الجامع لمسائل المدونةصفحات 327-366

كتاب المحاربين والمرتدين

صفحات 327-366

خالد الجهني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الأمة إذا زنت ولم تحصن؟ فقال: (إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها ثم قال في الثالثة أو الرابعة: ثم بيعوها ولو بضفيرٍ)، والضفير: الحبل، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن زنت فاجلدوها).
قال ذلك مراراً وأسقط النفي ولم يذكره في ذلك كله.
وحديث لعمر بن الخطاب رضي الله عنه أخبرنا أصحاب مالك عنه عن يحيى بن سعيد عن سليمان بن يسارٍ أن عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة المخزومي قال: "أمرني عمر بن الخطاب رضي الله عنه بجلد ولائد من ولائد الأمارة خمسين خمسين في الزنا".
قال مالك: ولم أسمع في ذلك بنفي، وعليه أدركت أهل العلم ببلدنا ألا نفي على العبيد إذا زنوا، وذلك أحب ما سمعت إلي.
قال غيره: إنما نفى عمر هذا العبد؛ لأنه لم يكن عبداً لرجل بعينه فيقع

بنفيه الضرر على سيده، وإنما كان موقوفاً لخدمة المسلمين مع غيره من العبيد فلذلك نفاه، وولائد الأمارة خدم قد رتبهن عمر يضعن الطعام لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ثم يطعمهم إياه.
قال: وحديث عبد الله بن عياش: "أمرنا عمر بن الخطاب في فتية من قريشٍ فجلدنا ولائد من ولائد الإمارة خمسين خمسين في الزنا".
قال عيسى بن دينار: هم الذين جلدوهم وكانوا مع ذلك طائفة، لقوله عز وجل: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
[18 - فصل: الدليل على عدم نفي النساء] قال مالك: ولا أرى على النساء تغريباً للحديث الذي جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تسافر المرأة إلا ومعها دو محرمٍ منها)، والضيعة تصيبها.
قال غيره: ولو كلف وليها السفر معها لكان في ذلك المشقة على الولي؛ ولأنها لو غربت وحدها كان ذلك سبباً لإتيانها الفاحشة.

الباب [الخامس]

جامع مسائل من القذف

[19 - فصل: القيام بالقذف بعد موت المقذوف أو طول الزمان] قال ابن القاسم: ومن خاصم في قذف فمات قبل إيقاع البينة فلورثته القيام بذلك، ويحد لهم القاذف إن أتوا ببينة، وإن لم يقم المقذوف بقذفه حتى مضت سنة أو أقل أو أكثر، ولم يسمع منه عفو ثم مات فقام بذلك وارثه، فإن لم يمض من طول الزمان ما يعد به المقذوف تاركاً فلورثته القيام، فإن مضى من طول الزمان ما يرى أنه ترك فلا قيام لهم، فأما لو قام المقذوف نفسه بعد طول الزمان لحلف بالله ما كان تاركاً لذلك، ولا كان وقوفه إلا على أن يقوم بحقه إن بدى له بخلاف ورثته.
[20 - فصل: قيام ورثة ولي الدم مقامه بعد موته] وقد سئل مالك: عن رجل قتل وله أم وعصبة فماتت الأم؟ فقال مالك: ورثتها مكانها إن أحبوا أن يقتلوا قتلوا، وأن لا عفو للعصبة دونهم، كما لو كانت الأم باقية.

[21 - فصل: من قذف محدوداً في زنى] قال مالك: ومن افترى على رجل مجلود في زنى، أو مرجوم في زنى، فلا حد عليه.
قال: ومن قال لرجل: يا ابن الزانية، وقال: أردت جدة من جداته لأمه؛ فإن كانت جدته لأمه قد عرفت بذلك، حلف أنه ما أراد غيرها ولا حد عليه، وعليه العقوبة.
قيل: فهل ينكل في قذفه هؤلاء الزانة؟ قال: إذا آذى مسلماً نكل.

الباب [السادس] فيمن رجع من البينة على زنى أو غيره، أو وجد مسخوطاً، أو كان ممن لا تجوز شهادته في الزنى، أو شهد على مجبوب، وخطأ الإمام، وغيبة الشهود وعماهم قال ابن القاسم: وإذا شهد أربعة على رجل بالزنى فرجع أحدهم قبل إقامة الحد، أو وجد عبداً أو مسخوط

اً أو من لا تجوز شهادته؛ فإنهم يحدون كلهم حد الفرية، ولا حد على المشهود عليه.
م: لأنه لما سقط واحد منهم لم تتم شهادتهم، وصاروا قذفة، فوجب حدهم، كالذين شهدوا على المغيرة.
وإن رجع شهود الزنى بعد الرجم حدوا حد الفرية، وكانت الدية في أموالهم.
قيل لابن المواز: فإن قالوا: تعمدنا الشهادة عليه بالزور حتى قتل بها،

