الجامع لمسائل المدونةصفحات 489-520

كتاب الحج الأول من الجامع

صفحات 489-520

عليه, ويهدي, وليس بواجب.
م: والقياس عندى: قول أصبغ: إن الفراغ من الطواف أو من الركوع كخروج الوقت إذ لا وقت معلوم لذلك, وإنما وقته حين يفعله كوقت الصلاة المنسية حين يذكرها, ففراغه من ذلك ذهاب وقته.
والاستحسان: أن يعيد ذلك كله بالقرب ما لم ينتقض وضوؤه إذ لا كبير ضرر عليه فى ذلك؛ ولأن ما قارب الشئ فله حكمه.
[فصل 4 - من شروط الطواف: أن يخرج بجملة جسده عن البيت] ومن المدونة: قال مالك: ولا يعتد بما طاف داخل الحجر, ويلغيه, ويبنى على ما طاف خارجاً منه, وإن لم يذكر حتى رجع إلى بلده فليرجع, وهو كمن لم يطف.
قال عبد الوهاب: إنما لم يجز الطواف داخل الحجر, -خلافاً لأبي حنيفة-

لقوله صلى الله عليه وسلم: «الحجر من البيت», وإذا ثبت أنه من البيت لم يجيزه أن يطوف فيه لقوله تعالى: «وليطوفوا بالبيت العتيق», وذلك يقتضى استيفاء جمعه, واعتبارً بطواف داخل البيت, ولأنه صلى الله عليه وسلم طاف خارج الحجر, وقال: «خذوا عنى مناسككم».
ومن المدونة: قال مالك: ومن طاف من وراء زمزم من زحام الناس فلا بأس بذلك.
قال ابن القاسم: وكذلك إن طاف فى سقائق المسجد من زحام الناس فلا بأس به, وإن طاف فى سقائف... زحام, أو فراراً من الشمس أعلا, وكذلم عنه فى المجموعة.
وقال أشهب فيها: لا يجزئ من طاف فى السقائف وهو كالطائف من خارج المسجد, ومن وراء الحرم.
قال سحنون: ولا يمكن أن ينتهى الزحام إلى السقائف.
وحكة عن ابى محمد أنه قال: من طاف فى سقائف المسجد لا يرجع لذلك.

[من بلده.
وقال ابن شبلون: يرجع من بلده وهو كمن لم يطف.
م: قول أبي محمد: «إنما يجري على قول ابن القاسم، وهو كمن طاف راكباً من غير عذر» لأنه طواف يجزئه فعله مع العذر، فإذا فعله من غير عذر أعاده إلا أن يرجع إلى بلده فليهرق دماً كالطائف راكباً، وقول ابن شلبون على قول أشهب الذي جعله كالطائف من وراء الحرم فاختلافهما جار على اختلاف قول ابن القاسم وأشهب.
ومن «المدونة»: قال ابن القاسم: ولم يكره مالك الطواف بالبيت بالنعلين والخفين، وكره أن يدخل بهما البيت أو يرقى بهما الإمام أو غيره منبر النبي عليه السلام.
وكره مالك أن يجعل نعله في البيت إذا جلس يدعو، قال: وليخلعها في حجرته، وأباح دخول الحجر بالنعلين والخفين.
قال ابن القاسم: ولا بأس أن يدخل بهما الحجر.
وقال حمديس: ينبغي على أصله ألا يدخل بهما الحجر، لأنه من البيت عنده، وكره أشهب أن يدخل الحجر بنعل أو خف، لأنه عنده من البيت.
قال وكراهيتي لذلك في البيت أشد وكان سعيد بن جبير يخلع نعليه إذا دخل الحجر ويضعهما على جدران الحجر.
ومن «المدونة»: قال ابن القاسم: والطواف بالبيت للغرباء أحب إلي من الصلاة ولم مالك [يجيب] في مثل هذا.
]

الباب الثاني عشر

في طواف القارن، والمتمتع، والمراهق، ومن أحرم من مكة قال مالك رحمه الله: ومن قرن الحج والعمرة أجزأه طواف واحد لهما، وهي السنة من قرن الحج والعمرة أجزأه طواف واحد لهما.

قال بعض البغداديين: وقد قال الرسول (صلى الله عليه وسلم) لعائشة (رضي الله عنها): "يجزئك طوافك بالبيت وسعيك بين الصفا والمروة لحجك وعمرتك"، وقد تقدم هذا ومن المدونة: قال مالك: ومن دخل مكة مراهقا وهو مفرد بالحج أو قارن فخاف إن طاف بالبيت أن يفوته الحج فليدع الطواف والسعي وليمض إلى عرفات ولا دم عليه لترك الطواف، وسواء دخل مكة أو الحرم، أو لم يدخل ومضى كما هو إلى عرفات؛ لأنه مراهق، وقد فعله بعض الصحابة.
من خاف فوات الحج سقط عنه طواف القدوم قال مالك: وإن كان غير مراهق وهو مفرد بالحج أو قارن فدخل الحرم فلم يطف بالبيت حتى خرج إلى عرفات، أو لم يدخل الحرم ومضى إلى عرفات وأفاض وهو يقدر على الدخول والطواف فتركه فعليه دم لترك الطواف؛ لأنه غير مراهق، وعلى القارن دم آخر لقرانه.

