إملاء 77]
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن الحاجِب
- الكتاب
- أمالي ابن الحاجب
- المؤلف
- عثمان بن عمر بن أبي بكر بن يونس، أبو عمرو جمال الدين ابن الحاجب الكردي المالكي (المتوفى: 646هـ)دراسة وتحقيق: د. فخر صالح سليمان قدارة
- الناشر
- دار عمار - الأردن، دار الجيل - بيروتعام النشر: 1409 هـ - 1989 م
- عدد الأجزاء
- 2 (في ترقيم مسلسل واحد) أعده للشاملة/ سيد محمود الهاشمي، نسألكم الدعاء بظهر الغيب [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
[اعتراض على الابتداء بالنكرة والجواب عنه
وقال ممليا على المقدمة مجيبا عن سؤال ورد عليه بالقاهرة سنة خمس عشرة وستمائة: اعترض بعض الأصحاب علي فيما وقع في المقدمة التي أنشأتها من ذكر مواضع الابتداء بالنكرة 2. وقال: قد بقي عليكم مثل 3 قولهم: تمرة خير من جرادة.
فقلت: إنما جاز هذا على أحد وجهين كلاهما مذكور: الأول وهو الظاهر: على أنه غير مختص بتمرة مميزة، فكان فيه معنى1
العموم، كما في: لا رجل أفضل منك، وذلك من وجهين: أحدهما: أنه لما فضل واحد من جنس على واحد من جنس علم أنه لا خصوصية لمفرد منه على مفرد، لأنه يفهم أن الأفضلية إنما وقعت باعتبار كونه من ذلك القبيل، والمفضولية إنما وقعت لكون الأخر مت القبيل الأخر، وإذا كان كذلك فلا خصوصية لمفرد على مفرد.
والثاني: أن في معنى التمرية ما يشعر بالتفضيل على الجرادية باعتبار كونه تمرا وجرادا من غير خصوصية لمفرد دون مفرد.
وإذا لم يكن ثم خصوصية لمفرد منه متميز حصل الشياع بخلاف ما إذا حكمت بحكم من الأحكام يختص، فإن المفهوم فيه الحكم على واحد متخصص كقولك: رجل في الدار، فلذلك امتنع، لأنه لا يستقيم فيه كل رجل وجودا، فضلا عن الدلالة.
ثم ولو استقام وجودا فليس فيه قرينة تشعر بقصد الدلالة عليه كما تقدم، إذ لا مفاضلة فيه بين جنسين، وليس في معنى الرجولية ما يقتضي أن يكون في الدار كما في المثال المتقدم، بل القرينة بعكسه، لأنه إنما استقام الحكم عليه بأنه في الدار لكونه متخصصا.
نعم لو قلت: رجل خير من زيد، فهذا يتجاذبه الطرفان، لأن الحكم عليه بالأفضلية يشعر بأنه بمعنى 1 الرجولية كما في الأول في أحد الوجهين، وتخصيصه بالأفضلية على زيد يشعر بكونه 2 متخصصا، كما في الحكم عليه بأنه في الدار، فيحتاج إلى السماع، والظاهر منعه لأنه إنما ثبت ذلك التعميم في الموضع الذي لا يختص فيه الخبر بوجه، فلا ينبغي أن يحمل عليه ما يصح أن يكون فيه نوع تخصيص لفقدان معنى مناسب في الأصل المتفق عليه.
ومما يحقق أصل المسألة ويوضحه ما ورد في القران من مثل قوله: ﴿ولعبد مؤمن خير من مشرك﴾ 3 وأشباهه.
فإنا نقطع أن المراد المفاضلة
بين الجنسين، لا أن يكون المقصود الإخبار عن عبد متميز، فإنه يفيت 1 المعنى المقصود من مثله.
فإن قلت: فهذا عندهم من قبيل ما المصحح فيه الصفة.
قلت: هو ليس من ذاك في التحقيق، وإنما هو من هذا.
