الجامع لمسائل المدونةصفحات 217-256

كتاب كراء الدور والأرضين

صفحات 217-256

وطرح سحنون في رواية يحيى على حساب ما أكراها منه، وأبقى كراء المثل، ونقلها أبو محمد في مختصره: وله فيما بقي كراء المثل لا على ما أكراه.
وفي المدونة على حساب ما كان اكترى.
م/: وكلام ابن القاسم جيد، ووجهه: أن المكري والمكتري دخلا على أن للمكتري الانتفاع بالأرض في جميع السنة، وقد علما أن بعض البطون قد يتقدم ويتأخر لما يطرأ فيها من العاهات، فكأنهما دخلا على ذلك، فلم يكن المكتري متعدياً؛ ولذلك قال: على المكتري في الزيادة كراء مثلها على حساب ما أكرى منه، ومعنى ذلك أن يقوم كراء الزيادة، فإن قيل: دينار.
قيل: وما قيمة السنة كلها؟ فإن قيل: خمسة.
فقد علمت أنه وقع للزيادة مثل خمس كراء السنة فيكون عليه الكراء الأول، ومثل خمسه، كما كان له لو تعطل عليه شهر من السنة لغور بئر الأرض، أو لغرقها أن يسقط عنه كراء مثله من حساب ما اكترى، وهو حصته من الكراء، فكذلك إذا زاد شهراً، يكون عليه كراء مثل من حساب ما أكرى، وهو حصته من الكراء، وكأنه داخل في العقد، وبالله التوفيق.
ومن المدونة: وقال غير ابن القاسم: إن بقي من السنة بعد حصاده ما لا يتم فيه زرع فلا ينبغي له أن يزرع، فإن فعل فعليه في زيادة المدة الأكثر من الكراء الأول؛ إذ كأنه رضيه، أو كراء المثل.

يريد: ولو كان ربها عالماً به فتركه، فله على حساب الكراء الأول، كما قال الغير في كراء الدابة يكتريها مدة فيجاوزها.
قال ابن حبيب: إذا لم يبق من المدة إلا شهر أو شهران، وما لا ينتفع به في الزرع، فإن كانت من أرض الزرع فليس للمكتري أن يحدث فيها زرعاً إلا بكراء مؤتنف، ولا يحط عنه لما تقدم شيء، ولربها حرثها لنفسه، وليس للمكتري منعه؛ لأنه مضار.
فإن زرعها المكتري وهو يعلم أن الوجيبة تنقضي قبل تمام الزرع بالأمد البعيد فربها مخير: إن شاء حرث أرضه فأفسد زرعه، أو أقره وأخذه بالأكثر من قيمة الكراء، أو من كراء الوجيبة، وإن كان ظن أن زرعه ينقضي عند تمام الوجيبة فزاد عليها الأيام والشهر ونحوه، فليس لربها قلعه، وله فيما زادت المدة على حساب كراء الوجيبة، وإن كانت من أرض المباقل فله أن يعمل وينتفع إلى انقضاء الوجيبة، فإن انقضت ولم يبلغ إبانه، فإن كان حين وضع البقل في الأرض على رجاء من بلوغ إبانه وتمامه عند انقضاء الوجيبة فجاوز ذلك بأيام أو شهر، فله كراء ذلك كما ذكرنا، وإن علم أنه لا يبلغ تمامه إلا بعد انقضاء الوجيبة بأيام بعيدة فربها مخير في قلع ذلك، أو تركه، وأخذ الأكثر من كراء الوجيبة، أو كراء المثل.
فصل [-7 - فيمن اكترى أرضاً يزرعها كل سنة بكذا ولم يسم سنين معينة] ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن اكترى أرضاً يزرعها كل سنة بكذا، ولم يسم سنين بأعيانها جاز ذلك، ولكل واحد منهما أن يترك متى شاء ما لم يزرع فحينئذ لا ترك لأحدهما تلك السنة خاصة، ويلزمه كراؤها، ويترك بعد ذلك إن شاء.