هل يقتلون؟ قال: لا قتل عليهم؛ لأنهم ليس هم القاتلون، ورواه أصبغ عن ابن القاسم، وقاله ابن عبد الحكم، وغيره.
وكذلك إن قالوا: تعمدنا الشهادة عليه في قطع أو قصاص، لم يقتص منهم، وعليهم غرم دية اليد والنفس، وقاله أصبغ.
م: وقال الأبهري: روى ابن وهب عن جرير بن حازم عن الحسن وإبراهيم "أنهم إذا قالوا: تعمدنا الزور ليقتل، قتلوا به جميعاً،

وإن قالوا: شبه علينا فلا قتل عليهم، وعليهم الدية في أموالهم".
قال في المدونة: وإن رجع واحد بعد قيام الحد جلد الراجع وحده دون الثلاثة، وإن كان رجماً؛ غرم الراجع وحده ربع الدية.
قال ابن القاسم: وإن علم بعد الرجم أو الحد أن أحدهم عبد، يريد: أو نصراني أو أعمى أو ولد زنى؛ حد الشهود أجمع، يحد النصراني والأحرار ثمانون والعبد أربعون، وإن وجد أحدهم مسخوطاً لم يحد واحد منهم؛ لأن شهادتهم قد تمت باجتهاد الإمام في عدالتهم، وقد يعدل المسخوط ويسخط العدل، ولم تتم في العبد وشبهه، ويصير ذلك من خطأ الإمام، وإن لم يعلم الشهود كانت الدية في الرجم على عاقلة الإمام، فإن علموا فذلك على الشهود في أموالهم ولا شيء على العبد في الوجهين، وما اخطأ به الإمام من حد هو لله عز وجل فبلغ ثلث الدية فأكثر فعلى عاقلته، وما كان دون الثلث ففي ماله

خاصة.
ولا تجوز شهادة الأعمى في الزنى، ويحد.
قال: وإذا حكم القاضي بشاهدين في مال ثم تبين أن أحدهما عبد، أو ممن لا تجوز شهادته، حلف الطالب مع شهادة الباقي، ونفذ الحكم، فإن نكل حلف المطلوب، واسترجع المال.
وإن شهدا عليه بقطع يد رجل عمداً، فاقتص منه، ثم تبين أن أحدهما عبد، أو ممن لا تجوز شهادته، لم يكن على متولي القطع شيء، وهذا من خطأ الإمام.
[22 - فصل: في شهادة أربعة على امرأة بالزنى أحدهم زوجها] قال ابن المواز: وإن شهد أربعة على امرأة بالزنى فلم ترجم حتى ظهر أن أحدهم زوجها، جلد الثلاثة، ولاعن الزوج، فإن لم يلتعن؛ جلد الحد معهم.
الأبهري: إنما قال ذلك؛ لأنهم صاروا قذفة؛ لسقوط شهادة الزوج، وإنما سقطت شهادة الزوج؛ لأنه خصم لها في ذلك، ويلاعن؛ لأن به حاجة إلى رفع نسب ولد ليس منه.
قال ابن القاسم: وإن لم يعلم بذلك حتى رجمت ثم علم به، قيل له لاعن، فإن التعن لم يحد، وإن نكل حد، ولم يكن على الثلاثة حد، لاعن

الزوج أو لم يلاعن، ويكون له الميراث منها، لاعن أو لم يلاعن.
قال أصبغ: إلا أن يعلم أنه تعمد الزور ليقتلها، وهو يعلم أن شهادته لا تجوز، فلا يرث، ويكون عليه الحد، والقول قوله إن قال: لم أتعمد وشهدت بحق.
م: وإنما لم يحد الثلاثة لاعن الزوج أو لم يلاعن؛ لأن الشهادة قد تمت ورجمت، وإنما الزوج كالمسخوط؛ لأنه خصم، وكما لو رجع واحد من الأربعة بعد الرجم أنه لا حد على الثلاثة.
وقال ابن حبيب عن أصبغ: إن الزوج إن لاعن بعد الرجم سقط الحد عن الشهود، وإن لم يلتعن حد هو وهم.
والأول أبين لما قدمنا، ولا يكون أسوأ حالاً من الراجع.
محمد وقال ابن القاسم: ولا يكون على الزوج من ديتها شيء، ولا على الشهود، ولا على الإمام؛ لأن ذلك ليس بخطأ صراح، وهو مما يختلف فيه الحكم وليس كالخطأ بإجازة شهادة العبد والنصراني، وقاله أصبغ، وأعجبه ما خلا الميراث، فإنه توقف عنه، ورأى أن لا ميراث له؛ لأن فيه تهمة القتل العمد، وقد جاءت السنة: (ألا يرث من قتل عمداً من ديةٍ ولا

مالٍ).
قال محمد: وأخبرت عن أشهب أنه قيل لمالك: أن ابن شهاب حدث "أن عثمان بن عفان رضي الله عنه أتاه رجلٌ من البادية بثلاثة شهودٍ وهو رابعهم يشهدون أنهم وجدوا غلاماً مع امرأته يزني بها، فجلد عثمان الثلاثة، ولاعن بين الزوج وامرأته"، فقال مالك: هو الصواب والذي عليه رأيي.
[23 - فصل: من قذف امرأة رماها زوجها بالزنى] قال محمد: وإن قذفها رجل بعد ما رماها به زوجها فليضرب قاذفها الحد، ولا ينتظر به أن يلاعن الزوج.
قيل: فإن كان قذفه إياها بعد لعان الزوج وقبل لعانها؟.
قال: قد اختلف فيه قول ابن القاسم وأشهب:

فقال أشهب: يحد قاذفها ولا ينتظر به التعانها.
وقال ابن القاسم: بل أؤخره حتى تلتعن هي فأحده، أو تنكل فلا أحده، وكذلك لو ماتت قبل أن تنكل، وقبل تلتعن فلا حد على قاذفها بعد لعان الزوج؛ لأن لعان الزوج أربع شهادات.
قال محمد: يجب عليها بذلك الرجم إن لم تدفع ذلك باللعان، قال: وكذلك لو قذفها قاذف بعد موتها ولم تكن التعنت لم يكن على قاذفها حد؛ لأن لعان الزوج أوجب ذلك عليها حين لم تخرج منه قبل موتها.
[24 - فصل: في الشهادة بالزنى على مجبوب] قال في المدونة: وإذا شهد أربعة على رجل بالزنى فرجمه الإمام ثم أصابوه مجبوباً؛ لم يحد الشهود، إذ لا يحد من قال لمجبوب: يا زان، وعليهم الدية في

أموالهم، مع وجيع الأدب وطول السجن.
محمد وقال أشهب: بل على عاقلة الإمام، وعليهم الأدب وطول السجن إلا أن يقولوا: رأينا يزني قبل جبابه، فتجوز شهادتهم؛ ولا حد عليهم على كل حال.
[25 - فصل: في تزكية الشهود بعد غيبتهم وعماهم ونحوه] قال في المدونة: وإذا شهدت بينة على الحدود فماتوا، أو غابوا، أو جنوا، أو عموا، أو خرسوا، ثم زكوا بعد ذلك؛ فليقم الإمام الحد؛ إذا كان قد استقصى شهادتهم وكذلك الحقوق.

الباب [السابع]

فيمن يتولى إقامة الحد، وما يصنع بالمحدود، وصفة الحد

[26 - فصل: من يتولى إقامة الحد] قال ابن القاسم: ولم يكن مالك يعرف أن البينة تبدأ في الرجم ثم الإمام ثم الناس، ولا أن الإقرار أو الحمل يبدأ الإمام ثم الناس.
قال: وليأمر الإمام في ذلك كله كسائر الحدود.
قال الأبهري: وإنما قال ذلك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يباشر حد ماعز ولا غيره بنفسه، وإنما أمر بذلك غيره.
قال محمد: وقد أقامت الأئمة الحدود في القذف، وقطعوا في السرقة، وجلدوا البكر في الزنا مائة، والمفتري ثمانين، ولم يعلم أن أحداً من الأئمة ولي شيئاً من ذلك بنفسه، ولا لزم ذلك أحد من الشهود خاصة، وإنما الرجم حد من الحدود يأمر به الإمام كما يأمر بغيره، فيرمي بالحجارة التي يرمي بمثلها، وأما بالصخور العظام فلا.

قال مالك: ولا يرفع عنه بالرمي حتى يأتي على نفسه، والمرأة في ذلك كالرجل.
م وإنما قال ذلك؛ لأن الزاني المحصن قتله بالرجم، كذلك فعل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ورضي عنهم أجمعين بماعزٍ والغامدية رجا حتى ماتا.
[27 - فصل فيما يصنع بالمحدود] ومن المدونة قال مالك: ولا يربط المرجوم، ولا يحفر له، وكذلك المرأة، وفي الحديث: (فرأيت الرجل يحني على المرأة)، فلو كان في حفرةٍ ما حني عليها.
م: قوله: يحني: أي يتطأطأ عليها ليقيها من الحجارة.
الأبهري: إنما قال لا يحفر للمرجوم لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر بالحفر لماعز بن مالكٍ: ألا ترى أنه قيل في الحديث: (فلما أذلقته الحجارة حضر)، ومعناه: عدا، فلو كان في الحفرة ما

قدر أن يعدو؛ ولأن الرجم يجب أن يكون على جملة البدن، فإذا حفر له غاب شيء من بدنه عن الرجم.
[28 - فصل في كون جنازة المحدود كسائر المسلمين] ويغسل المرجوم، ويكفن، ويصلى عليه، ويدفن، ولا يصلى عليه الإمام.
م: تأديبا لغيره.
الأبهري: وإنما قال ذلك؛ لأنه كذلك فُعِلَ بماعز، غسل وصلى عليه؛ لأن حكمه حكم المسلمين في كل شيء، من المواريث وغيرها، وكذلك غسله والصلاة عليه، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في ماعز: (لقد تاب توبة لو قسمت على أهل الأرض كفتهم)، أو هذا معناه.
وقوله: والمرأة في ذلك كالرجل؛ لأنه لا فرق بين الرجل والمرة في هذا بين أهل العلم.