وبيانه أن الصفة إنما تكون مصححة في الموضع الذي يقصد باسم الجنس واحد متميز فتجيء الصفة لتحصل لذلك الواحد تخصيصا، فتجعله لواحد من الجنس الذي وصف، وهو مع ذلك قليل في الاستعمال لبقاء التنكير فيه.
ورب نكرة من عير صفة أخص من نكرة موصوفة.
ووجه ضعفه أنه إذا صح: جسم حي في الدار، لحصول تخصيصه بالصفة، فينبغي أن يصح: رجل في الدار، لأنه أخص منه بدرجات.
فأما إذا حصل ما ذكرناه من قصد التعميم فقد حصل ما في معنى التعريف قبل الصفة، فطاح اعتبار الصفة، وصار موازنا لقولك: كل رجل عالم عندنا، فإنه لا يصح لقائل أن يقول: المصحح الصفة، إذ التعميم حاصل قبل مجيء الصفة فأعنى عنها.
وإنما جاءت الصفة لمعناها في التخصيص لا لحاجة من تصحيح الابتداء، ولذلك كان فصيحا في كل كلام فصيح، بخلاف ما المصحح فيه مجرد الصفة.
والذي يحقق لك ذلك أن الصفة لا تخرج الموصوف عن مدلوله بل تأتي لتخصيصه في الا حاد أو في الأجناس وهو على حاله، مثاله إذا قلت: جاءني رجل، ثم قلت: عالم، فإنه يخصص مع بقائه لواحد متميز على ما كان عليه.
وإذا قلت: جاء الرجال، ثم قلت: العالمون، فإنه يخصص مع بقائه عاما في العالمين.
وإذا ثبت ذلك علمت أن التعميم حاصل بغير الصفة، وإذا كان حاصلا بغير الصفة كان مجيء الصفة وانتفاؤها واحدا على ما مثلناه في: كل رجل عالم عندنا.
فإن زعم زاعم أن (مؤمن) في قوله: ﴿ولعبد مؤمن خير من مشرك﴾
مصحح للابتداء بالنكرة وقرر ذلك بأنه لو أسقط لم يستقم ذلك، كما أنه إذا أسقط "عالم" من قولك: رجل عالم في الدار، لم يستقم، وهذا معنى التصحيح، فهو غير مستقيم، وجمع بين أمرين مختلفين، وذلك أنا نعني بالتصحيح الذي لولا هو لم يصح الابتداء بالنكرة، لا الذي لولا هو لكان الكلام كذبا، وما نحن فيه من هذا القبيل، ولسنا نعني بالمصحح ذلك.
ألا ترى أنا نحكم على الكلام بصحة الإعراب، ثم نحكم بعد ذلك بكونه صدقا أو كذبا، كقول القائل: العالم قديم، فهذا وإن كان إعرابه مستقيما، إلا أنه كذب، كذلك ما نحن فيه، فلم يكن هذا المصحح مصححا للابتداء بل مصححا لصدق الكلام، حتى لو جعلت الخبر ما يكون صدقا استقام، دل على أن الفساد لم يأت إلا من الكذب.
وما 1 يوضح... ذلك أنك لو قلت: كل رجل كافر في النار، فلو أسقطت "كافر" لم يكن مستقيما من جهة الصدق لا من جهة صحة الابتداء به، لأنك لو أخبرت عنه بخبر صدق صح، وليس الكذب مفسدا للإعراب ولا مأخوذا عدمه في صحة التعبير كما تقدم.
فإذا وضح ذلك كان القول بأن هذه الصفة مصححة للابتداء، كالقول بأن "كافر" في قولك: كل رجل كافر، مصحح للابتداء، وقد وضح بطلانه.
فإن قلت: ليس "مؤمن" في قولك: ولعبد مؤمن، من هذا القبيل الذي ذكرته بل هو مصحح باعتبار صحة الإخبار لا باعتبار الصدق حتى يكون كما ذكرت.
