أمالي ابن الحاجبإملاء 58]

إملاء 58]

عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن الحاجِب
الكتاب
أمالي ابن الحاجب
المؤلف
عثمان بن عمر بن أبي بكر بن يونس، أبو عمرو جمال الدين ابن الحاجب الكردي المالكي (المتوفى: 646هـ)دراسة وتحقيق: د. فخر صالح سليمان قدارة
الناشر
دار عمار - الأردن، دار الجيل - بيروتعام النشر: 1409 هـ - 1989 م
عدد الأجزاء
2 (في ترقيم مسلسل واحد) أعده للشاملة/ سيد محمود الهاشمي، نسألكم الدعاء بظهر الغيب [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

[استعمال " أم" و"أو"

وقال ممليا: " أم" لا تستعمل إلا مع همزة الاستفهام 3. وشرطها: أن يكون المستفهم عنه تعين أحد الأمرين بعد استوائهما عند المستفهم، ولذلك اشترط أن يكون أحد الأمرين بعد الهمزة، والآخر بعد " أم".
وأما "أو" فستعمل مع الهمزة ومع غير الهمزة لأحد الأمرين 4. تقول في الاستفهام: أقام زيد أو قعد؟ مستفهما عن أحدهما، وتقول في غير الاستفهام: قام زيد أو قعد، مثبتا أحدهما.
فإذا استعمل البابان في ضمن الكلام جزاء فشرط استعمال "أم" أن تكون باقية على ما شرط لها من الهمزة مجردة عن معنى الاستفهام لتعذر استعماله12

ضمنا، إذ له صدر الكلام، ويبقى فيها معنى التسوية، فيجب لها أمران: أحدهما: أن تقدر " أم" بالواو العاطفة ضرورة الغرض المذكور، والأخر: أن يقدر الفعل بالمصدر، لأنه لو قدر باسم الفاعل لكان استعمالا له في غير موضوعه 1، ألا ترى أنك إذا قلت: سواء علي أقمت أم قعدت، فتقديره: سواء علي قيامك وقعودك، فيجب أن تقدر " أم" بالواو وإلا اختل الكلام.
لأنك لو قلت: سواء علي قيامك أو قعودك لم يستقم.
ويجب أن تقدر الفعل بالمصدر، لأنك لو قلت: سواء علي قائم وقاعد لا ستعملت اللفظ في غير موضوعه.
وإذا استعملت "أو" مع ما في حيزها من لفظ الجملة ضمنا، فشرطها أن لايكون قبل الأولى همزة استفهام، لأنه قد ثبت استعمالها بعد همزة استفهام في أحد وجوهها، إذا قلت: قام زيد أو قعد.
والمراد ههنا تجريدها عن معنى الاستفهام، فلم يكن لمجيء الهمزة معنى يقتضيها، لا حقيقي ولا لفظي، بخلاف ما ذكرناه في " أم".
ويجب أن تكون "أول" ناقية على معناها في إثبات أحد الأمرين.
ويجب أن يقدر الفعل باسم الفاعل أو المفعول على حسب التلفظ به كقولك: أنا أضربك قمت أو قعدت.
ألا ترى أنك لو قلت: أنا أ... ضربك قياما أو قعودا، لم يكن استعمالا للفظ في موضوعه، لأن المقصود الحال، والحال لا تكون بالمصدر إلا على غير القياس 2، ولو قلت: أنا

أضربك قائما وقاعدا، لم يستقم أن يقصد إلى الاجتماع لأنهما متضادان، بخلاف ما ذكرناه في " أم" فإن الأمر فيها على العكس، لأن المراد مع "أو" بالحالين إثبات أحدهما، فلو عطفت بالواو لكان المراد اجتماعهما في الحالية وهما لا يجتمان، فأدى إلى اجتماع النقيضين.
ومع " أم" لا يقصد إلى أنهما مجتمعان، وإن عطفت أحدهما على الآخر وقصدت إلى أنهما متساويان.
وعطف أحدهما على الآخر بالواو لمعنى التسوية واجب لا يستقيم إلا بهما.
ألا ترى أنك لو قلته بغيرها لكان إما الفاء أو ثم أو حتى، وكذلك إلى آخر حروف العطف، فإن كان بالفاء وثم وحتى لم يستقم لأنها تدل على إثبات الثاني بعد ثبوت الأول، فيؤدي إلى تسوية الواحد قبل مجيء الثاني وهو محال.
وإن كان بأو وإما,أم، لم يستقم لأنها لآثبات أحد الأمرين، فيؤدي إلى تسويه نفسه وهو محال.
وإن كان بلا ولكن وبل، لم يستقم لأنها لإثبات أحد الأمرين معينا، وإذا لم تثبت التسوية مع أحدهما مبهما فلأن لا تثبت مع التعيين أولى، فصار مجيء الواو في موضع " أم" المذكورة واجبا، وتبقى "أو" على معناها واجبا لما ذكرناه.
فإذا تقررت هذه القواعد، فقول الشاعر: ما أبالي أنب بالحزن تيس... أم جفاني بظهر غيب لئيم 1