وإن قال المكتري: أنا أقلع زرعي وأؤدي حصة ما بقي، لم يكن له ذلك كان في إبان الحرث أم لا؛ لأنه حين زرع فقد رضي بأخذ الأرض سنته تلك.
م/: وكما لم يكن لرب الأرض إذا حرث إخراجه، فكذلك لا يكون له أن يخرج، وإن قلع جميع زرعه، إلا أن يؤدي جميع الكراء لتلك السنة.
[الفصل -8 - فيمن اكترى من رجل أرضه أو داره أو غير ذلك على أن يقبضه بعد أجل مسمى] وإن اكتريت من رجل أرضه قابلاً، وفيها الآن زرع له أو لمكتر آخر، فإن كانت مأمونة كأرض النيل جاز شرط النقد فيها، وإن كانت إنما تحيا بالعيون والآبار المجوفة غير المأمونة فالكراء جائز، ولا ينبغي النقد فيها بشرط.
ومن اكترى داراً على أن يقبضها إلى سنة جاز ذلك، وجاز النقد فيها؛ لأمنها.
وإن بعد الأجل جاز الكراء، ولا أحب النقد فيها، ولم يجز في سائر العروض والحيوان شراؤه على أن يقبض إلى أجل لغلبة الغرر في تغييره.

[الباب الرابع عشر]

في الدعوى في كراء الأرض

[الفصل -1 - في الدعوى في أمد الكراءٍ] قال ابن القاسم: وإذا قال المكتري: اكتريت الأرض عشر سنين بخمسين ديناراً، وقال ربها: بل خمس سنين بمائة دينار، فإن كان بحضرة الكراء تحالفا وتفاسخا، وإن كان قد زرع سنة أو سنتين ولم ينقد فالقول قوله في ذلك؛ لأنه غارم، ولربها ما أقر به المكتري.
م/: وهو خمسة في كل سنة، إن أشبه ما يتغابن الناس بمثله ويحلف، وإن لم يشبه فعلى قول ربها إن أشبه مع يمينه، وهو عشرون دينارًا في كل سنة إذا استوت السنون، فإن لم يشبه فله كراء المثل فيما مضى، ويفسخ باقي المدة على كل حال، وإنما فسخنا بقية السنين لدعواه في كرائها أكثر من دعوى المكتري، وهذا إذا لم ينتقد.
ومن قول مالك: أن رب الأرض والدار والدابة مصدق في الغاية فيما يشبه، وإن لم ينتقد.
قال غيره: وإذا انتقد فالقول قول ربها مع يمينه فيما يشبه من المدة، فإن لم يأت بمد يشبه، وأتى المكتري بما يشبه صدق فيما سكن على ما أقر به، ويرجع ببقية المال على ربها بعد يمينه على ما ادعى، ويمين ربها فيما ادعى عليه من طول المدة، وإن لم يشبه ما قاله

واحد منهما تحالفا، وفسخ الكراء، وعلى المكتري قيمة كراء ما سكن، وإن أتيا بما يشبه صدق رب الدار مع يمينه؛ لأنه انتقد، ولم يسكن المكتري إلا ما أقر به المكري.
قال سحنون: وروى نحوه ابن وهب عن مالك، وهذا هو الأصل في الدور والرواحل والعبيد وغيرها، فرد إليه ما خالفه.
م/: وهذا الذي ذكر الغير موافق لقول ابن القاسم، إلا قوله: إذا أشبه قول ربها، وأشبه ما قالا: أن المكتري يلزمه أن يسكن ما أقر به المكري، فهذا يخالفه فيه ابن القاسم، ويرى أن يتحالفا ويتفاسخا في بقية المدة؛ لأنه كسلعة قائمة لم تقبض.
وهذا مذهب ابن المواز في الدور لا في الرواحل.
م/: فصار الاختلاف في هذا على ثلاثة أقوال: قول أنهما يتحالفان ويتفاسخان في بقية المدة في الدواب والدور وغيرها، وهو ظاهر المدونة.
وقول: أنه يلزمه التمادي إلى الغاية التي أقر بها المكري، وهو قول الغير هاهنا.
وقول: بأنه يلزمه التمادي في الدواب إذا سار أكثر الطريق، ويتحالفان ويتفاسخان في الدور، وهو قول ابن المواز.
والقياس قول ابن القاسم: أنهما يتحالفان ويتفاسخان في الجميع؛ لأن البقية كسلعة لم تقبض، والاستحسان ما قاله ابن المواز والله أعلم.
وقال بعض فقهاء القرويين: إذا اختلفا قبل الزرع تحالفا وتفاسخا على قول ابن القاسم، نقد الكراء أو لم ينقده؛ لأنه لم يجعل النقد المقبوض فوتاً، فأما على

