[الباب الأول]
جامع القضاء في المحاربين وشيء من مسائل المرتدين
قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ﴾ الآية.
وقال تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾.
وقال النبي عليه السلام: (من قتل دون ماله فهو شهيد).
وقال مالك: وجهاد المحاربين جهاد.
[1 - فصل: في المحارب إذا أخذ قبل توبته]
قال: وإذا أخذ المحارب قبل توبته فحكمه إلى الإمام لا عفو فيه لأحد وهو فيه مخير، إلا أنه إن قتل فلابد من قتله ليس له أن يختار قطعه من خلاف أو نفيه.
قال: وإن أخاف وأخذ المال ولم يقتل أحداً؟
قال مالك: فأرى أن يقتل إذا رأى ذلك الإمام لأن الله تعالى قرن الفساد في الأرض بالقتل بقوله: ﴿أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ﴾.
وإن لم يقتل ولم يأخذ مالاً وحارب وأخاف فالإمام فيه مخير أن يقتله أو يقطع يده ورجله من خلاف أو يضربه بقدر اجتهاده وينفيه ويسجنه في المكان الذي ينفيه إليه حتى تظهر توبته وكذلك إن لم يخف، وأخذ مكانه قبل أن يتفاقم أمره، أو خرج بعصا وأخذ مكانه فهو مخير وله أن يأخذ في هذا بأيسر الحكم، وذلك الضرب والنفي، ويسجنه في المكان الذي ينفيه إليه.
قال محمد: فيمن عظم فساده وأخذ المال ولم يقتل قال مالك وابن
القاسم: إنه يقتل.
وقال أشهب: الإمام فيه مخير.
وقال ابن القاسم: إنما يخير إذا أخاف ولم يأخذ مالاً ولم يقتل وأخذ بحضرة ذلك أو بعد الطول فهو مخير فيه، فأما من طال زمانه واشتدت مناصبته وأخذ المال ولم يقتل فليقتله ولا يكون فيه مخيراً.
م: وما روي في المدونة في من أخذ المال أو لم يأخذه إذا أخاف وحارب ولم يقتل؛ أن الإمام فيه مخير كقول أشهب.
[2 - فصل: في المحارب يؤخذ بحضرة خروجه، أو بعد تمكنه وحرابة النساء والعبيد وفي بعض أحكام النفي]
ومن المدونة قال ابن القاسم: وليس للإمام أن يعفو عن أحد من المحاربين ولكن يجتهد في ضربه ونفيه إن أخذ بحضرة خروجه، وقد نفى عمر بن عبد العزيز محارباً أخذ بمصر إلى شغب.
قال مالك وقد كان ينفي عندنا إلى فدك وخيبر ويسجن في الموضع الذي ينفي حتى تعرف توبته.
قال بعض أصحابنا: وأقل النفي عند مالك على مسيرة يوم وليلة، دليله (نهي النبي عليه السلام: أن تسافر المرأة مع غير ذي محرمٍ منها سفر يومٍ وليلةٍ).
فذلك أقل السفر.
ومن المدونة قال مالك: وإذا أخذ الإمام المحارب وقد قتل وأخذ المال وأخاف السبيل؛ فليقتله ولا يقطع يده ولا رجله والقتل يأتي ذلك كله، وأما الصلب مع القتل إلى الإمام يصنع ما يراه.
قال مالك: لوم أسمع أحداً صلب إلا عبد الملك بن مروان فإنه صلب الحارث الذي تنبأ وهو حي وطعنه بالحرية بيده، وكذلك يفعل بمن صلب من المحاربين.
وحكم النساء والعبيد وأهل الذمة في الحرابة مثل ما وصفنا في الأحرار المسلمين إلا أنه لا نفي على النساء والعبيد.
محمد: الذي جاء عن النبي عليه السلام قال: (لا تسافر المرأة إلا ومعها ذو محرمٍ)، فالضيعة تصيبها، وأما العبد فإن ذلك ضرر على سيده.
قلت: فقد جاء عن عمر بن خطاب رضي الله عنه: "أنه جلد امرأة وغربها إلى البصرة".
قال: فقد "جلد أبو بكر الصديق رضي الله عنه الرجل والمرأة البكرين في الزنى، وغرب الرجل" ولم يبلغنا أنه غرب المرأة.
قيل: فما يرد ما جاء عن عمر "أن عبداً كان يقوم على رقيق الخمس فاستكره جارية من ذلك الرقيق فوقع بها فجلده عمر ونفا، ولم يجلد الوليدة لأنها مكرهة".
