ يا عمرَو بنَ سالِمٍ".
فما بَرِحَ حَتَّى مَرَّت
عَنانَةٌ فى السَّماءِ، فقالَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: "إنَّ هذه السَّحابَةَ لَتَستَهِلُّ بنَصرِ بَنِى
كَعبٍ".
وأَمَرَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - النّاسَ بالجَهازِ وكَتَمَهُم مَخرَجَه، وسألَ اللَّهَ أن
يُعَمِّىَ على قُرَيشٍ خَبَرَه حَتَّى يَبغَتَهُم فى بلادِهِم 1.
18892 - وأخبرَنا أبو الحُسَينِ ابنُ الفَضلِ القَطّانُ ببَغدادَ، أخبرَنا أبو
بكرِ ابنُ عَتّابٍ العَبدِىُّ، حدثنا القاسِمُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ المُغيرَةِ، حدثنا ابنُ أبى
أوَيسٍ، أخبرَنا إسماعيلُ بنُ إبراهيمَ بنِ عُقيَةَ، عن عَمِّه موسَى بنِ عُقبَةَ قال:
ثُمَّ إنَ بَنِى نُفاثَةَ مِن بَنِى الدِّيلِ أغاروا على بَنِى كَعبٍ وهُم فى المُدَّةِ التى بَينَ
رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وبَينَ قُرَيشٍ، وكانَت بَنو كَعبٍ فى صُلحِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -،
وكانَت بَنو نُفاثَةَ فى صلحِ قُرَيشٍ، فأَعانَت بَنو بكرٍ بَنِى نُفاثَةَ، وأَعانَتهُم قُرَيشٌ
بالسِّلاحِ والرَّقيقِ، واعتَزَلَهُم بَنو مُدلِجٍ، ووَفَوا بالعَهدِ.
قال: ويَذكُرونَ أن
مِمَّن أعانَهُم صَفواد بنَ أُمَيَّةَ وشَيبَةَ بنَ عثمانَ وسُهَيلَ بنَ عمرٍو، فأَغارَت بَنو
الدِّيلِ على بَنِى عمرٍو، وعامَّتُهُم- زَعَموا - النِّساءُ والصِّبيانُ وضُعَفاءُ الرِّجالِ
فأَثخَنوهُم، وقَتَلوا مِنهُم حَتَّى أدخَلوهُم دارَ بُدَيلِ بنِ ورقاءَ بمَكَّةَ.
قال: فخَرَجَ
رَكبٌ مِن بَنِى كَعبٍ حَتَّى أتَوا رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وذَكَروا له الَّذِى
أصابَهُم وما كان مِن قُرَيشٍ عَلَيهِم فى ذَلِكَ والَّذِى أعانوا به عَلَيهِم.
ثُمَّ ذَكَرَ
جَهازَ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - ودُخولَ أبى بكرٍ عَلَيه، قال: فقالَ يا رسولَ اللهِ أتُريدُ أن
تَخرُجَ مَخرَجًا؟ قال: "نَعَم".
قال: لَعَلَّكَ تُريدُ ابنَ الأصفَرِ؟ قال: "لا".
قال:
أفَتُريدُ أهلَ نَجدٍ؟ قال: "لا".
قال: فلَعَلَّكَ تُريدُ قُرَيشًا؟ قال: "نَعَم".
قال:
ألَيسَ بَينَكَ وبَينَهُم مُدَّةٌ؟ قال: "ألَم يَيلُغْكَ ما صَنَعوا ببَنِى كَعبٍ؟ ". وأَذَّنَ
رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فى النّاسِ بالغَزْوِ (1). وأَمّا الحُكْمُ بَينَ المُعاهَدينَ فقَد مَضَى ذِكرُه فى كِتابِ الحُدودِ والغَصبِ وغَيرِهِما.
