الجامع لمسائل المدونةصفحات 127-166

قال ودخل رجل على عمر بن عبد العزيز فقال له: من سيد قومك؟ فقال له: أنا، فقال: لو كنت سيدهم ما قلته.
وقال عمر رضي الله عنه: إن المدح هو الذبح.

فصل [3 - في الرياء] وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "يقول الله عز وجل: من عمل عملا فأشرك فيه غيري فهو له وأنا منه بريء وأنا أغنى الشركاء عن الشرك".
وقال مالك: رأى سعد بن أبي وقاص رجلا بين عينيه أثر السجود، فقال له: مذ كم أسلمت؟ فذكر له الرجل أمره، فكأنه تقربه، فقال له سعد: أسلمت أنا منذ كذا وكذا وما بين عيني شيء.
وذكر مالك القصد وفضله، وقال: وإياك من القصد ما تحب أن ترفع به، وتعجب به الناس.

قيل لمالك: فالمصلي يصلي لله عز وجل ثم يقع في نفسه أنه يحب أن يعلم به الناس، ويحب أن يلقى في طريق المسجد، قال: إن كان أول ذلك لله عز وجل فلا بأس به، وربما كان ذلك من الشيطان فيمنعه من ذلك.
وإن المرء يحب أن يكون صالحا، وقد قال عمر لابنه حين سألهم النبي صلى الله عليه وسلم عن شجرة لا تسقط ورقها شتاء ولا صيفا، وضربها مثلا للمؤمن، قال: قلت في نفسي هي النخلة ولم أتكلم بذلك، فقال عمر رضي الله عنه: لأن تكون قلتها أحب إلي من كذا وكذا، وهذا يكون في القلب لا يملك.
قال الله عز وجل: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾.
وقال ابن عمر رضي الله عنه: اللهم اجعلني من أئمة المتقين.
وقال بعض العلماء: إن تعمل عملا تحب أن يعرفك به الناس ويثنون به عليك، فإن قبل قلبك هذا فهو رياء.
ويقال: من خاف الرياء سلم.

ويقال: من البر ألا نترك البر مخافة الرياء، ومن العجب أن ترى لنفسك الفضل على الناس وتمقتهم ولا تمقت نفسك.
قال مالك: وإخفاء النوافل كلها، الصلاة وغيرها أحسن.

فصل [4 - في الكذب] قال ابن مسعود: ما من خصلة في امرئ شر من الكذب.
قيل لمالك: هل يؤدب الرجل أهله وولده على الأيمان بالكذب؟ قال: نعم.
وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه لا تنظروا إلى صوم امرئ ولا إلى صلاته، ولكن انظروا من إذا حدث صدق، وإذا اؤتمن أدى، وإذا أشفى ورع.

فصل [5 - في النفاق] قال مالك: وكان الخير لا يعرف في عمر ولا في ابنه عبد الله حتى يقولا أو يعملا.
قال ابن القاسم: أدركت الناس وما يعجبون بالقول.
قال مالك: إنما ينظر إلى العمل.

وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "المكر والخديعة والخيانة في النار".
وقال صلى الله عليه وسلم: "إن من شر الناس ذا الوجهين الذي يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه".
وقال عليه السلام: "من اتقاه الناس لشره".

فصل [6 - في الغيبة] وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الغيبة أن تذكر من المرء ما يكره أن يسمع"، قيل يا رسول الله: وإن كان حقا؟ قال: "إذا قلت باطلا فذلك البهتان".
وفي بعض الحديث: أن من خلع جلباب الحياء فلا غيبة فيه، فقيل: هو المعلن بالفسق، والله أعلم.
وقيل: لا غيبة في أمير جائر، ولا ذي بدعة يدعو إلى بدعته، ولا فيمن يشاور فيه لنكاح أو شهادة أو نحوه.

وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لفاطمة بنت قيس حين شاورته فيمن خطبها، فقال: "إن معاوية صعلوك لا مال له".
وكذلك رأيت الأئمة لمن يقبل قوله من أهل الفضل أن تبيين أمر من يخاف أن يتخذ إماما، فيذكر ما فيه من كذب أو غيره مما يوجب ترك الرواية عنه.
وكان سعيد بن شعبة يقول: اجلس بنا نغتاب في الله عز وجل.

[فصل 7 - في سوء الظن] وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لا يحل لامرئ مسلم يسمع من أخيه كلمة يظن بها شرا وهو يجد لها من الخير مصدرا.
قال: وقد خلا ابن عمر بجارية، فرآه رجال، فآتى بها إليهم فقال: هي

جاريتي، فقالوا: يغفر الله لك أيتهمك أحد، فقال: لا، ولكني أحببت أن تعلموا ذلك.
وقال القاسم: إني لأدع حاجة في موضع أخاف أن يظن بي سوء فيها.

[الباب الخامس عشر]

باب في الورع والكسب وطلب الرزق وإصلاح المال والصدقة والتعفف عن المسألة وقبول الهدية والمسافر هل يأكل الثمار أو يشتري من العبيد؟ وأموال العبيد وأموال العمال وما يحل للمضطر أكله

[فصل 1 - في الورع والكسب وطلب الرزق] قالت عائشة رضي الله عنها: قلت يا رسول الله: من المؤمن؟ قال: "من إذا أمسى سأل من أين قرصه، وإذا أصبح سأل من أين قرصه" قالت: ولو علم الناس أنهم كلفوا ذلك لتكلفوه، فقال صلى الله عليه وسلم: "قد علموا ذلك ولكنهم غشموا المعيشة غشما، يقول: تعسفوا تعسفا".
ونظر عمر رضي الله عنه إلى المصلين فقال: لا يغرني كثرة رفع أحدكم رأسه وخفضه الدين: الورع في دين الله عز وجل والكف عن محارم الله تعالى،

والعمل بحلال الله سبحانه وحرامه عز وجل.
وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من أمسى وانيا من طلب الحلال بات مغفورا له".

فصل [2 - في إصلاح المال] قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: من كانت له أرض فليعمرها، ومن كان له مال فليصلحه؛ فإنه يوشك أن يأتي زمان من لا يعطي إلا من أحب.
وقال عمر رضي الله عنه: لأن أموت بين شعبتي رجلي أبتغي من فضل الله عز وجل أحب إلي من أن أموت على فراشي.
قال مالك: كان ابن عمر وسالم يخرجان إلى السوق فيجلسان فيه.
وكان ابن المسيب يجلس عند أصحاب العباء.

فصل [3 - في الصدقة والتعفف عن المسألة] قال النبي صلى الله عليه وسلم: "اليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول".
وقال عليه السلام: "من يستعفف يعفه الله، ومن يستغن يغنه الله، ومن يتصبر يصبره الله، وما أعطي أحد عطاء خير وأوسع من الصبر".
وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه يا رسول الله: أليس قد أخبرتنا أن خيرا لأحدنا ألا يأخذ من أحد شيئا؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إنما ذلك عن المسألة، وأما ما كان عن غير مسألة فإنما هو رزق رزقكه الله عز وجل".
وقال عليه السلام: "لأن يأخذ أحدكم حبله فيحتطب خير له من أن يأتي رجلا أعطاه الله من فضله، فيسأله أعطاه أو منعه".
فقال صلى الله عليه وسلم: " لا تحل الصدقة لآل محمد".
قال ابن القاسم: ذلك في الزكاة المفروضة.
وقال صلى عليه وسلم: "لا تحقرن إحداكن لجارتها ولو كراعا محرقا".

ويقال: الصدقة على الأقارب يضاعف أجرها مرتين.
قال مالك: الصدقة على الأقارب أفضل من عتق الرقاب.