مذهب من يجعل النقد المقبوض فوتاً، وأشبه ما قاله المكري، وكانت الأرض لا ضرر في قسمتها على المكتري، دفع رب الأرض نصفها، فيزرعها المكتري خمسن سنين؛ لأن ما حاز من النقد القول فيه قوله مع يمينه، وقد انتقد خمسين فدفع فيها نصف الأرض، وإن كان على المكتري في ذلك ضرر تحالفا وتفاسخا، ولم يكن النقد فوتاً؛ لضرر الشركة، وإن كان قد زرع سنة فالقول قول المكري: أن لي مما قبضت من الخمسين عشرة في سنة؛ لأنه حائز لها، ويحلف على ذلك؛ لأنه يقول: حصة هذه السنة عشرون.
والقول قول المكتري في العشرة الثانية، ويحلف أنه لم يبق له عليه شيء إذا أشبه ما قالا جميعاً، ثم يفسخ بقية السنين على قول من لم يجعل النقد فوتاً، أو لضرر الشركة بالمكتري، وأما لو اتفقا أن النقد وقع خمسين، ثم اختلفا في أمد السكنى، فقال المكتري: عشرة سنين، وقال رب الأرض: خمس سنين، فعلى قول ابن القاسم يتحالفان ويتفاسخان، وينبغي على ما في كتاب السلم الثاني أنه إذا طال انتفاع المكري بالنقد أن ذلك فوت، والقول قول المكري، ويسكن المكتري خمس سنين، كقوله أسلمت إليك في عشرة أرادب حنطة، وقال المسلم إليه: بل في خمسة، وأشبه ما قالاه جميعاً، وقد حل أجل السلم، وطال انتفاع البائع بالنقد، أن القول قوله.
وأما على ما هاهنا فيتحالفان ويتفاسخان أبداً وإن طال.
[الفصل -2 - في الرجل يزرع أرض آخر ويدعي أنه اكتراها منه وربها منكر] ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن زرع أرض رجل، وادعى أنه اكتراها منه، وربها منكر، فإن أقر ربها أنه علم به حين زرع فلم ينكر عليه، وقامت بذلك بينة، أو لم

تقم بينة فأحلف عليه فنكل، فليس له إلا ما أقر به المكتري مع يمينه، إلا أن يأتي بما لا يشبه.
م/: يريد: فيكون عليه كراء المثل.
م/: يريد: وسواء فات إبان الزراعة، أو لم يفت في هذا.
م/: أما قوله: فأحلف عليه فنكل إذا ادعى عليه المكتري كراء مسمى فيجب أن يكون القول قول المكتري، وإن أتى بما لا يشبه؛ لأن الناكل مكنه من جميع دعواه بنكوله.
هذا هو المشهور من المذهب.
م/: والصواب أن لا يراعى في هذا ما لم يشبه؛ لأنهما لم يختلفا في عدد الكراء فيردهما إلى ما يشبه.
وإنما قال ربها: لم أكرها منك، فكان القول قوله مع يمينه، فإن نكل حلف الزارع، وغرم ما أقر به، كما لو قال: أذنت لي أن أزرعها بغير كراء.
فنكل ربها وحلف الزارع، فإنه لا يكون عليه كراؤها، وقاله جماعة من أصحابنا.
ومن المدونة: وقال غيره: علم به أو لم يعلم، فله الأكثر من كراء المثل، أو ما أقر به المكتري بعد يمينه على دعوى المكتري إن كان كراء المثل أكثر من دعواه.
م/: يريد: وسواء فات إبان الزراعة، أو لم يفت إذا طلب من الكراء، فإذا طلبه أن يقلعه في الإبان لم يكن له ذلك إذا علم به فتركه؛ لأن ذلك شبهة له.
وإن لم يعلم به فله قلعه إذا حلف على دعوى الزارع، ولا يختلفان في ذلك.