[29 - فصل في هيئة جلد الحد وتجريد الرجل] ومن المدونة قال مالك: ويضرب المحدود في الزنى، والقذف، والخمر، على ظهره ويجرد الرجل في الحدود، والنكال، ويكشف ظهره بغير ثوب، ويُقعد ولا يُقام ولا يمد.
قال محمد: قال مالك: وتترك له يداه، ولا يمد في الحِبَالِ، وقد قال على بن أبي طالب رضي الله عنه للذي يجلد: "اضْرِبْ، وَيَدعُ لَهُ يَدَاهُ يَتَّقِي بِهِمَا".

وتُقعد المرأة، ولا تُجرَّد مما لا يقيها الضرب، وإن جعلت على ظهرها ما يقيها الضرب من لِبَدٍ ونحوه نُزِع، وبلغ مالكا أن بعض الأئمة أقعد امرأة للجلد في قُفَّةٍ فأعجبه ذلك.
[30 - فصل في صفه الحد] قال: وصفة الجلد في الزنى، والشرب، والفرية، والتعزيز، واحد؛ ضربا بين الضربين، ليس بالمبرح ولا بالخفيف، ولم يجد مالكا ضم الضارب يده إلى جنبه، ولا يجزئ في الحدود بقضيب، ولا بشراك ولا دِرة، ولكن السوط، وإنما كانت دِرَةُ عمر للأدب، فإذا وقعت الحدود قرب السوط.
[31 - فصل: أمر الإمام بإقامة الحد] وإذا دعاك إمام عادل عارف بالسنة؛ إلى قطع يد رجل أو رجله في سرقة،

أو إلى قطع أو قتل في حرابة، أو إلى رجم في زنى، وأنت لا تعلم صحة ما قضى به إلا قوله؛ فعليك طاعته، وأما الجائر فلا، إلا أن يعلم صحة ما أنفذ من الحد، وعدالة البينة، فعليك طاعته؛ لئلا تضيع الحدود، "وقد أقام علي بن أبى طالب رضي الله عنه حداً أمره بإقامته عمر بن الخطاب رضي الله عنه"، قال عبد الله بن عياش أمرنا عمر بن الخطاب في فتية من قريش نجلد ولائد من ولائد الإمارة خمسين خمسين".

الباب [الثامن]

في زنى الصغير، والمجنون، ومن زنى بنائمة، أو مجنونة، أو مغصوبة، أو ذمية، أو مرهونة، وهل يعذر بالجهالة؟، وكيف إن ادعى النكاح؟، ومن اشترى حرة فوطئها

[32 - فصل: حد البلوغ في الرجال والنساء والدليل عليه] قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (رفع القلم عن ثلاثة عن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يفيق، وعن النائم حتى ينتبه).
قال الأبهري: وحدُّ البلوغ في الرجال: الاحتلام أو الإنبات، وفي النساء الاحتلام أو الحيض أو الإنبات أو الحمل، وقاله مالك.
[33 - فصل: في زنى الكبير بالصغيرة وزنى الكبيرة بالصغير] ومن المدونة قال مالك: ومن زنى بصغيرة يوطأ مثلها ولم حض فعليه الحد.
م: لأنه ينال منها من اللذة ما ينال من الكبيرة، ولا حد على الصغيرة، لعدم

اللذة، ورفوع القلم عنها.
قال ابن المواز: ولا صداق لها؛ لأنه إنما زنا بها برضاها، ولو لزمه في ذلك صداق لزمه في الأمة والبكر إذا طاوعتاه.
قال مالك: وإن زنت امرأة بصبي مثله يجامع إلا أنه لم يحتلم فلا حد على واحد منهما؛ لعدم اللذة لجماعه وإنما ذكره كالإصبع.
م: وإن كان الصبي مراهقا ممن يلتذ بوطئه وتنزل المرأة لجماعه فينبغي أن يكون عليها الحد؛ لأنها نالت منه ما تنال من الكبير، وكوطء الكبير للصغيرة، ولم أره لغيري.
[34 - فصل: الزنى بالمجنون والمجنونة والنائمة] قال مالك: وإن زنت بمجنون فعليها الحد؛ لأنه بالغ تلتذ به كالعاقل، ولا حد عليه هو لرفع القلم عنه، وعدم الالتذاذ له.
قال: ويحد قاذف المجنون.
وإن زنى رجل عاقل بمجنونة؛ فعليه الحد، والصداق؛ لأنه نال منها ما ينال من العاقلة، ولا حد عليها لرفع القلم عنها، وعدم اللذة لها، وكذلك إن أتى نائمة فعليه الحد، والصَّداق، والعلة واحدة.

قال محمد: وهما كالمكرهة.
[35 - فصل: فيمن أتى امرأة ميتة أو بهيمة أو مغتصبة] وأما من أتى ميتة فعليه الحد ولا صداق عليه.
محمد: كما لو قطع لها عضو لم يلزمه أرش.
ومن أتى بهيمة لم يحد، وعوقب، وقول [ابن] عمر رضي الله عنه "لو وجدت من أتى بهيمة لقتلته".
فعلى وجه التغليظ.
وكذلك إن غصب امرأة نفسها فعليه الحد والصداق، ولا شيء على المرأة؛ لأنها مكرهة، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (حمل عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه).

