إملاء 83]
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن الحاجِب
- الكتاب
- أمالي ابن الحاجب
- المؤلف
- عثمان بن عمر بن أبي بكر بن يونس، أبو عمرو جمال الدين ابن الحاجب الكردي المالكي (المتوفى: 646هـ)دراسة وتحقيق: د. فخر صالح سليمان قدارة
- الناشر
- دار عمار - الأردن، دار الجيل - بيروتعام النشر: 1409 هـ - 1989 م
- عدد الأجزاء
- 2 (في ترقيم مسلسل واحد) أعده للشاملة/ سيد محمود الهاشمي، نسألكم الدعاء بظهر الغيب [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
[مسائل في التمييز
التمييز.
قال صاحب الكتاب 1: "وهو رفع الإبهام في جملة أو مفرد بالنص على أحد محتملاته".
قوله: رفع الإبهام، يجوز أن يكون أراد المعنى وجاء به حداً، لأنه هو المقصود، ويجوز أن يكون على حذف مضاف، أي: دليل رفع الإبهام، ويجوز أن يكون الرفع بمعنى الرافع، ويرد عليه الحال، لأن قولك: جاء زيد، يحتمل أن يكون راكباً، ويحتمل غير ذلك.
كما أنك إذا قلت: عشرون، احتمل أن يكون ديناراً، وغير ذلك.
وأجيب بأن هذا إبهام محقق في قولك: عشرون، لأنك لا تعلم أن العشرين دراهم أو دنانير، بخلاف
قولك: جاء زيد، فإنه لا لبس فيهما ولا في تركيبهما.
فإن لفظة "زيد" لا إبهام فيها.
ولفظة "جاء" كذلك.
ونسبة المجيء إلى زيد كذلك.
فلذلك قال: في مفرد أو جملة.
معناه: يكون الإبهام حاصلاً بخلاف قولك: جاء زيد، فإنه إبهام تقديري باعتبار الوجود وإن سلم وروده، فينبغي أن يريد في قوله: رفع الإبهام في جملة أو مفرد، عن ذات، والحال إنما هو رفع إبهام عن هيئات.
وإذا وردت الصفة في النكرات فليس هو رفع إبهام في الموصوف وإنما هو تخصيص له.
وإن كان في معرفة فليس الإبهام محققاً وإنما هو تقديري بعيد لاحتمال أن يقع.
وأشكل ما يرد عليه صفة المشتركات كقولك: أعجبتني العين الباصرة.
فإن العين تحتمل أشياء مختلفة كما يحتملها عشرون فيدخل في حد التمييز.
والجواب: أن العين لها دلالة على كل واحد من مدلولاتها على البدل.
وإنما جاء الإبهام اتفاقاً لأجل الاشتراك بخلاف، "عشرون" وشبهه، فإنه لا دلالة فيه على واحد من الذوات المخصوصة، والإبهام محقق، وقد حصل الفرق بما يخرج عن الحد.
والتمييز لا يكون إلا في جملة، وإنما غرضه أن يكون الإبهام عن جملة تارة وعن مفرد أخرى.
والفرق بينهما أنك إذا قلت: عشرون، كان الإبهام في نفس المفرد الذي هو عشرون.
وإذا قلت: طاب زيد، فطاب ليس فيه إبهام، وزيد ليس فيه إبهام.
وإنما نشأ الإبهام من نسبة الطيب إلى ما يتعلق بزيد، وهو ذوات مختلفة غير مذكورة 1، فاحتاج إلى التبيين.
وقوله: "أبرحت جاراً" 2. يجوز أن يكون الممدوح هو الجار، ويكون المعنى: أبرح جارك، أي: عظم جارك.
ويجوز أن يكون هو نفس المذكور، أي: أبرحت باعتبار كونك جاراً.
وقوله: "باعتبار معنى" 1، يعني في الاسم غير الصفة، احتراز من قولك: حسنت وجهاً، فإن الحسن لنفس الوجه لا باعتبار معنى آخر، بخلاف قولك: لله دره فارساً، فإنه لا يحتمل إلا المعنى الثاني.
والفرق بينهما: أن كل تمييز عن جملة هو اسم غير صفة باعتبار معنى جاز فيه الوجهان، مثل قولك: عظمت أبا وعما وخالاً.
إلا أن يرد ما يمنع فيه تقدير الغير، كقولك: طاب زيد نفساً.
وكل تمييز كان صفة لم يحتمل إلا وجهاً واحداً.
وقوله: "امتلأ الإناء ماء".
يقال: إن التمييز عن الجمل هو في الحقيقة واقع موقع المنسوب إليه.
فإذا قلت: طاب زيد أبا وما أشبهه، الطيب منسوب إلى النفس، فالمعنى: طاب أبو زيد.
فينبغي على هذا أن يكون التقدير: امتلأ ماء الإناء، وهو غير معروف، فالجواب: أن أصله أن يقال: ملأت الماء فامتلأ، ثم كثر استعمالهم نسبة الامتلاء إلى الإناء حتى صار كأنه من صفته، فصار ذكر الماء بعده مفارقاً لـ "نفساً" في قولك: طاب زيد نفساً.
وفي الحقيقة ما جاء إلا على الأصل المذكور في أن أصله: امتلأ ماء الإناء، كما قيل: إن أصلك طاب زيد نفساً، طابت نفس زيد.
