إملاء 49]
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن الحاجِب
- الكتاب
- أمالي ابن الحاجب
- المؤلف
- عثمان بن عمر بن أبي بكر بن يونس، أبو عمرو جمال الدين ابن الحاجب الكردي المالكي (المتوفى: 646هـ)دراسة وتحقيق: د. فخر صالح سليمان قدارة
- الناشر
- دار عمار - الأردن، دار الجيل - بيروتعام النشر: 1409 هـ - 1989 م
- عدد الأجزاء
- 2 (في ترقيم مسلسل واحد) أعده للشاملة/ سيد محمود الهاشمي، نسألكم الدعاء بظهر الغيب [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
[العامل في "إذا" و"متى"
وقال أيضاً مملياً بدمشق سنة تسع عشرة على قوله تعالى: {وإذا سمعوا12
اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين} 1:
"إذا" ظرف لما يستقبل من الزمان.
وفيه معنى الشرط غالباً.
واحترز بذلك عن مثل قوله: ﴿والليل إذا يفشي والنهار إذا تجلي﴾ 2، وأشباهه.
فإنه لا يستقيم أن يكون فيها معنى الشرط في هذه الحال لأنه يلزم أن يكون ما قبلها هو في المعنى مشروطها.
ولا يستقيم أن يكون القسم الإنشائي مشروطاً، لوجوه: منها: أن الإنشاء ثابت فلا يقبل تعليقاً.
ومنها: أن المعلق إنما يكون في المعنى خبراً، والإنشاءات ليست أخباراً.
ومنها: أنا قد علمنا أن القسم ثابت في قصد المتكلم، وما كان كذلك لا يصح تعليقه.
واللغة الفصيحة ترك الجزم بإذا 3. فيقال: إذا تركمني أكرمك.
واللغة القليلة الجزم 4. ولا فرق بين أن تدخل معها "ما" أو لا تدخل.
وأصل "إذا" أن تدخل على الأمور التي لابد من حصولها، كقولك: إذا طلعت الشمس، ومن ثم لم يجزموا بها لكونها فارقت الشرط الصريح في الإبهام.
ألا ترى أن "متى" لما جرت في الإبهام مجرى "إن" جزموا بها اتفاقاً، فقالوا: متى تكرمني أكرمك.
فعلى اللغة الفصيحة لا يقال: (سمعوا) في موضع جزم، وعلى الأخرى هو في موضع جزم.
وقد اختلف في عامل "إذا" الشرطية، فأكثرهم على أن العامل جوابها،
وأقلهم على أن العامل شرطها، وعكسها في القولين في "متى" 1. وإنما التزم الأكثرون إعمال جوابها لأنهم حملوها على معنى الإضافة لما كانت في المعنى منسوبة إليه وهو محقق.
فلما حملوها على الإضافة بطل أن يكون الفعل المضاف إليه في المعنى عاملاً في المضاف لأنه لو عمل فيه لأدى أن يكون الشيء عاملاً معمولاً من جهة واحدة.
وبيان ذلك أنه إذا كان مضافاً إليه الزمان لم يكن عاملاً فيه إلا من جهة كونه زماناً له.
ومعنى كونه زماناً له: أنه وقع فيه.
وإن أعملنا الفعل في الظرف فإنما نعمله باعتبار أنه وقع فيه.
ومعنى وقوعه فيه كونه زماناً له.
فصار المعنى الذي عمل به الأول هو المعنى الذي عمل به الثاني، وذلك ما أردناه.
وفي "متى" وشبهها لما لم تكن لمعين لم يحكموا بالإضافة.
ولما لم يحكموا بالإضافة لما يكن مانع من عمل الفعل في الظرف لزوال المانع بزوال الإضافة.
ولم يعتدوا بعمل "متى" في الفعل جزماً 2 لأنه عمل بجهة أخرى غي الجهة التي عمل 3 فيه بها الفعل.
ألا ترى أن المعنى الذي عملت به "متى" كونها تضمنت معنى الشرط، والمعنى الذي عمل به الفعل فيها كونها زماناً له واقعاً فيه.
فصار المعنى الذي عمل به "متى" غير المعنى الذي عمل به الفعل.
وأما من عمم أن العامل في الجميع الجواب فليس بجيد، لوجود: أحدها: أنه يصير الجملتين جملة واحدة، لأن الظرف مع عامله لا يكون إلا جزءاً من الجملة.
وقد فهم أن الشروط جملتان يربط بينهما الشرط باعتبار الشرطية، كما في قولك: إن تكرمني أكرمك.
ومنها: ما ثبت من مثل قوله: {إيا
ما تدعوا فله الأسماء الحسنى} 1، ومعلوم أنه ليس في الجواب ما يصح 2 أن يكون ناصباً.
ومنها: أنه يؤدي إلى أن يكون الظرفان المتضادان واقعاً فيهما الفعل الواحد في مثل قولهم: إذا أكرمتني اليوم أكرمتك غداً.