الأبهري: وإنما جعل عليه الحد والصداق؛ لأن الحد حق لله عز وجل،

والصداق حق لآدمي، فلا يسقط أحدهما الآخر، كالدية والكفارة في قتل الخطأ؛ لأن الكفارة حق لله عز وجل، والدية حق لآدمي، وكذلك قيمة الصيد إذا قتله محرم لرجل فعليه قيمته للرجل، وجزاؤه للمساكين، فكذلك الصداق والحد في المغتصبة.
[36 فصل: في زنى المسلم بالذمية] قال مالك: وإن ونى مسلم بذمية حُدَّ وردت إلى أهل دينها، فإن شاءوا رجمها لم أمنعهم.
الأبهري: إنما قال: يحد المسلم؛ لأن الله عز وجل حرَّم الزنى على المؤمنين، فا تبالي ما كانت المزني بها، وإنما لم تحد هي؛ لأن الحد تطهير للمسلمين، والكافر لا يطهره الحد.
فإن قيل: فقد (رجم النبي صلى الله عليه وسلم يهوديين زنيا)؟.
قيل له: إنما أقام النبي صلى الله عليه وسلم عليهما التوراة؛ لأنه قال: (ما حد الزاني المحصن فيكم)؟.
فقالوا: الجلد، فكذبهم عبد الله بن سلام وقال: في التوراة

الرجم، فأقامه النبي صلى الله عليه وسلم عليهم بما في التوراة.
[37 - فصل: في وطء الأمة المرهونة ونحوها وادعاء الجهل] ومن المدونة: قال: ومن وطئ أمة بيده رهناً وقال: ظننت أنها تحل لي، حُدَّ ولا يعذر بذلك، وكذلك إن كانت بيده وديعة أو عارية أو بإجارة، وكذلك العحم إذا ادعوا الجهالة، ولم يأخذ مالك بالحديث الذي قال: "زنيت بمرعوش بدرهمين"، ورأى أن يقام الحد في هذا.

م: وأراه إنما ذلك في أول الإسلام وأما اليوم فقد علم الناس أن الزنى حرام، والمرهونة لا تحل؛ فلذلك لم يعذرهم مالك رحمة الله عليه.
قال ابن حبيب: وذهب أصبغ إلى الأخذ بحديث مرعوش، وأن يدرأ الحد عن من جهل الزنى ممن يرى أنه يجهله، مثل السبي وغيرهم.
[37 - فصل: فيمن وجد مع امرأة فادعت أنه زنى بها وادعى هو نكاحها] قال مالك: وإذا قالت امرأة: زنيت مع هذا الرجل، وقال الرجل: هي زوجتي وقد وطئتها، أو وجد في بيت فأقر لها بالوطء، وادعيا النكاح، فإن لم يأتيا ببينة حدا.
م: لأن من سنة النكاح الإظهار والإعلان كما قال الني صلى الله عليه وسلم (أعلنوا النكاح واضربوا عليه بالغِربال)، يعني

الدف، فإذا ادعيا ما لا يعرف ولم يسمع لم يقبل قولهما؛ لأنهما يريدان إسقاط حد قد وجب.
محمد وقال أشهب في التي أقرت أنها زنت مع هذا الرجل، وقال هو: تزوجتها، وأقر بالوطء: أنه لا حد على الرجل؛ لأنه إنما قال: وطئتها بنكاح، وتحد هي؛ لأنها أقرت بالزنا لأنها تقذف، وقال: وهي بخلاف من أخذ من امرأة ثم ادعى نكاحها؛ لأنه قد أخذ فهو يدفع عن نفسه، فلا يصدق.
وقال ابن القاسم: هما سواء يحدان.
[38 - فصل فيمن اشترى حرة ووطئها] ومن المدونة: ومن اشترى حرة وهو يعلم أنها حرة فأقر أنه

وطئها حُدَّ، لأن الحر لا يصح فيه ملك يمين فقد وطأ من ليست له بزوجة ولا بملك يمين، فعليه الحد.
قال ابن القاسم: ولا تحد هي إن أقرت له بالملك، يريد: وإن كانت تعلم أنها حرة؛ لأنه لا ينفعها دعواها الحرية، إذ لا بينة لها تقوم بهم.
وقال الأبهري: تحد هي إذا علمت بأنها حرة؛ يريد: لأنه كان الواجب عليها أن تمنعه من نفسها، وتدعي الحرية فلعله يصدقها، ويكف عنها، وإن لم يصدقها وأكرهها على الوطء؛ فلا حد عليها بإجماع، والله عز وجل أعلم.

