الجامع لمسائل المدونةصفحات 87-126

وروي أنه قال صلى الله عليه وسلم: "اللهم إنك أخرجتني من أحب البقاع إلي، فأسكني أحب البقاع إليك", فأسكنه المدينة.
ومن ذلك أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أنكر على ابن عباس قوله: إن مكة خير من المدينة.
قال مالك: قال عمر: إن المسجد الذي أسس بيانه على التقوى مسجد النبي صلى الله عليه وسلم.
وقال صلى الله عليه وسلم: "صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام".
قيل: إن تفسيره بأنه مفضول بدون الألف.
وقال صلى الله عليه وسلم: "ما بين منبري وقبري روضة من رياض الجنة، ومنبري على حوضي".
وفي حديث آخر: "على ترعة من تراع الجنة".

[فصل 2 - في ذكر المنبر] قال مالك: والمنبر من طرفاء الغابة نحته للنبي صلى الله عليه وسلم غلام نجار لسعد بن عبادة، وقال غيره: غلام لامرأة من الأنصار.
وهو من ثلاث درجات.

[فصل 3 - في ذكر القبر] وقيل لمالك: كيف كان أبو بكر وعمر رضي الله عنهما من رسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته؟ قال: بمنزلتهما في مماته، يريد في القرب؛ إذ دفنا معه في البيت.
وروى ابن وهب عن مالك: أن موضع قبر الرسول عليه السلام في الجدار الذي يلي القبلة، وأن أبا بكر رضي الله عنه رأسه عند رجلي النبي صلى الله عليه وسلم، وأن عمر رضي الله عنه خلف ظهر النبي صلى الله عليه وسلم، وبقي موضع قبر آخر.

ويقال: إن قبر النبي صلى الله عليه وسلم في البيت مما يلي القبلة، وأبو بكر من خلف رأسه بحذاء كتفي النبي صلى الله عليه وسلم، وعمر خلف رأسه بحذاء كتفي أبي بكر رضي الله عنهما، وقيل: غير هذا، والأول أثبت.
وبقي في البيت موضع قبر آخر دفن فيه عيسى بن مريم صلى الله على نبينا وعليه وعلى جميع النبيين والمرسلين وسلم تسليما.

[الباب العاشر]

باب في العلم وفضله، وهدي العلماء وآدابهم، وذكر الفتيا

[فصل 1 - في حكم طلب العلم] روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "طلب العلم فريضة على كل مسلم".
وقال صلى الله عليه وسلم: "اطلبوا العلم وإن كان بالصين".
وأن طلب العلم فريضة على كل مسلم.
وقال صلى الله عليه وسلم: "من يرد الله به خيرا يفقه في الدين".
وقال عمر رضي الله عنه: تعلموا العلم وعلموه الناس، وتعلموا الوقار والسكينة، وتواضعوا لمن تعلمونه العلم، ولا تكونوا جبابرة العلماء، فلا يقوم علمكم بجهلكم.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "العلم بالتعلم والخير عامة، وإذا أراد الله بعبد خيرا فقهه في الدين".

وقال صلى الله عليه وسلم: قال أخي موسى: يا رب أرني الذي كنت أريتني في السفينة؟ فلم يلبث إلا يسيرا حتى أتاه الخضر وهو طيب الريح شديد بياض الثياب مشمرها، فقال: السلام عليك يا موسى ورحمة الله، إن ربك يقرأ عليك السلام، فقال موسى عليه السلام: هو السلام ومنه السلام وعليك السلام، الحمد لله الذي لا أحصي عدد نعمه، ولا أقدر على أداء شكره إلا بمعونته.
ثم قال: أوصني بوصية ينفعني الله بها بعد ذلك.
فقال: يا طالب العلم إن القائل أقل ملالة من المستمع فلا تمل جلساءك إذا حدثتهم، واعرف أن قلبك وعاء، فانظر ما تحشوا في وعائك، واهرب من الدنيا وانبذها وراءك، فإنها ليست بدار ولا لك فيها محل قرار، وإنما جعلت بلغة للعباد ليتزودا منها للمعاد، يا موسى وطن نفسك على الصبر تلقى الحكم، وأتبع قلبك إلى التقوى تنل العلم، روض نفسك على الصبر تخلص من الإثم، تفرغ للعلم إن كنت تريده، فإنما العلم لمن تفرغ له، ولا تكن مكثارا بالنطق مهدارا، فإن كثرة النطق تشين العلماء، وتبدي مساوئ السخفاء، وعليك بالاقتصاد فإنه من التوفيق والسداد، وأعرض عن الجهال، واحلم عن السفهاء، فإن ذلك فعل الحكماء ورأي