فصل [4 - في الهدية] قال النبي صلى الله عليه وسلم: "تهادوا بينكم، فإن الهدية تذهب الشحناء".
وقال ابن عمر: لقد كنا ما أحدنا أولى بدينار من أخيه المسلم، ثم ذهب ذلك، فكانت المواساة، ثم ذهبت المواساة فكان السلف.
قيل لمالك: فالرجل له الفضل يخرج إلى السوق فيقارب في ذلك لمكان فضله، قال: لا بأس بذلك.
وسئل رضي الله عنه: عن معنى الحديث في إضاعة المال، فقال: منعه من حقه ووضعه في غير حقه، قال الله عز وجل: ﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾.

فصل [5 - في المسافر هل يأكل الثمار؟] قيل لمالك: الثمار تجد ثم يخلى عنها وفيها الشيء؟ قال: إن علم أن أنفسهم طيبة بأخذه فليأخذه.
قال أشهب: ولا يدعى في الإقراط إلا ما علم أن صاحبه أذن فيه، قيل: إنه يراه، قال: ما أحبه إلا بإذنه، ولعله يستحي منه أو يخافه.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يحلب أحدكم ماشية أخيه إلا بإذنه وهو يحلب بكرة ويرجع عشية، والثمر لا يرجع إلا إلى عام قابل".
قيل: فحائط لا الجدار عليه أيأكل منه ابن السبيل؟ قال: لا.
قيل: فما سقط في الأرض؟ فكرهه، وقال: المربد بالأرض.
قيل: أيأكل من جنان أبيه وأمه وأخيه؟ قال: لا، إلا أن يأذن.
قيل فإن أطعمني خازن الجنان، أو باعني؟

قال: إن علم أنهم قد أذنوا له، أو أعلمك أصحاب الحوائط أنهم رأوه يبيع ويمنح ويكون كالقيم في الغنم، فلا بأس أن يشتري، فأما العبد الذي يستخفي فلا خير فيه.
قيل: فتأتيه الأمة ببعض المناهل بلبن أو ثمر أيشتري ذلك؟ قال: لا بأس به إن لم يرتب أمرا، وهذه أشياء يبيعها العبد ونحوه.

فصل [6 - فيما يحل للمضطر أكله] قال مسروق: ومن اضطر إلى الميتة فلم يأكل حتى مات دخل النار.
قال ربيعة وابن شهاب ومالك: لا تحل الخمر للمضطر، وأما الميتة فليأكل وليشبع ويتزود حتى يجد عنها غنى عن الذي يتزود حتى يجد عنها غنى عن الذي تزود فيطرحه.
قال القاسم: لو كانت الدنيا كلها حراما لما كان بد من العيش فيها.
قال مالك: وكان ابن هرمز إذا قدمت غنم الصدقة لم يأكل اللحم.
قال مالك: وأكره طعام عاصر الخمر، وكان يكبر.
فقيل: الهدية من سوداء تبيع المزر بمصر؟ قال: لأني كنت أراها تغزل.
قال الليث: إن لم يكن له مال سوى الخمر فليكف عنه.

وقال: وأكره طعام العمال من جهة الورع من غير تحريم.
وقال الليث: ليس شيء بعد الدماء أشد من أخذ أموال الناس بغير حق.

فصل [7 - حكم التعامل مع من يتعامل بالحرام] قال مالك: ومن قول أهل المدينة: أن من بيده مالا حراما فاشترى به دارا أو ثوبا من غير أن يكره على البيع أحدا، فلا بأس أن تشتري أنت تلك الدار أو الثوب من ذلك الذي اشتراه بالمال الحرام.
قال ابن عبدوس: وذلك إذا كان البائع منه قد عرف عيب الثمن.
ويذكر عن محمد بن سحنون: أنه أجاز ذلك، وإن لم يعرف البائع [عيب] الثمن.
قال ابن عبدوس: فإما إن وهبك المشتري تلك الدار أو الثوب، فلا يجوز لك أخذ ذلك على الهبة؛ لأن من أحاط الدين بماله لا تجوز هبته ولا صدقته.
وقال مالك: فيمن بيده مالك حلال وحرام فإن كان الحرام يسيرا في كثرة حلاه فلا بأس بمعاملته، وإن كان الحرام كثيرا فلا ينبغي معاملته.