م: وإنما أوجب عليه ترك الدم لتركه طواف القدوم؛ لأنه من سنن الحج المؤكدة وفعله النبي (صلى الله عليه وسلم) وأمر به؛ ولأنه شرط في ركن من أركان الحج وهو السعي.
وقال أشهب - في الذي أخر طواف القدوم وليس بمراهق -: لا هدي عليه.
م: لأن طواف الإفاضة ينوب عنه.
ومن المدونة: قال مالك: وأما إن دخل مكة معتمرا يريد الحج، وهو مراهق أو غير مراهق ففرض الحج وتمادى صار قارنا ولا دم عليه لتأخير الطواف، إذ له

إرداف الحج ما لم يطف بالبيت وإنما عليه دم القران فقط.
قال ابن القاسم: وإذا أحرم بالحج من خارج الحرم مكي أو متمتع ومضى إلى عرفات ولم يدخل الحرم، وهو مراهق فلا دم عليه، ولو لم يكن مراهقا كان عليه أن يطوف بالبيت ويسعى بين الصفا والمروة قبل أن يخرج إلى عرفات، فإن لم يفعل فعليه دم.
م: لأن الإحرام من الحل سبيله أن يجمع معه حرم كما فعل النبي (صلى الله عليه وسلم)، فإذا تركه جبره بالدم، وأما من أحرم من مكة بالحج فليؤخر طوافه؛ لأنه يخرج إلى عرفة، وعرفة في الحل.
وقد تقدم هذا.

الباب الثالث عشر

في الطواف والسعي على غير وضوء، وكيف إن أحدث فيهما، أو طاف بنجاسة

فصل 1 - من شروط الطواف: الطهارة من الحدث م: ولا يجزي الطواف بالبيت عند مالك إلا بطهارة لقوله (صلى الله عليه وسلم): "الطواف بالبيت صلاة إلا أن الله أباح فيه النطق"، وقالت عائشة (رضي الله عنها): "كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إذا أراد أن يطوف توضأ، ثم طاف"، وفي حديثها قالت: قدمت مكة حائضا، فشكوت ذلك لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) فقال: "أفعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري".
وخالف ذلك أبو حنيفة،,أجاز الطواف بغير طهارة.

ومن المدونة: قال مالك: والمفرد بالحج إذا طاف الطواف الواجب أول ما يدخل مكة وسعى بين الصفا والمروة على غير وضوء، ثم خرج على عرفات فوقف المواقف، ثم رجع إلى مكة يوم النحر فطاف للإفاضة على وضوء ولم يسع بين الصفا والمروة حتى رجع إلى بلده، وأصاب النساء والصيد والطيب ولبس الثياب فليرجع حتى يطوف بالبيت ويسعى بين الصفا والمروة، ثم يعتمر ويهدي.
م: وإنما قال ذلك: لأنه لما طاف على غير وضوء كان كمن لم يطف، وعذره بالنسيان وجعله كالمراهق، والمراهق حكمه إذا أخر الطواف والسعي أن يسعى مع طواف الإفاضة، فلما لم يسمع هذا مع طواف الإفاضة حتى أصاب النساء والصيد والطيب، من أصاب بعد ذلك رمي جمرة العقبة وقبل الإفاضة، فلذلك جعل عليه العمرة والهدي لوطئه.
م: قيل لبعض شيوخنا: فإن سعى مع طواف الإفاضة؟ قال: يُجزئه.
وقال بعض أصحابنا: لا يجزئه؛ لأن السعي لا يكون إلا في حجة أو عمرة، فهو بخلاف الطواف الذي يكون في غير الحج.
م: والذي أرى: أن يجزئه؛ لأنه كان عليه أن يأتي به، وقد أتى به، وإنما عُدم النية فيه، فإذا كان بمكة أو قريبا منها أعاد، وإن تطاول، أو رجع إلى بلده أجزأه، كمن طاف أول دخوله مكة لا ينوي بها فريضة ولا تطوعا وسعى، فلم يذكر إلا بعد رجوعه إلى بلده فإنه يجزئه، وعليه الدم، وهو خفيف، فكذلك هذا.
والله أعلم.
قال ابن القاسم: وهو يرجع حلالا إلا من النساء والصيد والطيب حتى يطوف ويسعى، ثم يعتمر ويهدي،