قال ابن القاسم: وإن لم يعلم به ربها، ولا قامت عليه بذلك بينة، ولا أنه أكراها منه، وحلف على ذلك، فإن كان مضى إبان الزراعة فله كراء المثل، ولا يقلعه، يريد: ومد أقر به الزارع إن كان أكثر من كراء المثل.
قال: وإن لم يفت الإبان خير بين أن يأخذ من المكتري ما أقر به، قال غيره: أو كراء المثل.
قالا: وإن أبى فله أن يأمره بقلعه إلا أن يتراضيا على ما يجوز فينفذ بينهما.
م/: وقول غيره: أو كراء المثل.
خلاف لابن القاسم.
قال ابن القاسم: ولو ترك الزرع لرب الأرض جاز ذلك، إن رضيا بها - يرد: والزرع في هذا كله قد كبر، وصار لو قلع انتفع به.
قال ابن القاسم: وإن لم يكن للمكتري في الزرع نفع إذا قلعه لم يكن له قلعه، وبقي لرب الأرض، إلا أن يأباه، فيأمره بقلعه.
م: قال بعض فقهائنا القرويين: لم يجعل الغير قول الزارع قولا، وإن علم به رب الأرض؛ لأنه مدع لشراء سلعة لم يقر البائع أن باعها منه فله قيمتها إذا أفاتها المشتري، إلا أن يقر المستهلك بأكثر من القيمة، وهذا هو الأشبه.
م/: ووجه قول ابن القاسم أنه لما كانت العادة أن لا يحرث أحد أرض غيره، وهو ساكت، يراه ولا ينكر عليه إلا بكراء تقدم منه أو هبة، وجب أن يكون القول قول الزارع؛ لأنه مدع ما يشبه.
قال: وإذا كان في إبان الزرع، وحلف رب الأرض أنه مد أذن، وجب قلع الزرع.
ولم يكن له أخذه بقيمته مقلوعاً خيفة أن يكون ذلك بيعاً له

قبل بدو صلاحه، وهو إنما ينمو بعد الأخذ في أرضه، وكذلك منع من بيع ما زرعه في أرض اكتراها من رب الأرض، وإن كان إنما نماؤه في أرض مشتريه.
ولو رضى بأن يأخذ من الزارع الكراء، ويبقيه لجاز ذلك، إذا كان لو قلع كان فيه منفعة للزارع، ولو لم تكن فيه منفعة حتى يكون ذلك الحكم يوجب بقاءه لرب الأرض لم يجز لرب الأرض أن يراضيه على كراء؛ لأنه يصير بائعاً لزرع وجب له أخذه بالكراء الذي يأخذه، فذلك بيع الزرع قبل بدو صلاحه على البقاء، كذلك ذكر في كتاب محمد فيمن غصب أرضاً لرجل فزرعها فجاء بها، ولا منفعة للزارع في الزرع إذا قلعه أنه لا يجوز لرب الأرض أن يبقيه له بكراء.

[الباب الخامس عشر]