العلماء، وإذا أسمعك كلمة تغضبك فأعرض عنه حلما وجانبه حزما، فإن ما بقي من جهله عليك وشمته إياك أغيظ وأكثر.
يا ابن عمران: لا تفتح بابا لا تدري ما غلقه، ولا تغلق بابا لا تدري ما فتحه، فإن الاندلات والتعسف من الانقحام والتكلف.
يا ابن عمران من لا ينقضي من الدنيا اتهمته كيف يكون عابدا، ومن يحقر حاله ويتهم عز وجل على ما قضى به كيف يكون عالما، كيف يكف عن الشهوات من غلب عليه هواه، أو ينفعه طلب العلم والجهل قد حواه؛ لأن سفره إلى آخرته وهو مقبل على دنياه.
يا موسى تعلم ما تعلمت لتعمل به، ولا تعلمه لتحدث به فيكون عليك وزره، ويكون على غيرك نوره.
يا موسى اجعل الزهد والتقوى لباسك، واجعل الذكر والعلم كلامك، وزعزع بالخوف قلبك؛ فإن ذلك يرضي ربك، واستكثر من الحسنات فإنك مصيب السيئات، واعمل خيرا فإنك لا بد عامل شرا.

قد وعظت يا موسى إن حفظت.
فولى عنه الخضر، وبقي موسى في مكانه حزينا كئيبا متخشعا.

[فصل 2 - في فضل العلم] وروي أن رجلا دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما الذي تطلب، فقال العلم، فقال: "إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يطلب".
وروي عن مالك وغيره أن عبد الله بن سلام قال لكعب الأحبار: من أرباب العلم الذين هم أهله؟ قال: الذين يعملون بعلمهم، قال: بما ينفى العلم من صدور العلماء بعد أن علموه؟ قال: الطمع.
وقال: محمد بن عبد الحكم: أخبرني ابن وهب قال: كنت عند مالك قاعدا أسائله،

فرآني أجمع كتبي لأقوم، فقال مالك: أين تريد؟ فقلت: أبادر الصلاة لئلا تفوتني، فقال: ليس الذي أنت فيه بدون ما تذهب إليه إذا صحت منك فيه النية وما أشبه هذا.
وقال سفيان: ما علمت عملا أفضل من طلب العلم.
ومر رجل بابن حنبل فقال له: هذا العلم، فمتى العمل؟ قال: أليس نحن في عمل.
وقال الرسول عليه السلام: "خير دينكم أيسره، وأفضل العبادة الفقه".
وقال صلى الله عليه وسلم: "الكلمة من كلام الحكمة يسمعها الرجل خير له من عبادة على سنة ذنبها".

[فصل 3 - في فضل العلماء] وقال صلى الله عليه وسلم: "فقيه واحد أشد على إبليس من ألف عابد".
وقال ابن عباس: إن الشياطين قالوا لإبليس: يا سيدنا ما لنا نراك تفرح بموت

العالم ما لا تفرح بموت العابد، والعالم لا تصيب منه والعابد تصيب منه؟ فقال: انطلقوا، فانطلقوا إلى عابد قائم في عبادته، فقال: أنا أريد أن أسألك، فقال له إبليس: هل يقدر ربنا أن يجعل الدنيا في بيضة؟ قال: لا أدري، فقال: أترونه قد كفر من ساعته.
ثم جاء إلى عالم في حلقته يضاحك أصحابه، فقال: أريد أن أسألك، قال: هل يقدر ربك أن يجعل الدنيا في بيضة؟ قال: نعم، قال: وكيف ذلك؟ قال: يقول له كن فيكون.
قال: أترون ذلك لا يعدوا نفسه.
وقال كعب: مؤمن عالم أشد على إبليس وجنوده من مائة ألف عابد؛ لأن الله عز وجل به من الحرام.
وروى عيسى بن سكين عن عون عن رجاله قال: أربعة لا تأكل لحومهم

الأرض: الأنبياء والفقهاء والشهداء والمؤذنون.
وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من بث علما ابتغاء وجه الله أعطي بكل حرف من ذلك من رمل عالج حسنات، وكان له مثل أجر من عمل به إلى يوم القيامة".
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "من حفظ على أمتي أربعين حديثا في إصلاح دينهم جاء يوم القيامة فقيها وكنت له شفيعا أو شهيدا".
وقال صلى الله عليه وسلم: "من حمل من أمتي أربعين حديثا لقي الله عز وجل فقيها عالما".
وروي عن أبي الدرداء قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من سلك طريقا يطلب فيها علما سلك الله له طريقا إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب

العلم رضى عنه بما يطلب، وإنه ليستغفر للعالم من في السموات والأرض حتى الحيتان في جوف الماء، ولفضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، وإن العلماء هم ورثة الأنبياء، إن الأنبياء لم يورثوا دنانير ولا دراهم، ولكنهم ورثوا العلم فمن أخذ به أخذ بحظ وافر".
وعن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من عظم العالم فإنما يعظم الله عز وجل ورسوله، ومن تهاون بالعالم فإنما ذلك استخفاف بالله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم.
وقال ابن عباس: إن الله عز وجل يحب أن يعظم حق أحبار المسلمين.
وعن الزهري أنه قال: ذهب أبي بن كعب ليركب فأخذ ابن عباس له بالركاب، فقال: مه يا ابن أخي، فقال ابن عباس: إن الله يحب أن يعظم أحبار

المسلمين.
وقال الرسول عليه السلام: "النظر في وجه المؤمن العالم عبادة".
وقال صلى الله عليه وسلم: "فضل العالم على العابد كفضلي على أدنى رجل من أمتي".
وروي عن مالك أنه قال عليكم بمعرفة حق أهل العلم والتماس برهم، وواجب عليكم ألا تمروا بقرية يبلغكم أن بها عالما واحدا إلا أتيتموه تسلمون عليه.
وروي عنه ابن مسعود أنه قال: أيها الناس عليكم بطلب العلم قبل أن يرفع، ورفعه أن يقبض رواته، فوالذي نفسي بيده ليودن يوم القيامة رجال قتلوا في سبيل الله عز وجل شهداء أن يحشرهم الله علماء، لما ينظرون من كرامة الله عز وجل لهم وتفضيله إياهم.
وقال عليه السلام: "يشفع يوم القيامة طبقات من المذنبين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم: الأنبياء ثم العلماء ثم الشهداء".
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من صافح عالما صادقا فكأنما صافح نبيا مرسلا".

وروي: أن رجلا دخلا على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " ما الذي تطلب"، فقال: العلم، فقال: "إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم لحب ما طلب".
وقال ابن عباس: إن معلم الخير ليستغفر له كل شيء حتى الحوت في البحر.
وقال الحسن رضي الله عنه: يؤتى بالعلماء يوم القيامة، فيقول الله عز وجل: ما جعلت فيكم نوري وحكمتي وأنا أريد أن أعذبكم، أشهدكم أني قد غفرت لكم على ما كان فيكم.

[فصل 3 - في فضل طلب العلم] وقال يحيى بن يحيى: أول ما حدثني به مالك في خاصة نفسي حين أتيته طالبا لما ألهمه الله عز وجل إليه في أول يوم جلست إليه أن قال لي: ما اسمك؟ فقلت: له أكرمك الله يحيى، وكنت أحدث أصحابه سنا، فقال لي: يا يحيى الله الله عليك بالجد في هذا الأمر، وسأحدثك في ذلك بحديث إن شاء الله، قال: قدم إلى المدينة غلام من أهل الشام بحداثة سنك، أقبل إلى هذا الأمر قاصدا إلى ربيعة ونظرائه من علماء الدين، فكان معنا يطلب ويجتهد حتى نزل به الموت وهو طالب لهذا الأمر، فرأيت

على جنازته شيئا لم أر على أحد من أهل بلدنا إلا عالم أو طالب لهذا الأمر، ولقد رأيت جميع علمائنا يزدحمون عليه وعلى نعشه، ولم يكن له ولي بالمدينة يلي أمره، فلما وضع نعشه ليصلى عليه، ونظر أمير المدينة إلى علمائنا وفعلهم وازدحامهم على نعشه أمسك عن الصلاة عليه، ثم قال لهم: قدموا عليه من أحببتم، ثم قال بإثر كلامه: لو لم يرغب في هذا الأمر إلا لمثل هذا، فقدم أهل العلم ربيعة، ثم نهض به إلى قبره.
قال مالك: وألحده في قبره ربيعة وزيد بن أسلم ويحيى بن سعيد وابن شهاب،

وأقرب الناس إليهم أيضا من أهل العلم محمد بن المنكدر، وصفوان بن سليم، وأبو حازم وأشباههم من أهل بلد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبنى اللبن على لحده ربيعة، وهؤلاء كلهم يناوله اللبن.
قال مالك: فلما كان الثالث من اليوم الذي مات فيه رآه في النوم رجل من خيار بلدنا، في أحسن صورة وهو غلام أمرد عليه بياض، معتم بعمامة خضراء، وتحته فرس أشهب، نازل من السماء، فكأنه يأتيه قاصدا إليه ويسلم عليه، ويقول له: هذا ما بلغني إليه العلم، فيقول له الرجل: وما الذي بلغك إليه

