الباب الأول:] في فرض زكاة الماشية
[ومقادير النصاب في زكاة الإبل
[فصل 1 - في دليل فرضيتها، وشروط الوجوب]
وزكاة الماشية فريضة واجبة، وتجب بخمسة أوجه: بالإسلام والحرية والنصاب والحول، ومجيء الساعي، وقد تقدم وجه ذلك في الأول.
وفرضها في كتاب الله قوله تعالى ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾، وقوله تعالى ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ﴾ فأجملها تعالى في كتابه وبينها رسول الله صلى الله عليه وسلم فمن ذلك ما بينه صلى الله عليه وسلم في كتابه لعمرو بن حزم أن ليس فيما دون خمس ذود من الإبل
صدقة فإذا بلغت خمساً ففيها شاة إلى تسع فإذا بلغت عشراً ففيها شاتان إلى أربعة عشر فإذا بلغت خمس عشرة ففيها ثلاث شياة إلى تسع عشرة فإذا بلغت عشرين ففيها أربع شياة إلى أربع وعشرين فإذا بلغت خمساً وعشرين إلى خمس وثلاثين ففيها بنت مخاض، فإن لم توجد بنت مخاض فابن لبون ذكر فما زاد إلى خمس وأربعين ففيها بنت لبون، فما زاد إلى ستين ففيها حقة طروقة الفحل، فما زاد إلى خمس وسبعين ففيها جذعة، فما زاد إلى تسعين/ ففيها ابنتا لبون، فما زاد إلى عشرين ومئة ففيها حقتان طروقتا الفحل، فما زاد على ذلك ففي كل خمسين حقة وفي كل أربعين بنت لبون".
قال ابن القاسم: وبهذا كان يأخذ مالك.
ابن وهب: قال ابن شهاب: نسخة هذا الكتاب عند آل عمر بن الخطاب أقرانيها سالم بن عبد الله بن عمر فوعيتها على وجهها وهي التي انتسخ عمر بن عبد العزيز من سالم وعبيد الله ابني عبد الله بن عمر وأمر عماله بالعمل بها.
[فصل 2 - في أسماء جماعات الإبل]
قال ابن حبيب في شرح الموطأ في قول صلى الله عليه وسلم "ليس فيما دون خمس ذود من الإبل صدقة" كأنه قال: ليس فيما دون خمس من الإبل صدقة، لأن الذود ثلاثة وأربعة
وخمسة إلى السبع، وما فوق السبع شنق، إلى أربع وعشرين فينقطع عنها اسم الشنق ويحملها اسم الإبل، ولا ينقص الذود فيكون واحداً كما لا ينقص من عدد النفر فيكون واحداً.
والنفر من ثلاثة إلى سبعة، وما فوق السبعة إلى العشرة رهط، وفوق ذلك إلى الأربعين عصبة، وفوق ذلك إلى المئة فأكثر أمة.
قال ابن مزين عن عيسى بن دينار: أقل الذود واحد.
وقاله غيره.
قال ابن قتيبة: الذي عندي أن الذود ما بين الثلاثة إلى العشرة، وهو أول أسماء جماعات الإبل قال: ولو كان الذود واحداً ما جاز أن يقال: خمس ذود، وكان يقال: خمس أذواد، كما يقال: خمسة أثواب، ولا يجوز أن يقال: خمسة ثوب ومما يشبه هذا:
قولهم ثلاثة رهط، وخمسة رهط، والرهط في الناس: ما بين الثلاثة إلى العشرة وهو جمع لا واحد له من لفظه.
[فصل 3 - في أسنان الإبل الواجبة في الزكاة]
قال ابن حبيب: وبنت مخاض من الإبل بنت سنتين، سميت بذلك؛ لأن أمها صارت في حد المخاض وهو الحمل وإن لم يكن بها حمل، فإن دخلت في سنة ثالثة فهي بنت لبون، أي في حال يكون لأمها لبن ترضع به ما تلد بعدها وإن لم يكن لها حينئذ ولد، فإذا دخلت في سنة رابعة صارت حقة أي استحقت أن يحمل عليها وأن يطرقها الفحل، فإذا دخلت في الخامسة فهي جذعة، فإذا دخلت في السادسة فهي ثنية.
[فصل 4 - في الإبل تبلغ خمساً وعشرين فلم توجد فيها بنت مخاض ولا ابن لبون]
ومن المدونة قال مالك: وإذا كانت الإبل خمساً وعشرين فلم يجد الساعي فيها بنت مخاض ولا ابن لبون ذكر جبر ربها على أن يأتيه بابنة مخاض.
قال في كتاب محمد: وليس الساعي مخيراً، ولا يأخذ منه إلا بنت مخاض.
م: لأن عدمهما بمنزلة وجودهما إذ ليس لأحدهما مزية على الآخر.
قال في المدونة: إلا أن يشاء ربها أن يأتيه بخير منها فليس للساعي ردها.
قال ابن القاسم: فإن أتاه بابن لبون ذكر فذلك إلى الساعي إن أراد أخذه ورأى ذلك نظراً، وإلا ألزمه بنت مخاض على ما أحب أو كره.
ابن المواز: وقال أشهب: ليس إلى المصدق بخلاف المئتين، فإذا كان السنان في الإبل أو لم يكونا فليس له إلا بنت مخاض وإن كان فيها أحد السنين فليس له غيره.
م: وذهب أبو حنيفة إلى أن له أن يأخذ ابن لبون مع وجود بنت مخاض.
ودليلنا: قوله صلى الله عليه وسلم: "فإن لم توجد بنت مخاض فابن لبون ذكر" وكل حق تعلق بالمال فنقل منه إلى غيره لعدم المنقول عنه فلا يجوز الانتقال إليه مع وجوده اعتباراً بالكفارات.
[فصل 5 - الواجب في الإبل إذا زادت على عشرين ومئة]
ومن المدونة: قال مالك: وإذا زادت الإبل على عشرين ومئة واحدة كان الساعي مخيراً في أخذ حقتين أو ثلاث بنات لبون.