وليس عليه أن يحلق إذا رجع بعد فراغه من السعي؛ لأنه قد حلق بمنى.
قال مالك: ولا شيء عليه في لبس الثياب؛ لأنه لما رمى جمرة العقبة حل له اللباس، وهو إذا رجع إلى مكة رجع وعليه الثياب حتى يطوف بخلاف المعتمر؛ لأن المعتمر لا يحل له لبس الثياب حتى يفرغ من السعي.
قال: ولا شيء عليه في الطيب؛ لأنه بعد رمي جمرة العقبة فهو خفيف، قال: وعليه لكل صيد إصابة الجزاء.
قال ابن القاسم: ولا دم عليه لما أخر من الطواف الذي طافه حين دخل مكة على غير وضوء، وأرجو أن يكون خفيفا؛ لأنه لم يتعمد ذلك، فهو كالمراهق، وقد جعل مالك عليه العمرة مع الهدي، وجُل الناس يقولون: لا عمرة عليه، فالعمرة مع الهدي تجزي عن ذلك كله.
قال ابن المواز: فإن لم يطأ فليرجع فيفعل كما وصفنا ويهدي هديا واحدا، ولا عمرة عليه، ولو ذكر ذلك بمكة بعد أن فرغ من حجه فليعد طوافه وسعيه، ولا دم عليه، بخلاف المتعمد، أو الناسي لبعض طوافه، هذا عليه الدم.
فصل 3 - فيمن أحدث في طوافه أو بعد تمامه قبل أن يركع ومن المدونة: قال مالك: ومن انتقض وضوؤه في طوافه أو بعد تمامه قبل أن يركع

فليتوضأ ويأتنف الطواف إن كان واجبا، وليس عله في التطوع ابتداؤه.
إلا أن يشاء إذا لم يتعمد الحدث.
م: كمن أحدث في صلاة التطوع.
قال ابن القاسم: وإن أحدث بعد الطواف الواجب قبل أن يركع فتوضأ وركع ولم يعد الطواف جهلا حتى فعل فليركع بموضعه ويبعث بهدي.
قال ابن المواز: ولا تجزئه الركعتان الأولتان.
قال ابن القاسم: ولو أحدث في الطواف فتوضأ وبنى وركع فليرجع، وهو كمن لم يطف.
م: لأن الطواف كالصلاة.
وقال ابن حبيب عن مالك: إنه إذا أحدث في الطواف فليتوضأ ويبني، وكذلك إن أحدث في السعي فلا يقطعه وليتمه.
م: أما الطواف فكالصلاة لا يجوز البناء لمن أحدث فيه، كما لا يجوز ذلك في الصلاة، ورواية ابن حبيب ضعيفة، ووجهها: فلأن الطواف أخف من الصلاة إذ قد أبيح فيه الكلام فجاز فيه البناء، وأما السعي فيجوز أن يسعى غير متوضئ، وكذلك إذا أجدث فيه فه أن يتمه كذلك.

قال ابن حبيب: وأما الرعاف فإنه يبني فيه في الطواف والسعي بعد غسل الدم.
ابن المواز: قال ابن القاسم:,لو طاف بثوب نجس فعلم به بعد فراغه من طوافه فنزعه، وصلى الركعتين بثوب طاهر فلاشيء عليه، وإن ركعهما به أعادهما فقط إن كان قريبا ولم ينتقض وضوؤه، وإن انتقض وضوؤه، أو طال فلاشيء عليه كزوال الوقت.
وقال أشهب: يعيد الطواف والسعي فيما قرب، وإن بعد فلا شيء عليه.
وقد تقدم هذا.
ابن المواز: ولو بدأ في طوافه من الركن اليماني فليلغ ذلك ويتم إلى الركن الأسود، فإن لم يذكر حتى رجع إلى بلده أو تباعد أجزأه ويبعث بهدي، وكذلك إن بدأ بالطواف من باب البيت فليلغ ما مشى من باب البيت إلى الركن الأسود.
قيل: فلو ابتدأ الطواف من بين الحجر الأسود والباب؟ قال: هذا يسير ويجزئه ولا شيء عليه.
فصل 3 - فيمن طاف لعمرته على غير وضوء فذكر ذلك بعد أن حل منها بمكة، أو ببلده ومن المدونة: قال مالك: ومن طاف لعمرته على غير وضوء فذكر ذلك بعد أن حل منها بمكة أو ببلده فليرجع حراما كما كان، وهو كمن لم يطف، فيطوف بالبيت

ويركع ويسعى ولا دم عليه إذا لم يطأ.
قال مالك: وإن كان قد حلق بعد طوافه اقتدى، وإن كان أصاب النساء والصيد، والطيب فعليه لكل صيد أصابه الجزاء.
قال في كتاب محمد: وعليه إذا أصاب النساء أن يعيد العمرة ويهدي، يريد: وعليه في الطيب الفدية.
ومن المدونة: قال مالك: ومن طاف للإفاضة على غير وضوء رجع لذلك من بلده ليطوف للإفاضة إلا أن يكون طاف بعد ذلك تطوعا فيجزئه من طواف الإفاضة، (من طاف للإفاضة على غير وضوء)، يريد: ولا دم عليه.
قال ابن القاسم: وطواف الإفاضة، والطواف الذي يصل به السعي بين الصفا والمروة هذا الطوافان واجبان عند مالك يرجع لما ترك منهما فيطوفهما، وعليه الدم، والدم في هذا خفيف.
فصل 4 - من شروط الطواف: إكمال العدد ومن طاف أول دخوله مكة ستة أشواط ونسي الشوط السابع وصلى الركعتين وسعى بين الصفا والمروة فإن كان قريبا بمنى طاف شوطا واحدا وركع وأعاد السعي، فإن طال ذلك، أو انتقض وضوؤه، أو ذكر ذلك في طريقه أو ببلده رجع وابتدأ الطواف من أوله وركع وسعى، وإن كان قد جامع بعد ما رجع فليفعل كما وصفت لك قبل هذه