الباب [التاسع]

بقية القول في الشهادة على الزنى، والشهادة على الشهادة، ومسائل من الشهادات

وقد تقدم: أن وجه الشهادة في الزنى؛ أن يأتي الأربعة شهداء في وقت واحد، فيشهدون على وطء واحد، في موضع واحد، بصفة واحدة، بهذا تتم الشهادة.
ويسألهم الإمام كيف رأوه؟، فإن وصف الثلاثة الزنا وقال الرابع: رأيته بين فخذيها، حد الثلاثة، وعوقب الرابع، و "كذلك فعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه في الذين شهدوا على المغيرة".
وقال في كتاب محمد: يحد الثلاثة، ولا شيء على الرابع.
قال محمد: ولو شهد اثنان: أنه زنى بها؛ كالمرود في المكحلة، وشهد اثنان: على الخلوة والنفس العالي والملاصقة؛ فليحد الشاهدان على الرؤية، ويعاقب الرجل والمرأة بشهادة الذين شهدوا على الخلوة والنفس.
قال أشهب: مئة جلدة ونحوها، ولا شيء على الشاهدين بخلاف شهادة الواحد على الخلوة.

قال محمد: ولو شهد اثنان: أنه زنى بها، وشهد اثنان: أنه غلبها على نفسها؛ حد الأربعة، ولا حد على الرجل والمرأة ولا أدب.
م: والفرق بينهما وبين الأولى: أن الأربعة في هذه أثبتوا على الرجل الزنى، واختلفوا في صفته؛ فوجب حدهم، وفي الثانية: لم يقل إلا اثنان أنه زنى بها، وإنما شهدوا على الخلوة والملاصقة، فقبلت شهادتهم عليه، ووجب أدبه.
[39 - فصل في قيام الشهود بالزاني وحضورهم حين الشهادة] قال ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون: إذا شهد بالزنى أربعة جازت شهادتهم، وإن كانوا هم القائمين بذلك، وجاءوا مجتمعين أو مفترقين إذا كان افتراقهم قريبا بعضهم من بعض.
وقال أصبغ عن ابن القاسم في العتبية: في أربعة شهدوا على رجل بالزنى، فتعلقوا به وأتوا به السلطان فشهدوا عليه، فلا تجوز شهادتهم عليه، وأراهم قذفة، وروى عنه خلافه.
محمد: قال أشهب فيمن قذف رجلا بالزنى، وقال: أنا أقيم عليه أربعة، فأتي بواحد، وقال: هذا آخر في المسجد، وهذا آخر في القيسارية،

وآخر في السوق، فذكر أمكنة قريبة، وأتى بهم من ساعته؛ قال: كان ينبغي للإمام أن لا ينتظره، ويحده ومن شهد معه إذا لم تكن متواترة، فأما إذا تمت الشهادة قبل إسقاطها بجهالة من الإمام فهي جائزة.
قال: وكذلك لو أتى بشاهدين اليوم أو بواحد، ولم يضرب حتى أتى بآخر بعد ذلك ثم بآخر حتى أتم أربعة متفرقين؛ فإنه تقبل شهادتهم؛ يحد المشهود عليه.
قال محمد:- ونحوه في المدونة- وإن جاء رجل إلى الإمام على وجه الشهادة فقال: أشهد على فلان انه زنا فليحد، إلا أن يأتي بأربعة سواه، فإن ذكر أنهم حضور أو قريبة غيبتهم ترك، وتوثق منه، وكلف أن يبعث فيهم، وإن ادعا بينة بعيدة حد، ثم إن جاء بهم سقطت عنه جرحة الحد، وأقيم على المشهود عليه حد الزنى.
[40 - فصل في الشهادة على الشهادة في الزنى] قال مالك: وتجوز الشهادة على الشهادة في الزنى، مثل أن يشهد أربعة على شهادة أربعة، او اثنان على شهادة اثنين، واثنان على شهادة اثنين

آخرين، فتتم الشهادة.. ولو شهد اثنان أو ثلاثة على شهادة أربعة؛ لم يجز ذلك، ويحدوا إلى أن يقيموا أربعة سواهم على شهادة أربعة أشهدوهم فلا يحدوا، ويحد الزاني أو يرجم.
وكذلك لو شهد ثلاثة على شهادة ثلاثة، وواحد على شهادة واحد؛ لم تتم الشهادة ويحدوا إلى أن يشهد على الرابع اثنان.
قال ابن القاسم: ولا تتم الشهادة حتى يكون الشهود عند الحاكم أربعة، ثم يؤخذ عدد الشهود على الرؤية أربعة، مثل أن يشهد اثنان على رؤية أنفسهما، واثنان على شهادة اثنين، أو يشهد واحد على رؤية نفسه، وثلاثة على شهادة ثلاثة، فتجوز الشهادة؛ لأنها تمت أربعة من كلا الفريقين، وأما لو شهد شاهد على رؤية نفسه، وشاهدان على شهادة ثلاثة على رؤية أنفسهم مع الرابع لم تجز الشهادة، ويحد الشاهد على رؤية نفسه، ولا شيء على الشاهدين إذا لم يكن في شهادتهما أنه زانٍ، وإنما شهدوا على شهادة غيرهم أن فلانا رأيناه يزني، وفلانا معنا، يعنون الذي شهد على رؤية نفسه، ويحد الثلاثة إذا قدموا إلا أن يتأخر ضرب الأول حتى يتقدم الثلاثة؛ فتجوز شهادتهم،