في النقد في كراء الأرض وشيء من ذكر العقود الفاسدة فيها

[الفصل -1 - في النقد في كراء الأرض] قال ابن القاسم: ومن اكترى أرضاً فتشاحا في النقد، فإن كان لأهل البلد سنة في كراء الأرض حملاً عليها- يريد في المأمونة-، وإلا نظر، فإن كانت كأرض النيل التي تروى في السنة مرة لزم المكتري النقد إذا رويت، وإن كان لا يتم زرعها إلا بالسقي أو المطر فيما يستقبل بعد الزراعة لم ينقده إلا بعد تمام ذلك.
وقال غيره: وإن كانت من أرض السقي، وكان السقي مأموناً، وجب له كراؤه نقداً.
قال ابن القاسم: وإن كانت تزرع بطوناً كالقضب والبقل نقده لكل بطن حصته بعد أن يسلم.
وقال غيره: عليه نقد حصة أول بطن.
قال ابن القاسم: والفرق بين النقد في الدور والرواحل، وبينه في الأرض غير المأمونة، أنه ليس له في الأرض بحساب ما يمضي؛ إذ لا كراء له إذا عطش الزرع، وفي تينك في كل وقت يمضي فقد وجب له كراؤه وتم نفعه، فإذا لم يكن للنقد فيها سنة وجب له كراء ما مضى.
ومن اكتريت منه أرضه الغرقة بكذا إذا انكشف عنها الماء،

وإلا فلا كراء بينكما جاز إن لم ينتقد، ولا يجوز كراؤها بالنقد إلا أن يوقن بانكشاف الماء عنها.
فصل [-2 - فيمن اكترى أرضاً أو داراً كراء فاسداً فقبضها أو لم يقبضها] ومن اكترى أرضاً أو داراً كراء فاسداً فقبض ذلك، فلم يسكن ولم يزرع حتى انقضت المدة فعليه كراء المثل - يريد على أنها مسكونة-.
قال: فإن لم يقبض الأرض، ولا الدار، لم يلزمه الكراء، وكذلك الدابة، وكل كراء فاسد ففيه إن سكن كراء المثل، كان أقل من المسمى أو أكثر.
م/: كالقيمة في فوات السلعة في البيع الفاسد، وقد تقدم هذا.
قال بعض فقهاء القرويين: ولأنه لما أسلم إليه ما يقبض منه المنافع صار كالقابض لها؛ ولأنه قد منع ربها من الانتفاع بها، وهذا هو الأكبر المقدور عليه في التسليم، فهو بخلاف بقاء السلعة بيد ربها في البيع الفاسد، وقد نقد ثمنها، ومكن من قبضها عند ابن القاسم، وإن كان أشهب قد ضمنه بالتمكين وإن لم يقبض، وقد يخالف بين الدور والأرضين، وبين الدابة والثوب إذا لم يلبس ولم يركب؛ لأن المنافع في ذلك قد بقيت لربها بترك اللباس والركوب فيحط عنه من كراء المثل قدر ما كان ينقصه اللباس والركوب كمن حبسه بعد مدة الكراء.

م/: والصواب أن له كراء المثل؛ لأنه قبض ومكن من الانتفاع، فليس تركه ذلك يسقط ما وجب لربها.
[مسألة: في لزوم الكراء للمكتري وإن مات أو حبس أو لم يجد بذراً] قال ابن القاسم: ولا ينتقض الكراء بموت المتكاريين أو أحدهما، وكذلك من اكترى داراً أو أرضاً فلم يجد بذراً، أو سجنه السلطان باقي المدة، فإن الكراء يلزمه، ولا يعذر بهذا، ولكن يكريها إذا لم يقدر هو أن يزرعها أو يسكن الدار.
وبالله التوفيق.

[الباب السادس عشر]

في كراء الأرض بما يخرج منها أو بطعام

[الفصل -1 - في كراء الأرض بما يخرج منها] روى مالك أن النبي -صلى الله عليه وسلم- نهى عن المزابنة والمحاقلة.
والمزابنة: اشتراء الثمر بالثمر، والمحاقلة: اشتراء الزرع بالحنطة، واكتراء الأرض بالحنطة.
قال ابن حبيب: أو بغيرها من الطعام مما تنبته أو لا تنبته.
قال ابن القاسم: ومن المحاقلة اكتراؤها بشيء مما تنبته كمن اكتراها بكتان فزرع فيها كتاناً.
وفي حديث آخر أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن كراء الأرض ببعض ما يخرج منها، وهي المخابرة التي نهى عنها في حديث آخر.
قال ابن عبدوس: وهو مذهب مالك وأصحابه أجمع.
وهذا لحديث رافع أن النبي -صلى الله عليه وسلم- نهى عن كراء الأرض بما