المسألة، يعني: مسألة الذي طاف وسعى على غير وضوء.
ابن المواز: قال ابن القاسم: إن سعى قبل أن يركع الركعتين أنه يبتدي الطواف والسعي، وقيل: يركعهما ويعيد السعي.
فصل 5 - فيمن نسي ركعتي الطواف من المدونة: وإذا ذكر المعتمر ببلده أنه نسي الركعتين، وقد أصاب النساء فليركعهما ويهدي، وإن ذكر أنه لم يكن طاف بالبيت إلا ستا رجع وابتدأ الطواف وركع وسعى وأمر الموسى على رأسه وقضى عمرته وأهدى.
قال يحيى بن عمر: وعليه الفدية.
قال ابن القاسم: ولو كان حين دخل مكة فطاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة، ثم أحرم بالحج، فلما صار بعرفة ذكر أنه لم يطف بالبيت إلا ستا، فهذا قارن، يعمل عمل القارن المراهق.
فصل 6 - يجب في الطواف الذي يسعى بعده أن يكون فرضا وإذا طاف حاج أول دخوله مكة، ولم ينو بطوافه هذا فريضة ولا تطوعا ثم سعى بين الصفا والمروة لم يجزه سعيه إلا بعد طواف ينوي به طواف الفريضة، فإن لم يتباعد رجع فطاف وسعى، وإن فرغ من حجه، ثم رجع إلى بلده وتباعد وجامع النساء أجزأه ذلك وعليه دم، والدم في هذا خفيف.

فصل 7 - من شروط الطواف: الموالاة ومن طاف بعد طوافه، ثم خرج فصلى على جنازة، أو خرج لنفقة نسيها فيبتدئ الطواف ولا يبْني.
ابن المواز: وقال أشهب: بل يبني في الجنازة.
قال مالك: ولا يخرج من طوافه لشيء إلا لصلاة الفريضة، قال عنه ابن المواز: ثم يبني على ما بقي من طوافه قبل أن ينتفل، ولا يبتديه كان طوافه واجبا أو غيره، قال: وإن أقيمت الصلاة وقد بقي له طواف أو طوافان فلا بأس أن يتم ذلك إلى أن تعتدل الصفوف، وأما المبتدئ فأخاف أن يكثر ويطول من الناس فلا ينقطع ورخص فيه.

الباب الرابع عشر

ما جاء في طواف القدوم، والإفاضة، والصدر

والطواف في الحج ثلاثة: طواف القدوم، طواف الإفاضة، طواف الوداع، والسعي واحد يؤتى به عقيب طواف القدوم إلا أن يفوت فيؤتي به عقيب طواف الإفاضة.
م: ولا يرمل إلا في طواف السعي، وهو طواف القدوم، أو طواف الإفاضة الذي يسعى بعده المراهق، ولا يكون الرمل في طواف التطوع.
حكم طواف القدوم قال غير واحد من البغداديين: طواف القدوم سُنة، وفد فعله النبي (صلى الله عليه وسلم)؛ ولأنه طواف في ركن من أركان الحج وهو السعي فكان من متأدي السنن.
حكم طواف الإفاضة وطواف الإفاضة فرض لا يسقط بحال، قال الله سبحانه: (ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ)، وقال: (ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ)، فكان هذا هو المفترض في كتاب الله عز وجل، وأجمع أهل العلم على ذلك.
حكم طواف الوداع وطواف الوداع مستحب لقوله (صلى الله عليه وسلم): "لا يَنفرن أحدكم حتى يكون آخر عهده

الطواف بالبيت"، وروي عن عمر، وغيره.
وليس بواجب خلافا لأبي حنيفة لقوله (صلى الله عليه وسلم) في حديث صفية حين حاضت: "أحابستنا هي؟ "، قالوا: إنها قد أفاضت، قال: "فلا إذا"، فلو كان واجبا لكان يقف عليها كطواف الإفاضة؛ ولأنه طواف يُعل خارج الإحرام كالتطوع.
ولا يجب الدم بتركه خلافا للشافعي؛ لأن الحائض تتركه ولا دم عليها؛ ولأنه يُفعل خارج الإحرام.