ابن المواز: وقاله أشهب.
قاله ابن القاسم: وقال ابن شهاب: ليس للساعي أن يأخذ الحقاق، وإنما يأخذ بنات اللبون، وبه أقول؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم وقول عمر رضي الله عنه: "فإذا زادت على عشرين ومئة ففي كل أربعين بنت لبون وفي كل خمسين حقة" فليس له إلا بنات اللبون كان السنان في الإبل أو أحدهما أو لم يكونا.
وقال ابن عبدوس: قد روى أشهب، وابن نافع، وابن الماجشون عن مالك: ليس فيها إلا حقتان، قال عنه ابن الماجشون: وإنما يعني في الحديث بقوله فما زاد على عشرين ومئة يريد: زيادة تحيل الأسنان فلا يزول عن الحقتين إلى ثلاثين ومئة.
م: فوجه مالك الذي جعل الساعي فيه مخيراً: أنه لما كان في الحديث:
فما زاد على عشرين ومئة ففي كل خمسين حقة وفي كل أربعين بنت لبون، وكانت زيادة الواحدة يقع عليها اسم زيادة ووجدنا الإحدى وعشرين ومئة يصلح فيها حقتان ويصلح فيها ثلاث بنات لبون إذ فيها أكثر من خمسينين وأكثر من ثلاث أربعينات وجب تخيير الساعي اللتين صلحت فيهما أربع حقاق وصلحت فيهما خمس بنات لبون فخير الساعي فكذلك هذه.
قال ابن المواز: وللساعي في إحدى وعشرين ومئة على هذا القول أخذ ما طلب كانت إحدى/ السنين في الإبل أم لا، يريد: لما في الحديث من الاحتمال بخلاف المئتين.
وقال مالك في المجموعة: إذا كانت إحدى السنين في الإبل لم يكن للساعي غيرها كما قال في المئتين.
م: ووجه قول ابن شهاب وابن القاسم أنه لما قال في الحديث: "فما زاد ففي كل خمسين حقة وفي كل أربعين بنت لبون" فأي زيادة حصلت أوجبت تغيير الفرض بحق الظاهر، قال أبو جعفر الأبهري: ويؤيد ذلك ما روي في الكتاب الذي
كتبه النبي صلى الله عليه وسلم وهو عند آل عمر في حديث ابن شهاب أنه قال: "وفي إحدى وعشرين ومئة ثلاث بنات لبون" وهذا نص.
قال عبد الوهاب: ووجه قول مالك الذي رواه ابن الماجشون وغيره أنه إنما أراد في الحديث زيادة تحيل الأسنان عن فرضها وذلك عشرة فأكثر، ولأنا وجدنا كل زيادة تحيل الأسنان عن فرضها تكون داخلة في التزكية، وكل ما لا يحيل الأسنان عن فرضها إنما هو وقص غير داخل في التزكية، فلو قلنا إن الفرض يتغير بزيادة واحدة وتدخل في التزكية لكان في ذلك مخالفة للخبر وإيجاب لبنت لبون في أربعين وثلث، وإن قلنا إن الفرض يتغير بها ولا تدخل في التزكية كان في ذلك مخالفة الأصول، ولأن في حديث ابن عمر: "فإذا كثرت الإبل ففي كل خمسين حقة، وفي كل أربعين بنت لبون" والكثرة لا تكون بزيادة الواحدة، ويؤيد ذلك ما روى في حديث عمر بن عبد العزيز الذي نسخ
له من عند آل عمر بن الخطاب أنه لا شيء فيما زاد على العشرين ومئة حتى تبلغ ثلاثين ومئة وهذا نص، قال أبو بكر الأبهري: وهذا أقيس الأقوال وأحسنها.
م: وظهر لي أن هذا القول أضعفها وأن في توجيهه ضعفاً لما ذكر في الحديث وهو مقابل بما ذكر في الحديث في رواية ابن شهاب وإن قول ابن شهاب أقيسها وذلك أنا وجدنا أول كل زيادة تحيل الأسنان عن فرضها بعد كمال وقصها واحداً وما بعده إلى الفرض الثاني وقص، وذلك أن التسعة من الإبل خاتمة فرض الشاة بوقصها فإذا زادت واحدة غيرت الفرض، وما بعد ذلك إلى الأربع عشرة وقص، فإذا زادت واحدة أيضاً غيرت الفرض، وكذلك في الأربع وعشرين خاتمة فرض الشنق فإذا زادت واحدة غيرت الفرض، وكذلك في البقر التسع والثلاثون خاتمة فرض التبيع بوقصه فإذا زادت واحدة غيرت الفرض، وكذلك في الغنم المئة وعشرون خاتمة فرض الشاة بغاية وقصها فإذا زادت واحدة كان فيها شاتان، وكذلك المئة وعشرون من الإبل هي خاتمة فرض الحقتين بوقصها، فإذا زادت واحدة وجب تغيير الفرض، فلا تجد زيادة الواحدة أبداً على خاتمة الفرض بوقصه إلا تغيره، ولأن أول فرض الحقتين من إحدى
وتسعين إلى عشرين ومئة لقوله صلى الله عليه وسلم: "إلى عشرين ومئة".
وإلى ها هنا: غاية، وحكم الغاية أن يكون ما قبلها مخالفاً لما بعدها، كما كانت في الخمسة وعشرين، والخمسة وثلاثين، والخمسة وأربعين، والستين، والخمسة وسبعين، والتسعين غاية، وكان ما بعد ذلك مخالفاً لما قبله، وتغير ذلك بزيادة واحدة، فكذلك المئة وعشرون، وهذا بين.
والله أعلم بالصواب.