يخرج منها.
قيل لرافع: فالذهب والورق.
قال: لا بأس بذلك.
وهو ناقل الحديث.
وذهب بعض العلماء إلى كراهية كرائها بشيء من الأشياء منهم: مكحول وعطاء ومجاهد، واحتجوا بحديث رافع أن النبي - صلى الله عليه وسلم- «نهى عن كراء الأرض مجملاً».
وقد بين رافع وجه ما نهى عنه صلى الله عليه وسلم على ما ذكرنا.
وقد اختلف قول الليث، فأجاز مرة أن تكرى بمكيل من طعام معلوم، ومنع منه

بالجزء مما يخرج منها، ومرة أجاز بالجزء مما تنبت منها، ومنع بالمكيل.
وإنما خاف مالك أن تكرى بما يخرج منها لو زرع فيها؛ لنهى النبي -صلى الله عليه وسلم- عن كرائها بالجزء مما يخرج منها، وبالأوسق من الثمر والشعير في حديث رافع؛ ولأنه يكريها بشيء فتخرج هي أكثر منه.
قيل لسحنون: إن من أجاز كراءها بالجزء مما يخرج منها إنما يشبه بالقراض.
قال: هذا غلط؛ لأن القراض فيما لا يجوز أن يكري وهو العين، والأرض مما تكري، فلم يجز الكراء في العين، وجاز في الأرض فافترقا.
[الفصل -2 - في كراء الأرض بطعام تنبت مثله أو لا تنبت] ومن المدونة قال مالك: ولا يجوز كراء الأرض بشيء مما ينبت قل أو كثر، ولا بطعام تنبت مثله أو لا تنبت، ولا بما تنبته من غير الطعام من قطن وكتان أو اصطبه؛ إذ قد يزرع فيها ذلك فتصير محاقلة، ولا بقضب، أو قرظ أو تبن أو علف، ولا بلبن محلوب، أو في ضروعه، ولا بجبن، أو عسل، أو سمن، أو تمر، أو صبر، أو ملح، ولا بسائر الأشربة والأنبذة.

وإذا خيف في اكترائها ببعض ما تنبت من الطعام أن يدخله طعام بمثله إلى أجل خيف في كرائها بطعام لا تنبته أن يكون طعاماً بطعام خلافه إلى أجل.
ولا تكري بفلفل، ولا بزيت زريعة الكتان، ولا بزيت الجلجلان، ولا بالسمك، ولا بطير الماء الذي هو للسكين، ولا بشاه لحم؛ لأن هذا من الطعام، ولا بزعفران؛ لأنه مما تنبته، ولا بطيب يشبه الزعفران ولا بعصفر.
[مسألة: كراء الأرض بالعود والصندل والحطب والخشب والجذوع] ولا بأس بكرائها بالعود الهندي، والصندل، والحطب، والخشب، والجذوع.
قال ابن سحنون في كتابه: قلت لسحنون: لم أجازوا كراء الأرض بالعود، والصندل، والحطب، والخشب، والجذوع، وهذه الأشياء كلها مما تنبت الأرض؟ فقال: هذه الأشياء مما يطول مكثها ووقتها، فمن أجل ذلك سهل فيها.
[فصل -3 - كراء الأرض بالشجر والكلأ والطعام وببعض ما يخرج منها] قال غيره: ويجوز كراؤها شهرين بشيء لا يمكن أن تنتبه إلا في سنة، وهو غير طعام، كجواز كرائها بالشجر.
وأجاز في كتاب محمد كراءها بالخضر.

قال أبو محمد: لأنه لا يزرع.
وأجاز ابن نافع أن تكري بالتمر والتين والزيت والسمن وسائر الطعام إلا الحنطة.
وقال عنه ابن حبيب: ولا بأس أن تكتري بشيء يؤكل، أو لا يؤكل، يخرج منها، أو لا يخرج منها، عدا الحنطة وأخواتها، إذا كان ما تكرى به خلاف ما يزرع فيها.
قال: وقال ابن كنانة: لا تكري بشيء إذا أعيد فيها نبت، ولا بأس بغير ذلك من كل شيء من طعام وغيره.
قال ابن مزين: وبه قال يحيى بن يحيى، وقال: إنه من قول مالك.
قال ابن مزين: وبه أقول.