العلم، فيقول: أعطاني الله عز وجل بكل باب تعلمته من العلم درجة في الجنة فلم أتبلغ في الدرجات إلى درجة أهل العلم.
فقال الله عز وجل: زيدوا ورثة أنبيائي فقد حتمت على نفسي أنه من مات وهو عالم بسنتي وسنة أنبيائي أو طالب لذلك أن أجمعهم في درجة واحدة، فأعطاني ربي حتى بلغت إلى درجة أهل العلم، فليس بيني وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا درجتين: درجة هو فيها جالس وحوله النبيون كلهم، ودرجة ثانية فيها أصحابه وجميع أصحاب النبيين كلهم الذين اتبعوهم بإحسان، ونحن من بعدهم فيها جميع أهل العلم وطلبتهم، فآنسوني حتى استوسطهم، فقالوا لي: مرحبا مرحبا.
سوى مالي عند الله عز وجل من المزيد، فقال له الرجل: ومالك عند الله عز وجل من المزيد، قال: وعدني ربي أن يحشرني مع النبيين كما رأيتهم في زمرة واحدة، فأنا معهم إلى يوم القيامة، فإذا كان يوم القيامة قال الله عز وجل: يا معشر العلماء، هذه جنتي قد أبحتها لكم، وهذا رضواني قد رضيت عنكم، فلا تدخلوا الجنة

حتى تتمنوا وتشفعوا، فأعطيكم ما شئتم وأشفعكم فيمن استشفعتم له لأري عبادي كرامتكم علي ومنزلتكم عندي، فتمنوا وتشفعوا فأعطيكم، فتمنوا تعطوا، واشفعوا تشفعوا.
فلما أصبح الرجل حدث بذلك الحديث أهل العلم ببلدنا، وانتشر خبره بالمدينة.
قال مالك: وكان بالمدينة أقوام بدأوا معنا في طلب هذا الأمر ثم كفوا عنه، فلما سمعوا هذا الحديث الذي حدثتك به فلقد رجعوا إليه وأخذوا بالجد، وهم اليوم من علماء بلدنا.
قال يجيى بن يحيى: وأول حديث حدثني به الليث بن سعد ي أول يوم أتيته طالبا لما ألهمه الله عز وجل إليه وجعله أهله، فقد كان شبيها بمالك غي علمه وحلمه وعقله، وحسن السيرة في نفسه أن قال لي: ما اسمك، فقلت له: يجيى -متعني الله بك- فقال لي ي يحيى: الله جد في هذا الأمر، وسأحدثك إن شاء الله بحديث تزداد به بصيرة.

قال: وذلك أنا كنا عند ابن شهاب ونحن طالبون لهذا الأمر، فقال لنا يوما: يا معشر الطلبة أراكم تزهدون في هذا الأمر، وبالله الذي لا إله إلا هو لو أن بابا من العلم جعل في كفة ميزان وجعلت جميع أعمال البر في كفة أخرى لرجح الباب الذي من العلم بجميع أعمال البر؛ لأن الله عز وجل يقول في كتابه: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ والمتقون هاهنا هم أهل العلم.
ومن عمل بمشورة أهل العلم فقد رشد، ومن عمل بغير علم وبغير مشورة أهل العلم فقد خسر خسرانا مبينا فالله الله جدوا في هذا الأمر.
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما جميع أعمال البر في الجهاد إلا كبصقة في بحر، وما جميع أعمال البر والجهاد في طلب العلم إلا كبصفة في بحر".
قال أبو بكر محمد بن عبد الله بن يونس رحمه الله: وفضائل العلم كثيرة، وأخباره طويلة، وقد ذكرنا منه ما فيه كفاية هاهنا، وفي أول كتاب الوضوء فأغنى ذلك عن إعادته.

