وروى ابن حبيب نحوه.
وقال عن مالك: إذا وجبت الدعوة فإنما يدعو إلى الإسلام جملة من غير ذكر الشرائع إلا أن يسألوا عنها فلنبين لهم، وكذلك يدعو إلى الجزية مجملاً بلا توقيت ولا تحديد إلا أن يسألوا عن ذلك فلنبين لهم.
قال سحنون في كتاب ابنه: وإذا بذلوا الجزية عاماً بعام على أن يقيموا بموضعهم فإن كانوا بموضع ينالهم سلطان الإسلام وحكمه قبلت منهم، وإن كانوا في بعد من سلطاننا أو حيث يمكنهم النكث ولا تجري أحكام المسلمين عليهم فلا تقبل منهم الجزية إلى أن ينتقلوا إلى حيث سلطاننا، وكذلك إن أجابوا إلى الإسلام إلا أن يكونوا بالقرب من دار
الإسلام ومن جماعتهم حتى لا تجري أحكام المشركين عليهم فيضطرونهم إلى الرجوع عن دينهم إلى دين المشركين فليس عليهم الانتقال من دارهم وموضوعهم، وإن كانوا في بعد من المسلمين وتحت أيدي المشركين بحيث تجري أحكامهم فعلى هؤلاء الانتقال إلى دار الإسلام.
وقال سحنون: في قوم من أهل الحرب ممن يرى أن الدعوة لم تبلغهم إذا قاتلوهم قبل أن يدعوهم فقتلوهم وغنموا أموالهم وأولادهم فلا شيء على المسلمين من دية ولا كفارة.
يريد: للاختلاف في ذلك؟
ومن المدونة وكان مالك: يفرق بين الروم في قتالهم وبين القبط، وقال: لا يقاتل القبط ولا يبيتوا حتى يدعوا ولم ير أن دعوة الإسلام قد بلغتهم؛ يريد: أنهم قوم لا يفقهون، فكأنه رأى أنهم لم يفهموا ما يدعون إليه فرأى أن يدعوا وتبين لهم الدعوة، لا كما قيل: إنما ذلك؛ لأن مارية القبطية أم ولد النبي -صلى الله عليه وسلم- منهم، وقد أنكر ذلك بعض الناس وقال: القبط من أحذق الناس وإنما لعلة فيهم؛ أنهم كان لهم عهد فركبوا بالظلم وتداول/ الملوك ذلك من أهل الجور ونقضوا ما كانوا عليه العهد فلذلك لا يقتلوا حتى
يدعوا أو يخيروا أنهم يردون إلى ما كانوا عليه ويسار فيهم بالعدل وطريق الحق، وأما الروم فما كان لهم عهد قط، فلهذا فرق مالك بينهم.
ومن المدونة قال مالك: وينبغي أن يدعى اللص إلى أن يتقي الله ويدع ذلك، فإن أبى قوتل كان بطريق أو أتى إلى محلك.
وقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «من حمل علينا السلاح فليس منا ولا راصد بطريق».
قال مالك: وإذا نزل قوم بآخرين يريدون أنفسهم وأموالهم وحريمهم ناشدوهم الله عز وجل فإن أبوا فالسيف.
قال: ومن عاجلك على الدعوة من لص أو مشرك فقاتله.
قال ابن القاسم: وإن طلب السلابة الطعام أو الثوب أو الأمر الخفيف رأيت أن يعطوه ولا يقاتلوا.
وقال سحنون: لا يعطوه ولا يدعوا لأن الدعوة لا تزيدهم إلا إشلاء وجرأة وليقاتلوا بلا دعوة.
ومن المدونة قبل لربيعة: فمن عرض له لص ليغصبه ماله فرماه فنزع عينه هل عليه دية؟
قال: لا ولا نفسه.
قيل له: عمن تذكر هذا؟
فقال: كان سعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن بن عوف يخبران أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «من قتل دون ماله فأفضل شهيد قتل في الإسلام بعد أن يتعوذ بالله وبالإسلام ثلاث مرات، وإن قتل اللص فشر قتيل في الإسلام».
وفي حديث آخر قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «من قاتل دون ماله حتى يقتل فهو شهيد».
وقال محمد بن سيرين: ما علمت أن أحداً من الناس ترك قتال من يريد نفسه وماله تأثماً وكانوا يكرهون قتال الأمراء.
في الجهاد مع من لا يرضى من الولاة أو بغير إذن من الإمام أو بالنساء أو بالمصاحف
قال مالك -رضي الله عنه-: ويجاهد العدو مع كل بر وفاجر من الولاة، وقد كان مالك يكره الجهاد مع هؤلاء الولاة ثم رجع عن ذلك لما كان زمن مرعش وما صنع الروم بالإسلام
وجرمهم وغارتهم على الإسلام فقال: لا بأس بالجهاد معهم، فقيل له: إنهم يفعلون ويفعلون؟ فقال: لا بأس على الجيوش، وما يفعل الناس لو ترك مثل هذا كان ضرراً على أهل الإسلام.
ابن سحنون: وقال الحسن: اغز معهم ما لم ترهم عاهدوا ثم غدروا.
ولم ير السلف بالغزو مع هؤلاء الجور بأساً.
قال أن حبيب: سمعت أهل العلم يقولون: لا بأس بالغزو معهم وإن لم يضعوا الخمس موضعه وإن لم يوفوا بعهد وإن عملوا ما عملوا ولو ترك ذلك لاستبيح حريم الإسلام ولعلا أهل الشرك.