واجب فيه " أم" مع همزة الاستفهام على ما تقدم، وكذلك قال سيبويه، لأن المعنى ما أبالي نبيب 1 التيس وجفاء اللئيم، وهذا لا يستقيم إلا بـ " أم" ولو كان بـ " أو" لفسد بوجهين: لأن المعنى يكون: ما أبالي نبيبا وجفاء، ولم يقصد المتكلم إلى معنى مبالاة أحد الأمرين، وإنما أراد نفي المبالاة عنهما جميعا، ففسد لمجيء "أو".
والآخر: أن المعنى ما أبالي نابا وجافيا، ويكون استعمالا للفظ في غير موضوعه، لأن المراد ههنا لا الحالية، وتلك إنما تكون بالمصدر لا باسم الفاعل في هذا المحل، وقول الشاعر: ولست أبالي بعد موت مطرف... حتوف المنايا أكثرت أو أقلت 2 لا يجوز فيه إلا "أو" من غير همزة على ما قال.
لأنه لما أعطى " أبالي" مفعولها وجب أن يكون ما بعدها المذكور في موضع الحال فيصير المعنى: ما أبالي حتوف المنايا مكثرة أو مقلة، وهذا معنى "أو".
ولو قلته بـ "أم" لفسد من وجهين: أحدهما: أن الممعنى يكون: ما أبالي حتوف المنايا كثرة وقلة، وذلك غير مستقيم في قصده.
والآخر: أن يكون: ما أبالي حتوف المنايا كثيرة وقليلة، وذلك فاسد لأنه يؤدي إلى اجتماع الحالين وهو محال، فوجب استعمال "أو".
وكذلك قول الشاعر: إذا ما انتهى علمي تناهيت عنده... أطال فأملى أو تناهى فأقصرا 3

هو موضع "أو", وكذلك قاله.
لأنه لو قاله بـ "أم" لفسد على الوجهين المذكورين وعلى ذلك قول المتنبي: باد هواك صبرت أو لم تصبرا 1 جار على هذه القاعدة، لأنه أراد: هواك باد صابرا أو غير صابر.
ولو قاله بـ "أم" لكان المعنى: باد هواك صبرا أو غير صبر، وهو فاسد لأنه حال، والحال إنما تكون في هذا المعنى باسم القاعل.
والآخر: أنا لو قدرنا أنه مقدر باسم الفاعل لكان المعنى: باد هواك صابرا أو غير صابر، فيكون المعنى: باد هواك في حال كونه على هاتين الحالين، وهو غير مستقيم لتضادهما، وكذلك قوله: وأثني عليه بآلائه... وأقرب منه نأى أو قرب 2 جاء على القياس، لأنه لو قاله بأم لفسد المعنى، إذ يصير: وأقرب منه نأيا وقربا، ولا سيتقيم ذلك.
والآخر أن يكون " وأثني عليه" في حال كونه ناائيا وقريبا، أي: في هاتين الحالين إذا كان عليهما، وهو باطل لتضادهما، إلا على تأويل لم تبن العرب عليه هذه المحال لما ثبت من استعمال كل واحد من البابين على ما ذكرناه.
فلا يستقيم لراد أن يراد أن يرده لجواز استعمال ذلك مجازا في غير هذه المواضع، لأنا لم نثبت الأحكام بالمعاني، وإنما عللنا الواقع بجريه على قياس كلامهم، فلا يخرم هذه القاعدة استعمال ما أنكرناه ههنا مجازا

لكونه على خلاف هذه القاعدة التي قدرناها.
وأما ما يقع بعد العلم فمخصوص عندي بالهمزة و "أم" كقولك: علمت أزيد عندك أم عمرو؟ والمعنى: علمت ما هو جواب ذلك، بخلاف قولك: علمت أزيد عندك أو عمرو؟ لأن جوابه بتعين أحدهما (1). فالمعنى: علمت ما يتعين منهما منهما مما ألبس تعيينه، لأنه متعين للمستفهم عنه.
وأما إذا قال: علمت أزيد عندك أو عمرو؟ فليس بمستقيم ذلك: لأنه ليس الجواب متعينا فيعلمه.
ألا ترى أن الجواب تارة يكون: نعم، وتارة يكون: لا، بخلاف ما ذكرناه.
فلم يستقم تعلق العلم به لا ختلاف أحواله.

جارٍ التحميل