[فصل 6 - الواجب في الإبل إذا بلغت ثلاثين ومئة فما فوق]
ومن المدونة قال مالك: فإذا بلغت الإبل ثلاثين ومئة ففيها حقة وبنتا لبون ولا خلاف في ذلك، وفي الأربعين ومئة حقتان وابنة لبون، وفي الخمسين ومئة ثلاث حقاق، وفي ستين ومئة أربع بنات لبون، وفي سبعين ومئة حقة وثلاث بنات لبون، وفي ثمانين ومئة حقتان وابنتا لبون، وفي تسعين ومئة ثلاث حقاق وابنة لبون، يريد: أبداً في زيادة العشر حقة وتنقص بنت لبون، وفي المئتين الساعي مخير إن شاء أخذ أربع حقاق أو خمس بنات لبون إذ صلح فيها السنان جميعاً، وهذا إن كان السنان في الإبل أو لم يكونا) وإن كان فيها أحد السنين لم يكن له غيره.
قال ابن المواز: إلا أن يكون في الأربع حقاق قوام رب الإبل ومصلحته فليس للساعي أخذها لأنه يضر به وليكلفه ما يجزيه.
ابن المواز: وذكر عن ابن القاسم أنها إن خلت من السنين فما أتاه به ربها فليقبله، وقال أصبغ: ليس هذا بشيء والساعي مخير عليه.
م: فوجه قول ابن القاسم أنه لما أتاه ربها بأحد السنين فكأنه كان موجوداً فيها فليس له رده.
ووجه قول أصبغ أنهما لما عدما في الأصل وجب تخيير الساعي فلا ينقله عن ذلك ما أتى به ربها؛ لأن ذلك يوجب رفع تخيير الساعي/ أبداً.
[فصل 7 - الغنم لا تعود في صدقة الإبل بعد العشرين ومئة]
ومن المدونة: قال مالك: وإذا صارت الفريضة في الإبل إلى عشرين ومئة لم يرجع إلى الغنم يريد: أنه لا يبتدي الحكم في الزائد، قال سحنون: إلا أن ترجع الإبل إلى أقل من فريضة الإبل فيرجع إلى الغنم ألا ترى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "فما زاد على عشرين ومئة ففي كل خمسين حقة وفي كل أربعين بنت لبون" ولم يقل: فما زاد ففي كل خمس شاة إلى أربع وعشرين كما قال في ابتداء الصدقة.
[فصل 8 - فيمن أعطى أفضل مما عليه وأخذ عوضاً أو أعطى دون ما عليه وأدى عوضاً]
قال ابن القاسم: ولا يأخذ الساعي دون السن المفروضة وزيادة ثمن، ولا فوقها ويؤدي ثمناً.
قال ابن القاسم وأشهب في المجموعة فيمن يعطي أفضل ويأخذ ثمناً، أو أدنى ويؤدي ثمناً: إنه لا ينبغي، فإن نزل أجزأه.
وقال أصبغ- في كتاب محمد- إن أعطى أفضل مما عليه، وأخذ للفضل ثمناً
فلا شيء عليه إلا رد الزيادة، وإن أعطي دون ما وجب عليه وزيادة دراهم، فعليه البدل كله.
م: والصواب أن يجزئه؛ لأنه إنما اشترى ما عليه بما دفع وبالدراهم، فهو من ناحية كراهية اشتراء الرجل صدقته، وقد قال مالك: من الناس من يكره اشتراء الرجل صدقته، ومنهم من لا يرى به بأساً، والصواب كراهية ذلك: لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "العائد في صدقته كالكلب يعود في قيئه" لكنه إن نزل مضى للاختلاف فيه، وإذ يتأول معنى الحديث: "العائد في صدقته" يريد: بلا ثمن، وإنما كرهه مالك لعموم الحديث واستحب أن يترك شراءها وإن كانت قد قبضت منه، وقد قال عمر لرجل سأله عن ذلك: "لا تشترها ولا تعد في صدقتك".
م: ويجب على قول أصبغ إذا دفع أدنى وزاد ثمناً فلم يجزه أن يرجع على الساعي فيما دفع إن كان قائماً، وإن فرَّقه وفات لم يرجع عليه بشيء؛ لأنه سلطه على إتلافه فهو كمن عوّض من صدقة وهو يظن أن ذلك يلزمه أنه لا يرجع بشيء على من أخذه إن فات، قاله بعض فقهائنا.
قال ابن المواز: قال مالك: ومن وجب عليه معز فأعطى ضأناً فليقبل منه، فأما معز عن ضأن فلا، قال أشهب: إلا أن تبلغ لرفاهيتها مثل ما لزمه من الضأن فلا بأس بذلك.
[فصل 9 - لا يُشترى من الساعي شيء قبل خروجه، ولا يشتري أحد الصدقة التي عليه بدين إلى أجل]
ومن المدونة: ابن وهب: قال مال: ولا يشتري أحد من الساعي قبل خروجه شيئاً من الصدقة وإن وصف أسنانها إذ لا يدري ما يقتضي في نحوها وهيئتها قال: ومن ابتاع الصدقة التي عليه بدين إلى أجل لم يصلح لأنه دين بدين، وقاله عمر بن عبد العزيز.
قال أبو الزناد وأصل ذلك أن عمر بن الخطاب كان ينهي العمال أن يبيعوا من أحد فريضة أو شاة تحل عليهم بدين.
[فصل 10 - نتاج السائمة حوله حول أصله]
قال مالك: ومن كانت له خمسة من الإبل فهلكت منهن واحدة قبل الحول بيوم ونتجت أخرى فتم الحول بالتي نتجت خمساً ففيها شاة.
[فصل 11 - تفسير الشنق، ومن أي صنف تؤخذ الشاة الواجبة في صدقة الإبل؟]
قال: والشنق من الإبل ما يزكى بالغنم وهو أربع وعشرون، فإذا بلغت الفريضة أن تؤخذ من الإبل لم تكن شنقاً.
ويؤخذ في الإبل من الغنم من الصنف الذي هو جل أغنام ذلك البلد، من ضأن أو معز، وافق ما في ملك ربها أو خالفه، يكلف أن يأتي بما يلزمه من ذلك إلا أن يتطوع ربها بدفع الصنف الأفضل، فذلك له.