قال: قد جاء عن النبي عليه السلام وعن عمر ما يدل على خلافه، قوله عليه السلام في الأمة: (إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها، ثم عن زنت فاجلدوها، ثم بيعوها ولو بضفيرٍ).
قال ابن شهاب: لا أدري أبعد الثالثة أو الرابعة.
والضفير: الحبل.
فقد قال عليه السلام: (إن زنت فاجلدوها).
قال مالك: ولم يقل عليه السلام في ذلك نفي ولا ذكره.
وفي حديث آخر "أنه أمر بجلد من ولائد الإمارة خمسين خمسين في الزنا".
قال مالك: ولم أسمع في ذلك بنفي، قال: وعليه أدركت أهل العلم ببلدنا أن لا نفي على العبيد.
قال عنه ابن وهب: ولا على النساء للحديث: (لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرمٍ).
والضيعة تصيبها.
قيل: فكيف النفي؟ وكم وقته؟
قال: قد نفي من مصر إلى الحجاز؛ شغب وما والاها، ومن المدينة إلى فدك وخيبر من الحجاز، ويكتب إلى وإلي ذلك الموضع حتى يقبضه
ويسجنه أبداً حتى يتوب، وليس لحبسه وقت كما ليس لضربه وقت، وأما الزاني فيحبس سنة من يوم يصير في الحبس وتكون النفقة في حملهما وحبسهما وكراهما على أنفسهما من أموالهما، فإن لم يكن لهما شيء ففي مال المسلمين.
قال مالك: سمعت (إن الرسول صلى الله عليه وسلم نفى المخنثين)، ولا أرى نفيهم إلا حسنا.
وقال: إنما ينفى المخنثون إلى الموضع القريب، ولا يحبسون ويخلون اليوم بعد الأيام للمسألة والمعاش.
قلت: فقاتل العمد الذي يجب عليه ضرب مائة وحبس سنة؟
قال: يحبس في موضعه، ولا نفي عليه، ولا على أحد غير من سمينا لك.
[3 - فصل: في استواء حكم المحارب فيما أخذ من المال، وفيمن قطع عليهم]
ومن المدونة قال مالك: وحكم المحارب فيما أخذ من قليل المال أو كثيره سواء وإن كان أقل من ربع دينار، وإن قطعوا على المسلمين أو على أهل الذمة فهي سواء، وقد قتل عثمان مسلماً قتل ذمياً على وجه الحرابة على ما كان معه.
[4 - فصل: في توبة المحاربين قبل القدرة عليهم وقد تعاونوا على قتل رجل أو أخذ مال، وفي عفو الأولياء عنهم، وفي الشفاعة لهم، وحرابة الصبيان، وفيمن يقطع ثم يعاود الحرابة، وفي الأموال التي بأيدي المحاربين]
قال مالك وإذ أتى المحارب تائباً قبل أن يقدر عليه سقط عنه ما يجب عليه لله تعالى من حد المحارب، وثبت ماللناس عليه من نفس أو جرح أو مال، ثم
للأولياء القتل أو العفو فيمن قتل.
وكذلك المجروح في القصاص.
قال: وإن كانوا جماعة قتلوا رجلاً، ولي أحدهم قتله وباقيهم عون له، فأخذوا على تلك الحال؛ قتلوا كلهم.
وذكر مالك أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: "لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم جميعاً"، وذكر عن عمر أن ربيئة كان ناظراً للذين قتلوا عمر معهم.
قال ابن القاسم: وإن تابوا قبل أن يؤخذوا دفعوا إلى أولياء المقتول فقتلوا من شاءوا، وعفوا عمن شاءوا، وأخذوا الدية ممن شاءوا.
قال: وإذا ولي أحدهم أخذ المال، وكان الباقون له قوة، ثم اقتسموا فتاب أحدهم ممن لم يل أخذ المال؛ فإنه يأخذ جميع المال ما أخذ في سهمه وما أخذ أصحابه.
وإذا أخذوا المال ثم تابوا وهم عدم فذلك عليهم دين، وإن كانوا أخذوا قبل أن يتوبوا فأقيم عليهم الحد قطعوا، أو قتلوا ولهم أموال أخذت
أموال الناس من أموالهم- يريد: ويسرهم متصل من يوم أخذوه-، وإن لم يكن لهم يومئذ مال لم يتبعوا بشيء مما أخذوا كالسرقة.