وقال الصحابة حين أدركوا من الظلم فكلهم قالوا: اغز معهم على حظك من الأجر ولا تفعل ما يفعلون من فساد وخيانة وغلول.
وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «الجهاد ماض منذ بعث الله نبيه إلى آخر عصابة تقاتل الدجال لا ينقضه جور من جار ولا عدل من عدل».
وقال ابن عمر: اغز مع أئمة الجور وليس عليك مما أحدثوا شيء.
وغزا أبو أيوب الأنصاري مع يزيد بن معاوية بعد أن توقف ثم ندم على توفقه.
فصل
قال ابن المواز: ولا يجوز خروج جيش للغزو إلا بإذن الإمام وتوليته عليهم من يحيطهم ويسمعون منه ويطيعون وقد سهل مالك في الذين بقرب العدو ويجدون الفرصة من عدوهم ويبعد عليهم موضع الإمام ويخافون إن استأذنوا فواتها أو يخافون منعهم منها
فلا بأس أن ينالوها بغير إذنه، وأما سرية تخرج من عسكر فلا يجوز ذلك ولا يحل لهم إلا بإذن الإمام.
قال عبد الملك: وأراهم في ذلك غاصبين متعدين خرجوا ببدعة عما بين الرسول -صلى الله عليه وسلم- والأئمة بعده ولا أرى أن ينفل منهم أحد ولا ينفل إلا من أطاعه وليؤدبهم فإنهم مستخفون لذلك.
ومن كتاب ابن سحنون قال سحنون: وأصحابنا يرون في سرية تخرج في قلة وغرر/ بغير إذن الإمام فغنموا فللإمام منعهم الغنيمة أدباً لهم.
قال سحنون: فأما جماعة لا يخاف عليهم فلا يحرمهم الغنيمة وإن لم يستأذنوه.
يريد: وقد أخطأوا.
وقد اختلف في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾.
فقال أبو هريرة أولو الأمر: أمراء السرايا.
وقال جابر بن عبد الله: هم أهل الفقه والدين.
قال بعض العلماء: وطاعة هاتين الطائفتين واجبة.
وقد نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- يوماً أصحابه عن القتال وهم مستقبلون العدو فقاتل رجل فقتل فأمر النبي -صلى الله عليه وسلم- من ينادي: «لا تحل الجنة لعاص».
وقال -عليه السلام-: «وإن أمر عليكم عبد حبشي فاسمعوا له وأطيعوا».
وفي حديث آخر: «إلا أن يأمر بمعصية فلا سمع فيها ولا طاعة».
قال سحنون: وليؤمر الإمام على السرية يبعثها أميراً يتقدمون بأمره ويستأخرون ويكون من ذوي المراس في الحرب والحنكة ويستظهر بأهل الرأي ممن معه.
فصل
ومن المدونة قال ابن القاسم: ولا يخرج بالنساء إلى دار الحرب إلا أن يكن في عسكر عظيم لا يخاف من قلة عليهن فلا بأس.
ابن وهب: وقد كتب نجدة الحروري إلى ابن عباس يسأله عن خمس خلال؟ فقال ابن عباس: لولا إذا أخاف أن نكتم علماً ما كتبت إليه.
وقال في حديث آخر: لولا أن أرده عن شيء يقع فيه ما كتبت إليه ولا نعمة عين.
فكتب إليه نجدة أما بعد: فأخبرني هل كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يغزو بالنساء؟ وهل كان يضرب لهن بسهم؟ وهل كان يقتل الصبيان؟ وأخبرني متى ينقضي يتم اليتيم؟ وعن الخمس لمن هو؟
فكتب إليه ابن عباس: قد كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يغزو بالنساء فيداوين المرضى ويحرمن من الغنيمة ولا يسهم لهن، وأنه لم يكن يقتل الصبيان، وكتبت تسألني متى ينقضي يتم اليتيم؟ ولعمري أن الرجل تشيب لحيته وإنه لضعيف الأخذ لنفسه، ضعف الإعطاء منها، فإذا أخذ لنفسه من صالح ما يأخذ الناس فقد انقطع عنه اليتم.
قال مالك: ولا بأس أن يخرج الرجل بأهله إلى الرباط على بعض السواحل.
قال سحنون: إلى المواضع المأمونة الكثيرة الأهل؛ كالإسكندرية، وتونس، وشك في سفاقس، وسوسة.
.......................
قال مالك: ورب ثغر فيه ألف رجل ليس بمأمون.
فصل
ومن الموطأ روى مالك أن النبي -صلى الله عليه وسلم-: «نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو».
قال مالك: أراه مخافة أن يناله العدو.
وقال ابن حبيب: لما يخشى من استهزائهم به، وتصغيرهم ما عظم الله منه.
وقال ابن الماجشون: ولو أن الطاغية كتب إلى السلطان أن يبعث إليه مصحفاً يتدبره ويدعو إليه؛ فينبغي أن يفعل، وليس هذا وجه الدعوة، وهم أنجاس، وأهل ضغنة
وبغض للإسلام وأهله، قال: وإن طلبك كافر أن تعلمه القرآن فلا تفعل، لأنه جنب ولا بأس أن تقرأ عليه القرآن تحتج به عليه.
قال ابن سحنون: قلت لسحنون: أجاز بعض العرافين الغزو بالمصاحف إلى أرض العدو في الجيش الكثير وأما السرية ونحوها فلا.