ومن كتاب ابن سحنون: قال ابن نافع عن مالك: يأخذ في ذلك ما تيسر على رب الإبل من ضأن أو معز لا يكلف ما ليس عنده، وما أدى من ضأن أو معز أجزأ عنه.
قال ابن المواز: قال مالك: أهل الحجاز أهل ضأن، وأهل السواحل أهل معز، قال ابن حبيب: إن كان من أهل الضأن فمنها، وإن كان من أهل المعز فمنها، وإن كان من أهل الصنفين أخذ الصدق من أيهما شاء.
وبالله عز وجل التوفيق.
[الباب الثاني]
جامع ما جاء في زكاة البقر
[فصل 1 - في أدلة الوجوب ومقادير النصاب]
قال ابن القاسم: وكان مالك يأخذ في زكاة البقر بحديثه الذي يذكر عن طاؤوس عن معاذ، وروي ابن وهب أن في كتاب عمرو بن حزم الذي كتبه له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليس فيما دون ثلاثين من البقر صدقة فإذا بلغت ثلاثين ففيها عجل تابع جذع إلى أن تبلغ أربعين فإذا بلغت أربعين ففيها بقرة مسنة إلى ستين فإذا بلغت ستين فتبيعان إلى أن تبلغ سبعين فإذا بلغت سبعين ففيها بقرة وعجل جذع حتى تبلغ ثمانين فإذا بلغت ثمانين ففيها مسنتان ثم على نحو هذا".
قال ابن وهب: وأخبرني رجال من أهل العلم أن النبي صلى الله عليه وسلم/ حين بعث معاذاً إلى اليمن أمره بهذا.
وأن معاذاً صدق البقر كذلك.
وروى أشهب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يؤخذ من البقر شيء حتى تبلغ ثلاثين فإذا بلغت ثلاثين ففيها تابع جذع أو جذعة".
[فصل 3 - السن الذي يجب في الثلاثين]
وقال مالك: الذي جاء في ثلاثين تبيع وهو ذكر، ولا تؤخذ المسنة إلا أنثى، قال أبو محمد: ويجوز أن يؤخذ في التبيع أنثى إذا أطاع بها ربها.
م: يريد: على قول مالك هذا وأما على ما رواه أشهب فللساعي أخذ ما طلب.
قال عبد الوهاب: وكذلك في كتاب عمرو بن حزم أن في كل ثلاثين تبيعاً جذعاً أو جذعة، قال: وأو: موضوعها التخيير فللساعي حينئذٍ أن يأخذ ما طلب كانا جميعاً في البقر أو لم يكونا وإن كان فيها أحدهما لم يكن له غيره كالمئتين في الإبل.
[فصل 3 - الواجب في البقر إذا بلغت عشرين ومئة]
قال ابن المواز: وإذا كانت البقر عشرين ومئة كان الساعي مخيراً في ثلاث مسنات أو أربع توابع كانا في البقر أو لم يكونا، وإن كان فيها أحد السنين لم يكن له غيره كالمئتين من الإبل.
ومن المدونة: قال الليث: وسنة الجواميس في السعاية سنة البقر سواء، قال مال: الجواميس من البقر.
[فصل 4 - تفسير الجذع والمسن]
قال ابن حبيب: والجذع من البقر هو التبيع ابن سنتين، والثني منها ما أوفى ثلاثاً ودخل في الرابعة وهو المسن، وقال ابن نافع في المجموعة: الجذع من البقر: ما أوفى سنتين ودخل في الثالثة.
[الباب الثالث]
جامع ما جاء في زكاة الغنم
[فصل 1 - في مقادير النصاب، وصفة الشاة المأخوذة في زكاة الغنم]
روى ابن وهب، أن في كتاب عمرو بن حزم، الذي كتبه له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس في الغنم صدقة حتى تبلغ أربعين شاة، فإذا بلغت أربعين شاة ففيها شاة، إلى عشرين ومئة، فإذا كانت إحدى وعشرين ومئة ففيها شاتان، إلى مئتي شاة، فإذا كانت مئتي شاة وشاة ففيها ثلاث شياه، إلى ثلاث ومئة، فما زاد، ففي كل مئة شاة شاة، ولا يجمع بين مفترق، ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة، ولا يخرج في الصدقة هرمة، ولا ذات عوار ولا تيس إلا أن يشاء المصدق، وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية».
وقال صلى الله عليه وسلم - في أول ما أخذ الصدقة للمصدقين-: «لا تأخذوا من حزرات الناس»، وقال في حديث آخر:
"إياك وكرائم أموالهم خذ الجذعة والثنية".
وروي أن عمر مُرَّ عليه بغنم من الصدقة فرأى فيها شاة حافلاً ذات ضرع عظيم، فقال: "ما أعطى هذه أهلها وهم طائعون، لا تفتتنوا الناس، لا تأخذوا حزرات المسلمين"، وقال عمر للساعي: "تعد عليهم السخلة يحملها الراعي، ولا تأخذها، ولا الرُّبى التي وضعت ولا الأكولة شاة اللحم ولا الحامل الماخض، ولا فحل الغنم، وتأخذ الجذعة والثنية، وذلك عدل بين غذاء المال وخياره".
قال ابن أبي زمنين: الغذاء: صغار الماشية، واحدها غذي، والخيار: الكبار.
قال عبد الوهاب: وقد روي: "ولا ذات عيب، ولا اللئيمة، ولا المريضة، ولا المسنة، ولكن من وسط أموالكم؛ فإن الله عز وجل لم يسألكم خياره ولم يأمركم بشره".
قال مالك: وإذا كانت الغنم رُبى كلها أو ماخضاً أو أكولة أو فحولة لم يكن للمصدق أن يأخذ منها شيئاً، وليأت ربها بجذعة أو ثنية مما فيه وفاء، وليس للساعي أن يأبى ذلك، ويلزمه قبولها.