فصل [طواف الإفاضة تعجيله يوم النحر أفضل] ومن المدونة: قال مالك: وطواف الإفاضة تعجيله يوم النحر أفضل، وإن أخره حتى مضت أيام التشريق وانصرف من منى إلى مكة فلا بأس به، وإن أخره أياما وتطاول ذلك، فعله وأهدى.
م: وإنما قال ذلك: لما روى جابر أنه (صلى الله عليه وسلم) نحر يوم النحر، ثم ركب فأفاض وصلى بمكة الظهر، وفي حديث عائشة (رضي الله عنها): "ثم رجع إلى منى فمكث بها ليالي أيام التشريق"، وإنما كان له تأخيره إلى آخر أيام التشريق: لما روى مالك أن بعض الصحابة فعلوه، فإذا طال ذلك فقد خالف، فوجب أن يهدي.
ومن المدونة: قال مالك: وإن آخر المراهق أو من أحرم بمكة الإفاضة والسعي بعدما انصرف من منى أياما وتطاول ذلك فليطف ويسعى ويهدي، وإنما لهذا أن يؤخر الطواف والسعي إلى الموضع الذي يجوز له أن يؤخر الإفاضة.
قال مالك: وبلغني أن بعض الصاحبة كانوا يأتون مراهقين فينفرون لحجهم ولا يطوفون ولا يسعون، ثم يقدمون منى فلا يفيضون من منى إلى آخر أيام التشريق،

فيأتون فينيخون إبلهم عند باب المسجد، ثم يدخلون فيطوفون بالبيت ويسعون، ثم ينصرفون، فيجزئهم طوافهم ذلك لدخولهم مكة ولإفاضتهم ولوداعهم البيت.
م: ففي هذا الحديث أدلة: منها: أنه يجوز للمراهق تأخير الطواف الأول والسعي، ثم لا دم عليه، وأنه لا يفيض إلى آخر ايام التشريق، وأن هذا الطواف يجزي عن طواف القدوم والإفاضة والوداع.
ومن المدونة: قال مالك: وطواف الإفاضة: هو الذي يسمى طواف الزيارة وكره أن يقال: طواف الزيارة، أو أن يقال: زُرنا قبر النبي (صلى الله عليه وسلم).
م: كأنه كره اسم الزيارة، لما روي من قوله (صلى الله عليه وسلم): "لعن الله زوارات القبور"، أو كما قال، وفي حديث آخر: "لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد"، وقد سمى الله الإفاضة بقوله: (ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ)، وسمى الطواف بعدها بقوله: (ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ) فسمى لذلك طواف الإفاضة فلا يجوز مخالفته.

ومن المدونة: وكان مالك يستحب طواف الصدر وهو طواف الوداع، ولا يراه واجبا لما قدمناه، وكان مالك يقول: من نسي طواف الوداع ثم ذكره ولم يتباعد رجع إلى مكة فطافه، وإن تباعد مضى، ولا شيء عليه.
من نسي طواف الوداع، ثم ذكره رجع له إن كان قريبا.
وذكر مالك أن عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) رد رجلا من مر الظهران خرج ولم يطف طواف الوداع.
قلت فهل حد مالك أنه يرجع له من مر الظهران؟ قال: لم يحد مالك أكثر من قوله: يرجع إن كان قريبا.
قال ابن القاسم: وأنا أرى أن يرجع له ما لم يخش فوات أصحابه أو لا يقيم عليه كريه، فإن خاف ذلك فليمض حينئذ، ولا شيء على من تركه.
قال مالك: ومن طاف للوداع، ثم باع واشترى بعض حوائجه أقام في ذلك ساعة، ثم خرج فلا يرجع إلى الوداع.
قال ابن القاسم: ولو أقام بمكة بعد طواف الوداع يوما أو بعض يوم، رجع فطافه، ولو طافوا للوداع، ثم برز بهم الكريّ إلى ذي طُوى فأقام بها يومه وليلته فلا يرجعوا للوداع.
قال مالك: ويتموا الصلاة بذي طوى ماداموا بها؛ لأنها من مكة، وإذا خرجوا منها إلى بلدهم قصروا.

قال مالك: وطواف الوداع على من حج من النساء، والصبيان، والعبيد، وعلى كل واحد، وليس على أهل مكة طواف الوداع إذا حجوا، ولا على من دخلها حاجا يريد أن يستوطنها.
م: لقوله (صلى الله عليه وسلم): "لا ينفرن أحدكم حتى يكون آخر عهده الطواف بالبيت"، وهؤلاء غير نافرين من مكة.
ومن المدونة: قال مالك: ومن فرغ من حجة، ثم خرج يعتمر من الجعرانه أو التنعيم فليس عليه طواف الوداع، وأما إن خرج يعتمر من ميقاته كالجحفة وغيرها فليودع.
قال: وإذا سافي مكي فليودع، ومن حج من مر الظهران، أو من عرفة فليودع إذا خرج، وليس من يخرج من مكة إلى منزله يريد الإقامة وإن كان منزله قريبا بمنزله من يخرج إلى موضع قريب ثم يعود.
ومن اعتمر ثم خرج من فوره أجزأه طواف عمرته من الوداع، وإن أقام ثم خرج ودع.
وكذلك من فاته الحج فسخه في عمرة أو فسد حجة عليه طواف الوداع إذا أقام هذا المفسد بمكة بعد طواف الإفاضة أو أقام الذي فاته الحج بعد طواف العمرة؛ لأنه لما فاته الحج عاد عمله إلى عمرة، وإن خرجا مكانهما فلا شيء عليهما.