ألا ترى أنك لو أسقطته لم يستقم التعبير به صدقا ولا كذبا، فإنه يكون حينئذ من مضمونه: عبد خير من عبد، وهذا من قبيل اخر غير ما ذكرت.
قلت: صدقت أنه من قبيل اخر، ولكنه في الحكم كذلك، لأن الكلام ههنا وقع في شروط المفردات، فإن المبتدأ مفرد، وليس شرط هذا الجزء في هذا المحل هذه الصفة.
وإنما جاء الفساد من جهة الإخبار بما لا يستقيم به الإخبار كما في الكذب، وهو مثل
قولك: كل رجل عالم خير من جاهل.
فكما لا يستقيم أن يقال المصحح لهذا المبتدأ الصفة، لأنك لو أسقطتها لم يستقم الكلام، فكذلك ما نحن فيه.
فكان كالكذب سواء، والكلام في شروط المفردات غير الكلام في جهة التركيب.
ألا ترى أنك لا تقول لمن قال: كل رجل خير من جاهل، هذا فاسد، من جهة أن الابتداء غير موصوف، وإنما تقول: فاسد من جهة أنك أخبرت بما لا يستقيم خبرا.
ولو قلت الأول لكان فاسدا، فإنه حينئذ يثبت لك أنه يكون مبتدأ به من غير صفة.
فيفسد القول بأن المصحح الصفة، فكذلك ههنا.
فإذا ثبت ذلك فلا فرق فيما نحن فيه من أن يكون المصحح الصدق 1 وبين أن يكون المصحح استقامة 2 الكلام في أن كل واحد منهما لا يقدح في صحة الابتداء دونه، لما قررناه، لأن الكلام في صحة كونه صدقا وكونه مستقيما أن يخبر عنه بكذا، غير الكلام في صحة كون المبتدأ مبتدأ، وإن لم يكن بد من الخبر، إلا أنه قسم اخر من أقسام فساد الكلام من جهة الكذب أو الاخبار بما لا يصح الاخبار به، فلا يؤخذ منه شرط في صحة المبتدأ، فإن ذلك يؤدي إلى اعتبار ما لا يتناهى من الشروط في المبتدأ.
إذ ما من مبتدأ إلا ويمكن تقدير الخبر عنه بما لا يستقيم إلا بقيد، فيؤخذ القيد شرطا ثم يقدر الاخبار عنه بأمر اخر لا يستقيم إلا بأمر اخر فيؤدي إلى اشتراط قيود لا يوقف دونها، وهذا ظاهر الفساد.
فثبت أن (مؤمن) في قوله: ﴿ولعبد مؤمن﴾، وما كان مثله، لا يمكن دعوى أن تكون الصفة مصححة للابتداء بالنكرة باعتبار المعنى الذي نحن فيه على ما تقرر 3.
فإن قلت: فما تنكر 1 أن الصفة شرط في صحة هذا المبتدأ، وإن كان التعميم حاصلا فيه نظرا إلى قضية لفظية ليرفى صورة التخصيص ما يشبه به المعرفة لفظا، وإن كان التخصيص حاصلا بغيره، فيكون مثل اشتراط الصفة فيما لم يقصد منه التعميم.
ألا ترى أن الصفة تشترط فيما يكون أخص من نكرات موصوفات حتى يحكم بالصحة فيما هو أقل تخصيصا من المحكوم عليه بالفساد لفقدان صورة الصفة التي تكون كالمعرفة في الصورة.
والعرب كما تراعي المعاني فكثيرا ما تراعي الألفاظ، وإذا كان ذلك مستقيما فلم عدلت عن اعتباره؟ قلت: هذا إذن كلام مستقيم بالنظر إليه في نفسه، ولا شك أنا لو لم نجد هذا الباب إلا موصوفا لم نعدل إلى التجويز فيه من غير صفة لاحتمال أن تكون الصفة معتبرة لأمر لفظي كما مثلته في مسألة النكرة التي لم يقصد فيها قصد التعميم، ولكنا لما رأيناهم يستعملون مثل ذلك من غير صفة علمنا أن الصفة ملغاة في هذا الباب.