[فصل 3 - معاني الغريب في حديث الصدقة]
قال ابن حبيب: والسخلة هي المولودة من الخرفان أو الجديان، والأكولة: هي التي تعوهدت بالرعي وكثر أكلها، من ذكر أو أنثى كما تتعاهد العليف، والأكيلة: التي قد أكلت أو تؤكل، ويقال: شاة عليف، والعلوف: الرجل الذي يعلفها مثل قتيل وقتول، والماخض ما دنى ولادتها، والربى: التي كما ولدت، أو قرب ما ولدت، والحافل: الكبيرة الضرع، وحزرات الناس: خيار مواشيهم، والهرمة: الشارفة، والعوار بالفتح: العيب وهو الذي في الحديث فيما لا يؤخذ في الصدقة، وأما برفع العين فمن العور، والفصلان: صغار الإبل ما لم تبلغ السن المذكور المأخوذ، وكذلك العجاجيل من البقر.
ومن المدونة قال: والوقص: هو ما بين الفريضتين والنصاب: ما فيه الزكاة،
والسائمة: الراعية، قال الله تعالى: ﴿فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ أي ترعون.
[فصل 3 - ذِكْر أسنان ما يؤخذ في زكاة الغنم وصفاتها]
قال مالك: ولا يأخذ ما فوق الثني ولا ما تحت الجذع، ولا يأخذ إلا الثني أو الجذع إلا أن يشاء رب المال أن يعطيه ما هو أفضل من ذلك فليأخذه لقوله صلى الله عليه وسلم/ للذي أعطى ناقة سمينة مكان بنت مخاض: "ذلك الذي عليك فإن تطوعت بخير آجرك الله فيه وقبلناه منك" قال: والجذع من الضأن والمعز في أخذ الصدقة سواء، يريد: أنه يجزي أحدهما في الصدقة ذكراً أو أنثى، قال أشهب وغيره، وكذلك فيما يؤخذ منها عن الإبل.
وذهب ابن حبيب إلى أنه إنما يؤخذ الجذع من الضأن أو الثني من المعز كالضحايا، قال أبو محمد: وليس هذا بقول مالك ولا أصحابه.
وقال عمر بن عبد العزيز: لا يجزئ في الضحايا والهدايا إلا الثني من كل شيء، ذكر ذلك في المختلطة، وذكره مالك في موطأه عن ابن عمر.
م: ووجه هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بردة بن نيار في العناق في الضحايا: "اذبحها ولن تجزئ عن أحد بعدك" فكذلك الهدايا والزكاة ولأن ذلك كله قربة إلى الله عز وجل.
ووجه ما في المدونة من أن الجذع من الضأن والمعز يجزئ في الزكاة، ولا يجزئ الجذع في المعز في الضحايا قوله صلى الله عليه وسلم لأبي بردة بن نيار في الضحايا في العناق من المعز: "اذبحها ولن تجزئ عن أحد بعدك" وإنما جاز ذلك في الزكاة لقول عمر رضي الله عنه: "خذ الجزعة والثنية وذلك عدل بين غذاء المال وخياره".
ووجه قول ابن حبيب أن النبي صلى الله عليه وسلم لما منع من الجذع من المعز في الضحايا فكذلك يجب أن يكون في الزكاة.
قال علي بن زياد، وابن حبيب، وغيرهما: والجذع من الضأن والمعز: ابن سنة وقيل: ابن عشرة أشهر، روى ذلك ابن وهب، وقيل: ابن ثمانية، وقيل: ابن ستة أشهر، روى ذلك علي بن زياد، وقال: والثنية: التي طرحت ثنيتها.
ومن المدونة، قال مالك: ويؤخذ الثني من الضأن ذكراً أو أنثى، ولا يؤخذ الثني من المعز إلا أنثى لأن الذكر منها تيس، ولا يأخذ المصدق تيساً، والتيس دون الفحل إنما يعد مع ذات العوار ويحسب على رب الغنم كما تحسب عليه العمياء والمريضة البين مرضها والهرمة والسخلة والعرجاء التي لا تلحق بالغنم، وذوات العوار هي ذوات العيب فلا يأخذها.
قال ابن حبيب: وقد نُهى عن أخذ التيس في الحديث إلا أن يكون مسناً من كرام المعز فيلحق بالفحول لهذا يؤخذ إن أطاع به ربه.
[فصل 4 - في رداءة النوع]
ومن المدونة قال مالك: وإن كانت الغنم كلها قد جربت أو ذوات عوار أو سخالاً أو كانت البقر عجاجيل كلها والإبل فصلاناً كلها وفي عدد كل صنف منها ما تجب فيه الصدقة كُلف ربها أن يشتري ما يجزئه.
قال عبد الوهاب: وقال داود: لا شيء في الصغار، وقال أبو حنيفة: لا شيء فيها إلا أن يكون معها نصاب من الكبار، وقاله الشافعي.
ودليلنا قوله صلى الله عليه وسلم: "وفي خمس وعشرين من الإبل بنت مخاص، وفي الثلاثين من
البقر تبيع، وفي الأربعين من الغنم شاة" فعم، والاسم في ذلك كله يقع على الصغار والكبار، وروي: "وتعد صغارها وكبارها" وروي ذلك أيضاً عن عمر وعلي ولا مخالف لهما، ولأنه نماء حادث عن مال تجب في جنسه الزكاة فأشبه ربح المال.
ودليلنا على قول أبي حنيفة فلأنه نتاج حادث عن حيوان تجب في عينه الزكاة فحكمه حكم الأمهات أصله إذا كانت الأمهات نصاباً.
ومن المدونة قال مال: وإذا رأى المصدق أن يأخذ ذات العوار والتيس والهرمة أخذها إن كان ذلك خيراً له ولا يأخذ من هذه الصغار شيئاً، قال وكما لو لم يكن عنده إلى بُزل كلها اشترى له من السوق ما يجزيه ولم يُعطه منها فكذلك إذا كان عنده الدون اشترى له من السوق ما يجزئه.