قال مالك: وإذا أخذوا الإمام وقد قتلوا أو جرحوا وأخذوا الأموال فعفى عنهم أولياء القتلى وأهل الجراح والأموال، لم يجز العفو هاهنا لأحد ولا للأمام، ولا يصلح لأحد أن يشفع فيه لأنه حد لله تعالى قد بلغ الإمام.
فإن تابوا قبل أن يقدر عليهم وقد قتلوا ذمياً فعليهم ديته لأوليائه؛ إذ لا يقتل مسلم بذمي ولو كانوا أهل ذمة أقيد منهم؛ لأن مالكاً قال: يقتل النصراني بالنصراني.
وتعرف توبة المحاربين من أهل الذمة بترك ما كانوا فيه قبل أن نقدر عليهم.
فإن كان فيهم نساء فلهم حكم الرجال في ذلك، وأما الصبيان فلا يكونوا محاربين حتى يحتلموا وإن قطعوا الطريق إلى مدينتهم التي خرجوا منها فأخذوا فهم محاربون.
وإذا قطع يد المحارب ورجله ثم حارب ثانية ثم أخذه الإمام فرأى أن يقطعه، فليقطع يده الأخرى ورجله، وإذا أخذ الإمام محارباً وهو أقطع اليد اليمنى فأراد قطعه فليقطع يده اليسرى ورجله اليمنى، وقد قال مالك في سارق لا يمين له: أن تقطع رجله اليسرى، واليد والرجل من المحارب كعضو واحد من السارق، يبتدأ الحكم في الذي بعده.
وإذا خرج محارب بغير سلاح ففعل فعل المحارب من التلصص وأخذ المال مكابرة فهو محارب، ويكون الرجل الواحد محارباً.
وتجوز على المحاربين شهادة من حاربوه إذا كانوا عدولاً إذ لا سبيل إلى غير ذلك، شهدوا بقتل أو بأخذ مال أو غيري ذلك، ولا تقبل شهادة أحد منهم في نفسه، وتقبل شهادة بعضهم لبعض.
والمحاربون إذا أخذوا ومعهم أموال فادعاها قوم لا بينة لهم فلتدفع إليهم بعد الاستيناء في استبراء ذلك من غير طول فإن لم يأت من يدعيها دفعت إليهم بعد أيمانهم بغير حميل، ولكن يضمنهم الإمام إياها إن جاء
لذلك طالب محمد ويشهد عليهم.
محمد: وقال بعض أصحابنا: يضمنوها وإن ذهبت عندهم بأمر من الله تعالى.
وأما إن أخذ المتاع ببينة؛- يريد: أو بشاهد ويمين- ثم يثبت ما هو أقطع من ذلك وقد هلك بأمر من الله تعالى فإنه لا يضمن شيئاً.
[5 - فصل: في التجار يقطع بعضهم الطريق على بعض، وفي الخناقين وشبههم، وفي قتل الغيلة، ومن قاتل رفقته في السفر لأخذ أموالهم]
ومن المدونة: وإذا خرج التجار إلى أرض الحرب فقطع بعضهم الطريق على بعض ببلد الحرب، أو قطعوها على أهل ذمة دخلوا دار الحرب بأمان فهم محاربون.
والخناقون والذين يسقون الناس السيكران ليأخذوا أموالهم محاربون.
ومن قتل أحداً قتل غيلة فرفع إلى قاض يرى ألا يقتله، وقضى بأن أسلمه إلى أولياء المقتول فعفوا عنه، فذلك حكم قد مضى، ولا يغيره من ولي بعده لما فيه من الاختلاف.
أبو محمد: وقال أشهب وغيره: لغيره نقض ذلك وقتله؛ لأنه اختلاف شاذ، وقاله ابن القاسم في نقض الحكم بالشاذ كتوريث العمة ونحوه.
قال في المستخرجة: والمغتال الذي يعرض للرجل أو للصبي فيخدعه حتى يدخله بيتاً فيقتله ثم يأخذ متاعه وماله، وإنما قتله على ذلك فهو بمنزلة المحارب.
وسئل عمن صحب أربعة نفر في الطريق وأطعمهم سويقاً فمات منهم اثنان ولبط بصاحبيها فلم يدر أحيان هما أم ميتان حتى من الغد
وأخذ منهم خمسة دنانير فأخذ الرجل فاعترف، وقال: ذلك السويق أعطانيه رجل وأخبرني أنه يسكر من أكله، فأطعمتهم إياه للسكر ولم أرد قتلهم، وإنما أردت أخذ ما معهم، قال مالك: أرى عليه القتل؛ لأنه محارب أراد قتلهم.