ومنه ما روي عن يحيى بن عمرو ويحيى بن مسكين يرفعان ذلك إلى معاذ بن جبل قالا: قال معاذ: تعلموا العلم فإن تعليمه لله عز وجل خشية، وطلبه عبادة، وذاكرته تسبيح، والبحث عنه جهاد، والفكرة فيه تعدل بالصيام، ومدارسته تعدل بالقيام، وتعليمه لمن لا يعلم صدقة، وبذله لأهله قربة؛ لأنه معالم الحلال والحرام ومنار سبيل أهل الجنة، والأنس في الوحشة، والصاحب في الغربة، والمحدث في الخلوة، والدليل على السراء والضراء، والسلاح على الأعداء، والتزين عند الأخلاق، والقريب عند البعداء، يرفع الله به عز وجل أقواما فيجعلهم في الخير قادة هداة يهتدى بهم، وأئمة في الخير يقتدى بهم ويقتص آثارهم، وتزين أعمالهم، ويقتدى بفعالهم، وينتهى إلى رأيهم، وترغب الملائكة في خلتهم، وبأجنحتها تمسحهم، حتى كل رطب ويابس لهم مستغفر، حتى حيتان البحر وهوامه، وسباع البر وأنعامه، والسماء ونجومها؛ لأن العلم حياة القلوب من العمى، ونور الأبصار من الظلم، وقوة الأبدان من الضعف، يبلغ العبد منازل الأبرار، ومجالسة

الملوك، والدرجات العلى في الدنيا والآخرة، به يطاع الله عز وجل، وبه يعلم، وبه يعبد الله تعالى، وبه يحمد، وبه يتورع، وبه يوحد، وبه توصل الأرحام، وبه يعرف الحلال والحرام، امام العلم والعمل تابعه، يلهمه الله عز وجل السعداء ويحرمه الأشقياء.

فصل [5 - في أرباب العلم] منه قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا ينتزع العلم انتزاعا من الناس، ولكن يقبضه الله عز وجل بقبض العلماء، فإذا ذهب العلماء اتخذ الناس رؤسا جهالا سألوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا".
قال مالك: سئل كعب الأحبار: من أرباب العلم الذين هم أهله؟ قال: الذين يعملون بعلمهم، قال: صدقت، قال فما ينفيه من صدورهم بعد أن علموه؟ قال: الطمع، قال: صدقت.
قال مالك: لم يكن إمام بالمدينة قط أخبر بحديثين مختلفين.

قال أشهب: يعني لا يحدث بما ليس عليه العمل.

[فصل 6 - في التقديم والتأخير والزيادة في الحديث] وسئل مالك: هل يقدم في الحديث ويؤخر، والمعنى واحد؟ قال: أما ما كان من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم فإني أكره ذلك، وأن يزاد أو ينقص فيه، وما كان من قول غيره فلا أرى به بأسا إذا اتفق المعنى.
وقيل لمالك رضي الله عنه -أيضا-: أرأيت حديث النبي صلى الله عليه وسلم يزاد فيه الواو والألف والمعنى واحد، قال: أرجو أن يكون ذلك خفيفا.
م: إذ قد يكون ذلك نقص من الكاتب.

[فصل 7 - هدي العلماء في أخذهم العلم والفتيا به] وقيل لمالك: أيؤخذ ممن لا يحفظ الأحاديث وهو ثقة؟ قال: فإما أن

يكتب يقول: إني كنت سمعتها، قال: لا يؤخذ منه؛ لأني أخاف أن يزاد في كتبه بالليل.
وقال معن بن عيسى: سمعت مالكا يقول: لا يؤخذ العلم من أربعة، ويؤخذ ممن سواهم، لا يؤخذ من مبتدع يدعو إلى بدعته، ولا من سفيه معلن لسفهه ولا ممن يكذب في حديث الناس وإن كان يصدق في حديث النبي صلى الله عليه وسلم، ولا عمن لا يعرف هذا الشأن.
قيل لمالك: أرأيت من أخذ بحديث به ثقة عن أحد من الصحابة، أتراه في سعة، قال: لا والله حتى يصيب الحق، وما الحق إلا واحد، قولان مختلفان لا يكونان جميعا صوابا.
وذكر عن ابن المسيب مثله.

قال مالك: لا يسلم رجل يحدث بكل ما سمع، ولا يكون إماما أبدا.
ثم قال مالك: يلبسون الحق بالباطل.
قال مالك: الذي غلب عليه أمر الناس هو المنهج وقد يكون الشيء حسنا وغيره أحسن منه وأقوى منه.
قال مالك: إذا أصيب الجواب قل الكلام، وإذا كثر الكلام من صاحبه فيه الخطأ، فنهى عن الصياح في العلم كثرة واللغظ فيه.
قال: وكان ابن هرمز قليل الكلام قليل الفتوى، وكان ممن أحب أن أقتدي به، وكان بصيرا بالكلام، وكان يرد على أهل الأهواء، وكان أعلم الناس بما اختلف الناس فيه من ذلك.
قال محمد بن عجلان: ما هبت أحدا قط هيبتي زيد بن أسلم.
وكان زيد يقول إذا سأله من لا يحسن: اذهب تعلم كيف تسأل ثم تعال.
ويقال: إذا جلست إلى عالم فكن على أن تسمع أحرص منك على أن تقول.