قال سحنون: لا يجوز ذلك لنهي النبي -صلى الله عليه وسلم- عن ذلك عاماً ولم يفصل، وقد يناله العدو من ناحية الغفلة عنه.
جامع ما يكره من قتل أو عذاب أو خراب وما لا يكره
وروى مالك وابن وهب أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- نهى عن قتل النساء والصبيان.
ابن سحنون في حديث آخر: والشيخ الهرم والرهبان.
قال ابن وهب في حديث أسنده: (ومر النبي -صلى الله عليه وسلم- بامرأة مقتولة مما أصابتها مقدمة العسكر فقال: هاه ما كانت هه تقاتل، ثم قال لرجل الحق بخالد بن الوليد/ وكان على المقدمة فلا تقتلن ذرية ولا عسيفاً.
وقال حديث في آخر: أسنده كان الرسول -صلى الله عليه وسلم-[إذا بعث سرية قال: «بسم الله وفي سبيل الله وعلى ملة رسول الله لا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا الولدان» والأصل في ذلك قوله تعالى: (وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم).
قال مالك: عن يحيى بن سعيد عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه: أنه بعث جيشاً إلى الشام فخرج يمشي مع يزيد بن أبي سفيان وكان أمير ربع تلك الأرباع فرغبوا أن يزيد قال].
لأبي بكر: إما أن تركب وإما أن أنزل.
فقال أبو بكر: ما أنت بنازل وما أنا براكب إذ أحتسب خطاي هذه في سبيل الله.
قال له: إنك ستجد قوماً زعموا أنهم حسبوا أنفسهم لله فدعهم وما حسبوا أنفسهم له، وستجد قوماً فحصوا أوساط رؤوسهم من الشعر فاضرب ما فحصوا عنه بالسيف، وإني موصيك بعشر: لا تقتلن امرأة، ولا صبياً، ولا كبيراً هرماً، ولا تقطعن شجراً مثمراً، ولا تخربن عامراً، ولا تعفرن شاه ولا بعيراً إلا لمأكله، ولا تحرقن نخلاً ولا تغرقنه، ولا تغلل، ولا تجبن.
ابن وهب عن ابن سمعان قال: بلغنا أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قال: لا تقتلوا هرماً ولا امرأة ولا وليداً وتوقوا قتلهم إذا التقى الزحفان وعند حمة النهضات وشن الغارات.
ومن المدونة قال ابن القاسم قال مالك: ولا يقتل في أرض العدو النساء ولا الصبيان ولا الشيخ الكبير ولا الرهبان في الصوامع، وكان مالك يكره قتل الرهبان
المحبسين أنفسهم في الصوامع والديارات، وقال: يترك لهم من أموالهم ما يعيشون به ولا تؤخذ كلها فيموتون.
قال في المستخرجة: يترك لهم قدر ما يصلحهم والبقرتان تكفيان الرجل ولو قيل قوله لادعى الشيء الكثير ولكن أرى أن يترك لهم ما يصلحهم.
قال سحنون: الذي يترك للراهب من ماله قدر ما يعيش به الأشهر، والشيخ الكبير بمنزلة الراهب فيما يترك له من العيش والكسوة، وإذا مر الجيش بعيد الرهبان وزرعهم وعلموا أنها لهم فلا يمسوا منها شيئاً ولا ينهبوه.
قال سحنون: ومن قاتل من امرأة أو هرم أو راهب؛ قتل، وكذلك الصبي إذا أطاق القتال وقاتل.
وقال ابن حبيب: إذا قاتلت امرأة بالسيف أو الرمح أو شبه ذلك فلتقتل؛ لقول النبي -صلى الله عليه وسلم- في المرأة المقتولة: «هذه ما كانت هذه تقاتل».
[قال ابن حبيب إلا أن يكون قتالها بالرمي من فوق الحصن وشبه ذلك فلا تقتل إلا أن تكون قتلت فتقتل، وإن أسرت إلا أن يرى الإمام استحياءها كما يستحي من شاء من الأسارى وكذلك الصبي المراهق.
قال سحنون: ومن قتل من نهي عن قتله من صبي أو امرأة أو شيخ هرم فإن قتله في دار الحرب قبل أن يصير في المغنم فليستغفر الله سبحانه وإن قتل بعد أن صار مغنماً فعليه قيمته يجعل ذلك الإمام في المغنم.
وقال ابن حبيب: إذا علم ذلك من الرهبان أن أحدهم دل على غرة سرية منا حلَّ قتله.
وفي «كتاب ابن سحنون»: وإذا مروا براهب فلا يستخبروه عن شيء من أمر عدوهم.
قال: وما وجد من النساء في الصوامع والديارات فلا بأس أن يسبيهنَّ بخلاف الرجال.
وروى أشهب عن مالك في «العتبية» قال: النساء والله ألا يهجن معنى أن يسبين إذا وجدوا في الصوامع والديارات مع الرهبان.
قيل: فرهبان الديارات والصوامع سواء.
قال: هاه، قال الله تعالى: (ذلك بأن منهم قسيسين ورهباناً وأنهم لا يستكبرون).
قال سحنون: من ترهب ببلد في دار الإسلام ولحق بدار الحرب فسبيله سبيل الراهب.
قيل: تعرفون أنه راهب.
قال: لهم سيما يعرفون بها.
قال: وكذلك إذا وجد الراهب دار وأغار فهو كأهل الصوامع.