ألا ترى إلى قوله: ﴿فأولى لهم طاعة﴾ 2. وقولهم: فرق خير من حب 3، وما نقل من قولهم: تمرة خير من جرادة، وأشباهه.
فلما علم ذلك علم أن الصفة في مثل ذلك إنما جاءت لما وراء ذلك، مثلها في قولك: الرجل العالم خير من الجاهل.
ألا ترى أن أحدا لا يعتبر هذه الصفة مصححة لما ثبت من جواز "الرجل" مبتدأ مجردا عن الصفة في مثل قولك: الرجل خير من المرأة.
ولا يشترط صحة وقوع مثل ذلك مجردا عن الصفة باعتبار خصوصية ذلك الخبر.
فإنه قد يكون ذلك ممتنعا باعتبار انتفاء الصدق أو باعتبار انتفاء الاستقامة أصلا.
فقد وضح لك من هذه الأبحاث أن
الصفة في قوله: ﴿ولعبد مؤمن﴾ وبابه، ليست المصححة للابتداء لتحقيق المبتدأ في مثله بدونها.
وهي بحوث دقيقة عجيبة، وأغوار غريبة قل من يفهمها فضلا عن من يتنبه لها.
وإذا تقرر ذلك كان مماثلا لقولهم: ما رجل خير منك، فإنه إنما صح الابتداء بالنكرة لما حصل من معنى العموم المفضي بها إلى معنى التعريف.
وهذا مثل ما حكاه ابن جني 1 من قول بعضهم: أربعة ضعف اثنين، وثمانية ضعف أربعة، وإن لم تكن صورة المفاضلة فيها، إما لأنها بمعناها، لأن معنى: ضعفها، أنها أزيد عليها 2 بمثلها، وكذلك ما كان مثله في الزيادة والنقصان، وأما لأن المفاضلة لم تكن مناسبة لذلك المعنى باعتبار كونها مفاضلة، وإنما كانت مناسبة باعتبار ما يفهم من أن الحكم بها إنما وقع باعتبار كونه من ذلك القبيل، وهذا كذلك.
ألا ترى أن الحكم بالضعفية على الثمانية بالنسبة إلى الأربعة إنما وقع باعتبار كونه 3 من ذينك القبيلين، فصارت المناسبة التي من أجلها حصل العموم في المفاضلة موجودة في مثل ذلك، فوجب الحكم بمثله.
والثاني حاصل بأيسر تنبه وسيأتي.
إلا أن ابن جني حكم بأن أربعة وثمانية وشبهها في مثل ذلك أعلام 4 غير منصرفة للعلمية والتأنيت.
وذلك أنه راه مبتدأ به في معنى المعارف ولا محمل لتعريفه إلا على العلمية لانحصار
المعارف، كتعريف أسامة في مثل قولك: أسامة خير من ثعالة، فإن مثل ذلك علم باتفاق، ورأى هذا أشبه شيء به فحكم عليه بحكمه.
ولذلك 1 حكم الجميع على غدوة وبكرة وسحر وفينة بأنها أعلام 2 وإن لم تكن في قصد التعريف مثل هذه، فهذه إذن أجدر وليس ببعيد عن قياس.
إلا أن الأصوب خلافه لما يلزم من رد أسماء الأجناس كلها أعلاما.
ألا ترى أن قولك: تمرة خير من جرادة، مثل: أربعة ضعف اثنين، سواء، فلو ساغ جعل أربعة علما لساغ جعل تمرة علما.
والأجناس كلها تجري حينئذ هذا المجرى، ولا أعلم أحدا يقول ذلك.
