أمالي ابن الحاجبإملاء 5]

إملاء 5]

عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن الحاجِب
الكتاب
أمالي ابن الحاجب
المؤلف
عثمان بن عمر بن أبي بكر بن يونس، أبو عمرو جمال الدين ابن الحاجب الكردي المالكي (المتوفى: 646هـ)دراسة وتحقيق: د. فخر صالح سليمان قدارة
الناشر
دار عمار - الأردن، دار الجيل - بيروتعام النشر: 1409 هـ - 1989 م
عدد الأجزاء
2 (في ترقيم مسلسل واحد) أعده للشاملة/ سيد محمود الهاشمي، نسألكم الدعاء بظهر الغيب [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

[مسائل في الاشتغال

وقال أيضاً مملياً في سنة تسع عشرة على 2 ما أضمر عامله على شريطة التفسير وهو قوله 3: "كل اسم بعده فعل أو شبهه مشتغل عنه بضميره أو متعلقة لو سلط عليه لنصبه".
قال: لأنه لا يكون فعلاً ولا حرفاً بعده فعل أو شبهه لأنه الذي 4 جوز النصب لأجله.
فمثال الفعل: زيداً ضربته.
ومثال شبه الفعل: زيداً أنت ضاربه، وزيداً أنت مضروب عليه.
قول: "مشتغل عنه بضميره".
لأنه لو لم يشتغل عنه بضميره لكان ناصباً له.
والباب معقود لما ينصب إذا نصب بفعل مقدر.
وقوله: "أو ما يتعلق بضميرهط.
ليدخل مثل: زيداً مررت به، وزيداً ضربت غلامه، وزيداً ضربت عمراً وأخاه، وزيداً سميت به، وشبهه.1

وقوله: "لو سلط عليه لنصبه" احتراز من مثل: زيد هل ضربته؟ وزيد هلا ضربته، وزيد إن تضربه أضربه.
ولو لم يذكر هذا القيد لدخلت أبواب هذه المسائل في الضابط لأنه اسم وقع بعده فعل سلط على ضميره، والباب معقود فيما يسوغ فيه النصب بفعل مقدر يدل عليه ما بعده، وهذه لا يسوغ فيها النصب فلم تكن من الباب فوجب الاحتراز عنها، فخرجت بقوله: "لو سلط عليه لنصبه".
لأن هذه لا يصح فيها نصب الاسم بالفعل فيها قبل هذه الحروف لما ثبت من أن لها صدر الكلام.
ونصب ما قبلها بما بعدها إخراج لها عن صدر الكلام.
ألا ترى أنه لا يجوز أن تقول: زيداً هل ضربت؟ ولا زيداً 1 هلا ضربت، ولا زيداً إن تضرب أضرب، بل يجب الرفع بالابتداء.
وليس من شرط هذا الباب أن يصح النصب بالفعل حقيقة.
وإنما معنى قوله: "لو سلط عليه لنصبه" لو قدر أنه عامل بنفسه وسلط على الاسم لنصبه، وإلا 2 لم يدخل: زيداً مررت به، وزيداً سميت به، وزيداً أنت محبوس عليه، وزيداً أنت مكابر عليه، وشبهه.
وقوله: "ينصب بفعل مضمر يفسره ما بعده".
وإنما قدم ذكر النصب لأن عقد الباب له باعتبار كونه مفعولاً، وإن كان فيه 3 ما يختار فيه الرفع وما يختار غيره على ما سيأتي.
وقوله: "يفسره ما بعده"، ليس لازماً بأن يكون الفعل المقدر بلفظ الفعل المقدر ومعناه، بل قد يكون ذلك وهي أعلى الصور مثل: زيداً ضربته، وقد يكون بمعناه نفسه لا بلفظه كقولك: زيداً مررت به، لأن التقدير: جاوزته.
وقد يكون بمعناه مضموماً إلى متعلقة كقولك: زيداً ضربت غلامه، لأن التقدير:

أهنت زيداً ضربت غلامه.
وقد يكون بمعنى عام وهو الملابسة عند فقد هذه الأمور الخاصة كقولك: زيداً حبست عليه، وأزيداً أنت مكابر عليه؟ وشبهه 1. وكقولك: أزيداً ضربت عمراً وأخاه؟ والتقدير: لا بست.
وقوله: "ويختار الرفعط.
شرع بعد ذلك يبين مواضع الرفع والنصب استواء ولزوماً في النصب، ولا يكون لزوم في الرفع ههنا لأن الباب معقود للمفعول به والمنصوب بفعل مقدر، فلا يستقيم لزوم الرفع لأنه يخرجه عن حقيقته.
فقال: "ويختار الرفع بالابتداء عند عدم قرينة خلافهط.
الضمير في "خلافه" يعود على الرفع، أي: عند عدم قرائن النصب على ما سيأتي قرائنه، أو عند وجود أقوى منها.
لأنه لو اقتصر على قوله الأول، للزم اختيار الرفع في مثل: ضربت زيداً وأما عمرو فقد مررت به، لأن قرينة النصب موجودة.
فقال: "أو عند وجود أقوى منها".
ثم فسره بـ "أما" مع غير الطلب، لأنه لو اقتصر على "أما" لعم جميع مواضعها، فكان يلزم أن يختار الرفع في مثل: أما عمرو فاضربه، وليس الأمر كذلك، لأن قرينة الطلب في النصب أقوى من قرينة "أما" في الرفع، لأن الطلب لا يصح إلا بالفعل، فكان مقتضاه أن يجب النصب.
وإنما ساغ الرفع بتأويل: زيد مقول فيه، أو له، أو شبهه.
وأما "أما" فالغالب وقوع المبتدأ بعدها 2. وقد يقع المنصوب بفعل مقدر ولا يناقضها بخلاف الطلب، فكان الطلب أقو في النصب لذلك.
وقوله: "وإذا المفاجأة".
وإنما كانت "إذا" قوية في قرينة الرفع لأنه لم

يسمع بعدها إلا المبتدأ، فكان مقتضى ذلك أنه لا يجوز: خرجت وإذا عبد الله يضربه عمرو.
لأنه إذا نصب قدر الفعل واقعاً بعدها فتخرج عن موضوعها المذكور.
إلا أن النحويين جوزوا النصب في هذه المسألة ونحوها، فدل ما تقدم على قوتها في الرفع، ولذلك غلبت قرينة النصب.
قوله: "ويختار النصب".
ثم ذكر اختيار النصب عند وجود قرائنه غير المعارضة بما تقدم من: أما وإذا، على التفصيل.
ثم شرع فيها واحدا واحدا.
فمنها: أن تقع هذه الجملة بعد جملة فعلية، كقولك: خرج زيد وعمراً ضربته 1، لأن تقدير الفعل أولى لتتناسب الجملتان.
ومنها: بعد "إذا" الشرطية، كقولك: إذا زيداً تلقاه فأكرمه، لأن الشرط يقتضي الفعل.
وكان مقتضى مذهب سيبويه ومن وافقه أن يجب فيها النصب 2، لأنه لا يقدر في مثل: "إذا السماء انشقت" 3 إلا الفعل، ولا يقدر المبتدأ.
وإذا وجب تقدير الفعل، فكما وجب النصب في مثل: إن زيداً ضربته ضربته، يجب النصب في مثل: إذا زيداً ضربته ضربته، لأن المعنى المقتضي للزوم النصب في "إن" الشرطية حاصل مثله في "إذا"، فجواز الرفع مما يقوى قول مخالفه في وقوع المبتدأ بعدها.
ومنها: "حيث لكثرتها في الفعل وقلة وقوع المبتدأ بعدها.
ومنها: حرف الاستفهام وحرف النفي، لأن الاستفهام بالفعل أولى.
فإذا وقع الاسم فالاستفهام في الحقيقة عن الفعل الذي دل عليه الخبر، وكذلك النفي سواء،