قيل: إنه لم يرد القتل؟
قال: ومن يقبل ذلك منه، أما هو فقد تعمد إطعامهم، أرأيت من ضرب إنساناً فمات من ذلك، فقال: لم أرد قتله، أيقبل ذلك منه؟ لا يقبل ذلك منه.
[6 - فصل: فيمن قتل محارباً أو سارقاً ونحوهما، وفيما يعتبر حرابة وما لا يعتبر]
ومن المدونة قال مالك: وإذا قامت بينة على محارب فقتله رجل قبل أن يزكوا البينة فإن زكيت أدبه الإمام، وإن لم تزك قتل به.
قال مالك: ومن دخل على رجل حريمه ليأخذ ماله فهو كالمحارب.
قال مالك: ومن قتل سارقاً دخل إليه وادعى أنه كابر وقاتله؛ لم يقبل
قوله وقتل به، وكذلك لو قال: وجدته مع امرأتي يطأها.
قال في كتاب الغصب: وليس كل غاصب محارباً لأن السلطان يغصب ولا يعد محارباً، والمحارب القاطع للطريق أو من دخل على رجل بيته فكابره على ماله، أو كابره عليه في طريق بعضاً أو سيف أو غير ذلك.
قال في العتبية فيمن لقي رجلاً عند العتمة أو في السحر في الخلوة فيبتزه ثوبه وينتزعه منه؛ لا قطع عليه إلا أن يكون محارباً.
م: يريد؛ لأن هذا مختلس ولا قطع على مختلس.
قال: ومن دخل على رجل حريمه فكابره حتى يجرحه أو ضربه أو قتله، ثم خرج ولم ينهب متاعاً إنما كان ذلك لعداوة أو نائرة بينهما؛ فهذا ليس بمحارب وعليه القصاص، وفيه العفو من أولياء المقتول، فإن عفوا جلد مائة جلدة وحبس عاماً.
قال في كتاب الجهاد: وإن طلب اللصوص مثل العلف أو الثوب فأحب إلى أن يعطوه ولا يقاتلوا.
وقال سحنون: لا يعطوا شيئاً، ولا يدعوا لأن الدعوة لا تزيدهم إلا استئساداً وجرأة، فلا أرى أن يدعوا وليقاتلوا.
قال أصبغ: وسئل ابن القاسم عن اللص يولي مدبراً أيتبع؟
قال: إن كان قتل فنعم فليتبع ويقتل، وإن لم يكن قتل فلا يتبع ولا يقتل.
قال: ولا بأس بقتل الأسير من اللصوص إذا قتل وإن لم يبلغ به الإمام، وقاله مالك؛ لأنه قد استوجب القتل.
قلت لابن القاسم: إنه استوجب القتل وإن لم يقتل.
قال: ذلك أشكل، ولا يقتله إلا الإمام إذا اجتهد الرأي.
قلت لابن القاسم: أرأيت إن كان بعضهم قتل؟
قال: إذا قتل واحد منهم فقد استوجبوا القتل جميعاً ولو كانوا مائة ألف.
سئل سحنون: عن اللصوص إذا ولوا مدبرين أيتبعون؟
قال: نعم يتبعون ولو بلغوا برك الغماد.
قيل له: فلو أن لصاً أو محارباً عرض لي فجرحته أو ضربته بشيء فأسقطته أترى أن أجهز عليه؟
قال: نعم.
فأعلمته بفول ابن القاسم: أنه لا يجهز عليه فلم يره شيئاً، وقد حل حين عرض ونصب للحرب وقطع الطريق وأخاف السبيل.
[الباب الثاني]
جامع القول في المرتدين وأولادهم وما يعد ارتداداً أم لا
[7 - فصل: تعريف المرتد، ودليل قتله، والقول في استتابته، ودليلها]
من المستخرجة قال السلام عليه: (من غير دينه فأقتلوه).
قال مالك: وذلك فيمن خرج من الإسلام إلى غيره لا من خرج من ملة سواه إلى غيرها.
وجاء عن عمر وغيره: "استتابة المرتد ثلاثاً"؛ لقول الله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾.
وسئل مالك عن قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "ألا حبستموه ثلاثاً، وأطعتموه في كل يوم رغيفاً؟ " فقال: لا بأس به، وليس بالمجتمع عليه.