ثم قيل: امتلأ الإناء ماء، كما قيل: طاب زيد نفساً.
و ﴿فجرنا الأرض عيوناً﴾ 2: يتوهم أن التفجير من صفة الأرض، وليس هو إلا للماء.
يدل عليه قوله: ﴿فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا﴾ 3 فالأصل: فجرت عيون الأرض، وفجرنا عيون الأرض، فهو مثل قولك: امتلأ الإناء ماء.
إلا أن هذا مفعول وذلك فاعل.
ففجرنا الأرض عيوناً، مثل قولك: ملأت الإناء ماء.
وامتلأ الإناء ماء، مثل قولك: انفجرت الأرض عيوناً.
قال: "ولا ينتصب المميز عن مفرد إلا عن تمام" 1 ز قال: "والذي يتم به أربعة أشياء".
قوله: "التنوين".
إن أراد به التنوين الملفوظ به والمقدر فهو باطل بقوله: "فالزائل التمام 2 بالتنوين"، والتنوين المقدر لا يزول.
وإن أراد بالتنوين الأول اللفظي لم يكن حاصراً لما يكون به التمام، لأن أحد عشر تمام بالتنوين المقدر.
وكان الأولى أن يقول: بالتنوين الملفوظ به والمقدر، ويقول ثانياً: فالزائل التمام بالتنوين الملفوظ به.
قال: "فالزائل التمام بالتنوين ونون الثتنية".
فأنت بالخيار، يعني: أنك بالخيار، إن شئت أن تزيل هذا التمام بأن تنسبه إلى تمييزه نسبة المضاف إلى المضاف إليه فتخفض، كما تقول: خاتم حديد.
وإن شئت بقيت الأول تاماً، فيكون الثاني فضلة فينتصب كما تنتصب سائر الفضلات.
وكذلك في نون التثنية.
قوله: "واللازم التمام بنون الجمع والإضافة".
إن قيل: فنون الجمع قد تكون زائلة في قولك: مررت برجال حسني وجه وحسنين وجهاً، لا خلاف في جواز هذا.
فجوابه: أن هذا منصوب في المعنى عن جملة، لأن معنى قولك: حسني وجه، حسنو وجوهاً.
فهو منتصب في المعنى عن جملة لا عن مفرد.
وقد بينا الانتصاب عن المفرد وعن الجملة.
وإن الانتصاب عن الجملة راجع إلى مثل هذا.
وإنما لزم التمييز عن مفرد إذا كان جمعاً النصب، لأنه لا يكون إلا في "عشرون" إلى "تسعون"، وهذا تلزمه النون؛ لأنه لو أضيف لكان إما تثبت
نونه أو تحذف، فكرهوا حذفها لأنه ليس بجمع على الحقيقة، وكرهوا إثباتها لأنه يشبه الجمع.
وأما المثنى فهو مثنى على الحقيقة.
فجاز حذف نونه قياساً على سائر المثنيات عند الإضافة.
قال: "وتمييز المفرد أكثر 1 فيما كان مقداراً".
وقد يكون فيما ليس إياها كقولهم: لله دره فارساً.
ولم يذكر له ضابطاً.
وحقيقته أنه راجع إلى معنى الانتصاب عن الجملة كما ينتصب "أبا" في قولك: الطيبون أبا، وإن كانت صورته صورة المفرد فهو راجع إلى معنى الجملية.
لأن معنى قولك: الطيبون، طابوا أبا.
ولم يجيء التمييز فيه إلا بهذا الاعتبار، وكذلك: لله دره فارساً، وحسبك به ناصراً، معناه: اكتف به نصرة، وأتعقب منه فروسية، وأعظمه رجولية.
والذي يبين أنه منتصب باعتبار الجملية أن كل تمييز عن معنى جملي يجوز فيه الجمع والإفراد إن كان المعنى يحتمله.
وكل تمييز عن مفرد لا يجوز فيه إلا الأفراد كـ "عشرون درهماً".
وهذا يجوز أن يكون جمعاً، لأنك لو قلت: لله درهم فرساناً، لكان جيداً.
فيتبين أنه منتصب عن معنى جملي لا عن إفراد.
قال: "ولقد أبي سيبويه تقدم المميز على عامله" 2. لا يجوز تقدم التمييز مطلقاً 3 لأمرين: أحدهما: أن العامل فيه كله الأمر المحتاج إلى
التبيين، وليس هو بالفعل.
فالعامل في "درهما" قولك: عشرون، لاقتضائه تفسيراً.
والعامل في قولك: طاب زيد نفساً، الإبهام في الأمور المحتملة المنسوب إليها الطيب، وقد أجمعنا على أن: درهما عشرون، لا يجوز، فكذا هذا.
والآخر: سلمنا أن العامل الفعل في أحدهما: ولكن التمييز في المعنى موصوف قدمت صفته لغرض، فإذا قدم زال ذلك الغرض فيفوت ذلك المعنى (1)، والمميزات كلها في الحقيقة موصوفات لما انتصب عنه، وما انتصب عنه صفات لها، لأن قولك: عشرون درهماً، معناه: دراهم عشرون.
وكذلك: منوان (2) سمنا، معناه: سمن منوان.
وكذلك: طاب زيد نفساً، لأن النفس هو الموصوف بالطيب في المعنى.