ويحد المشهود عليه.
وقال ابن حبيب عن مطرف عن مالك: لا يجوز من الشهادة على الشهادة في الزنى إلا أن يشهد على كل واحد من الأربعة أربعة، ولا تجوز أربعة على أربعة، وإن كانوا كلهم قد سمعوا من الأربعة، إلّا ستة عشر شاهدا.
قال: ولو حضر ثلاثة على رؤية أنفسهم وغاب الرابع أو مات فلا تقوم شهادته إلا بأربعة ينقلون عنه، وإن احتاج الإمام إلى تعديلهم فلا يقبل إلا أربعة يعدلون كل واحد.
وقال ابن الماجشون، وابن القاسم، وجميع أصحاب مالك: تجوز شهادة أربعة على شهادة أربعة إذا كانوا كلهم سمعوا من الأربعة، فإن تفرقوا جاز اثنان على كل واحد معهم حتى يصيروا ثمانية، ويجوز في تعديلهم ما يجوز في تعديل غيرهم، اثنان على كل واحد، وأربعة عليهم أجمعين.
م: وهذا كله خلاف المدونة.
[41 - فصل فيمن قال لرجل: سمعت فلانا يشهد أنك زان] ومن قال لرجل: سمعت فلانا يشهد أنك زان، أو يقول لك

فلان: يا زاني؛ إلا أن يقيم بينة على قول فلان.
قال ابن المواز: وقيل: إن كان ذلك منه في غير مشاتمة؛ لم يكن على الشاهد حد ولا يمين أنه لم يرد به القذف.
محمد: وهذا أحب إلي؛ ألا يحد إلا أن يكون ذلك على وجه المشاتمة، وقد قال مالك على من افترى على رجل ولا شاهد عليه وطلب يمينه أنه لا يمين عليه.
قيل: فإن أقام عليه شاهدا أنه زنَّاه؟ قال: فعلى المشهود عليه اليمين، فإن نكل سجن أبدا حتى يحلف، ورواه ابن القاسم عن مالك.
قال ابن القاسم: فإن طال سجنه جداً رأيت أن يخلى سبيله، ولا أدب عيه.
قال أصبغ: إلا أن يعرف بالمشازرة والفحش، وإلا فسجنه أدباً له يكفيه.
[42 - فصل: فيمن سمع رجلاً يقذف غائباً، وفيمن سمع رجلين فطلب أحدهما شهادته، وفيمن نسي الشهادة] ومن المدونة: ومن سمع رجلا يقذف رجلا غائباً فليشهد له إن كان معه

غيره.
م: خوف أن يقول له المشهود له ما شتمني أحد وإنما أنت عرَّضت بشتمي فيحده.
قال مالك: وإن مرَّ برجلين يتكلمان في أمر فسمع منهما شيئا وبم يُشْهداه، ثم طلب أحدهما تلك الشهادة فلا يشهد له.
قال ابن القاسم: وإذ قد يكون قبله أو بعده كلام لا تتم الشهادة أو تسقط إلا به، ولا يجيز القاضي شهادة مثل هذا إلا أن يستوعب كلاهما من أوله إلى آخره فليشهد وإن لم يشهداه.
قيل لمالك: فمن شهد بين رجلين في حق فنسي بعض الشهادة وذكر بعضها؟ فقال: إن لم يذكرها كلها فلا يشهد.
قيل: فرجلين تنازعا في أمر فأدخلا بينهما رجلين على ألا يشهدا بما سمعا منهما فيتقاررا ثم يتفرقا فيتجاحدا؟ قال: فليعذر الشاهدان إليهما ولا يعجلان، فإن تماديا على الجحد فليشهدا عليهما.

الباب [العاشر]

في القاذف يُضرب بعض الحد ثم يَقذف أو يقُذف بعد تمام الحد، وفي العفو عنه، وهل يجمع على الرجل حدَّان في وقت؟

ومن قذف رجلا ثم ضُرب أسواطاً قذف آخر، أو قذف الذي يُجلد له؛ ابتدأ الجلد عليه ثمانين من حين يقذفه، ولا يعتد بما مضى من السياط.
ومن قذف رجلا فحُدَّ له ثم إن قذفه حد له ثانية.
[42 - فصل في العفو عن القذف، وكتابته، وشهادة القاذف] ومن عفا عن قاذفه جاز عفوه ما لم يبلغ الإمام، فإن عفا عنه على أنه متى شاء قام بحده، وكتب بذلك كتاباً، وأشهد على ذلك؛ فذلك له متى قام به، فإن مات كان لولده أن يقوم عليه بذلك الكتاب، ولا تبطل شهادة القاذف حتى يحد، وكذلك إن عفا عنه فإذا ضرب سقطت شهادته حتى يُحْدث توبة وخيراً.
ومن عفا عن قاذفه لم يكن لغيره أن يقوم بحده.