وقال ابن حبيب: رهبان الصوامع والديارات هم الذين نهي عن قتلهم، وأما رهبان الكنائس فيجوز قتلهم وسبيهم لأنهم لم يعتزلوا وهم الذين أمر أبو بكر الصديق رضي الله عنه يزيد بن أبي سفيان بقتلهم.
]
قال ابن حبيب: ولم ينه عن قتل رهبان الصوامع والديارات لفضل ترهبهم؛ بل هم أبعد من الله من غيرهم من أهل دينهم لشدة نصرهم/ في الكفر، ولكن لتركهم معونة أهل دينهم على محاربة المسلمين بيد أو رأي أو مال واعتزالهم؛ فلهذا نهى عن قتلهم وسبهم، فأما إن دل على غرة المسلمين فأنه يقتل.
قال ابن القاسم في المستخرجة: ومن ترهب في أرض الإسلام فلا تؤخذ منه الجزية إذا حبسوا أنفسهم في الصوامع.
قال سحنون في كتاب ابنه: ولم يثبت الحديث في النهي عن قتل العسيف- وهو الأجير- وأجاز قتله.
قال ابن حبيب: وروى أن النبي -صلى الله عليه وسلم- نهى عن قتل الأكارين والفلاحين.
قال ابن حبيب: هم الحراثون الذين لا ينصبون حرباً ولا يخشى منهم غزوة ولا تدبير.
قال سحنون: ونحن نرى قتل الزارعين والحراث ببلد الحرب.
ومن المدونة قال مالك: ولا بأس بتحريق قراهم وحصونهم وتغريقها بالماء وخرابها وقطع الشجر المثمر وغيره؛ لقوله تعالى: ﴿وَلا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾.
وتأويل مالك في قطع الشجر: قوله تعالى: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً﴾ واللينة ما سوى العجوة من الثمار ومن الألوان، وقد قطع النبي -صلى الله عليه وسلم- نخل بني النضير.
وروى ابن وهب أنه -عليه السلام- أحرق نخل بني النضير وقطع وهي البوبرة، ولا يقول حسان بن ثابت.
[أهان على سرات بني لؤي... حريق بالبويرة مستطير وقال في حديث آخر: «وأمر النبي صلى الله عليه وسلم أسامة بن زيد حين بعثه نحو الشام أن يسير حتى يأتي إيلياء فيحرق فيها ويهريق دماً» لأن ذلك من التضييق عليهم وإضعاف أمرهم وتوهينهم وليس ذلك من إباحة قتلهم.
قال سحنون: وأما نهي الصديق -رضي الله عنه- عن قطع الأشجار وأخراب العامر، إنما ذلك فيما يرجى مصيره للمسلمين نظراً لهم وما يرجى الظهور عليه فالنظر لهم خراجه.
في قتل الأسارى ومن أخذ ببلد الحرب أو ببلد الإسلام فقال:
جئت أطلب الأمان، وما وجد بساحلنا من مراكبهم أوردته الريح:
روى ابن وهب: أن النبي صلى الله عليه وسلم قتل سبعين أسيراً قبل الإثخان من يهود، وقتل عقبة بن أبي معيط أتى به أسيراً يوم بدر فذبحه، فقال: من المصيبة، فقال النار،]
"وقتل الزبير صاحب بني قريظة".
"وحيي بن أخطب صبراً".
وكتب عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- إلى أمراء الجيوش بقتل من جرت عليه المواسي، وقال: لا تجلبوا لنا من علوجهم أحدأً، [فلما أصيب عمر قال: من أصابني؟ قالوا: غلام المغيرة.
فقال: قد نهيتكم أن تجلبوا لنا من علوجهم أحداً] فعصيتموني.
م: والأصل في قتل الأسارى قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ﴾.
قيل: بالقتل الكثير.
وقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾.
قال مالك: يقتل كل مشرك ممن خيف منه.
قال سحنون: ألا ترى ما نال المسلمين من أبي لؤلؤة، فإذا كان ممن أبغض الدين وعادى عليه وأحب له وخيف أن لا تؤمن غيلته؛ فهو الذي يقتل، وأما الصغير
والشيخ الكبير فاتقى مالك قتلهم وهم الحشوة ولهم قوتل العدو فهم كالأموال وقوة عل الجهاد.
وفي المختصر الصغير: ومن استحياه الإمام من الأسارى فلا يقتل.
قال في المستخرجة: إلا أن يبقيهم الإمام ليرى فيهم رأيه فله قتل من رأى منهم.
قال يحيى بن يحيى عن ابن القاسم في المرأة والصبي الذي لم يحتلم إذا قتلا ثم أسرا: فقتلهما جائز بعد ذلك كما كان جائزاً عند قتالهما.
[وقال سحنون: إلا عند قتالهما، وأما بعد ذلك قال: وأما الراهب.
يريد: والشيخ الكبير يؤسر بعد أن قاتل فإنه يقتل.
ابن حبيب: وإن أسلم الأسير حرم دمه وسار مملوكاً.
ومن «كتاب محمد»: في علج أسر فأمر الإمام بالنداء عليه فبلغ ثمناً ثم أراد قتله، قال: ذلك له.
قال أصبغ: هذا إن عرضه منه يختبر ما يبلغ فيرى رأيه وإلا فلا.
قالوا: إذا ترك عن الأسير القتل لرجاء فداء أو بيع أو لدلالة أو لسبب سقط عنه القتل وكذلك إن أخذوا إنساناً يستخبرونه الخبر فلا يقتل وهو رقيق لهم لأنهم استبقوه للخبر كما لو استبقوه لصنعة ظنوها فيه فلم يكن كذلك.
