أمالي ابن الحاجبإملاء 74]

إملاء 74]

عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن الحاجِب
الكتاب
أمالي ابن الحاجب
المؤلف
عثمان بن عمر بن أبي بكر بن يونس، أبو عمرو جمال الدين ابن الحاجب الكردي المالكي (المتوفى: 646هـ)دراسة وتحقيق: د. فخر صالح سليمان قدارة
الناشر
دار عمار - الأردن، دار الجيل - بيروتعام النشر: 1409 هـ - 1989 م
عدد الأجزاء
2 (في ترقيم مسلسل واحد) أعده للشاملة/ سيد محمود الهاشمي، نسألكم الدعاء بظهر الغيب [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

[وقوع المبتدأ نكرة

وقال ممليا [بدمشق سنة ثماني عشرة] 1 على قوله 2: "وقد يكون المبتدأ نكرة إذا تخصصت بوجه ما": لأنهم قصدوا إلى أن يكون المحكوم عليه معروفا أو مقربا من المعروف بوجه من وجوه التخصيصات، فمن ذلك النكرة الموصوفة.
ولا يخفى ما في الوصف من التخصيص، فلذلك جاز: رجل عالم في الدار، ولم يجز: رجل في الدار، عند المحققين.
ومنها: أن تقع النكرة بعد حرف الاستفهام المعادلة لـ "أم" المتصلة 3 فيجوز أن تكون مبتدأ وإن كانت

نكرة، كقولك: أرجل في الدار أم امرأة؟.
لأنهم لما علموا أن ذلك إنما يسأل به من ثبت عنده العلم بالنسبة إلى أحد الأمرين صار كأنه أمر ثابت له، فأشبه الصفة من حيث ثبوتها لموصوفها من غير قصد إلى إثباته مفيدا للمخاطب النسبة المفهومة منها، فاجتزأوا بذلك مصححا في الموضع الذي ألجأهم إلى تقديم المعنى الذي تقرر عندهم في العبارة عنه 1 بالهمزة وأم، لأنهم التزموا أن يكون أحد الأمرين اللذين علم أحدهما يلي الهمزة والأخر يلي "أم" قصدا منهم إلى التنبيه على ما حصل العلم بأحدهما من أول الأمر، فيقولون: أزيد قائم أم عمرو؟ وأقائم زيد أم قاعد؟ وأزيدا ضربت أم عمرا؟ وأضربت زيدا أم أكرمته؟ وأشباهه.
ولا يقولون: أزيد قائم أم قاعد؟ وكذلك جميع الباب.
فلما كان ذلك ملتزما عندهم في باب الهمزة المعادلة لـ "أم" المتصلة اجتزأوا بهذا النوع من التخصيص في صحة الابتداء بالنكرة.
ومنها: أن تقع النكرة في سياق النفي كقولهم: ما أحد خير منك، لأن النكرة إذا وليها النفي وهي في الحقيقة لواحد لا بعينه لزم من ذلك نفي جميع الجنس، وإلا لم يصدق نفي واحد.
فلما كان ذلك معلوما مقصودا صار كأنه نفي جميع الجنس، وجميع الجنس متخصص معروف فصح أن يكون مبتدأ لذلك 2. وإن قلنا: إن النكرة في سياق النفي تعم جميع الجنس قصدا بدلالتها

عليه صار مماثلا للمعرفة، إلا أنه يلزم أن يكون معرفة، إذا التعريف والتنكير من الأمور المعنوية.
وإذا كان اللفظان بمعنى واحد بالنسبة إلى ما كان الشيء به معرفة ونكرة لزم من كون أحدهما معرفة ونكرة أن يكون الأخر كذلك.
وإطباق النحويين على أنها نكرة يدفع ذلك، وكذلك الاجماع على أنه لايتبعها من الصفات إلا النكرة، كقولك: ما رجل عالم في الدار، يدل على أنها نكرة لأنه قد علم أن المعرفة لا توصف بالنكرة.
ومما يدل على ذلك أنك لو قلت: ما عندي درهم واحد، كان مثل قولك: ما عندي درهم.
ولو كان درهم ههنا لجميع الجنس مرادا لم يصح وصفه بواحد، إذ الجنس المتعدد لا يوصف بالواحد.
ومنها: أن يكون المبتدأ في معنى الفاعل باعتبار نفي إثبات.
وشرطه أن يكون الخبر جملة فعلية في معنى نفي عموم من نسب إليه الفعل وإثباته لذلك المبتدأ كقولك: شر أهر ذا ناب 1. بمعنى: ما أهر ذا ناب إلا شر.
وأمر أقعده عن الخروج، في ما أقعده عن الخروج إلا أمر.
وإنما جاز أن يكون مبتدأ وهو نكرة لأنه في معنى الفاعل، والفاعل يجوز أن يكون نكرة، وإن كان في المعنى محكوما عليه لما فيه من معنى التخصيص فكذلك هذا.
ووجه التخصيص في الفاعل أن حكمه لما كان متقدما صار المحكوم عليه لا يذكر إلا بعد تقرر الحكم في الذهن، فلما تقدم العلم بالحكم صار كالصفة في كونه متقدما عليه لكون الصفة لا فرق بينها وبين الخبر إلا تقدم العلم بها دونه.
فمن ثم جاز أن يكون الفاعل نكرة مطلقا، ولما كان هذا المبتدأ في معنى الفاعل جاز أن يكون نكرة.