قال مالك: وربما مر بي زياد مولى ابن عباس: فيضع يده بين كتفي ويقول: عليك بالجد في هذا الأمر فإن كان ما يقول أصحابك من الرخص حقا لم يضرك، وإن كان الأمر على غير ذلك كنت قد أخذت بالجد.
قال مالك: إذا رأيت هذه الأمور التي فيها الشكوك فخذ في ذلك بالذي هو أوثق.
قال مالك: كان سليمان بن يسار أعلم هذه البلدة بعد سعيد بن المسيب، وكان إذا كثر الكلام واللغظ والمراء في المسجد أخذ نعليه وقام.
وكان مالك يكره العجلة في الفتوى، وربما ردد السائل، وكثيرا يقول: لا أدري.
وقال: جنة العالم: لا أدري، فإذا أخطأ أصيبت مقاتله.
قال مالك: من إذلالة العالم أن يجب كل من سأله.
وقال ابن عباس: من أجاب الناس في كل ما سألوه عنه فهو مجنون.

م: وفضائل العلم وآدابه كثيرة، وقد ذكرنا هاهنا وفي كتاب الطهارة ما فيه كفاية لمن يفهم وعمل، والله عز وجل نسأله التوفيق.

[الباب الحادي عشر]

باب في الفتن وفساد الزمان وذكر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

[فصل 1 - في الفتن وفساد الزمان] قال مالك: قال النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمر: "كيف بك إذا بقيت في حثالة من الناس قد برحت عهودهم وأماناتهم واختلفوا وكانوا هكذا وشبك بين أصابعه، قال: كيف بي يا رسول الله، قال: "عليك بما تعرف، وإياك وما تنكر، وعليك بخاصة نفسك، وإياك وعوامهم".
قال مالك: لا أرى عمر دعا على نفسه بالشهادة إلا أنه خاف التحول من الفتن، وقد كان يحب البقاء في الدنيا.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "يأتي على الناس زمان يمسي المرء مؤمنا ويصبح كافرا، ويصبح مؤمنا ويمسي كافرا"، قيل يا رسول الله: فأين العقول ذلك الزمان، قال: "تنزع

عقول أكثر أهل الزمان".
وقرأ أبو هريرة: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾، فقال: والذي نفسي بيده لقد دخلوا فيه أفواجا كثيرا، وسيخرجون منه أفواجا كثيرا.
قال يحيى بن سعيد: لما كان زمان الفتنة اعتزل محمد بن مسلمة وغيره، فنزل محمد الربذة فأتاه أناس من أهل العراق يحرضونه فأراهم سيفه قد كسره، وقال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا رأيت من الأمور ما تكره فاكسر سيفك على حجر من الحرة والزم بيتك وأغمض عينيك وأمسك لسانك".
قال مالك: قتل يوم الحرة سبعمائة رجل ممن حمل القرآن.

قال ابن القاسم: أشك أن فيهم أربعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال مالك: كان يقال: من لقي الله عز وجل ولم يشرك في دم مسلم لقي الله عز وجل خفيف الظهر.
قال مالك: لما حكم علي رضي الله عنه الحكمين خرجت تلك الخارجة فقالوا: لا حكم إلا لله، فقال علي رضي الله عنه: كلمة حق أريد بها باطل.
وهي أول خارجة خرجت فتعدوا وكفروا الناس.

فصل [2 - في الصبر على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عند السلف] قال مالك: ضرب محمد بن المنكدر وأصحاب له في أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، وضرب ربيعة وحلق رأسه ولحيته في شيء غير هذا، وضرب

ابن المسيب وأدخل في تبان من الشعر.
وقال عمر بن عبد العزيز: ما أغبط رجلا لم يصبه في هذا الأمر أذى.
قال مالك: دخل أبو بكر بن عبد الرحمن وعكرمة بن عبد الرحمن على المسيب في السجن، وقد ضرب ضربا شديدا، فقالا له: اتق الله فإنا نخاف على دمك، فقال: أخرجا عني، أتراني ألعب بديني كما لعبتما بدينكما.
وقال ابن مسعود: تكلموا بالحق تعرفوا به، واعملوا به تكونوا من أهله.
قال مالك: وينبغي للناس أن يأمروا بطاعة الله عز وجل فإن عصوا كانوا شهودا على من عصى.
قيل: أيأمر الرجل الوالي بالمعروف وينهاه عن المنكر، قال: إن رجا أن يطيعه فليفعل.
قال: ويأمر والديه بالمعروف وينهاهما عن منكر ويخفض لهما جناح الذل من الرحمة.