ومعلوم أنه إذا جعل العامل الجواب وجب أن يكون الإكرام واقعاً فيه، وقد علق بغد على معنى وقوعه فيه، وقد علق بغد على معنى وقوعه فيه، وقيد الأول باليوم على معنى أنه هو، فيجب أن يكون الإكرام الواحد واقعاً في اليوم وفي غد جميعاً، وهو باطل من حيث المعقول، ومن حيث ما فهم من مقصود المتكلم، إذ لم يرد أن الإكرام الجزائي واقع في اليوم.
وأما من فرق بين "إذا ومتى" باعتبار التعلق المتقدم فليس أيضاً بالجيد لما ذكرناه.
فالأولى أن يكون العامل فيهما جميعا فعل الشرط 3. وما ذكروه من أنه مضاف يلزمهم مثله 4 في "متى".
فالذي حسن منه في "متى" يقدر مثله في "إذا".
وذلك أن لا يقدروه مضافاً بل يقدروه واقعاً فيه كوقوع فعل الشرط في الزمن المذكور معه، كقولك: إن تضرب زيداً اليوم اضربه غداً.
ولا خلاف أن اليوم متعلق 5 بفعل الشرط، فكذلك ههنا.
فإن زعم أنه ههنا متعين وفي "متى" غير متعين، فليس بمستقيم لأن التعيين ليس في "إذا" وإنما هو في الفعل
المذكور بعدها، على معنى أنه ليس مشكوكاً فيه.
وأما معنى نسبتهما جميعاً فهما على حد سواء.
فلو قدر في "إذا" مضافاً لوجب أن يكون في "متى" كذلك.
ألا ترى أن نسبة الزمان في: إذا تكرمني، في المعنى كنسبته في قولك: متى تكرمني.
ومما يوضح ذلك أن الذين جزموا بإذا أجروها مجرى متى، والعامل عندهم حينئذ فعل الشرط كمتي.
ومعلوم أن معنى الزمان بالنسبة إلى الفعل مع الجزم كمعناه مع غير الجزم.
وإذا كان المعنى فيهما سواء وثبت أن لا يكون مضافاً في أحدهما فليثبت في الآخر.
وأما "سمع" فهو من الأفعال المتعدية إلى واحد في التحقيق كقولك: سمعت كلاماً وشبهة.
وقد يتوهم 1 أنه متعد إلى مفعولين من جهة المعنى والاستعمال، أما المعنى فلأنه يتوقف على مسموع منه، كما تتوقف السرقة على مسروق منه، فالوجه الذي تعدي به السرقة إلى مفعولين موجود في السماع.
وأما من جهة الاستعمال فلقولهم 2: سمعت زيداً يقول ذلك، وسمعت زيداً قائلاً، وقوله تعالى: ﴿هل يسمعونكم إذ تدعون﴾ 3. فلولا أن الفعل يتعدى إلى مفعولين لم يقل: إذ تدعون.
لأن المعنى حينئذ: هل يسمعون دعاءكم إذ تدعون، وذلك لا يحسن.
والجواب عن الأول: أن السرقة ليست كالسماع من حيث إن السرقة لا تعقل باعتبار معناها الذي وضعت له إلا بمسروق منه، ألا ترى أنك لو قدرت شيئاً موجوداً ليس في يد أحد، وأخذته خفية، لا يقال له سرقة لفقدان المسروق منه، بخلاف السماع، فإنك لو قدرت صوتاً لفهمت معنى السمع بالنسبة إليه، وكذلك لو قدرت غافلاً عن المسروق منه لم تفهم معنى السرقة.
ولو قدرت
غافلا عن المسموع منه لم يتعذر معنى السماع.
وإنما المسموع منه بالنسبة إلى السمع كالمشموم منه بالنسبة إلى الشم.
فكما أن الشم لا يتعدى إلا إلى واحد باتفاق 1، فكذلك السماع.
وأما 2 الجواب عن الثاني: فإنهم لما حذفوا المضاف وأقاموا المضاف إليه مقامه للعلم به وجب تقديره باعتبار مرتبته، وقرينته لا تكون إلا صوتاً، فذكر بعده حال بين خصوصية ليست مفهومة من ذلك المتعلق.
فقائلا، ويقول ذلك: في موضع نصب على الحال، وليس مثل قولك: سمعت قول زيد قائلا، ولا مثل ضربت زيداً ضارباً بالسوط، لأنه ههنا قدر غير الأول، وثم قدر مثله أو نوعه فافترقا لذلك.
ويخرج قوله: هل يسمعونكم إذ تدعون؟، على أن المقدر: هل يسمعون أصواتكم؟ وهو أبلغ في المعنى المقصود من: هل يسمعون 3 دعاءكم؟؛ لأنه إذا تحقق أنهم لا يدركون 4 نفس الصوت فهم في انتفاء إدراك الدعاء أجدر.
