الجامع لمسائل المدونةصفحات 257-265

كتاب كراء الدور والأرضين

صفحات 257-265

ومن ابتاع زرعاً أخضر على أن يحصده الآن، ثم أذن له رب الأرض في بقائه بكراء أو بغير كراء لم يجز، إلا أن يشتري الأرض بعد شرائه للزرع، فيجوز أن يبقيه فيها.
م/: ولو اشترى الزرع على البقاء، ثم اشترى الأرض لفسخ بيع الزرع وحده، فإن فات وتغير عما كان عليه (بيسور) أو زيادة بعد شرائه فعليه قيمته يوم اشترى الأرض؛ لأنه يومئذ قبضه، وصار في ضمانه.
ولو اشترى الزرع، ولم يبرز من الأرض، ثم اشترى الأرض قبل بروز الزرع من الأرض لبطل بيع الأرض والزرع؛ لأن الزرع لما كان وجه الحكم رده صار كأنه اشترى الأرض على أن يبقى الزرع الذي لم يخرج من الأرض للبائع، فيبطل أيضاً بيع الأرض.
ومن أكرى أرضه من رجل سنة، ثم أكراها من غيره سنة أخرى بعد الأولى جاز ذلك.
ولا بأس أن يكري المسلم أرضه من ذمي إذا كان لا يغرس فيها ما يعصره خمراً.
وأكره للمسلم كراء أرض الجزية ذات الخراج، فإن اكتريتها فجاز السلطان عليك وأخذ منك الخراج، فإن لم يكن الذمي وداه رجعت عليه بالخراج المعلوم، لا بما جار، وزاد عليك السلطان، وإن كان الذمي قد وداه لم ترجع عليه بشيء.

[الباب الحادي والعشرون]

فيما انتثر للمكتري في الأرض من الحب فنبت عاماً قابلاً أو جره السيل من حب أو زرع أو شجر من أرض مصر إلى أرض أخرى

[الفصل -1 - فيما إذا انتثر للمكتري في الأرض حب فنبت عاماً قابلاً أو جر السيل حب رجل أو زرعه فنبت في أرض أخرى] قال مالك: وإذا انتثر للمكتري في حصاده حب في الأرض فنبت قابلاً فهو لرب الأرض، وكذا من زرع زرعاً فحمل السيل زرعه إلى أرض غيره قبل أن ينبت فنبت فيها.
قال مالك: فالزرع لمن جره السيل إلى أرضه، ولا شيء للزارع.
أبو محمد: وقيل في البذر يجره السيل إلى أرض غيره أن الزرع لرب البذر، وعليه الكراء.
قال سحنون في كتاب المزارعة: وإن جره السيل بعد أن نبت وظهر، فهذا يكون لرب الأرض، وعليه كراء الأرض ما لم يجاوز كراؤها الزرع، فلا يكون عليه أكثر منه.
قال في كتاب ابنه: وليس كالمخطئ، والمخطئ كالعامد، ولا يكون أسوأ حالاً من المكتري للأرض مدة فتنقضي المدة، وله فيها زرع أخضر، وقد علم حين زرعه أنه لا يطيب في المدة.
فقال مالك: له الزرع، وعليه كراء زيادة المدة.
قال أبو محمد: يريد سحنون: وإن كان رب الزرع مكترياً كان عليه كراء الأرضين جميعاً.
وروى أيضاً عن سحنون: أن الزرع لرب الأرض، وعليه للآخر قيمته مقلوعاً كما لو جره السيل إليه.

قال أبو بكر: والقول الأول أحسن.
[الفصل -2 - فيما إذا قلع السيل من أرض رجل شجرات فصيرها إلى أرض غيره فنبتت فيها] قال سحنون في كتاب ابنه: ولو قلع السيل من أرض رجل شجرات، فصيرها إلى أرض غيره فنبتت فيها، فإنه ينظر، فإن كان إن قلعت وردت إلى الأرض التي كانت فيها نبتت فلصاحبها قلعها، وإن كان إنما يقلعها للحطب لا ليغرسها في أرضه فهذا مضار، وله القيمة.
وإن كانت الشجر لو قلعت لم تنبت في أرض ربها، وإنما تصير حطباً، فهذا الذي قرت في أرضه مخير بين أن يأذن لربها بقلعها، أو يعطيه قيمتها مقلوعة.
ولو نقل السيل تراب أرض إلى أخرى، فإن أراد ربه نقله إلى أرضه، وكان معروفاً فله ذلك.
وإن أبى أن ينقله فطلبه من صار في أرضه بتنحيته عنه لم يلزمه؛ لأنه لم يكن عن فعله، وكذلك لو وقع إلى أشجار جاره وأضر بها.