وروي أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه: "استتاب امرأة ارتدت عن الإسلام فلم تتب فضرب عنقها".
قال مالك: وإذا تاب المرتد قبلت توبته، ولا حد عليه فيما صنع من ارتداده.
قال سحنون: وكذلك الراجع عن شهادته قبل أن يقضي بها أنه يقال ولا عقوبة عليه وإن كان غير مأمون؛ لأنه لو عوقب الناس بالرجوع عن شهادتهم لم يرجع شاهد بباطل إذا تاب خوفاً من العقوبة قياساً على المرتد.
8 - فصل: [في جناية المرتد، والجناية عليه، وولاء ما أعتق من عبيده، وما يقام عليه من الحدود بعد توبته وما لا يقام]
وقال ابن القاسم: في المرتد يقتل في ارتداده نصرانياً أو يجرحه؟، قال: إن أسلم لم يقتل به، ولم يستقد منه في جرح؛ لأنه ليس على دين يقر عليه، وحاله في ارتداده في القتل والجراح حال المسلم إن جرح مسلماً أو قتله؛ اقتص منه، وإن قتل نصرانياً أو جرحه لم يقتل به، ولم يستقد منه.
وكذلك قال أصبغ في المرتد يقتل مسلماً أو نصرانياً أو عبداً خطأ أو
عمداً أو يجرح بعضهم أو يقذف أو يسرق فإنه يستتاب، فإن لم يراجع الإسلام قتل وأتى القتل على ذلك كله إلا الفرية، وإن راجع الإسلام أقيم عليه الحد الذي أقيم على المسلم في كل ما وصفنا وهو بمنزلة ما كان منه قبل الارتداد إذا راجع الإسلام.
وإن قذفه رجل في حال ارتداده فلا حد على القاذف، رجع المرتد إلى الإسلام أو قتل.
وإن كان قذفه قبل ارتداده فإن رجع إلى الإسلام حد له، وإن قتل على الارتداد فلا حد عليه، ولم ترثه ورثته.
وأما الزنديق قتل الزنديق فقد اختلف في ميراثه.
قال أبو محمد: يعني الذي يشتهر بالتوبة فلم يقبل منه أو ينكر ما شهد
به عليه فيقتل، وأما المتمادي فلا خلاف أنه لا يورث.
قال ابن القاسم: وإذا جرح المرتد في ارتداده عمداً أو خطأ فإن عقل جراحاته للمسلمين إن قتل، وله إن تاب، وعمد من جرحه كالخطأ لا يقاد ممن جرحه.
قلت: فلو كان جارحه عمداً نصرانياً؟
قال: فلا قود له لأنه ليس على دين يقر عليه فعمد من أصابه بجرح خطأ يعقل، ولا يقاد، أصابه بالجرح مسلم أو غير مسلم.
وقال سحنون: في المرتد يقتل عمداً أنه لا دية له ولا قصاص على عاقلته إلا الأدب من السلطان فيما افتات عليه.
وقد كان عبد العزيز بن أبي سلمة يقول: يقتل المرتد ولا يستتاب.
ويذكر "أن أبا موسى الأشعري وقف على معاذ بن جبل وأمامه مسلم تهود فقال له معاذ: انزل أبا موسى، فقال: لا والله لا نزلت حتى يقتل هذا".
فلو رأى عليه استتابة ما قاله، ولو رأيت عليه استتابة لرأيت ذلك
في المحارب والزاني المحصن، ودمهما أيسر من المرتد.
قلت لابن القاسم: أرأيت ولاء ما أعتق من عبيده، أيثبت له إذا تاب ولزمه عتقهم؟
قال: الولاء للمسلمين؛ لأنه عتقهم حين لم يثبت له ولاء ما أعتق من المسلمين، قال: وكذلك ولاء ما كاتب من المسلمين إذا رأى ما كوتب به فولاؤه للمسلمين، وإن عجز رق له.
والكتابة تمضي عليه إذا تاب، وترد إن قتل وكذلك التدبير يمضي عليه إن تاب ويرد إن قتل.
وإذا زنى أو شرب الخمر أو قذف في حال ردته أو قبل ذلك لم يقم عليه حد الزنا ولا شرب الخمر إذا تاب، ويقام عليه حد الفرية والقطع في السرقة.