ومن العتبية قال أصبغ عن ابن القاسم: سأل عثمان ابن الحكم مالكاً عن
الساعي يأتي الرجل فيجد غنمه عجافاً كلها قال: يأخذ منها وإن كانت عجافاً.
قال سحنون: وهو قول المخزومي.
قال أصبغ: وأخبرني ابن وهب عن مالك وابن شهاب أو عن أحدهما أنه قال: لا يؤخر الساعي الصدقة وإن عجفت الغنم وليأخذها في الخصب والجدب ولا يضمنوها.
وذكر ابن المواز رواية ابن الحكم هذه، وقال: يؤخذ منها عجافاً، وإن كانت ذات عوار أو تيوساً فليأت بغيرها، قال ابن المواز: وكذلك العجاف يشتري له ما يعطيه، وهذا معنى قول مالك: يأخذ منها يريد: أنه يزكيها لا يدعها ولكن لا يأخذ عجافاً وليكلف ربها أن يأتيه بما يجزئه.
م: وظاهر هذه الرواية خلاف ما ذكر محمد وأنه يأخذ منها بعينها وإن كانت عجافاً؛ لأنه قال: تؤخذ عجافاً، وإن كانت ذات عوار فليأت بغيرها فدل أن العجاف بخلاف ذات العوار/ وأنه يأخذ منها بعينها.
والله أعلم.
م: وأنا أرى إن كانت أكثر أغنام الناس عجافاً، وإنما فيها السمين القليل، فليأخذ من العجاف؛ لأن السمين حينئذ هو من حزرات الناس، وقيمة العجيف حينئذ كقيمة السمين في وقت تكون كلها سماناً، وإن كان إنما عجفت غنم هذا وحده لعلةٍ دخلت عليه خاصة، فليكلف حينئذٍ أن يأتيه بما يجزئه، ولا يأخذ العجاف؛ لأنها لا قيمة
لها حينئذٍ فيضر بالمساكين.
[فصل 5 - لا زكاة في الأوقاص]
ومن المدونة قال مالك: ولا شيء في الوقص وهو ما بين الفريضتين من جميع
الماشية وقد سأل معاذ النبي صلى الله عليه وسلم عن الأوقاص قال: "ليس فيها شيء".
ثبت ذلك عن معاذ عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير طريق.
[فصل 6 - نتاج السائمة يضم إلى أصله في تكميل النصاب]
قال مالك: ومن كانت له ثلاثون من الغنم فتوالدت قبل قدوم الساعي بيوم فتمت أربعين زكاها عليه، وإن كان الأصل غير نصاب لأنها إنما زادت بولادتها بخلاف ما لو أفادها إليها.
قلت: هل كان مالك يعرف أن المصدق يجمع الغنم ثم يفرقها ثم يخير رب الغنم أي الفريقين شاء ثم يأخذ هو من الفرقة الأخرى فقال: لم يعرفه مالك وأنكره.
[فصل 7 - وجوب الزكاة في العوامل]
قال مالك: ومن كانت له إبل أو بقر أو غنم يعمل عليها ويعلفها ففيها الصدقة إن بلغت ما تجب فيه الصدقة والعوامل وغير العوامل سواء.
قال عبد الوهاب: وخالفنا أبو حنيفة، والشافعي.
ودليلنا: قوله صلى الله عليه وسلم: "ليس فيما دون خمس ذود من الإبل صدقة".
وقال: "وفي كل ثلاثين من البقر تبيع" فعم؛ ولأن اختلاف الصفات عليها كاختلاف الأسنان، فإذا كان اختلاف الأسنان لا يؤثر في الزكاة، فكذلك اختلاف الصفات.
[فصل 8 - في زكاة الخيل]
ولا زكاة في الخيل خلافاً لأبي حنيفة في إيجابه الزكاة في إناثها.
ودليلنا قوله صلى الله عليه وسلم: "عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق" وقوله: "ليس على
المسلم في عبده ولا فرسه صدقة" وقوله: "ليس في الجبهة ولا في الكُسْعة ولا في النُّحِّةِ صدقة" قال أهل العربية: الجبهة: الخيل، والكُسعة: الحمير والنُّحِّةُ: الرقيق؛ ولأنه حيوان يقتنى للزينة كذكورها، وكالحمير؛ ولأنه حيوان لا يجزي في الضحايات والهدايا كالدجاج والوحش.
[الباب الرابع]
في زكاة ماشية القراض والمدير
[فصل 1 - ماشية القراض زكاتها على رب المال في رأس ماله]
قال مالك رحمه الله: ومن أخذ مالاً قراضاً فاشترى به غنماً فتم حولها وهي بيد المقارض فزكاتها على رب المال في رأس ماله ولا شيء على العامل.
[فصل 3 - زكاة الفطر عن عبيد القراض]
قال أبو محمد: وكذلك زكاة الفطر في عبيد القراض على رب المال في رأس ماله وليس من مال القراض، وأما نفقتهم فمن مال القراض ونحوه في كتاب ابن المواز، وظاهر ذلك: المساواة بين الماشية وعبيد القراض وأن ذلك على رب المال في رأس ماله وليس من مال القراض.
وقال ابن حبيب في عبيد القراض: إن زكاتهم كالنفقة ملغاة، ورأس المال هو العدد الأول، قال: وأما الغنم: فمجمع عليها في الرواية عن مالك من المدنيين والمصريين أن زكاتها على رب المال من هذه الغنم لا من غيرها، فتطرح قيمة الشاة المأخوذة من أصل المال، ويكون ما بقي رأس المال، قال: وهي تفارق زكاة الفطر، لأن هذه تزكى من رقابها، والفطرة مأخوذة من غير العبيد.