[الفصل -3 - فيمن زرع في أرضه كموناً فلم ينبت إلا بعد أن اكترى الأرض آخر وزرع فيها مقثاة] قال أصبغ في العتبية فيمن زرع في أرضه كموناً فلم ينبت، وأبطأ حتى لم يشك أنه هلك فأكراها ممن غرس فيها مقثاة فنبتت المقثاة، ونبت معها الكمون معاً، فإن الكمون لربها، والمقثاة لغارسها، ويفض كراؤها الذي أكراها به على قدر ما انتفعا، هذا بكمونه، وهذا يمقتاته، فيسقط من الكراء ما ناب الكمون.
وإن أضر الكمون بالمقتاة حتى نقصها من حملها وتمامها فليس له قلعة، ولكن يوضع عنه من حصته من الكراء بقدر ما نقصت المقتاة؛ لأن هذا من سبب الأرض.
وكذلك لو أبطلها لرجع بجميع الكراء فأخذه، ومصيبة المقثاة منه، كما لو غرسها فلم تنبت أصلاً، فاعلم ذلك، وبالله التوفيق.

[الباب الثاني والعشرون]

فيمن اكترى أرضاً بعبد أو عرض فاستحق، وفي تفليس أحد المتكاريين وإقالته

[الفصل -1 - فيمن اكترى أرضاً بعبد أو عرض فاستحق] قال ابن القاسم: ومن اكترى أرضاً بعبد، أو ثوب بعينه، فاستحق بعد الزراعة، أو الحرث فعليه كراء مثلها.
وكذلك إن اكتراها بحديد، أو رصاص، أو نحاس بعينه، وقد عرفا وزنه، فاستحق فالكراء ينتقض، إلا أن يكون قد زرعها، أو حرثها، أو أحدث فيها عملاً فعليه كراء المثل.
قال بعض فقهاء القرويين: ولو أراد مستحق العبد أن يجيز بيع عبده بكراء الأرض، ويأخذ الأرض إن لم تحرث لكان له ذلك، وإن حرثها كان له أن يدفع إلى المكتري حق حرثه ويأخذ الأرض؛ لأنه كأنه مستحق لمنفعة هذه الأرض وجل منفعتها، وهو كمن استحق أرضاً بعد أن حرثها مكتر أن يدفع إليه حق حرثه، ويأخذ هو الأرض،

فإن امتنع دفع إليه المكتري كراء سنة، فإن امتنع أسلمها بحرثها، فحكم مستحق العبد في ثمنه كحكم المستحق.
وقد قالوا في غاصب العبد يبتاع به جارية فيحبلها، أن لمستحق العبد أن يجيز بيعه، ويأخذ الجارية، وقيمة ولدها كالمستحقة، فهو بخلاف مكتري الأرض بعبد فيستحق العبد، وقد حرث المكتري الأرض أنه ليس له أخذها ويعطيه قيمة حرثه، وإنما له عليه كراء أرضه؛ لتفويتها بالحرث.
ولو استحق العبد بعد أن زرع المكتري فله أن يجيز ويأخذ الأرض، ولا يكون كمن باع عبداً بقيمة كراء الأرض؛ لأنه إنما استحق الأرض؛ لأنها ثمن عبده فلما فلتت أخذ قيمتها.
[الفصل -2 - في تفليس المكتري] قال مالك: إذا فلس المكتري أو مات بعد أن زرع الأرض ولم ينقده، فربها أحق بالزرع في الفلس، وهو في الموت أسوة الغرماء.
وقيل: يكون أحق به في الموت والفلس.
فوجه أنه أحق به في الفلس؛ فلأنه خرج من أرضه، فهي كسلعة خرجت من يده فهو أحق بها في الفلس.
ولم يكن للمكتري فيها شركة بعمله وبذره كنفقة على العبد الصغير الذي لا منفعة له به، وكما قالوا في الأجير

