أمالي ابن الحاجبإملاء 12]

إملاء 12]

عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن الحاجِب
الكتاب
أمالي ابن الحاجب
المؤلف
عثمان بن عمر بن أبي بكر بن يونس، أبو عمرو جمال الدين ابن الحاجب الكردي المالكي (المتوفى: 646هـ)دراسة وتحقيق: د. فخر صالح سليمان قدارة
الناشر
دار عمار - الأردن، دار الجيل - بيروتعام النشر: 1409 هـ - 1989 م
عدد الأجزاء
2 (في ترقيم مسلسل واحد) أعده للشاملة/ سيد محمود الهاشمي، نسألكم الدعاء بظهر الغيب [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

[معنى "لا" في قوله تعالى: "واتقوا فتنة لا تصيبن"

وقال مملياً بالقاهرة سنة خمس عشرة على قوله: "واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة" 3: الظاهر أنه نهي 4، والمعنى: واتقوا فتنة مقولا فيها: لا تصيبن الذين ظلموا منكم.
والنهي في الظاهر للفتنة، والمعنى نهي المعترضين لها، والفعل للإصابة 5، والمعنى التعرض للإصابة.
وقد يعدل الناهي عن الشيء لمسببه، لأنه هو المقصود بالنهي، وإذا انتقل إلى المسبب أسنده إلى ما هو فاعل له، كقوله: "لا يفتننكم الشيطان" 6 و"لا يحطمنكم سليمان" 7، وكقولك صاحبك عند تعرضه للمعصية: لا تحرقك نار جهنم، فجعلت الفعل للإحراق، والمنهي النار، وإنما المنهي عنه التعرض والمنهي مخاطبك، ولكنك عدلت إلى المسبب إذ النهي عن التعرض إنما هو خشية إحراق النار، فلما عدلت إلى المسبب أسندته إلى ما هو له وهو النار، فكذلك ههنا، فكانه12

قال: لا تتعرضوا للفتنة التي يصيب المتعرضين بلاؤها، فعدل عن التعرض الذي هو سبب إلى الإصابة التي هي مسبب.
فعلى ذلك يكون الظالمون مخصوصين بالإصابة لأن المعنى: لا يتعرض متعرض للفتنة فتصيبه خاصة، فعدل على ما ذكرناه، فصار لا تصب الفتنة متعرضاً لها خاصة.
ثم ذكر المتعرض بلفظ الظالم تشنيعا عليه للصفة التي يكون عليها عند التعرض، فثبت أن المعنى على ذلك خصوص الظالمين بالفتنة.
ويجوز أن تكون (لا) نافية، ودخول النون فيها على وجه ليس بالقوي 1، فيكون المعنى: واتقوا فتنة غير مصيبة الظالمين خاصة، ولكنها تعم الظالم وغيره، فعلى هذا تكون الإصابة عامة بخلاف الوجه الأول.
وقد ذكر الزمخشري 2 هذا الوجه 3، وجعلها للإصابة أيضاً فيه خاصة، وليس بجيد، إذ المعنى: وصفها بأنها لا تصيب الظالمين خاصة، وإذا لم تصبهم خاصة، فكيف يصح وصفها بكونها خاصة؟ وقد قيل: إنه يجوز أن يكون جوابا للأمر 4 ويكون دخول النون أيضاً في النفي على وجه ليس بالقوي، فقدروه بأن قالوا: واتقوا فتنة إن أصبتموها لا تُصب الظالمين خاصة، ولكنها تعم فتأخذ الظالم وغيره، وهو غير مستقيم، إذ جواب الأمر إنما يقدر فعله من جنس الأمر المظهر، لا من جنس الجواب.
ألا

ترى أنك إذا قلت: أسلم لا تدخل النار، فإن المعنى: فإنك إن تسلم لا تدخل النار، وليس المعنى: فإنك إن تسلم تدخل النار، وههنا لو كان جواب الأمر لكان التقدير: فإنكم إن تتقوا لا تصب الظالمين، فيفسد المعنى، لأنه يصير الاتقاء سبباً لانتفاء الإصابة عن الظالمين خاصة، فكأنه (1) قيل: الاتقاء من المتقي سبب (2) لانتفاء الإصابة عن الظالم المرتكب وهو بالعكس أشبه، فظهر أن المعنى لا يستقيم في جعله جواباً لانعكاس المعنى.
وقد ذكر الزمخشري ذلك (3)، وجعله من المعنى الذي يُوجب التعميم بالإصابة للظالمين وغيرهم، وليس بمستقيم، لما تبين فيه من فساد المعنى من أجل أن فعل الشرط المقدر لا يكون إلا إن تتقوا، وعند ذلك لا يستقيم.
والله أعلم بالصواب.

جارٍ التحميل