مثل: أزيد ضربته؟ وما زيداً ضربته.
ومنها: الأمر والنهي، واضح في اقتضائهما الفعل، حتى أن الرفع إنما يجوز بتأويل بعيد، ولذلك غلبت هذه القرينة قرينة الرفع الغالبة ما سوى الطلب من القرائن، وما ذاك إلا لقوتها في اقتضائها النصب حتى غلبت ما غلب غيرها.
ومنها: عند خوف لبس المفسر بالصفة، وهذا وإن لم يذكره النحويون في هذا الباب فهو معلوم عند أهل اللغة، وقد ذكره المحققون من المفسرين، ولو لم يحترز عن ذلك لكان الرفع هو المختار في مثل: طإنا كل شيء خلقناه بقدر" 1. فإنه مثل قولك: زيد ضربته، وقد علم أن المختار الرفع، فكان يؤدي إلى أن يكون إجماع القراء على خلاف المختار، وهو غير سائغ.
ومعنى قوله: "عند خوف لبس المفسر بالصفة"، أنك إذا رفعت لم يدر هل قوله "خلقناه"، صفة لـ (شيء) ويكون قوله: "بقدر"، هو الخبر، أو يكون (خلقناه) هو الخبر الذي يصح النصب باعتبار كونه مفسراً، فحينئذ هل الإخبار عن أن كل شيء مخلوق لي بقدر، أم أن كل شيء مخلوق لي بقدر، وهما ختلفان لأن الأول على معنى الإخبار عن أن ما خلفه فهو بقدر لا الإخبار أنه خلق كل شيء.
والمعنى في الثاني: أنه خلق كل شيء.
فإذا قصد المتكلم إلى هذا المعنى الثاني اختير النصب رفعاً للبس المقدر عند الرفع، والمعنى ههنا على أنه خلق كل شيء 2، فاختير النصب لما يؤدي إليه الرفع من احتمال غير هذا المعنى على ما تقدم 3.

قال: "ويستوي الأمران في مثل: زيد قام وعمرا أكرمته"، لأن قرينة النصب المتقدمة في الجملة ألأولى عارضها قرينة الرفع الحاصلة من جملة الجملة المتقدمة لأنها ابتدائية، فاستوى الأمران لذلك 1. ويجب النصب بعد حرف الشرط وحرف التحضيض وقد تقدم ما يدل عليه، وليس قولك: أزيد ذهب به 2؟ منه، فليس فيه إلا الرفع.
وإنما لم يكن منه لأن شرطه أن يكون الفعل مسلطاً عليه أو على ضميره تسلط الناصب، وههنا لم يتسلط تسلط الناصب لأنه رافع لا ناصب، إذ قولك: به، في موضع رفع لما لم يسم فاعله، فخرج عن الباب لذلك، فوجب الرفع لما بطل تقدير الناصب.
وكذلك: "وكل شيء فعلوه في الزبر" 3 يعني: باعتبار المعنى الذي قصده المتكلم، لأن المعنى: الإخبار عن كل شيء مفعول في الزبر، لا أن كل شيء مفعول لهم في الزبر 4. وإذا كان المعنى هو الأول خرج عن الباب لأنه لا يستقيم أن يكون: لو سلط عليه لنصبه، لأنه إذا قدر تسليطه عليه صار المعنى: فعلوا كل شيء في الزبر، وليس قصد المتكلم هذا المعنى، فخرج عن الباب لذلك.
وكذلك لو قلت: أكل شيء = المعنى المقصودة".
ص 36.

فعلوه في الزبر؟ لوجب الرفع على ما كان، كما يجب في قولك: أزيد قام؟ وأزيد ذهب به؟ إذ لا وجه لتقدير الناصب.
وقوله: ونحو "الزانية والزاني فاجلدوا" 1. الفاء عند المبرد بمعنى الشرط 2. كأنك قلت: الذي يزني فاجلدوه، فلا يكون من هذا الباب.
لأنك إذا نصبت الأول خرجت الفاء عن معنى الشرط، إذ شرطها أن يكون الأول مبتدأ لا مفعول، فلذلك جاء الرفع على قراءة الجماعة 3، وهو بهذا الاعتبار واجب.
وهي عند سيبويه جملتان 4، كأنه قال: ومما يتلى عليكم حكم الزانية والزاني.
ثم أخذ في بيان ذلك الحكم بفاء العطف فقال: فاجلدوا.
فهي على هذا أيضاً جملتان، فتخرج عن الباب إذ لا يصح أن ينصب اسم بفعل في جملة أخرى غير جملته.
ولذلك لو وقف على قوله: الزانية والزاني، على مذهب سيبويه لكان وقفا حسنا، ثم يبتدئ: فاجلدوا، لأنهما جملتان مستقلتان.
وقوله: "وإلا فالمختار النصب".
يعني: وإن لم يقدر هذا التقدير الذي يخرجها عن الباب فالمختار النصب 5، لأنه بقرينة الطلب التي هي أقوى قرائن النصب.
ألا ترى أن قولك: زيداً اضربه، لا يسوغ فيه الرفع إلا على ضعف.
فكذلك كان يكون هذا.

جارٍ التحميل