ولا تعامل من يعمل بالربا من المسلمين، وكره أن تصرف من نصراني دينارا أخذه من خمر أو ربا، ولا بأس بأخذه منه في الدين.
وغير مالك يرى أن ذلك أخف من النصراني؛ لأنه لو أسلم حل له ما في يديه.
م: ولأنه يرى أن ذلك حلال له في دينه، والمسلم يرى ذلك حراما، فالنصراني أخف.

[الباب السادس عشر]

جامع في السلام، وما يخرج من الهجرة وفي الإخوان في الله، والمكاتبة، والاستئذان، والمناجاة وتقبيل اليد، والمبالغة في البر للزوج والغريب وذي السن والعالم والوالدين، وتشمين العاطس

[فصل 1 - في السلام] قال النبي صلى الله عليه وسلم: "يسلم الراكب على الماشي، وإذا سلم واحد من القوم واحد أجزأ عنهم".
وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بإفشاء السلام.
وقال ابن عباس: السلام ينتهي إلى البركة.
وكان ابن عمر يقول في سلامه وفي رده سواء: السلام عليكم.

قيل لمالك: أيسلم على النساء؟ قال: أما المتجالة فلا كراهة، وأما الشابة فلا أحبه.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم في الرد على اليهودي: "فقل: عليك".
قيل لمالك: فمن سلم على يهودي أيستقبله؟ قال: لا.
قيل: أفيكنون؟ قال: لا أحب أن يرفعوا، وينبغي أن يذلوا.
وأرخص غيره في ذلك؛ لقول الرسول عليه السلام: "انزل أبا وهب".
ولا ينبغي أن يقال في السلام: سلام الله عليك، ولكن: عليك السلام، أو السلام عليكم.

فصل [2 - في المصافحة والتقبيل] قيل لمالك: أرأيت من قدم من سفر فتلقاه ابنته أو أخته فتقبله؟ قال: لا بأس بذلك، وقال: لا بأس -أيضا- أن يقبل خد ابنته.

قيل: أفترى أن تقبله ختنته وهي متجالة، أو [تعانقه]؟ فكره ذلك.
وسئل مالك عن المصافحة؟ فقال: إن الناس ليفعلون ذلك، وأما أنا فما أفعله.
وكره معانقة الرجل للرجل.
وقال: قال الله عز وجل: ﴿تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ﴾.
وروي عنه في المصافحة غير هذا، أنه صافح سفيان بن عيينة، وقال: لولا أنها بدعة لعانقتك، فاحتج عليه سفيان بمعانقة النبي صلى الله عليه وسلم لجعفر حين قدم من أرض الحبشة، فقال مالك: كان ذلك خاصا لجعفر، ورآه سفيان عاماً.

وأجاز مالك في رسالته لهارون الرشيد أن يعانق قريبه يقدم من سفره، وقيل: إن هذه الرسالة لم تثبت لمالك.
وروي أن الرسول عليه السلام قال: "تصافحوا يذهب الغل، وتهادوا [تحابوا و] تذهب الشحناء".
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما تواخا اثنان في الله قط إلا كان أحبها لله أشدهما حبا لصاحبه".
وقال عمر رضي الله عنه: يصفي لك ود أخيك ثلاثة: أن تبدأه بالسلام إذا لقيته، وتدعوه بأحب أسمائه إليه، وأن توسع له في المجلس، وكفى بالمرء عيبا أن يأخذ على الناس فيما يأتي به أو يبدوا لهم منه ما يخفى عليه من نفسه، وأن يؤذيهم في المجلس فيما لا يعنيه.