وفي الأمهات في هذه المسألة نقص، وهذا هو تمامها.
طواف الوداع يسقط عن الحائض قال مالك: وإن حاضت امرأة بعد طواف الإفاضة فلتخرج قبل أن تودع، وإن حاضت قبل الإفاضة أو نفست حبس على الحائض كريّها أقصى ما كان يمسكها الدم، ثم تستظهر بثلاث، وفي النفساء يُحبس عليها كريها أقصى ما يحبس النساء دم النفاس من غير سقم، ولا يحبس عليها أكثر من هذا.
وأبو محمد: وقال غيره: أما في زماننا فإنه يفسخ للخوف.

الباب الخامس عشر

جامع ما جاء في ركعتي الطواف

حكم ركعتي الطواف وركعتا الطواف الواجب سنة مؤكدة؛ لأن الرسول (صلى الله عليه وسلم) لما فرغ من طوافه ركع له، وروي أنه طاف راكبا فلما فرغ نزل فصلاهما، وهذا يدل على تأكدهما؛ ولأن الطواف من أركان الحج فوجب أن يكون من توابعه سُنة، كالوقوف بعرفة من توابعه المبيت بالمزدلفة، وقد قال الله تعالى: (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى).
قال ابن حبيب: ويستحب أن يقرأ في ركعتي الطواف بـ (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ) و (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ).
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ولا تجزي المكتوبة من ركعتي الطواف في قول

مالك، ومن طاف أسبوعا فلم يركع ركعتيه حتى دخل في أسبوع ثان قطع وركع، فإن لم يذكر حتى أتمه ركع لكل أسبوع ركعتين للاختلاف فيه.
قال: وغن طاف في غير إبان صلاة آخر الركعتين وإن خرج إلى الحل ركعهما ويجزئانه ما لم ينتقض وضوؤه، فإن انتقض وضوؤه، وكان الطواف الواجب ابتدأه؛ لأن الركعتين من الطواف توصلان به إلا أن يتباعد فليركهما ويهدي.
تأخير ركعتي الطواف حتى خروج وقت النهي أبو محمد: يريد: وقد سعى.
قال مالك: وإن دخل مكة حاجا أو معتمرا فطاف وسعى ونسي ركعتي الطواف وقضى جميع حجته أو عمرته، ثم ذكر ذلك بمكة أو قريبا منها رجع فطاف وركع وسعى، ولا هدي على المعتمر إلا أن يكون حلق أو لبس الثياب وتطيب فليفتد، وأما الحاج فإن كانتا من طواف السعي فعليه الهدي، وإن كانتا من طواف الإفاضة، أو من طواف السعي الذي يؤخره المراهق والمكي حتى يرجع من عرفة فلا هدي عليه؛ لأنهما من طواف بعد وقوف عرفة.
من نسي ركعتي الطواف ثم ذكرهما بمكة أو قريبا منها قال ابن المواز: وكذلك تارك الركعتين من كل طواف بعد وقوف عرفة فلا دم عليه ما لم يبلغ بلده، وهذا كله إذا لم يطأ، فإن وطئ في أي طواف كان مما فيه الركعتان فلابد له من العمرة بعد أن يطوف ويركع ويسعى، وذلك ما لم يبلغ بلده، أو يبعد جدا، فإذا بلغ بلده أو بعد ركعهما وأهدى وطئ أو لم يطأ.
من نسي ركعتي الطواف فذكرهما بعد أن بلغ بلده أو تباعد من مكة (182/ أ).
ومن المدونة: قال مالك: وإذا ذكرهما بعد أن بلغ بلده أو تباعد من مكة فلا يبالي من أي طواف كانتا، من طواف عمرة، أو حجة، قبل وقوف عرفة، أو بعده

فليركعهما حيث هو ويهدي، ومحل هدية مكة، وطيء أو لم يطأ.
ومن كتاب ابن المواز: ومن ركع الركعتين بثوب نجس أعادهما فقط إن كان قريبا ولم ينتقض وضوؤه، فإن انتقض وضوؤه، أو طال فلا شيء عليه، كزوال الوقت، وقال أصبغ: سلامة من الركعتين كزوال الوقت، وحسن أن يعيدهما بالقرب.
من صلى ركعتي الطواف في ثوب نجس.
ابن القاسم: عن مالك: وإن أخر الركعتين بعد العصر فليصلهما بعد أن يصلي المغرب، فإن ركعهما قبل المغرب وبعد الغروب أجزأتاه، وبعد المغرب أحب إلينا.
قال مالك: وإن نسي الركعتين حتى سعى فليركعهما ويعيد السعي، وقبل: يأتنف الطواف ويركع ويسعى.
ابن حبيب: ومن نسي الركعتين: فإن لم ينتقض وضوؤه ركعهما ولم يعد الطواف، وإن انتقض وضوؤه ابتدأ الطواف إن كان واجبا، وهو مخير في التطوع.
م: قيل لأبي بكر بن عبد الرحمن: فإن ذكر أنه ترك الركعتين بالقرب فوجب عليه أن يطوف ويركع ويسعى هل يكون إذا قتل صيدا كمن لم يطف ويسعى، ويكون عليه جزاؤه أم لا؛ لأنه لو بلغ بلده لم يكن عليه الرجوع؟ قال: لا جزاء عليه؛ لأنه ليس بمحرم؛ ولأنه طاف وسعى؛ وإنما أمرنا بإعادة ذلك استحسانا.