وأيضا فإنه لا يحكم على الشيء بأنه علم إلا بثبت كما في زيد وعمرو من وضعها لشيء بعينه غير متناول ما أشبهه بالوضع الأول 3 والحكم في باب: أسامة وغدوة وبكرة وسحر وفينة، بأنها أعلام، إنما كان لأنهم منعوها الصرف، ولا وجه إلا العلمية، فلذلك احتيل في تقديرها وجعلها موضوعة للمعنى المتحد في الذهن حتى يصح كونها موضوعة لشيء بعينه غير متناول ما أشبهه.
ولو وجدت مصروفة لم يحكم بأنها أعلام، إنما كان لأنهم منعوها الصرف، ولا وجة إلا العلمية، فلذلك احتيل في تقديرها وجعلها موضوعة للمعنى المتحد في الذهن حتى يصح كونها موضوعة لشيء بعينه غير متناول ما أشبهه.
ولو وجدت مصروفة لم يحكم بأنها أعلام البتة، إذ لا حاجة إلى التكلف مع الاستغناء عنه.
وإذا كان فلا حاجة إلى إلحاقها بما هو خارج عن القياس، ومتكلف فيه لضرورة أوجبت التكلف، وترك إجرائها على ما هو الظاهر منها من غير تكلف.
وأيضا فإنه لو كان علما لوجب أن يجوز بقاؤه علما في كل أحواله كباب أسامة وجميع الأعلام.
ولما لم يجز ذلك فيه باتفاق دل على أنه غير علم.
وأيضا فإنه لو كان علما لم يصح دخول اللام عليه، وفي صحة دخولها دليل على خروجه 4 عن باب الأعلام.
فأما بيان حل إشكال كونها مبتدأ بها في معنى المعارف ولا محمل لتعريفها إلا على العلمية، فإنا نقول: ليست من قبيل المعارف بل أشبهتها من حيث لزم التعميم كما في: ما رجل أفضل منك.
ألا ترى أن رجلا نكرة وإن حصل التعميم، فكذلك ههنا لما لم يكن الغرض في واحد مخصوص لم يخص فحصل التعميم، كما أن النفي لما لم يخص حصل التعميم.
سلمنا التعريف، إلا أنه ليس على العلمية بل على أحد وجهين: أحدهما: أنه تعريف باعتبار التعميم كما في: كل رجل، فإنه معرفة وليس مما عد من المعارف، فكذلك هذا يكون تعريفا باعتبار التعميم، مثل لا رجل، فيمن قال: إنه عام بأصله لا بلازمه.
الثاني: أنه تعريف باعتبار تقدير اللام لأن المعنى: التمرة خير من الجرادة، فعدل عن اللام كما في: سحر وغدوة وبكرة وفينة.
فإن قلت: فإذن رجعت إلى مذهب ابن جني، لأن ما ذكرته كله في هذا الوجه ممتنع صرفه للعلمية والعدل، أو للعلمية والتأنيت، أو للجميع.
فلا بد من اعتبار العلمية، فوجب أن يكون ما نحن فيه أيضا علما.
قلت: ليس العدول عما فيه الألف واللام بالذي يوجب للاسم المعدول علمية وإن كان معرفة ما لم يقصد قصدها ويثبت بدليل خاص عليها.
بيان ذلك: أن عشية وعتمة وإن كانا معرفتين باتفاق إذا قصد بها عشية ليلتك وعتمتها معدولان عما فيه الألف واللام، وهو الذي أوجب لهما التعريف، وليسا علمين لكونهما منصرفين 1 فلو كان العدول عن التعريف بالألف واللام يوجب العلمية لوجبت لهما، ولو وجبت لمنعا من الصرف، فلما صرفا دل على أن العلمية لا يحكم بها إلا بثبت وراء ذلك.
وسره أن كل عن الألف واللام جائز
تقديره نكرة وجائز تقديره معرفة حسب ما كان عليه.