فصل
ومن «المدونة»: قال مالك: وإذا أخذ الرومي ببلد العدو وهو مقبل إلينا فيقول: جئت أطلب الأمان، فهذا أمر مشكل ويرد إلى مأمنه.]
قال ابن القاسم: وكذلك الرومي ينزل بساحلنا تاجراً قبل أن يعطى الأمان فيقول: ظننت أنكم لا تتعرضون لمن أتى تاجراً حتى يبيع فإما قبلت منهم ما قالوا أوردتهم إلى مأمنهم.
قال في المستخرجة: وإن أخذوا ببلدنا فيقول: جئت للإسلام.
فإن أخذ بفور دخوله وحدثان قدومه قبل منه أو يرد إلى مأمنه، وإن لم يظهر عليه حتى طالت إقامته عندنا لم يصدق في قوله ولا يكون لمن وجده ويرى فيه الإمام رأيه ولا يقتل إلا أن يعلم الإمام أنه جاسوس للعدو فيقتل.
وقال سحنون: سواء أخذ بقرب دخوله أو بعد طول؛ فهو فيء ويرى فيه الإمام رأيه، إلا في الجاسوس فيقتل.
وأما إن أخذ ببلد الحرب:
فروى ابن القاسم عن مالك: أنه يرد إلى مأمنه.
وروى ابن نافع: أنه لا يقبل منه؛ لأنه يعلم قوله، وما ذلك بالبين، وكذلك قال أشهب في الواضحة: لا يقبل منه إذا ظهر عليه قبل أن يدعى ذلك.
ومن المدونة قال يحيى بن سعيد: ومن زعم بعد أن أخذ ببلد المسلمين أنه جاء لأمان أو لتجارة؛ لم يقبل منه إلا أن يكون رسولاً بعث لأمر بين المسلمين وبين عدوهم.
قيل لابن القاسم: فحربي دخل بلاد الإسلام بغير أمان فأخذه مسلم، أيكون لمن أخذه أم يكون فيئاً؟ قال: أرى ذلك فيئاً للمسلمين ويجتهد فيه الإمام.
وكذلك قال
مالك فيمن وجد بساحلنا من العدو فقالوا: نحن تجار ونحوه، فلا يقبل منهم، وليسوا لمن وجدهم، ويرى فيهم الإمام رأيه.
قال ابن القاسم: وأنا أرى ذلك فيئاً ويجتهد فيه الإمام.
وروى ابن وهب عن مالك فيمن وجدناهم بساحلنا من العدو فزعموا أنهم تجار لفظهم [البحر ولا يعلم صدقهم وقد تكسرت مراكبهم ومعهم السلاح أو ينزلون للعطش بغير أمان إن ذلك للإمام يرى فيهم رأيه ولا يخمسون وإنما الخمس فيما أوجف عليه الخيل والركاب.
قال ربيعة: وإن كانوا من أرض متجر قد أتوا بالتجارة فينا فهم بمنزلة أمان، وإن لم يكن ذلك منهم قبل ذلك فلا عهد لهم ولا ذمة.
م: وتحصيل اختلافهم في هذه المسائل إذا أخذ الرومي ببلد الحرب وهو مقبل إلينا فيقول: جئت أطلب الأمان، فقيل: يقبل قوله أو يرد إلى مأمنه، وقيل: لا يقبل منه لأنه ظهر عليه قبل أن يدعي ذلك.
وإن أخذ ببلد الإسلام؛ فقيل: إن أخذ بقرب دخوله قبل منه أو يرد إلى مأمنه، وإن أخذ ببعد لم يقبل منه، وليس لمن وجده، ويرى الإمام فيه رأيه.
ولا خلاف في من أتى تاجراً فيقول: ظننت أنكم لا تعرضون لمن أتى تاجراً؛ فإما قبلت منه أو رددته إلى مأمنه.
[ولا خلاف أيضاً إن لم تكن معهم تجارة وتبين كذبهم أو قد انكسرت مراكبهم ومعهم السلاح أو ينزلون للعطش بغير أمان أنهم فيء ويرى فيهم الإمام رأيه من بيع أو قتل أو فداء وليسوا لمن وجدهم ولا يخمسون.
قال ابن المواز: إذا انكسرت مراكبهم ولم يتبين أنهم تجار فهم ومن معهم فيء يرى فيهم الإمام رأيه من قتل أو بيع أو فداء وليس لمن وجدهم فيهم ولا فيما معهم شيء لأنهم صاروا بموضع لا ملجأ لهم إلا أن يوجد ما كسر من مراكبهم وحدها بغير رجال أن توجد لهم لمتعة وذهب وفضة أو يوجد من ذلك شيء يطرحه الروم خوف الغرق وذهبوا به ولمن وجده ولا خمس فيه إلا في الذهب والفضة ففيهما الخمس إلا أن يوجد ما سوى الذهب والفضة بجنب قرية من قراهم ففيه الخمس إلا أن يكون شيئاً يسيراً فلا شيء فيه.
ورواه أشهب عن مالك.
والفرق بين ما وجد من المتاع وحده أو وجد مع أصحابه: فلأن ما وجد مع أصحابه حكمه حكمهم وذلك تبع لهم وما وجد وحده فهو لمن وجده ولا خمس فيه لأنه لم يوجف عليه.
والفرق بين ذلك وبين الذهب والفضة: كالركاز لأنه مال كافر غنم وهي العلة في أن الركاز الخمس لأنه كمال كافر غنم.