[فصل 3 - في هجر المسلم أخاه] قال مالك: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال، يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام".
قال مالك: فإذا سلم عليه فقد خرج من الهجرة.
قال في موضع آخر: إن كان مؤذيا له فقد برئ من الشحناء.
قال ابن القاسم: وإن كان غير مؤذ له لم يخرجه السلام من الهجرة إذا اجتنب كلامه، وأما أهل البدع فقد أمر بهجرانهم.
قال سحنون: أدبا لهم.

[فصل 4 - في تقبيل الرجل ابنته، وتعظيم أهل الفضل] قال مالك: ولا بأس أن يقبل الرجل خد ابنته إذا قدم من سفره.
قال مالك: ويقال: من تعظيم الله عز وجل له تعظيم ذو الشيبة المسلم.

قيل فالرجل يقوم للرجل له الفقه والفضل فيجلسه في مجلسه؟ قال: يكره ذلك، ولا بأس أن يوسع له.

[فصل 5 - في المبالغة في البر للزوج، وكراهية القيام والتقبيل] قيل له: قيل له: فالمرأة تبالغ في بر زوجها تلقاه فتنزع ثيابه ونعليه وتقف حتى يجلس؟ قال: أما تلقيها ونزعها فلا بأس به، وأما قيامها حتى يجلس فلا، وهذا من فعل الجبابرة، وربما يكون الناس ينتظرونه، فإذا طلع قاموا إليه فليس هذا من فعل الإسلام.
ويقال أن عمر بن عبد العزيز فعل ذلك به أول ما ولي حين خرج إلى الناس فأنكره وقال: إن تقوموا نقم، وإن تقعدوا نقعد، وإنما يقوم الناس لرب العالمين.

وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من أحب أن يتمثل له الرجال قياما فليتبوأ مقعده من النار".
وسئل مالك عن الرجل يقبل يد الوالي أو رأسه، أو المولى يفعل ذلك بسيده؟ قال: ليس ذلك من عمل الناس، وهو من عمل الأعاجم.
قيل: فيقبل رأس أبيه؟ قال: أرجو أن يكون خفيفا.
وسئل في رواية أخرى: هل يقبل خد أبيه أو عمه؟ قال: لا أرى أن يفعل، وإن من العبرة أن من مضى لم يكن يفعل ذلك.
قيل: كان ابن عمر إذا قدم من السفر يقبل سالما، وقال: شيخ يقبل شيخا، فأنكر الحديث وقال: لا تتحدثوا بمثل هذه الأحاديث فتهلكوا فيها.

[فصل 6 - في الاستئذان والمكاتبة] قال مالك: الاستئذان ثلاث، لا أحب أن يزيد عليها، وكذلك جاء الحديث، إلا من علم أنه لم يسمع فلا بأس أن يزيد إذا استيقن، قال: وهو تأويل قول الله عز وجل: ﴿حَتَّى تَسْتَانِسُوا﴾ فيما نرى، والله أعلم.
قيل فالرجل يكتب إلى الرجل: أقرء فلانا وفلانا السلام؟ قال: أرجو أن يكون في سعة.

[فصل 7 - في تشمين العاطس] قال مالك: ولا تشمت العاطس حتى تسمعه يحمد الله عز وجل، فإن بعد منك وسمعت من يليك يشمته فشمته.
ومن عطس في الصلاة فلا يحمد الله إلا في نفسه.
قال سحنون: ولا في نفسه.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن عطس فشمته، ثم إن عطس فشمته، ثم إن عطس فشمته، ثم إن عطس فشمته فقل إنك مضنوك".

قال أبو محمد في كتاب الناسخ والمنسوخ لأبي عبيد: أنه إن شمته واحد من الجماعة أجزأ عنهم كرد السلام.
وقال يحيى بن مزين: إنه بخلاف رد السلام في رد واحد.

[فصل 8 - صاحب المجلس أولى بمجلسه إذا رجع] قيل: فمن قام من مجلس، أهو أحق به إذا رجع؟ قال: ما سمعت فيه من شيء، وإنه لحسن إن كان رجوعه قريبا، وإن تباعد فليس ذلك له، وهذا من محاسن الأخلاق.