قيل له: فإن كانتا من طواف عمرته فذكر في الموضع الذي يؤمر فيه بإعاة الطواف والسعي ثم أحرم، قال: يكون قارنا.
قال بعض أصحابنا: وهذا منه تناقض.
وقال غيره: لا يكون قارنا، والحج الذي عقده يقوم له مقام الطواف، وأما الجزاء فيؤمر به استحسانا؛ لأن أصل الإعادة ليس بواجب، وهذا الصواب.
قال ابن حبيب عن مالك: وإذا ترك ركعتي طواف الوداع حتى بلغ بلده أو تباعد فإنه يركعهما، ولا هدي عليه في ذلك.
من ترك ركعتي طواف الوداع وإذا فرغ من طوافه عند الفجر بدأ بركعتي الطواف قبل ركعتي الفجر، ولو لم يبق عليه إلا شوط أو شوطان فأقيمت الصلاة فأراد أن يتم بقية طوافه إلى أن تعتدل الصفوف فلا أرى به بأسا.
قيل: فإن أراد أن يركعهما والصلاة تقام؟ قال: عسى هذا أن يكون بمكة خفيفا.
قلت له: وركعتا الفجر مثله؟ قال: نعم.

الباب السادس عشر

جامع ما جاء في الخروج إلى الصفا والمروة والسعي بينهما

قال الله تعالى: (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا)، وبين الرسول (صلى الله عليه وسلم) بفعله أنها سبعة أشواط، وبدأ في سعيه بالصفا وختم بالمروة، وسعى وخب في بطن المسيل.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: فإذا فرغ من طوافه خرج إلى الصفا والمروة، ولم يحد مالك من أي باب يخرج.
من شروط صحة السعي البدء من الصفا.
قال مالك: وأحب أني صعد من الصفا والمروة أعلاهما حيث يرى الكعبة منهما فيكبر ويهلل ويدعوا، قال: "ولا يعجبني أن يدعوا قاعدا عليهما إلا من علة، ويقف النساء أيضا إلا من بها ضعف أو علة، ويقفن في أسفل الصفا والمروة، وليس عليهن أن يصعدن إلا أن يخلوا من الزحام فيصعدن، وذلك أفضل لهن، ولم يحد مالك في الدعاء على الصفا والمروة حدا، ولا طول القيام مكثا، واستحب المكث عليهما في الدعاء، وإن رفع يديه عليهما، أو في وقوف عرفة فرفعا خفيفا، وترك الرفع في كل

شيء أحب إلى مالك إلا في ابتداء الصلاة فإنه يرفع، ولا يرفع يديه في المقامين عند الجمرتين.
ويبتدي في سعيه بالصفا ويختم بالمروة، فيكون الوقوف عليهما أربعة على الصفا، وأربعة على المروة.
إن بدأ من المروة لم يعتد بذلك الشوط.
قال: فإن بدأ بالمروة زاد شوطا ليصير بادئا بالصفا.
قال ابن حبيب: إذا خرجت إلى الصفا فارتقيت عليه حيث ترى البيت وأنت قائم فارفع يديك حذو منكبيك، وبطونهما على الأرض، ثم تقول: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر كبيرا، والحمد لله كثيرا، ثم تقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد وهو على كل شيء قدير، ثم تدعو بما استطعت، ثم ترجع فتكبر ثلاثا وتهلل مرة كما ذكرنا، ثم تدعوا، ثم تعيد التكبير والتهليل، ثم تدعو، تفعل ذلك سبع مرات، فتكون إحدى وعشرين تكبيرة، وسبع تهليلات، والدعاء بين ذلك، ولا تدع الصلاة على النبي (صلى الله عليه وسلم) وهذا كله مروي، وليس بلازم، ومن شاء زاد أو نقص أو دعا

بما أمكنه.
قال أبو محمد: ووري ذلك عن ابن عمر وغيره.
قال ابن حبيب: ثم تفعل على المروة كما فعلت على الصفا، هكذا تفعل في كل وقفة حتى تتم سبعة أشواط بين الصفا والمروة، فتصير بذلك أربع وقفات على الصفا، وأربعا على المروة.
قال بعض البغداديين: فإذا وقف على الصفا وكبر وهلل ودعا انحدر ماشيا وسعى في بطن المسيل، ثم يصعد المروة، فإذا ظهر عليها فعل مثل ذلك حتى يكمل سبعة أشواط، وذلك يمان وقفات: أربع على الصفا، وأربع على المروة، قال: وكذلك فعل النبي (صلى الله عليه وسلم) على الصفة التي ذكرنا.
قال: والسعي ركن لا ينوب عنه الدم، خلافا لأبي حنيفة.
في أنه واجب، وينوب عنه الدم.
السعي ركن من أركان الحج.
ودليلنا: أنه (صلى الله عليه وسلم) سعى، وقال: "اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي".