وأما ما وجد من المتاع بقرب قراهم فله حكم قراهم ففيه الخمس كسائر الغنائم، والله أعلم.
قال ابن المواز: ولو أن الذين تكسرت مراكبهم قاتلوا حتى قتل منهم من قتل منهم وأسر من أسر منهم لم يكن لمن ظفر منهم فيهم شيء وهم كأسارى ببلد الإسلام قاتلوا ثم أخذوا والأمر فيهم إلى الإمام كما ذكرنا.
قال ابن المواز: إلا أن يكون قد سلم للذين تكسرت مراكبهم مركب أو غيره مما يتحملون فيه إلى بلدهم فهم حينئذ رقيق لمن ظفر بهم ويكون فيهم الخمس، وكذلك إن كانوا بقرب بلدهم مما يمكنهم الهرب والنجاة إليها.
قال عبد الوهاب: ما يغنم من أموال المشركين على وجهين: فما غنم بقتال أو بإيجاف أو ركاب فهذا يخمس للإمام خمسه وللغانمين أربعة أخماسه.
والثاني: ما غنم بغير إيجاف ولا قتال وهو ممن ينجلي عنه أهله ويتركونه رهبة وفزعاً فهذا لا يخمس ويصرف جميعه في مصالح المسلمين كحكم الخمس من الغنيمة خلافاً لأبي حنيفة في أنه يخمس، والأصل فيه قوله تعالى: (فما أوجفتم [عليه] من خيل ولا ركاب ولكن الله يسلط رسله على من يشاء والله) فأخبر الله تعالى أن القسم لا يكون إلا بالإيجاف.
وروي أنه صلى الله عليه وسلم لما نزل على بني النضير فزعوا وهربوا فجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم الديار بما فيها فانتظر المسلمون أن يقسم لهم، فنزلت هذه الآية المتقدمة.
ومن «المدونة» قال مالك رحمه الله: وإذا نزل تجارهم بأمان فباعوا وانصرفوا فأين ما رمتهم الريح من بلاد الإسلام فالأمان ما داموا في تجرهم حتى يردوا إلى بلادهم.]
قال ابن المواز قال أصبغ: لهم الأمان ثابت على أنفسهم وأموالهم في كل بلد نزلوا بها حتى يفارقوا بلاد الإسلام.
قال ابن المواز: حتى ينالوا مأمنهم من بلدهم فإن رجع بعد ذلك فإن أعطوه أماناً ثبت عليه وإلا رجع ولم يؤسر ولم يبع.
قال: وإن هو وقع إذا رجع لغير سلطان كان أمته؛ فهو مثل الذي أمنه سواء، وإن لم يكن بلغ مأمنه؛ كان عليه إنزاله ولم يمنعه، وإن كان بلغ مأمنه كان عليه بالخيار؛ إن شاء أنزله وإن شاء رده.
وقال سحنون في كتاب ابنه: إذا باعوا وانصرفوا فلهم الأمان حتى يصيروا من البحر إلى موقع يأمنون فيه من عدوهم فيحلون حينئذ لمن ظفر بهم من المسلمين، قيل: إنهم اليوم لا يأمنون حتى يردوا بلادهم ويخرجوا من البحر لكثرة مراكب المسلمين، قال: إذا كان هذا فلهم الأمان حتى يخرجوا من البحر إلى مأمنهم.
قال عبد الملك: فإن ردته الريح مغلوباً فهو على أمان وإن بلغ موضع نجاة لولا غلبة الريح فهو على أمانه حتى يصل إلى مأمن إن شاء أقام أو رجع فهذا إن رجع فإنه حل إلا أن يأتنف أماناً، قال: وإن ردته الريح إلى سلطان غير الذي أمنه فلا أمان له، وقال: أقام أو رجع فهذا إن رجع حل إلا أن يأتنف أماناً.
قال سحنون بقول مالك: إن له الأمان حتى يرجع إلى مأمنه.
قال ابن حبيب: إذا قلد من بلدنا فهو آمن حتى يبعد من بلد الإسلام ويقرب من حرزه ومأمنه فيصير كمن لا عهد له بعد ولا أمان فيمن لقيه من أهل ذلك السلطان
الذي أمنه وفي رجوعه إليه بربح غالبة أو رجع غير مغلوب أو نزل لماء وشبهه ويحل له، وأما إن لقيه من غير ذلك السلطان في البحر بقرب أو بعد من موضع قلد من بأمانه أو سقط بساحل غير ساحل السلطان الذي أمته فهو كمن لا أمان له، قال: وكذلك المستأمن في ثغور المسلمين في غير بحر إذا رجع فاشتدت عليه الطريق بثلج أو غيره فهو على أمانه ما كان في قرب المكان الذي أمن فيه.
قال في كتاب ابن سحنون: وحد ذلك أن يجاوز الدروب إلى سلطانه وحيث يأمن على نفسه وأما ما كان في الفيافي وحيث يخاف على نفسه فهو على أمانه.
وتحصيل هذا الاختلاف في هذه المسألة: إذا باعوا وانصرفوا فقيل: لهم الأمان حتى يصلوا بلادهم.
وقيل: حتى يقاربوا مأمنهم فإن رجعوا بعد بلوغهم إلى مأمنهم بربح غالية أو مختارين فقيل: الإمام مخير إن شاء أنزلهم وإن شاء ردهم،
وقيل: [إن رجعوا مغلوبين فالإمام مخير إن شاء أنزلهم وإن شاء ردهم وإن كانوا مختارين فهم حل، وإن هو وقع رجع بغير سلطان كان أمنه.