[فصل 9 - لا يتناجى اثنان دون الثالث] وسئل عن أربعة، هل يتناجى ثلاثة دون واحد؟ قال: نهي أن يتركوا واحدا ولو كانوا عشرة اجتناب سوء الظن والحسد والكذب.

[فصل 10 - في بر الوالدين] قيل للحسن: ما بر الوالدين؟ قال: أن تبذل لهما ما ملكت وتطيعهما فيما أمراك ما لم تكن معصية.
وسئل ابن المسيب عن قوله عز وجل: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ قال: قول العبد الذنب: للسيد الفظ.
قال أبو هريرة: ولا تمش أمام أبيك، ولا تقعد قبله، ولا تدعه باسمه، وأما في الظلمة فيمشي بين يديه.
انتهى.

[الباب السابع عشر]

باب في الفطرة وقص الشارب وحلق العانة والختان والسواك والكحل وقص الشعر ووصله والحجامة، ودخول الحمام

[فصل 1 - في خصال الفطرة] قال مالك: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خمس من الفطرة تقليم الأظافر وقص الشارب ونتف الإبط وحلق العانة والاختتان".
وقال غيره: وري عن ابن عباس في قول الله سبحانه: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ قال: [هي] الفطرة وهي خمس في الرأس وخمس في الجسد:- ففي الرأس: المضمضة والاستنشاق والسواك وقص الإطار وفرق الشعر.

وفي الجسد: الختان وحلق العانة ونتف الإبط وقص الأظافر والاستنجاء.

[فصل 2 - في فضل السواك] وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك".
وفي حديث آخر: "وعليكم بالسواك".

[فصل 3 - في قص الشارب] وسئل مالك عمن أحفى شاربه؟ قال: يوجع ضربا، وهذه بدعة، وإنما الإحفاء المذكور في الحديث قص الإطار وهو طرف الشعر.

وكان عمر رضي الله عنه يفتل شاربه إذا أكربه أمر، فلو كان محلوقا ما وجد ما يفتل.

[فصل 4 - في الحجامة] قال: ولا بأس [بالإطلاء] والحجامة يوم السبت ويوم الأربعاء والأيام كلها، وكذلك السفر والنكاح، وأراه عظيما أن يكون من الأيام يوم يجتنب ذلك فيه، وأنكر الحديث في هذا.
وقد كره بعض الصحابة ترك العمل يوم الجمعة نحو ما عظمت اليهود يوم السبت والنصارى يوم الأحد.
وسئل عن الحجامة في يوم سبعة عشر وفي يوم خمسة عشر وثلاثة وعشرين؟ فكره أن يكون لذلك يوم محدود.

وذكر عن الليث أنه قال: إني لأتقي الحجامة والإطلاء يوم السبت ويوم الأربعاء لحديث بلغني.
وقال مالك: حدثت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن كان دواء يبلغ الداء فإن الحجامة تبلغه".
قال مالك: وإني لأكره حلق موضع المحاجم في الرأس والقفا, وما أراه حراما.

[فصل 5 - في طول اللحية ونتف الشيب ودفن الشعر وصبغه ووصله] وسئل عن طول اللحية جدا؟ فكرهه، وقال في نتف الشيب: ما أعلمه حراما، وتركه أحب إلي.
وكره أن تحلق أماكن من رؤوس الصبيان وتترك أماكن.

وسئل عن دفن الشعر والأظافر؟ فقال: لا أرى ذلك؛ وهو بدعة، وقد كان من شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم في قلنسوة خالد بن الوليد.
وسئل عن الصبغ بالسواد؟ فقال: ما سمعت فيه شيئا، وغيره من الصبغ أحب إلي، والصبغ بالحناء والكتم واسع، والدليل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يصبغ لبدات به.
وكان عمر وعلي وأبي بن كعب لا يغيرون الشيب.
ورأيت ابن شهاب يخضب بالحناء.
ولا بأس للمرأة أن توشي يدها بالحنة وتطرفهما من غير خضاب.
ولا ينبغي أن تصل المرأة شعرها بشعر ولا غيره.
وقال الليث: لا بأس أن تصله بالصوف، وإنما يكره بالشعر.