9 - فصل [في أحكام أولاد المرتد]
قال ابن القاسم: وما ولد للمرتد وهو مسلم فأدخلهم في نصرانيته قبل أن يموت فإن ذلك الولد يستتاب ويكره على الإسلام على ما أحب أو كره ويضيق عليه ولا يبلغ به القتل، وما ولد له في حال ارتداده؛ فإن أدركوا قبل أن يحتلموا، أو يحضن النساء فليجبروا على الإسلام، وإن لم يدركوا حتى كبروا وصاروا رجالاً ونساء رأيت أن يقروا على دينهم؛ لأنهم إنما ولدوا على ذلك وليس ارتداد أبيهم قبل أن يولدوا ارتداداً لهم.
وقال ابن كنانة: في ولد المرتد إذا قتل أنه يعقل عنه المسلمون، ويصلون عليه إذا مات، فإذا تنصر وعلم بأمره استتيب فإن تاب وإلا قتل، وإن غفل عنه حتى تشيخ وتزوج لم يستتب ولم يقتل.
10 - فصل [فيما يعد ارتداداً أم لا]
من سماع عيسى ابن القاسم وقال: في نصراني اشترى جارية مسلمة فلما ظهر عليه قال: أنا مسلم، ثم علم أنه نصراني، وقال: أنا نصراني وإنما قلت أنا مسلم لمكانها.
قال: يؤدب.
قيل: أيؤدب سبعين؟
قال: الأدب في هذا ذلك.
من سماع يحي قال ابن القاسم عن مالك في النصراني يصحب المسلمين فيصلي بهم أياماً ثم يتبين لهم أمره: أنهم يعيدون كل ما صلى بهم أبداً، ولا أرى عليه قتلاً.
وسئل عنها سحنون فقال: إن كان النصراني في موضع يخاف فيه على نفسه فدارى بذلك عن نفسه وماله فلا سبيل إليه، ويعيد القوم صلاتهم، وإن كان موضع يأمن فيه فإنه يعرض عليه الإسلام، فإن أسلم لم يعد القوم صلاتهم وصلاتهم تامة، وإن لم يسلم ضربت عنقه وأعاد القوم صلاتهم.
م: وفي كتاب الصلاة زيادة فيها.
وسئل ابن وهب: عن راهب قيل له: أنت فصيح عربي، وقد عرفت فضل الإسلام على غيره فما يمنعك منه؟، قال: كنت مسلماً زماناً فعرفته وما رأيت ديناً خيراً من النصرانية فرجعت إليها، فبلغ ذلك السلطان فسأله.
فقال: قد قلت ذلك ولم أكن قط مسلماً فحبسه والتمس البينة على إسلامه فلم يجد إلا القول الذي أقر به، قال: لا أرى عليه قتلاً ولا عقوبة ولا استتابة، وإنما المرتد من شهد عليه أنه يصلي ولو ركعة.
قال ابن القاسم: سمعت مالكاً يقول: لا يقتل على ارتداد إلا من ثبت عليه أنه كان على الإسلام طائعاً من غير أن يدخل فيه هرباً من ضيق عذاب على الجزية أو حمل منها مالا طاقة له به فألجأه ذلك إلى الإسلام فإنه يقال، وقاله ابن وهب.
وقال أشهب: يقتل إذا رجع عن الإسلام، كان أسلم من ضيق وشهد له أبه أم لا.
الباب [الثالث]
فيمن يظهر الإسلام ويسر ديناً غيره والحكم في الساحر والمتبني
[11 - فصل: فيمن يظهر الإسلام ويسر ديناً غيره]
قال مالك: ومن أسر اليهودية أو النصرانية أو الزندقة، فإن أتى تائباً قبلت توبته، وإن أخذ على دين أخفاه قتل ولم يستتب، وقاله ابن القاسم، قال: وميراثه لورثته من المسلمين إذا أنكر ما شهد به عليه أو تاب فلم تقبل توبته، قال: هذا ميراثه للمسلمين، وأما المتمادي فلا خاف أنه لا يورث، قاله أبو محمد.
قال: ومن كفر بمحمد عليه السلام وأنكره من المسلمين فهو بمنزلة المرتد.
ومن عبد شمساً أو قمراً أو حجراً؛ أو غير ذلك فإنهم يقتلون ولا يستتابون إذا كانوا في ذلك مظهرين للإسلام مستمرين بما أخذوا عليه؛ لأنهم لا تعرف توبتهم، ويرثهم ورثتهم من المسلمين؛ لأنهم مقرين بالإسلام
وبأحكامه فهم كالمنافقين الذين كانوا علة عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن النفاق الذي كانوا عليه إسرار الكفر وإظهار الإسلام؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾، ولكنهم يستخفون بذلك وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم بكفرهم، وورثهم ورثتهم من المسلمين.