ومنها: قولهم: في الدار رجل، وشبهه.
والسر فيه ما ذكرناه في الفاعل، لأن حكمه ههنا لما تقدم صار كالفعل المتقدم على الفاعل فجاز ههنا كما جاز ثم.
ولذلك توهم بعض النحويين أنه فاعل 1، وحكم عليه بالفاعلية.
وشرط هذا الخبر المصحح للابتداء بالنكرة أن يكون ظرفا أو ما هو في حكم الظرف من الجار والمجرور.
فيجوز: في الدار رجل، ولا يجوز: قائم رجل.
إما لأنهم اتسعوا في الظروف اتساعا خصصوه به دون غيره لكثرته في كلامهم، وإما لأنه إنما صحح التقديم لشبهه بالصفة، فكرهوا أن يقدموا ما هو صريح في الصفة على ما هو في المعنى كموصوفه، وليس ذلك في الظروف لأنها ليست صريحة في ذلك لوقوعها مجردة عن ذلك، ولكونها إذا وقعت صفات كان ذلك باعتبار التقدير لا باعتبارها في أنفسها.
فلذلك جاز: في الدار رجل، ولم يجز: قائم رجل.
والنحويون يعللون هذا، فيقول بعضهم: إنما جاز: في الدار رجل، ولم يجز: رجل في الدار، لأنك في الأول أوقعت في موضع المعرفة معرفة فنابت عن تعريف المبتدأ، وفي الثاني لم يقع مثل ذلك، فجازت الأولى ولم تجز الثانية.
وهذا ليس بمستقيم، فإنه أولا: راجع إلى صورة مجردة عن المعنى، وثانيا: منقوض بقولك: في رأس غلام عندي عمامة، وثالثا: أنه ليس فيه بيان تخصيص المبتدأ الذي أصله أن يكون معرفة، وإنما جاز أن يكون نكرة لوجه من التخصيص.
وبعض النحويين علله بأن قال: إنما جاز: في الدار رجل، ولم يجز: رجل في الدار، لأن الأول لا يلبس كونه خبرا، والثاني يلبس، فجاز ثم لعدم الالباس ولم يجز ههنا لما فيه من الالباس.
وهذا وأن كان فيه معنى ما، إلا أنه أفسد من الأول.
لأنا قاطعون بجواز: رجل عالم في الدار، وفي الدار رجل عالم.
وما.

ذكروه بعينه حاصل.
وأيضا فإن "زيد العالم" جائز باتفاق مع صحة أن يكون العالم صفة.
وأيضا فإن المقصود بيان تخصيص المبتدأ ليقرب من المعرفة، وليس في انتفاء اللبس عن كونه موصوفا تخصيص له.
ومنها: أن يقع المبتدأ مصدرا في معنى الدعاء كقولهم: سلام عليكم، و [ويل للمطففين] (1). وإنما جاز في مثل ذلك لأن الأصل: سلاما عليكم، إذ المعنى عليه.
قال الله تعالى: [قالوا سلاما قال سلام] (2). وإذا كان المعنى عليه فقد علم أن المراد: سلمت سلاما.
وإذا كان كذلك وقد حذف الفعل بعد أن علم كان "سلام" متخصصا في المعنى بنسبته إلى من قام به، والتقدير: سلام مني، أو سلام من الله أو نحو ذلك.
ولما كان هذا المعنى مفهوما منه صار كأنه مذكور (3). ولا فرق في الصفة بين أن تذكر لفظا وبين أن تكون معلومة.
ومن ثم جاز: السمن منوان (4) بدرهم، و"منوان" مبتدأ نكرة، لما كان المعنى: منوان منه.
فتنزل ما هو معلوم من جهة المعنى منزلة المذكور، فكذلك: سلام عليكم.

جارٍ التحميل