فقيل: هو مثل الذي أمنه سواء، وقيل: بل هو حل له ولا أمن له رجع إليه أو لقيه في البحر بقرب أو بعد من موضع قلع منه بأمانه، وإن لم يبلغ مأمنه فرجع إلى موضع كان أمن فيه كان عليه إنزاله ولم يمنعه.
في أقسام الغنائم وما يقع فيها من مال مسلم أو ذمي
قال الله تعالى: (واعلموا أنما غنمتم فأن لله خمسه) إلى آخر الآية، وقال تعالى: (وما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول...) إلى آخر الآية فكل ما أوجفت عليه بخيل أو ركاب فإن للإمام خمسه يضعه حيث أمر الله تعالى ويقسم أربعة أخماسه بين الذين غنموه، وروى ابن وهب: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقفل من غزوة أصاب فيها مغنماً حتى يخمسه ثم يقسمه قبل أن يقفل.
ومن ذلك غزوة بني المصطلق وخيبر ثم لم يزل المسلمون على ذلك
بعده في خلافة عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- إلى خلافة عمر بن عبد العزيز في البر والبحر إلى هلم جر حتى هاجت الفتنة.
قال ابن المواز: وصفة القسم: أن يقسم كل صنف على خمسة أجزاء يقسم الوجف وجيفاً وجيفاً إلى خمسة حتى يفرغوا، ثم النساء المسيبات كذلك، ثم الذكران كذلك فإذا اعتدلوا خمسة أجزاء واجتهدوا في ذلك برأي أهل النظر والمعرفة بالاقتسام والقيمة كتب في رقعة «هذا لرسول الله»، ثم يقرع، فحيث وقع سهم الخمس كان للإمام لا رجعة لأحد فيه.
وقاله عثمان بن عفان وابن عمر.
قال ابن المواز: ثم يبيع الإمام الأربعة أخماس الباقية ويوثق لهم ويقسمها عليهم وإن رأى بيع الجميع بالخمس فعل.
واختلف في السلع، فقيل: تجمع في القسم ابتداءً، وقيل: إن حمل كل صنف القسم بانفراده لم يجمع وإلا جمع وهو أحسن وأقل غرراً إذا كان متسعاً وقدر أن يجمع كل صنف بانفراده.
ومن «المدونة»: وكتب عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- إلى سعد بن أبي وقاص حين افتتح العراق: أن اقسم ما جلب الناس إليك من كراع أو مال بين من حضر من المسلمين، واترك الأرصتين والأنهار لعمالها ليكون ذلك في أعطيات المسلمين لأنك لو قسمتها بين من حضر].
لم يكن لمن بقي بعدهم شيء، وتأول عمر -رضي الله عنه- قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾.
قال مالك: والشأن قسم الغنائم وتباع ببلد الحرب وهم أولى برخصها.
قال في المستخرجة: وأما كل أرض افتتحت عنوة فالشأن فيها أن تترك كما فعل عمر -رضي الله عنه-.
قال: وبلغني أن بلالاً وأصحابه سألوا عمر في قسم الأرض التي أخذت عنوة فأبى ذلك عليهم، وكان بلالاً من أشد الناس عليه كلاماً فزعم من ذكر أن عمر دعا عليهم فقال: اللهم اكفينهم، قال: فلم يأت الحول وواحد منهم حي.
فصل
وروى ابن وهب: أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- قال للذي وجد بعيره في المغنم: «إن وجدته لم يقسم فخذه وإن قسمت فأنت أحق به بالثمن إن أردته».
قال: وكتب عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- إلى أبي عبيدة بن الجراح ومعاوية: أن ما أخذه العدو من أموال المسلمين فاعترفه أصحابه قبل أن يقسم فهو مردود إليهم، وقاله جماعة من الصحابة والتابعين.
قال مال: فما أحزره المشركون من مال مسلم أو ذمي من عرض أو عبد أو غيره أو أبق إليهم ثم غنمناه فإن عرفه ربه قبل أن يقسم كان أحق به من غير شيء، وإن غاب أوقف له، وإن لم يعرف ربه بعينه وعرف أنه لمسلم أو ذمي/؛ قسم، ثم إن جاء ربه كان أحق به بالثمن ما بلغ ولا يجبر على فدائه، وهو مخير فإن أراد أخذه لم يكن لمن ذلك في يده أن يأبى عليه.
[قال ابن المواز: وإذا عرف ربه وكان غائباً فإن كان خيراً لربه أن يحمل إليه ويؤخذ منه كراء حمله فعل ذلك فإن لم يكن جعله إليه أرفق فإنه يباع وينفذ بيع الإمام فيه ولا يكون لربه غير الثمن.
قال أشهب: وإن كان مما يقدر على إيصاله إلى ربه مثل العبد والسيف وما ليس فيه مؤنة كثيرة فباعوه في الغنيمة لأنفسهم بعد معرفتهم فلربه أخذه بلا ثمن.
وهكذا قال ابن حبيب:
أنه إذا وقع في المغانم مال رجل يعرف بعينه وهو غائب فبيع فذلك خطأ ولربه أخذه بلا ثمن.
وقال سحنون في «كتاب ابنه»: لا يأخذه ربه إلا بالثمن وهي قضية من حاكم وافقت اختلافاً بين الناس.
فقد قال الأوزاعي: إذا عرف ربه ولم يحضرانه يقسم ثم لا يأخذه ربه إلا بالثمن.