م: واختلف أصحابنا في قول ابن حبيب هذا فقال أكثرهم: هو وفاق للمدونة، وظهر لي أنه خلاف لما في المدونة، والدليل على ذلك مساواة الإمام أبي محمد بن أبي زيد بينهما في المختصر وفي النوادر ولا مدخل للتأويل في كلامه مع ما يسعده من ظاهر
المدونة، وكتاب محمد، والقياس، وذلك أنا اتفقنا أن المقارض إذا أشغل بعض المال لم يكن لربه أن ينقص منه شيئاً؛ إذ عليه عمل العامل فله شرطه، ولا خلاف أعلمه بين أصحابنا في هذا، فإذا ترك الساعي رب المال وأخذها من العامل كان قد نقص من المال بعد إشغاله.
فإن قيل: فإنه إذا أدّاها رب المال من عنده كان ذلك زيادة في القراض بعد إشغال المال وذلك لا يجوز، قيل: إنما الزيادة التي لا تجوز ما وصل إلى يد العامل وانتفع به، وهذا لا يصل/ إلى يد العامل منه شيء، إنما يأخذه الساعي، ولو كان ذلك زيادة في القراض لكان في زكاة الفطر عن عبيد القراض زيادة.
فإن قيل: فإن الغنم زكاتها من رقابها؛ فلذلك أخذت من رب المال، قيل: والدنانير أيضاً زكاتها منها، فيلزمك أن تقول: إذا كان رب المال يدير والعامل لا يدير، وبيده سلع ومال عين أن يزكي عن العين من مال القراض، وهذا خلاف النص، وقد قال محمد وغيره: إن زكاة ذلك على رب المال يقوم ما بيد العامل ويزكي من عنده، ولا يزكي العامل ما ينوبه إلا بعد المفاصلة لعام واحد.
وأيضاً: فيلزمك أن تقول إذا كانت الإبل شنقاً تزكى بالغنم أن زكاتها على رب المال؛ لأن زكاتها من غيرها، كعبيد القراض، فإن قلته فقد خالفت قول ابن حبيب وانفردت بقولك، وإن قلت على العامل فقد نقضت حجتك، إذ حجتك أن كل ما يزكى من غيره فهو على رب المال.
وأيضاً فإنا نقول: إن الشاة المأخوذة من الأربعين، إنما هي زكاة عن رقابها، والفطرة أيضاً زكاة عن رقاب العبيد، فاستويا؛ فوجب أن تكون زكاتهما على من له الرقاب، والمقارض لا شيء له في الرقاب، وإنما الذي يأخذه كالإجارة، فلا ينبغي أن يكون عليه من زكاة الرقاب شيء.
فإن قلت: فإنه إذا أسقطت قيمة الشاة من أصل مال القراض لم يدخل على العامل في ربحه نقص، قيل: يدخل عليه ذلك إذا حالت أسواق الغنم بزيادة بعد ذلك، وهذا كله إذا كان رب المال غائباً عنه، فللساعي أخذ الشاة من العامل إذ قد لا يجد رب المال فيؤدي ذلك إلى إسقاط الزكاة عنها، فإذا أخذها سقطت قيمة الشاة من مال
القراض، وكان ما بقي رأس مال، ويكون أخذ للشاة كالاستحقاق، ولا يجوز لربها أن يدفع حينئذٍ قيمة الشاة إلى العامل، فيكون ذلك زيادة في القراض بعد إشغال المال، ويكون القول في هذا ما قاله ابن حبيب لما يدخل على الساعي من الضرر في مطالبة رب المال.
وبالله التوفيق.
[فصل 3 - الغنم وإن اشتريت للتجارة فالواجب فيها هو زكاة الماشية]
ومن المدونة قال مالك: ولا يقوم المدير غنمه في شهره الذي يزكي فيه، وإن ابتاعها للتجارة، لأن في رقابها زكاة السائمة، وليزك رقابها كل عام، لأن الغنم فريضة في الزكاة وسنة قائمة، وقد قال مالك في الرجل يبتاع الغنم للتجارة بعد ما زكى ثمنها بثلاثة أشهر أو أربعة أشهر: إنه يستقبل بها حولاً من يوم اشتراها.
فهذا يدلك أن الغنم إذا اشتريت خرجت عن زكاة المال وصارت إلى زكاة الماشية، وسواءً كان مديراً أو غير مدير إنه يستقبل بها حولاً من يوم اشتراها ثم يزكى رقابها.
[مسألة: في المدير يبيع غنمه قبل أن يأتيه الساعي]
قال مالك: ولو باعها قبل الحول أو باعها بعد حول قبل مجيء الساعي فإنها ترجع إلى زكاة الذهب ويزكى الثمن لحول من يوم أفاده أو زكاه.
[مسألة: إن زكى عينها ثم باعها فحول ثمنها من يوم زكاة عينها]
قال: ولو باعها بعد أن زكى رقابها زكى الثمن لحول من يوم زكى الرقاب.
[مسألة: إن كانت دون النصاب قومها المدير مع عروضه]
ابن المواز: ولو كانت الغنم التي اشترى المدير أقل من أربعين فإنه يقومها مع عروضه في شهره الذي يقوم فيه ولا ينظر إلى حولها وهي بمنزلة العرض.
[مسألة: إن بلغت النصاب بعد تقويمها فأتى الساعي أخذ منها زكاة الماشية]
م: وقال بعض شيوخنا: فإن قوّم هذه الغنم ثم بعد ذلك تمت بولادة أو بُدل قليل بكثير فأتى الساعي وهي نصاب أخذ منها الزكاة ولا يُسقِط عنه الزكاة ما تقدم من تقويمه إياها قبل مجيء الساعي، والله أعلم.
[الباب الخامس]
في اجتماع الضأن والمعز والبقر والجواميس
[فصل 1 - يضم الجنس إلى جنسه في تكميل النصاب]
قال مالك: وتضم الضأن إلى المعز في الزكاة، والجواميس إلى البقر، والبخت إلى الإبل العراب/.