وكره مالك أن تضع الجمة من الشعر على رأسها وضعا.
قيل: فالخرق تجعلها في قفالها وتربط الوقاية، قال: أرجو أن لا يكون فيه بأس.

[فصل 6 - في الاكتحال] قال مالك: وأكره الكحل للرجل في الليل والنهار إلا لمن به علة، وما رأيت من يكتحل إلا من ضرورة.
وروي في الكحل أنه يكتحل وترا.

[فصل 7 - في دخول حمام السباحة] وسئل عن دخول الحمام؟ فقال: إن وجدته خاليا أو دخلت مع قوم يستترون فلا بأس به، وإن كانوا لا يتحفظون لم أر أن تدخله.

وأكره للمرأة دخول الحمام وإن كانت مريضة إلا أن يكون معها أحد.

[فصل 8 - في الختان] ولا يعجبني أن يختن الصبي ابن سبعة أيام، وذلك من فعل اليهود وأحب إلي إذا أثغر، ولا بأس أن يعجله قبله أو يؤخره بعده، وكلما عجل بعد الإثغار أحب إلي, قال: والنساء يخفضن [الجواري].
قال وأحب للنساء قص الأظافر وحلق العانة، والاختتان.

[الباب الثامن عشر]

[باب] في ستر العورة وما ينبغي ستره للرجال والنساء والخلطة [في] المواكلة والمنام والخلوة بين ذوي المحارم وغيره

[فصل 1 - في ستر العورة] قال النبي صلى الله عليه وسلم: "رب نساء كاسيات عاريات".
قالت عائشة رضي الله عنها: رحم الله نساء الأنصار لما نزلت آية الحجاب عمدن إلى أكثف مروطهن فاحترمن بها.
قال مالك: كان النساء يخرجن في زمان النبي صلى الله عليه وسلم، فقال عمر رضي الله عنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ما ينبغي لنسائك أن يخرجن هكذا؟ فنزلت آية الحجاب.

وكانت الحجر من جريد فسترت جوانبها بالمسوح لئلا يرى داخلها.
قال مالك: وللرجل أن يجامع أهله ليس بينه وبينها ستر، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم وعائشة يغتسلان وهما عرايانين، فالجماع أولى بالتجرد.
قال: ولا بأس أن يرى فرج امرأته في الجماع.
قيل: وهل ترى خادمة الزوجة فخذ زوجها؟ قال: لا، ولا تدخل عليه المرحاض، وكذلك خادم ابنه وأبيه.
قال الله عز وجل: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ قيل: فخادم له خصي يرى فخذه متكشفا؟ قال ذلك خفيف.

[فصل 2 - في المواكلة والخلوة] قال: وأحب لمن دخل على أمه وأخته أن يستأذن عليهما قبل أن يدخل.

وقال في الموطأ: لا بأس أن تأكل المرأة مع ذي محرم منها أو مع غلامها.
قال ابن الجهم: يعني العجوز المتجالة.
ولا يخلو رجل مع امرأة ليس بينه وبينها محرم.
ولا بأس على الرجل لو نظر إلى شعر أم زوجته، ولا ينبغي إن قدم من سفر أن تعانقه وإن كانت عجوزا.
وأما أخت امرأته فليبعد منها ما استطاع.
وأرى أن يتقدم إلى الصناع في قعود النساء إليهم.
ولا تترك الشابة تجلس إلى الصانع، وأما المتجالة أو الخادم الدون ومن لا يهتم فيها فلا بأس.
قال: ولا بأس أن تضع المرأة جلبابها عند زوج ابنتها.
قال: واحتجبت عائشة رضي الله عنها من أعمى فقيل لها: إنه لا ينظر إليك؟

فقالت: لكني أنا أنظر إليه.