قال ابن القاسم: وتجوز وصاياهم وعتقهم لأنهم يورثون.
قال سحنون: سألت ابن نافع عن ميراث الزنديق والمرتد، وهل سمع من مالك فيه شيئاُ؟
فقال: سمعت مالكاً يقول: ميراثهما للمسلمين ليس في أموالهما سنة دمائهما.
قال سحنون: فأخبرت بذلك عن ابن عبد الحكم فاستحسن روايته فيها جداً.
قال عيسى عن ابن القاسم: وكل من أعلن من أولئك دينه الذي هو عليه وأظهره واستمسك به فإنه يستتاب، فإن تاب وإلا قتل، وميراثه للمسلمين عامة بمنزلة الفيء، ولا يرثه المسلمون.
قال: وأما أهل الأهواء الذين هم على الإسلام والعارفين بالله مثل القدرية والإباضية وشبههم ممن هو على غير ما عليه جماعة المسلمين من البدع والتحريف لكتاب الله وتأويله على غير تأويل، فإن أولئك يستتابون
أظهروا ذلك أو أروه، فإن تابوا وإلا ضربت أعناقهم لتحريفهم لكتاب الله وخلافهم الجماعة والتابعين لرسول الله عليه السلام ولأصحابه بإحسان، وبذلك عملت أئمة الهدى وعمر بن عبد رضي الله عنهم ومن قتل منهم على ذلك فميراثه لورثته لأنهم مسلمون إلا أنهم إنما قتلوا لرأيهم السوء.
12 - فصل [فيمن علم بزنديق فقتله، وفيمن شتم النبي صلى الله عليه وسلم، والحكم في الساحر والمتنبئ].
وسئل أصبغ عن رجل أيقن برجل أنه زنديق فاغتاله فقتله؟ قال: إن صح ذلك بالبينة عززه السلطان للعجلة قبل أن يثبت ذلك للسلطان وهو محسن فيما بينه وبين الله تعالى إذا كان على يقين لا لبس فيه من أمره وكفره وزندقته، ولعل الولاة تصنع مثل هذا ولا تصححه.
وقد بلغني عن ابن عمر أنه ذكر له راهب يتناول النبي عليه
السلام فقال: "فهلا قتلتموه"، وبلغني عنه أنه يهودياً يتناول شيئاً من حرمة الله تبارك وتعالى غير ما هو فيه من ذمته ويحاج فيه فاغتاظ عليه "فخرج عليه بالسيف فطلبه حتى هرب منه".
قال عيسى فيمن سمع نصرانياً أو يهودياً يشتم النبي عليه السلام فاغتاظ فقتله، قال: إن كان شتمه شتماً يجب به القتل وثبت ذلك عليه ببينة فلا شيء عليه، وإن لم يثبت ببينة، أو شتمه بما لا يجب عليه به القتل فأرى عليه ديته ويضرب مائة ويسجن عاماً.
قال عن ابن القاسم في النصراني يوجد على الزندقة قال: يترك وزندقته.
من سماع أصبغ عن ابن القاسم قلت له: أرأيت الساحر من أهل الذمة إذا عثر عليه؟ قال: إن أسلم لم يقتل، وإن لم يسلم قتل، وهو بمنزلة من
شتم النبي عليه السلام من النصارى إذا أسلم لم يقتل، وإن لم يسلم قتل.
قلت: فلو أن رجلاً تنبأ وزعم أنه يوحى إليه هل يستتاب؟
قال: نعم يستتاب، فإن تاب وإلا قتل.
ويقتل الساحر ولا يستتاب كالزنديق.
الباب [الرابع]
فيمن سب الله تعالى أو أحداً من الملائكة أو النبيين أو الصحابة أو تكلم بسنة الكفر
قال عيسى عن ابن القاسم: ومن سب رسول الله صلى الله عليه وسلم أو شتمه أو عابه فإنه إن كان مسلماً قتل ولم يستتب، وميراثه لجميع المسلمين، وهو بمنزلة الزنديق الذي لا تعرف توبته؛ لأنه يتوب بلسانه ويراجع ذلك في سريرته، وإن كان نصرانياً فإنه يقتل صاغراً قميئاً إلا أن يسلم؛ لأنه ليس على هذا عوهدوا ولا نعمت عين [على شتم رسول الله صلى الله عليه وسلم] وليس يقال له: أسلم.