بابُ كَراهيَةِ الدُّخولِ على أهلِ الذِّمَّةِ فى كَنائسِهِم
والتَّشَبُّهِ بهِم يَومَ نيروزِهِم ومِهرَجانِهِم 2 18893 - أخبرَنا أبو طاهِرٍ الفَقيهُ، أخبرَنا أبو بكرٍ القَطانُ، حدثنا أحمدُ ابنُ يوسُفَ السُّلَمِىُّ، حدثنا محمدُ بنُ يوسُفَ، حدثنا سفيانُ، عن ثَورِ بنِ يَزيدَ، عن عَطاءِ بنِ دينارٍ قال: قال عُمَرُ: لا تَعَلَّموا رَطانَةَ الأعاجِمِ ولا تَدخُلوا على المُشرِكينَ فى كَنائسِهِم يَومَ عيدِهِم، فإِنَّ السَّخطَةَ تَنزِلُ عَلَيهِم 3. 18894 - وأخبرَنا أبو بكرٍ الفارِسِىُّ، أخبرَنا أبو إسحاقَ الأصفَهانِىُّ، حدثنا أبو أحمدَ ابنُ فارِسٍ، حدثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ قال: قال لِى ابنُ أبى مَريَمَ: حدثنا نافِعُ بنُ يَزيدَ، سَمِعَ سُلَيمانَ بنَ أبى زَينَبَ وعَمرَو بنَ الحارِثِ، سَمِعَ سعيدَ بنَ سلمةَ، سَمِعَ أباه، سَمِعَ عُمَرَ بنَ الخطابِ قال: اجتَنِبوا أعداءَ اللهِ فى عيدِهِم 4.1
18895 - أخبرَنا أبو طاهِرٍ الفَقيهُ، أخبرَنا أبو بكرٍ القَطانُ، حدثنا أحمدُ
ابنُ يوسُفَ، حدثنا محمدُ بنُ يوسُفَ قال: ذَكَرَ سفيانُ، عن عَوفٍ، عن
الوَليدِ أو أبى الوَليدِ، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو قال: مَن بَنَى ببِلادِ الأعاجِمِ،
وصَنَعَ نَيروزَهُم ومِهرَجانَهُم، وتَشَبَّهَ بهِم حَتَّى يَموتَ هو كَذَلِكَ حُشِرَ مَعَهُم
يَومَ القيامَةِ 1.
قال الشيخُ الإمامُ رَحِمَه الله: قال الشيخُ أبو سُلَيمانَ رَحِمَه اللهُ: تَنَى، هو
الصَّوابُ.
18896 - وأخبرَنا أبو عبدِ اللهِ الحافظُ، حدثنا أبو العباسِ محمدُ بنُ
يَعقوبَ، حدثنا الحَسَنُ بنُ علىِّ بنِ عَفانَ، حدثنا أبو أُسامَةَ، حدثنا عَوفٌ،
عن أبى المُغيرَةِ، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو قال: مَن بَنَى فى بلادِ الأعاجِمِ،
فصَنَعَ نَوروزَهُم ومِهرَجانَهُم، وتَشَبَّهَ بهِم حَتَّى يَموتَ وهو كَذَلِكَ حُشِرَ مَعَهُم
يَومَ القيامَةِ 2.
وهَكَذا رَواه يَحيَى بنُ سعيدٍ وابنُ أبى عَدِىٍّ وغُندَرٌ وعَبدُ الوَهّابِ عن
عَوفٍ عن أبى المُغيرَةِ عن عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو مِن قَولِهِ.
18897 - / أخبرَنا أبو عبدِ اللهِ الحافظُ، حدثنا أبو العباسِ محمدُ بنُ
يَعقوبَ، حدثنا الحَسَنُ بنُ على بنِ عَفّانَ، حدثنا أبو أُسامَةَ، عن حَمّادِ بنِ
زَيدٍ، عن هِشامٍ، عن محمدِ بنِ سيرينَ قال: أُتِىَ علىٌّ بهَديَّةِ النَّيروزِ، فقالَ:
ما هَذِهِ؟ قالوا: يا أميرَ المُؤمِنينَ هذا يَومُ النَّيرُوزِ.
قال: فاصنَعوا كُلَّ يَومٍ
فيروزَ.
قال أبو أُسامَةَ: كَرِهَ أن يَقولَ: نَيروزُ.
قال الشيخُ: وفِى هذا كالكَراهَةِ لِتَخصيصِ يَومٍ بذَلِكَ لَم يَجعَلْه الشَرعُ
مَخصوصًا بهِ.