وإذا احتمل الأمرين لم يحكم بأحدهما إلا بثبت، فحكمنا على غدوة وأخواتها بالعلمية لما ظهر من منع الصرف، إذ لا وجه له سواها، وحكمنا على باب "عشية" بتعريف اللام المقدرة لمجيئها منصرفة فإن قلت: فقد حصل من مجموع ذلك أن بعض ما يعدل عن الألف اللام يكون علما وبعضه يكون غير علم، فما تنكر من أن يكون ذلك من القسم الأول، لأنك قد وافقت على مثله.
قلت: قد تقدم أن الحكم على مثل ذلك بالعلمية إنما يكون بثبت من العرب في المحل المخصوص لما في علميته من الإشكال، فحمله على القياسي الذي لا إشكال فيه أولى.
فإن قلت: فما تنكر أن تكون "أربعة" ضعف اثنين علما غير منصرف مثل قول النحويين: فاعلة صفة منصرف، فإن ذلك علم عندهم باتفاق، وهو غير منصرف لذلك 1 ووجهه أنه لما عم في الجميع بغير الة كان علما عليه، فكذلك هذا إذا عم في الجميع بغير الة يكون علما.
قلت: الفرق بينهما من وجوه: أحدها: أن "فاعلة" وضعه النحويون في أصل وضعه علما على كل موزون على هذه البنية المخصوصة، وهذا معنى العلمية، بخلاف "أربعة" وبابه، فإن أصل وضعه كوضع رجل، فكما لا يصح في رجل أن يدعى أن أصل وضعته العلمية فكذلك هذا.
الثاني: أن "فاعلة" لا يجوز دخول اللام عليه كما في الأعلام، و"أربعة" لو قلت: الأربعة، لكان مستقيما، والألف واللام تناقض العلمية.
الثالث: أن باب "فاعلة" إذا أطلق على واحد من مدلولاته فالمحققون على إبقائه علما، وهذا لا يجوز إبقاؤه علما عند إطلاقه على أحد مدلولاته.
الوجه الثاني من الأولين في أصل المسألة: أن يكون قولهم: تمرة خير من جرادة، على معنى الإخبار عن اللفظ، كأنك قلت: لفظ تمرة مدلولها كذلك أو مدلول تمرة كذلك.
فيكون المصحح للابتداء كونه معرفة في التقديرين جميعا.
وإنما يستقيم هذا فيما كان الخبر فيه عاما لجميع أنواع المخبر عنه، لأن المبتدأ وقع عاما، لإضافته تقديرا وهو اسم جنس، فصار التقدير: كل مدلول تمرة، أو كل لفظ تمرة.
وأقل أحوال الخبر أن يكون مطابقا، فلا يصح على هذا أيضا: رجل في الدار، لتعذر هذا التقدير فيه إذ لا يصح على مدلول رجل بأنه في الدار.
نعم يصح على هذا: رجل إنسان وشبهه.
وكذلك: أربعة ضعف اثنين.
و" أربعة" في هذا أوجه من: تمرة خير من جرادة، فصح أن يكون شارحا لمدلوله، بخلاف الأول، فإنك لم تخبر بحقيقة ما جعلته مبتدأ، بل بحكم من أحكامه.
والحكم بحكم من أحكام الشيء لا يكون شارحا له، فلذلك قوي: أربعة ضعف اثنين، في هذا التأويل لما فيه من الانباء عن حقيقة مدلوله، ولم يكن كذلك: تمرة خير من حرادة.
فإن قيل: فهل يستقيم منع الصرف على هذا التقدير؟ قلت: له وجه، لأنه قصد قصد اللفظة، وإذا قصد اللفظة جاز أن يعتبر التعريف والتأنيث معنى أو لفظا، وجاز أن يجري على ما كان مستحقا له لو لم يقصد اللفظة: إلا أن هذا هو المعروف.
ألا ترى أنه لو استعمل ذلك لقيل في: قام جعفر ومررت بقائمة، جعفر: فاعل، وقائمة: ـ مجرور، غير منصرفين، ولقيل في: أخذت من زيد، من: حرف جر، وأشباه ذلك، وهو بعيد عن الاستعمال.
هذا اخر الجواب.