قال مالك: مر على عمر بن الخطاب رضي الله عنه حمار عليه لبن، فطرح عمر عنه منه استكثره واستثقله ورآه يثقله.
وقال سعيد بن جبير: لو كان المرء لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر حتى لا يكون فيه شيء، ما أمر أحد بمعروف ولا نهي عن منكر.
قال مالك: ومن هذا الذي ليس فيه شيء.

[فصل 3 - في العفو عن المظلمة] قال مالك: وكان القاسم بن محمد يحلل من ظلمه يكره لنفسه الخصومة.
وكان ابن المسيب: لا يحلل أحدا.
قيل لمالك: أرأيت الرجل يموت ولي عليه دين لا وفاء له به، فقال: الأفضل عندي أن يحلله، وأما الرجل يظلم الرجل أو يغتابه وينقصه فلا أرى ذلك.

ومن دعائه صلى الله عليه وسلم عند النوم: يضع يده اليمنى تحت خده الأيمن واليسرى على فخذه الأيسر ثم يقول: "اللهم باسمك وضعت جنبي وباسمك أرفعه، اللهم إن أمسكت نفسي فاغفر لها وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به الصالحين من عبادك، اللهم إني أسلمت نفسي إليك وألجأت ظهري إليك وفوضت أمري إليك ووجهت وجهي إليك رهبة منك ورغبة إليك، لا منجا ولا ملجأ منك إلا إليك، أستغفرك وأتوب إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت وبرسولك الذي أرسلت، فاغفر لي ما قدمت وأخرت وأسررت وأعلنت" ثم يقول: "اللهم قني عذابك يوم تبعث عبادك" يردها.
ومن دعائه صلى الله عليه وسلم إذا خرج من بيته: "اللهم إني أعوذ بك أن أضل أو أزل أو أظلم أو أظلم أو أجهل أو يجهل علي".
وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول في الركوع: "سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة"، وفي السجود: "اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وبك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك".

ومما روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يستحب دبر كل صلاة أن يسبح ثلاثا وثلاثين، ويكبر ثلاثا وثلاثين، ويحمد ثلاثا وثلاثين، ويختم المائة بلا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير".
قال مالك: من دعائه صلى الله عليه وسلم: "اللهم إني أسألك فعل الخيرات وترك المنكرات وحب المساكين، وإذا أردت بالناس الفتنة فاقبضني إليك غير مفتون".
والتعوذ الذي علم جبريل للنبي عليه السلام إذ رأى عفريتا يطلبه بشعلة من نار حين أسري به: "أعوذ بوجه الله العظيم وبكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر، وبأسماء الله الحسنى كلها ما علمت منها وما لم أعلم من شر ما خلق وذرأ وبرأ، ومن شر اينزل من السماء إلى الأرض، ومن شر ما يعرج فيها، ومن شر ما ذرأ في الأرض، ومن شر ما يخرج منها، ومن فتن الليل

والنهار، ومن طوارق الليل والنهار إلا طارق بخير يا رحمن".
وقال صلى الله عليه وسلم: "من نزل منزلا فليقل: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، فإنه لن يضره شيء حتى يرتحل منه إن شاء الله".

[الباب الثالث عشر]

باب في الصمت والعزلة والتواضع والقصد والحياء وحسن الخلق والزهد والعبادة ومواعظ وحكم

[فصل 1 - في فضل السكوت] قال مالك: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله ما يلقي لها بالا فتهوي به في نار جهنم".
وقال صلى الله عليه وسلم: "من وقي شر اثنين ولج الجنة، ما بين لحييه وما بين رجليه".
وقال: "أكثر الناس حظا يوم القيامة أكثرهم خوضا في الباطل".
وقال: "المؤمن ملجم لا يتكلم بكل ما يريد".
وقال صلى الله عليه وسلم: "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه".

وقال عيسى بن مريم صلى الله على نبينا وعليه وعلى جميع النبيين والمرسلين: لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله عز وجل فتقسوا قلوبكم فإن القلب القاسي بعيد من الله عز وجل ولكن لا تعلمون.
وقال مالك: من لم يعد كلامه من عمله كثر كلامه.
ويقال: إن من علم أن كلامه من عمله قل كلامه.
وقال مالك: ولم يكونوا يهذرون الكلام هكذا، ومن الناس من يتكلم بكلام شهر في ساعة.