ولكن يقتل إلا أن يسلم طائعاً لقول الله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾، وكذلك قال مالك.
قال أبو محمد في الرسالة: وكذلك من سب الله تعالى بغير ما به كفر،
ويقتل النصراني إلا أن يسلم.
قال العتبي: وبلغني عن مالك أنه قال: إذا قال النصارى أو اليهود: إن محمداً لم يرسل إلينا وإنما أرسل إليكم وإنما نبينا عيسى وموسى فليس في ذلك شيء، فأما إن قالوا: ليس بنبي ولم يرسل، ولم ينزل عليه قرآن وإنما هو بقوله وما أشبهه، فالقتل على من قال ذلك واجب لا شك فيه.
قال عيسى عن ابن القاسم: وإن قالوا نبينا خير من نبيكم، أو لما سمعوا المؤذن قال: أشهد أن محمداً رسول الله، قال: كذلك يعطيكم الله، فأرى أن يعاقبوا عقوبة موجعة مع طول السجن.
قال ابن القاسم ومن سب أحداً من الأنبياء أو من الرسل أو جحد بما أنزل عليه أو جحد أحداً منهم فهو بمنزلة من سب رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع به كما يصنع فيه سواء؛ لأن الله تعالى يقول في كتابه: ﴿آَمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آَمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ الآية، وقال تعالى: {قُولُوا آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ
وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} ثم قال تعالى: ﴿فَإِنْ آَمَنُوا بِمِثْلِ مَا آَمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.
وقال تعالى في سورة النساء: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (150) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾
قلت لسحنون فإن شتم ملكاً من الملائكة؟
قال: عليه القتل، وإن قال: إن جبريل أخطأ استتيب فإن تاب وإلا قتل.
قلت: فإن شتم أحداً من الصحابة أبي بكر أو عمر أو علي أو معاوية أو عمرو بن العاص؟
قال: أما إن قال: إنهم كانوا على ضلال أو كفر قتل، وإن شتمهم بغير هذا كما يشتم الناس رأيت أن ينكل نكالاً شديداً.
قلت: فمن لزم رجلاً بدين فأغضبه فقال له الغريم: صل على محمد، فيقول صاحب الدين وقد غضب: لا صلى الله على من يصلي عليه، هل ترى عليه قتلاً؟
قال: لا إذا كان على ما وصفت من الغضب؛ لأنه لم يكن مضمراً على الشتم وإنما لفظ بهذا على وجه الغضب.
ابن القاسم وسئل مالك عمن نادى رجلاً باسمه فقال له: لبيك اللهم لبيك أعليه شيء؟
قال: إن كان جاهلاً أو على وجه السفه فلا شيء عليه.
[الباب الخامس]
جامع القول في أهل الأهواء ومجانبتهم وترك جدالهم والقول في القدر والاستواء على العرش والأسماء والصفات
قال أشهب سئل مالك عن القدرية فقال: قوم سوء لا تجالسوهم ولا تصلوا وراءهم وإن جامعوكم في مصر فأخرجوهم منه.
قال سحنون: وكان ابن غانم يكره مجالستهم، ويقول: أرأيت لو أن أحداً قعد إلى سارق وفي كمه بضاعة أما كان يحترز منه خوفاً أن يغتاله فيها فدينك أولى بأن تحترز به منه.
قال مالك: قال عمر بن عبد العزيز: "من جعل دينه عرضاً
للخصومات أكثر التنقل".
قال مالك: أراه يعني أصحاب الأهواء.
قال مالك: كان هاهنا رجل يقول: ما بقي دين إلا وقد دخلت فيه، يعني من فرق الإسلام، قال: ولم أر شيئاً مستقيماً، فقال له رجل: أنا أخبرك ما شأنك لم تعرف المستقيم، أنت رجل سوء لا تتقي الله عز وجل، يقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾.
قال سحنون عن قول مالك في أهل البدع والإباضية والقدرية وجميع أهل الأهواء: أنه لا يصلى عليهم، فقال: لا أرى ذلك، وأرى أن يصلى عليهم ولا يتركوا بغير صلاة لذنب ركبوه، ومن قال: لا أصلي عليهم فقد كفرهم بذنوبهم، وقد جاء الحديث أن الرسول عليه السلام قال (لا تكفروهم بذنبٍ)، وإنما قال مالك: لا يصلي على موتاهم تأديباً