قال: واللغو اسم لما لا فائدة فيه من الكلام.
فيجوز أن يكون ههنا مصدراً موصوفاً به، كأنه قيل: الكلام اللغو أعرضوا عنه، جواب لإذا.
والمقصود من سياق الآية ذكرهم بالرفق واللين مع المعرفة والإيمان، وهذه كانت صفتهم لذلك قصداً منهم إلى دعائهم والتلطف في إرشادهم، فيعرضون عما يأتون به من اللغو، ويأخذون فيما يقصدون به إرشادهم وهدايتهم وذلك معلوم من عوائد الداعين والمدعوين، فإنهم لو نافروهم من أول الأمر لكان سبباً في
اللجاج والعناد.
وإذا لاطفوهم ولانوا لهم في القول، وطلبوا المناصفة كان ذلك أدعى إلى القبول وانتفاء العناد واللجاج.
وقوله: ﴿وقالوا لنا أعمالنا﴾، إنما قدموا ذكر أعمالهم لأنها عندهم ليست بالجيدة، فقدموها وأثبتوا عاقبة أمرها لأنفسهم، مثل قوله: ﴿وإن كذبوك فقل لي عملي ولكم عملكم﴾ 1. وقدم الخبر في قوله: لنا أعمالنا، دفعاً من أول الأمر لوهم أن يكون منسوباً إلى غيرهم ليقوي المعنى المقصود من جميع وجوهه.
وقوله: ﴿سلام عليكم﴾، ليس من باب: ﴿وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما﴾ 2، لأن ذلك لم يأت في ظاهر الأمر إلا منصوباً.
لأن المعنى المسالمة، أي: سالمونا ونسالمكم.
ويجوز أن يكون منه، وعدل إلى الرفع، كما عدل في التحية إلى الرفع في الوجه المختار.
ويجوز أن يكون ذلك منهم قصداً في الدعاء لهم إلى الإرشاد، وليكون 3 أبلغ في المقصود الذي توخوه في الرفق واللين.
ويجوز أن يكون مستعملاً بينهما على معنى الإعراض على مثل ذلك، لأنه كثر استعماله في العرف عند المفارقة، فلما قصد إلى معنى المفارقة استعمل ما هو مستعمل عندها، كما تقول لمن يأتي بما تكرهه: سلام عليكم، تريد أنك إن دمت على هذا كان سبباً لمفارقتك.
وقوله: ﴿لا نبتغي الجاهلين﴾، يجوز أن يكون من خطابهم لهم، ولا يلزم أن يكون في لفظهم ذكر الجاهلين.
وإنما ذكر الجاهلين عند حكاية قولهم من كلام الحاكي، إذ المقصود تعريف الذات المقول لها ذلك للمخاطبين، كما
تقول منكراً على إنسان ضرب زيداً: لم ضربت هذا الرجل الصالح؟، إذا كانت تلك صفته عند المخاطب أو عند المتكلم.
ويجوز أن يكون ليس من خطابهم لهم، ولكن قالوه 1 لأنفسهم أو لغيرهم من المؤمنين، فيجوز أن يكون لفظ الجاهلين من قولهم، ويجوز أن يكون من الحاكي أيضاً على الوجه الأول، ليشمل ذكر الحكم والعلة بلفظ واحد، والجمل كلها في موضع نصب للمصدر 2 المؤقت للقول عند المحققين، وفي موضع نصب على المفعول به في قول الأكثرين.
والصحيح أن القول غير متعد، وأن ما يذكر بعده 3 من مثل ذلك مصدر 4. والدليل عليه أنه لو كان مفعولاً به لكان غيره مما تتوقف عقليته عليه، وليس كذلك، وبيان أنه ليس غيره أنك إذا قلت: قلت، فقد اشتمل دلالة على القول، كما أنك إذا قلت: قعدت، فقد دل على العقود، فكما أنك إذا ذكرت قعوداً خاصاً لا تخرجه عن المصدرية في قولك: قعدت القرفصاء، باتفاق، فكذلك إذا ذكرت قولاً خاصاً لا تخرجه عن المصدرية.
وزيد قائم، في قولك قلت: زيد قائم، قول خاص كالقرفصاء بالنسبة إلى القعود في كونها قعوداً خاصاً.
فيجب أن يحكم عليهما جميعاً بالمصدر أو بالمفعول.
ولا قائل بالمفعول لما ذكرناه، فوجب الحكم بالمصدر.
وإنما توهم أولئك المفعولية من وجهين: أحدهما: حملهم القول على التلفظ والمعلق على المعنى، فوجودا للفظ باعتبار المعنى تعلقاْ.
والآخر: أن توهموا أن القول في تعلقه بالمقول كالعلم في تعلقه بالمعلوم، وذهلوا أن ذلك المتعلق هو نفس القول، وإنما يذكر
باعتبار خصائصه بخلاف العلم، فإنه ليس بالمعلوم، فافترقا.
والله أعلم بالصواب.