فصل [2 - في حسن الخلق] وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الرجل ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم".
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إني لأمزح ولا أقول إلا حقا".

وقال صلى الله عليه وسلم: "لكل دين خلق وخلق الإسلام الحياء".
وقال: "الحياء من الإيمان".
وقال عليه والسلام للذي سأله أن يوصيه ولا يكثر عليه: "لا تغضب".
وقال سفيان: صافي من شئت ثم أغضبه فليرمينك بداهية تمنعك من العيش.
وقال: ما تجرع أحد أفضل من جرعة غضب.
قال مالك: والفظاظة مكروهة؛ لقول الله عز وجل: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾.
وقال تعالى: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾.

فصل [3 - في الزهد والقصد] قال مالك: قال سعد بن عبادة: صل صلاة امرء مودع يظن أنه لا يعود،

وأظهر اليأس مما في أيدي الناس؛ فإنه الغنى، وإياك والطمع طلب الحاجات فإنه الفقر الحاضر، وقد علمت لا بد لك من قول فإياك وما يعتذر منه.
قال مالك: ويقال: إن البلاء موكل بالمنطق، ومن أكثر الكلام ومراجعة الناس ذهب بهاؤه.
قال مالك: ولم يكن في زمن سالم بن عبد الله أشبه منه بمن مضى في الزهد والقصد، كان يلبس الثوب بدرهمين، ويشتري الشملة يحملها، ويخرج إلى السوق في حوائج نفسه.
وكان القاسم يلبس الخز والثياب الحسان.
وكان ابن المسيب يسرد الصيام.
قيل لمالك: فما روي فيه، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل أشياء توسعة على الناس، وقد سرد قوم من الصحابة الصيام.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "من كانت الدنيا همه جعل الله فقره بين عينيه وشتت عليه أمره، ولم يأته منها إلا ما كتب له، ومن كانت الآخرة همه جعل الله غناه في

نفسه، وجمع له شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة".
وقال الصديق رضي الله عنه: الدنيا ملعونة ملعون ما كان فيها إلا ما كان من ذكر الله عز وجل أو أدى إلى ذكر الله عز وجل.
وقال بعض الصالحين: الزهد: ترك الحرام وقصد الحلال، [وترك] المنزلة عند الناس، ولم يعجب سحنون قوله، وقال: ترك الحرام فريضة.
وقال ابن شهاب: الزهد من لم يغلب الحرام صبره، ويشغل الحلال شكره.
وقيل له: من الغافل؟ قال: من غلب الحرام صبره، والحلال شكره.
قال سحنون: وزهد الغني بالترك، والفقير بالنية، وترك الدنيا زهد أفضل من طلبها وإلقائها في البر.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "رب أشعث أغبر ذي طمرين لا يؤبه له، لو أقسم على الله لأبره".

[فصل 4 - في التواضع] وقال صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمر: "اعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فهو يراك".
[قال] "وكن في الدنيا كأنك غريب أو كعابر سبيل".
وقال: "وما من آدمي إلا وفي أسه حكمة بيد ملك، فإذا رفع رأسه ضربه بها وقال: انخفض خفضك الله، وإذا تواضع رفعه بها وقال: ارتفع رفعك الله".
وقال صلى الله عليه وسلم: "أيها الناس استحيوا من الله حق الحياء" قالوا: أولسنا نستحي يا رسول الله من الله، قال: "من استحيى من الله فليبت وأجله بين عينيه، وليحفظ الرأس وما حوى، والبطن وما وعى، وليذكر القبر والبلى، ومن أحب الآخرة فليترك زينة الحياة الدنيا".

[الباب الرابع عشر]

باب في التجمل والعجل والرياء والكبر والكذب والغيبة وسوء الظن

[فصل 1 - في التجمل] قال مالك: قال رجل يا رسول الله: إني أحب أن يكون ثوبي نظيفا، وشرك نعلي خصيفا، أفذلك من الكبر؟ قال: "لا، إنما الكبر من سفه الحق وغمص الناس".

[فصل 2 - في العجب] وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا سمعت الرجل يقول: هلك الناس فهو أهلكهم".
قال مالك: وأما الذي يقول ذلك على وجه التحزن فليس من ذلك.
يريد: إنما لمكروه من قال ذلك طعنا وتنغصا.
قال مالك: وقد أدركت الناس وهم يقولون: ذهب الناس.

جارٍ التحميل