وهذا من أبلغ ما يدل على فرضه؛ ولأنه مشي ذو عدد سبع كالطواف.
ومن المدونة: قال: قال: ومن رمل في جميع سعيه بين الصفا والمروة أجزأه، وقد أساء.
قال مالك: وإن لم يرمل في بطن المسيل فلا شيء عليه.
قال ابن المواز: ولا رمل على النساء في بطن المسيل، ولا في الطواف.
المرأة لا ترمل في طواف ولا سعي السعي بين الصفا والمروة ليس من شرط صحته الطهارة لا يسعى راكبا إلا من عذر قال مالك: وإن سعى جُنبا أجزأه إن كان طوافه وركوعه طاهرا.
قال في المستخرجة: وتسعى المرأة حائضا إذا كانت في وقت الطواف والصلاة طاهرا.
ومن المدونة: قال مالك: ولا يسعى أحد بين الصفا والمروة راكبا إلا من عذر، ونهى عن ذلك أشد النهي.
قال عنه ابن المواز: وإن ركب في سعيه من غير عذر أعاد سعيه إن كان قريبا، وإن بعد ذلك وطال أجزأه وأهدى.
ومن المدونة: قال مالك: وإن جلس بين ظهراني سعيه شيئا خفيفا فلا شيء عليه.
قال ابن القاسم: وإن تطاول ذلك حتى صار كالتارك لما كان فيه فليبتدي.

قال أبو محمد: يريد: يبتدئ الطواف والسعي.
قال ابن القاسم وكذلك أن تحدث مع أحد، أو باع أو اشترى، أو صلى على جنازة بنى فيما خلف من ذلك ولم يتطاول، وأجزأه، بخلاف الطائف.
قال ابن حبيب: وعن كثر ذلك ابتدأ سعيه ولا يبني.
وظاهر قول ابن حبيب: أنه يبتدئ السعي فقط، وعلى ما ذكر أبو محمد: يبتدئ الطواف والسعي.
قال مالك في العتبية، وكتاب محمد: وإن أقيمت عليه الصلاة في السعي فليتمادا إلا أن يضر بوقت تلك الصلاة فليصل، ثم يبني على ما مضى له.
ومن المدونة: قال مالك: وإن أصابه حقن في سعيه توضأ وبنى، ولا يستأنف.
م: بخلاف الطواف.
قال مالك: ومن ترك السعي بين الصفا والمروة، أو شوطا منه في حجة أو عمرة صحيحة أو فاسدة فليرجع لذلك من بلده.
م: يريد: أنه لم يفعله مشيا ولا سعيا، فهذا يرجع إليه من بلده، بخلاف تارك الرمل.

الباب السابع عشر

جامع ما جاء في المقام وفي معالم الحرم

قال مالك: كان المقام في عهد إبراهيم عليه السلام في مكانه اليوم، وكانت الجاهلية ألصقوه إلى البيت خيفة السيل، فكان كذلك على عهد النبي (صلى الله عليه وسلم) وعهد أبي بكر، فلما ولي عمر وحج أخرج خيوطا كانت في خزائن الكعبة قاسوا بها في الجاهلية مابين موضعه وبين البيت إذ قدموه فقاسه عمر وأخرجه إلى الموضع الذي هو فيه اليوم.
قال مالك: وعمر الذي نصب معالم الحرم بعد أن بحث عن ذلك، وبلغني أن الله تعالى أوحى إلى الجبال فتنحت حتى أرى الله إبراهيم مواضع المناسك، فهو قوله: (وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا).
قال ابن حبيب عن ابن عباس لما فرغ إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام من بنيان الكعبة أمره الله تعالى أن يؤذن في الناس بالحج فقام على المقام فتطأطأ له كل

شيء حتى لم يبق له شيء إلا أبصره، ثم نادى بصوته أسمع مابين المشرق والمغرب عباد الله: أجيبوا الله إلى بيته فإن لله بيتا أمركم أن تحجوه، فأجابه من قضى الله له بالحج إلى يوم القيامة وهم في أصلاب آبائهم بلبيك اللهم لبيك، فمن هنالك كانت التلبية في الحج، وأجابه كل من سمعه من حجر أو شجر أو مدر أو تراب: بلبيك اللهم لبيك.
قال ابن حبيب: فبلغني أنه من أجابه يومئذ بلبيك مرة فهو ممن قضى الله له بالحج مرة، ومن أجابه مرتين قضى له بالحج مرتين، وإن ثلاث فثلاث، ومن لم يجبه فهو ممن لم يقض له بالحج.
تم الأول من الحج، والحمد لله تعالى.

جارٍ التحميل