على سقي الزرع: أنه أولى به في الفلس، وهو إنما حيي بماء رب الزرع وأرضه إلا أنهم جعلوا الأجير أولى به؛ لأنه بعمله تم.
ووجه أنه أحق به في الفلس والموت؛ فلأن الزرع كان في يده؛ لأن أرضه كيده وحامله له، فهي كحمل دوابه للمتاع، وهو لو أسلم دوابه لكان أولى بما على ظهورها، فكذلك الزرع.
وفي كتاب التفليس إيعاب هذا.
ومن المدونة قال ابن القاسم: وكذلك رب الدار في فلس المكتري هو أحق بالسكنى كلها إن لم يسكن المكتري.
وإن سكن شيئاً فربها مخير في أن يحاصص بجميع الكراء، أو يسلم بقية السكنى، أو يحاص بحصة كراء ما مضى، ويأخذ بقية السكن، إلا أن يدفع إليه الغرماء بقية الشهور بالتقويم، فلا كلام له إلا الحصاص بكراء حصة ما مضى.
وقد تقدم هذا.
[الفصل -3 - في تفليس المكري] وإن فلس الجمال فالمكتري أولى بالإبل حتى يتم حمله، إلا أن بضمن له الغرماء حملانه ويكروا له من أملياء، ثم يأخذوا الإبل، فيبيعونها في دينهم.

وقال غيره: لا يجوز أن يضمنوا حملانه.
وحكى عن بعض شيوخنا القرويين أنه قال: إنما هذا الاختلاف بين ابن القاسم وغيره إذا كانت الإبل المكتراة معينة، فرأي ابن القاسم أن ضمانهم لحملانه يجوز لضرورة التفليس، ومنع غيره من ذلك.
وإذا كان الكراء مضموناً فيجوز أن يضمنوا حملانه من غير خلاف بين ابن القاسم وغيره.
ألا ترى أن الحمالة بالمضمون تجوز، فإذا جازت الحمالة به جاز تحوله على الغرماء، والحمالة بالمعين لا تجوز.
فكذلك لا يجوز تحوله على الغرماء عند غيره.
ومن المدونة قال مالك: وإن فلس المكتري فالجمال أولى بالمتاع حتى يأخذ كراءه، ويكري الغرماء الإبل في مثل كرائه، وجميع الصناع أحق بما في أيديهم في الموت والفلس من الغرماء.
[الفصل -4 - في الإقالة في الكراء] وإن اكتريت أرضاً بدارهم فأقالك ربها على أن زدته دارهم فذلك جائز.
يريد: مقاصة إن كان قد نقده.
ولو استقاله المكري فأبى أن لا يزيد هو المكتري، فإن كان لم ينقده، وكانت الأرض مأمونة جاز.
وإن نقده لم يجز؛ لأنه يرد أكثر مما أخذه في

المنافع، وذلك لا يجوز على أحد القولين؛ لأن بيع المنافع كالدين لما كانت لا تقبض وضمانها من بائعها.
وكما لا تجوز الإقالة من الدار إذا سكن بعض السكنى ونقد، وفي ذلك اختلاف.
وإن كانت الأرض غير مأمونة لم يجز أن ينقده رب الأرض ما يزيده؛ لأنه كالنقد في غير المأمونة؛ لأن ربها صار مكترياً لها، وذلك كالإقالة بالزيادة في الجارية في المواضعة؛ لأنه لا نقد في المواضعة؛ لأنه تارة سلفاً وتارة ثمناً.
فإن قيل: لا تجوز هذه الإقالة بحال؛ لأن رب الأرض أخذ من دين له على المكتري كراء أرض قيل لا يشبه رب الأرض في هذا من أخذ من دين له كراء أرض؛ لأن رب الأرض رجعت إليه أرضه وهي في ضمانه، وبرئت ذمة المكتري من جميع الكراء.
والذي أخذ من دين له كراء الأرض لم تبرأ ذمة من أعطاه منفعة الأرض؛ لأنه إنما يقبضها شيئاً فشيئاً، ولم يقبض المنافع التي اكتراها، وضمانها من ربها، فافترقا.
ونحو هذا لبعض فقهاء القرويين.
وبالله التوفيق.

بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم

جارٍ التحميل