[فصل 3 - في الاغتسال بغير إزار] [قال] ابن وهب قال مالك: لا بأس أن تغتسل المرأة في الفضاء بغير مئزر.
وأخبرني ابن جريج عن عطاء أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلا بالأبواء يغتسل على حوض عريانا بالبراز! فقال: "إن الله حيي يحب الحياء، وستير يحب الستر، فإذا اغتسل أحدكم فليتوارى".

[فصل 4 - في المضاجعة] وأنكر مالك أن يبيت الخدم في لحاف واحد يتعرين فيه.

قيل: أفيضاجع ابنه ابن ست سنين ليس بينهما حجاب؟ قال: أحب إلي أن يكون بينهما ثوب.

[فصل 5 - سفر المرأة والخروج في حوائجها] ولا بأس أن تحج المرأة مع جماعة من النساء وناس مأمونين ليس فيهم ذو محرم.
قيل: فمن وطئ جارية هل يرسلها إلى السوق في حوائجه؟ قال: لا بأس بذلك، والحرة تخرج في حاجتها.
وقد كانت أسماء تقود فرس الزبير زوجها في الطريق وهي حامل.

[الباب التاسع عشر]

باب في الطعام والشراب وغسل اليد والأكل بالشمال والدعوة والضيافة

[فصل 1 - في آداب الطعام] نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يأكل الرجل بشماله أو يشرب بشماله.
وروي أنه صلى الله عليه وسلم أكل الرطب بالبطيخ هذا في يد وهذا في يد.
وكان صلى الله عليه وسلم إذا شرب أعطى من على يمينه.
وقال صلى الله عليه وسلم: "سم الله وكل مما يليك".

ونهى صلى الله عليه وسلم عن النفخ في الشراب.
و [نهى] عن الشرب في آنية الذهب والفضة.
وشرب صلى الله عليه وسلم قائما.
قال مالك: وقد كان عمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم يشربون قياما.
وقال صلى الله عليه وسلم: "المؤمن يأكل في معاء واحد والكافر يأكل في سبعة أمعاء".
فيه تمثيل لكثرة الأكل وقلته، وقيل: إنه في رجل واحد مخصوص.
وقيل: بل الكافر قليل الأكل لو أسلم لكان أكله أقل لبركة التسمية.
وكان صلى الله عليه وسلم لا يأكل الثوم ولا الكراث ولا البصل؛ من أجل أنه كان يكلم جبريل عليه السلام.

ونهى عن أكل ذلك من يأتي المسجد لئلا يؤذي الناس بريحه.
قال مالك: ويكره النفخ في الشراب والطعام جميعا.
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "أما أنا فلا آكل متكئا".
قيل لمالك: أيأكل الرجل من طعام لا يأكل منه أهله وعياله ورقيقه، ويلبس غير ما يكسوهم؟ قال: نعم والله إني لا أراه في سعة من ذلك، ولكن يحسن إليهم.
قيل له: فحديث أبي الدرداء؟ قال: كان الناس يومئذ ليس لهم هذا القوت.
قيل: من أكل مع أهله وولده أيتناول ما يليهم؟ قال: لا بأس بذلك.
قيل: والقوم في الحرس يأكلون فيأكل بعضهم من بين يدي بعض وهم يوسعون له في ذلك؟

قال: لا خير في ذلك، وليس من الأخلاق التي تعرف عندنا.
ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن القران في التمر، وفي بعض الحديث: إلا أن يستأذن أصحابه.
قال: لا خير في القران في التمر يأكل تمرتين أو ثلاث في لقمة واحدة.
وقال في موضع آخر: لأنهم شركاء فيه.
وروى ابن نافع عنه أنه قال: إن كان هو أطعمهم فنعم.
وفي وراية ابن وهب أن ذلك ليس بجميل.
قال هو وغيره وكذلك التين.
وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أكل التمر تجول يده في الطبق.
وقد تمندل عمر بأصلي قدميه.

جارٍ التحميل