[43 - فصل: في القذف هل هو حق للمقذوف أو حق لله سبحانه وتعالى؟ أو هو حق مشترك] وإن رفع القاذف إلى الإمام أجنبي غير المقذوف لم يمكن من ذلك ولا يحد له.
قيل: أليس هذا حد لله عز وجل قد بلغ الإمام؟ قال: هذا حد للناس لا يقوم به عند الإمام إلا صاحبه.
واختلف في العفو عن حد القذف بعد بلوغ الإمام فأجازه مالك مرة ثم رجع عنه.
وفي كتاب القذف إيعاب هذا والزيادة فيه.
[44 - فصل في اجتماع الحدود، وكيفية الضرب، وأي الحدود يقام أولاً؟] ومن قذف وشر خمراً سَكِر منه أو لم يسكر، جُلد حداً واحداً.
قال مالك: وجعل حد الخمر على وجه حد الفرية؛ لأنه إذا شرب هذي، وإذا هذي افترى.
"وقاله علي بن أبي طالب رضي الله عنه".
ومضى

عليه العمل أن حد الخمر ثمانون.
ابن القاسم: وإذا اجتمع على الرجل في حد الزنى حد قذف أو شرب خمر، أقيما عليه جميعا، ويجمع الإمام ذلك عليه، إلا أن يخاف عليه فيفرقهما، وذلك إلى اجتهاده.
محمد: وقال عبد الملك: وإذا زنى وقذف، ضربه أكثر الحدين مئة وأجزأه عن الحدين.
وبقول ابن القاسم أقول.
قال ابن القاسم في المدونة: وإذا اجتمع عليه حد الزنى، وحد الفرية؛ فأحب إلي أن يبدأ بحد الزنى؛ لأنه حد لله عز وجل لا عفو فيه.
[45 - فصل في إقامة الحد على المريض أو في البرد أو الحر] قال: والمريض إذا خيف عليه الموت من إقامة الحد فليؤخر.
قال محمد: وقد جاء " أن عمر أقام حد الخمر على قدامة بن مظعون

ثمانين وهو مريض"، غير أن العمل على خلافه، وسمعنا من يقتدي به أنه لا يراه، وينهى عنه، ومن الحجة له في ذلك إنما وجب عليه الجلد لا القتل، فإذا ضربته حين الخوف عليه فأنا الذي قتلته.
ابن وهب: وقاله ربيعة ومالك.
قال مالك في المدونة: وكذلك إذا خيف على السارق أن يقطع في البرد فليؤخر.
قال ابن القاسم: والذي يضرب الحد عندي في البرد بمنزلة القطع في البرد إذا خيف عليه فيؤخر ويحبس إلى إمكان ذلك فيه، فالحر عندي بمنزلة البرد في ذلك، وأما في الرجم فلا يؤخر لمرض ولا غيره؛ لأنه الموت.

[46 - فصل: في أن المرأة الحامل لا تحد حتى تضع] قال مالك: ولا تجلد البكر الحامل في الزنى حتى تضع وتستقل من نفاسها لأنه مرض، ولو كانت محصنة أمهلت حتى تضع، فإذا وضعت رجمت مكانها، ولم تؤخر لأن حدها القتل، وهذا إذا وجد للمولود من يرضعه، وإن لم يوجد أو يقبل غيرها أخرت حتى ترضع ولدها لخوف هلاكه، وكما يجب تأخير الحمل خوف هلاك الولد، فكذلك تؤخر بعد الوضع لعدم من يرضعه لخوف هلاكه، وروي ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم.
محمد وروى ابن وهب أنه قال: أتى عمر ابن الخطاب رضي الله عنه بامرأة حامل وقد أحدثت فأراد ضربها، فقال له معاذ بن جبل: "هذا لك عليها، فما الذي لك على ما في بطنها؟ أخِّرها حتى تضع ثم شأنك بها".
فقال عمر: "أعجزت النساء أن تأتي بمثل معاذ، ولولا معاذ هلك عمر".
قال في المدونة: وإذا زنت امرأة فقالت: إني حامل، وكيف إن قالت

البينة: إنا رأيناها تزني منذ شهرين أو ثلاثة أو أربعة؛ فإنه ينظر إليها النساء فإن صدقوها لم يعجل عليها، وإلا حدت.
[47 - فصل: لا تقبل شهادة النساء في تصديقهن المشهود عليها بالزنى أنها عذراء، وتقبل في تصديقهن ادعائها الحمل] قال: وإذا شهد عليها بالزنى أربعة عدول، فقالت: أنا عذراء، أو رتقاء، ونظر إليها النساء وصدقوها؛ لم ينظر إلى قولهن، وأقيم عليها الحد لأنه قد وجب ذلك بخلاف الحمل، ألا ترى أن البكر إذا أنكر زوجها الوطء بعد إرخاء الستر وادعته، وشهد النساء أنها بكر، أن قولهن لا يقبل، وتصدق المرأة، ولا يكشف الحرائر عن مثل هذا.
م: ولأن شهادة النساء في الحمل لم ترفع الحد وإنما أخرته؛ لخوف هلاك الحمل ثم تحد بعد ذلك، وفي شهادتهن عذراء، أو رتقاء، أردن أن يرفعن حداً قد وجب، وكذبن البينة في شهادتها، فلم يقبل منهن.

جارٍ التحميل