ومن «العتبية»: قال سحنون وأصبغ: في الفرس يوجد في المغنم في فخذه وسم حبس: فإنه لا يقسم ويكون حبساً في السبيل.
وقال أيضاً سحنون في «كتاب ابنه»: لا يمنعه ذلك من أن يقسم، لأن الرجل قد يوسم في فخذ فرسه حبس في سبيل الله ليمنعه ممن يريد منه.
قال ولمن فعل ذلك بفرسه أن يبيعه إذا زعم أنه لم يرد به الحبس.
ومن «المدونة»: قال مالك رحمه الله: وإذا سأل أهل الحرب ذمياً ثم غنماه لم يكن فيئاً ورد إلى ذمته ولم يقسم.
قال ابن القاسم: وأما إن أسلم أهل بلد على ما بأيديهم وبأيديهم أحرار ذمتنا فهم رقيق لهم كعبيدنا إذا أسلموا عليهم وهم أحق بجميع الأمتعة من أربابها.
قال ابن وهب: وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «من أسلم على شيء فهو له».
قال مالك: ولا أحب أن يشترى من العدو ما أحرزوا من متاع مسلم أو ذمي فأتو به ليبيعونه.
ابن المواز: واستحب غيره ما بأيديهم للمسلمين ويأخذه ربه بالثمن.
ومن «المدونة»: قال مالك: ومن وقعت في سهمه أمة لمسلم أو ابتاعها من حربي فلا يطأها حتى يعرضها عليه فيأخذها بالثمن أو يدع، وكذلك عبداً وعرض فليعرضه عليه.
قال ابن القاسم: وما وجده السيد قد فات بعتق أو ولادة فلا سبيل له إليه ولا إلى رقه أخذهم من كانوا بيده من مغنم أو اشتراهم من حربي أغار عليهم أو أبقوا إليه.
يريد: وإن فاتوا ببيع مضى ذلك ولم يكن له نفضه ولكن له أخذ الثمن الذي يبيع به بعد أن يدفع ما وقع في المقاسم ويتقاضاه.
ابن المواز: وقال أشهب: له أن ينقض عتق العبد ويأخذه بالثمن في الوجهين.
]
وقال أشهب في كتاب ابن سحنون: والأمة المستحقة يأخذها ربها ويأخذ قيمة ولدها، وقاله ابن القاسم ثم رجع عنه.
م: والفرق عند ابن القاسم بين هذا وبين الاستحقاق: أن المستحق يأخذ ذلك بغير ثمن وهذا لا يأخذه إلا بالثمن، فكان أضعف رتبة من الاستحقاق هن يد مشتريه من غير المغانم ونحوه.
ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن وجد آبقا في غير دار الحرب فليرده إلى ربه بخلاف ما قسم في المغانم لحيازة أهل الحرب للذي قسم.
قال سحنون في كتاب السير: وإن وقع في سهم رجل فباعه وتداوله الأملاك كان لربه أن يأخذه بأي ثمن شاء كالشفعة، ثم رجع فقال: لا يأخذه إلا بما وقع في المقاسم ورواه عن ابن القاسم.
بخلاف الشفعة إذ لو سلم الشفعة ثم باع المبتاع الشقص كان للشفيع القيام ولو سلم العبد ربه لمن وقع في قسمه ثم باعه الذي هو بيده من رجل لم يكن لربه أخذه بثمن ولا غيره؛ لأنه قد سلم حقه ولا شركة بينه وبين من سلم له ولا ضرر يلحقه في بيعه من آخر، والشفعة إذا سلمها المشتري الشقص فقد حل المشتري محل البائع وصار هو والشفيع شريكي من باع منهما فلصاحبه عليه الشفعة.
ومن العتبية قال سحنون عن ابن القاسم: ولو سبي العبد ثانية/ بعد أن تداولته الأملاك فليس لأحد فيه مقال إلا الذي سبي منه أو لا والذي سبي منه آخراً إلا أن المسبي منه آخراً أحق به من الأول بعد أن يدفع لمن هو بيده ما وقع به في المقاسم، وإن أخذه
فلربه الأول إن شاء أن يأخذه بما وقع به في المقاسم الثاني لا بما وقع به في الأول؛ لأنه جاء ملك ثاني أملك به وإن شاء تركه.
م: إذا كان للأول أن يأخذه من الثاني فلا معنى لقوله إن الثاني أحق به بل قد صار الأول أحق به.
ومن كتاب ابن المواز: ومن ابتاع عبداً من المغنم بمائة ولم يعرف ربه ثم سبي ثانية فاشتراه رجل بخمسين ثم قام ربه فإنه يقال له: ادفع مائة للأول وخمسين [للثاني وخذه فإن أبى فلا سبيل له إليه، ثمإن شاء الأول فداه من الثاني بخمسين وكان له، فإن أسلمه إليه فلربه الأول أن يعطيه خمسين ويأخذه، ولو أن مشتريه بالمائة فداه بخمسين] من الثاني فلا يأخذه الأول إلا أن يعطيه خمسين ومائة.
ولو كان قبل الأسر قتل رجلاً وغصب دابة ثم بيع في المقاسم فغنم في ذلك؛ فإنه يقال لربه: إن شئت فافده بما وقع به في الفيء وبما في رقبته من جناية وإلا فسلمه وبدئ بما ابتاعه من المغنم فقيل له: افده وإلا فأسلمه إلى الرجلين المجني عليهما يكون بينهما بالحصص.