قال بعض البغداديين: لأن الاسم والجنس يُجمع ذلك كله فدخل في عموم قوله: "في كل خمس من الإبل شاة، وفي كل ثلاثين من البقر تبيع، وفي كل أربعين شاة شاة".
[فصل 3 - الغنم تكون فيها الضأن والمعز تؤخذ الصدقة من أكثرها وإن كانت متساوية خير الساعي]
ومن المدونة: قال ابن القاسم فيمن له سبعون ضائنة وستون معزة فعليه شاة من الضأن وأخرى من المعز، ولو كانت المعز خمسين كان عليه شاة واحدة من الضأن، ولو كانت ستين من الضأن.
وستين من المعز أخذ الساعي واحدة من أيهما شاء، ولو كانت عشرون ومئة ضائنة، وأربعون معزة أخذ من الضأن واحدة ومن المعز أخرى، ولو كانت المعز ثلاثين أخذ شاتين من الضأن.
ومن المجموعة: قال مالك: ومن له ضأن ومعز تجب فيهما شاة أخذها المصدق من أكثرهما، فإن استويا فمن أيهما شاء.
قال ابن القاسم: وإن كان فيهما شاتان، فإن كان في أقلهما عدد الزكاة.
م: يريد: وكونها أوجبت الشاة الثانية أخذ من كل صنف واحدة.
م: لأن زيادة ما لا يوجب حكماً إنما هو وقص فلذلك شرطنا أن كونها أوجبت الشاة الثانية.
وإن كانت القليلة ليس فيها عدد الزكاة، يريد: أو كان كونها لم يوجب الشاة الثانية أخذ الشاتين من الكثيرة.
وإن كان فيهما ثلاث شياة وكانت القليلة كونها أوجبت زيادة الواحدة وفيها مع ذلك عدد الزكاة أخذ الثالثة منها، وإن لم يوجب كونها زيادة الواحدة.
م: يريد: وإن كانت أكثر من نصاب فهي وقص لا يأخذ منها وإن كثرت.
م: ولو كان فيهما أربع شياة وكانت القليلة أوجبت الشاة الرابعة ابتدأ الحكم في المئة الرابعة فيأخذ الشاة الرابعة من أكثر المئة الرابعة، فإن استويا خيّر الساعي في الرابعة؛ لأن الحكم انتقل إلى المئتين، وكذلك يصنع فيما زاد يبتدي الحكم في المئة الآخرة.
قال أبو محمد: ورأيت لسحنون ولم أروه؛ فيمن له عشرون ومئة ضائنة، وأربعون معزة، أن يأخذ الشاتين من الضأن.
م: يريد: كأنه جعل في الأربعين من الضأن شاة، فيبقى منها ثمانون، والمعز أربعون، فيأخذ الشاة الثانية من الضأن؛ لأنها أكثر.
قال أبو محمد: والذي ذكر ابن القاسم أبين، وهي بخلاف من له أربعون بقرة وعشرون جاموساً، قال في هذه: يأخذ واحدة من كل صنف.
م: لأنه يجعل في الثلاثين من البقر تبيعاً، وتبقى عشرة منها مع عشرين جاموساً؛ فيأخذ تبيعاً من الأكثر وهي الجواميس.
م: والفرق بينهما أن الثمانين الزائدة على الأربعين في الضأن وقص لا شيء فيها، والعشرة الزائدة على الثلاثين في البقر ليس هي وقصاً؛ لأنها أحالت الفريضة عن حالها.
م: ولو كانت الضأن مئة وإحدى وعشرين لأشبهت مسألة الجواميس مع البقر؛ لأن الإحدى والثمانين الزائدة على الأربعين شاة ليس بوقص، لأنها أحالت الفريضة وصارت الأربعون معزاً حينئذٍ وقصاً فوجب أن يأخذ الجميع من الكثير.
قال أبو محمد: ولو كانت مئة وخمسين ضائنة وخمسين معزاً، أو مئة وإحدى وعشرين ضائنة وأربعين معزاً ينبغي أن يأخ الجميع من الكثير.
م: صواب.
ومن المدونة: ولو كانت ثلاث مئة ضائنة، وتسعين معزة، أخذ ثلاث ضوائن، ولا
شيء في المعز؛ لأنها هاهنا وقص حتى تبلغ مئة فتكون فيها معزة ولو كانت ثلاثة مئة وخمسين ضائنة وخمسين معزة أخذ ثلاث ضوائن وخير الساعي في الرابعة إن شاء معزة أو ضائنة، ولو كانت الضأن ثلاث مئة وستين والمعز أربعين أخذ أربع ضوائن وكذلك من كانت له ستون ضائنة وأربعون معزة أنه يأخذ شاة من الضأن، ولو كانت الضأن ثلاث مئة وأربعين، والمعز ستين، أخذ ثلاث ضوائن ومعزة، ولو كانت مئتي ضائنة ومئة من المعز، أو مئة وخمسين أخذ ضائنتين ومعزة، وكذلك في تسعين ومئة ضائنة وستين ومئة معزة، وإن كان في كل صنف مئة وخمسة وتسعون/ أخذ من كل صنف واحدة وأخذ الثالثة من أيهما شاء.
[فصل 3 - في اجتماع الجواميس مع البقر والبخت مع الإبل العراب]
وكذلك يجري في اجتماع الجواميس مع البقر، والبخت مع الإبل العراب، فإن كان له عشرون جاموساً وعشرة من البقر فعليه تبيع من الجواميس، وإن كانت أربعين جاموساً وعشرة من البقر أخذ من الجوامس مسنة، وإن كانت أربعين جاموساً وثلاثين من البقر أخذ من الجواميس مسنة ومن البقر تبيعاً، ولو كانت البقر عشرين أخذ من كل صنف تبيعاً، ولو كانت عشرين جاموساً وعشرين بقرة أخذ مسنة من أيهما شاء، وإن كان من كل صنف ثلاثون أخذ من كل صنف تبيعاً.