قال عيسى بن دينار: فمن أكراها على أحد هذه الثلاثة الأقاويل أجزت كراءه، ولم أفسخه.
وأما مذهب الليث فكره أن يكريه بشيء مما يكون مضموناً على المكتري، فأما بالثلث والربع مما تنبت فجائز عنده.
وقال عيسى: وهذا إن وقع فسخته، وإن فات أوجبت عليه كراء مثلها بالدراهم.
وروى عنه ضد هذا، والأول أثبت عنده، وهو قول ابن سيرين والنخعي.
وشدد سحنون في كرائها بالجزء مما يخرج منها، وقال: من فعله فهو جرحه فيه.
قال أبو محمد: يريد: إذا كان عالماً أنه لا يجوز، إما لأنه مذهبه، أو اتبع فيه قول غيره ممن قلده من العلماء.
قال سحنون: ولا يؤكل طعامه ولا يشتري منه من ذلك الذي أخذ في كرائها، فإذا نزل فإنما لربها كراؤها بالدراهم.

قال أبو محمد: وذكر غير واحد من شيوخنا أن عيسى بن مسكين وغيره من قضاة أصحابنا بأفريقية حكموا بأن ينظر إلى ما وقع له من ذلك الجزء من ثلث أو ربع، فيعطي قيمة ذلك الجزء دراهم.
قالوا: لأنه لا يعرف لها بالمغرب قيمة كراء بالعين؛ فذلك يعطي قيمة ذلك الجزء الذي تجري به أكريتهم ثمناً، أصاب قليلاً أو كثيراً، ولم يعتبروا كراءها يوم العقد؛ لأنه لا كراء على المكتري في الأرض إذا لم يصب فيها شيئاً.
قال ابن حبيب: وقول مالك، وابن القاسم، وأشهب، وابن وهب، وأصبغ، وابن عبد الحكم، ومطرف، وابن الماجشون: لا تكري بجزء مما يخرج منها، ولا بشيء من الطعام أو الشراب كان مما يخرج منها أو لا يخرج منها.
ومن كتاب ابن المواز: ولا بأس أن تكري بالخضر، يريد بالكلأ؛ لأنه ليس مما يزرع ولا من الطعام، ولا بأس بكرائها بالماء.
ومن المدونة قال ابن القاسم: ويجوز كراؤها بالعين، وروي عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، وقاله عدد من الصحابة والتابعين.
ويجوز أن تكري أرضك بشجر بأصولها تأخذها من المكتري إن لم يكن فيها يومئذ ثمره - يريد إذا كانت أرضك مأمونة-.

قال ابن القاسم: وإن كان في الشجر ثمر لم يجز - يريد ثمراً لم يؤبر، ولو أبر لجاز؛ لأنها تبقى لربها-.
قال ابن القاسم: ولأن مالكاً كره شراء شجر فيها ثمر بطعام عاجل أو آجل.
قال: لا بأس ببيع نخل بثمر إلى أجل بثمر النخل إليه، كشاه لا لبن فيها بلبن إلى أجل.
ولا يباع كتان بثوب كتان إلى أجل؛ لأنه يخرج منه إلا أن يكون أجلاً قريباً لا يعمل في مثله من الكتان ثوب فلا بأس به، كالقصيل يسلم فيه شعيراً، وأما القصيل بالشعير إلى أجل قريب فلا بأس به؛ لأن القصيل إنما يباع على الجز فلذلك جاز أن يسلم في الشعير؛ لأنه لا يخرج منه بعد الجز شعير.
قال ابن القاسم: ولا بأس بكراء أرض بأرض، أو دار بدار، ويجوز أن تكتري من رجل أرضه تزرعها أنت العام بأرضك عام قابل ليزرعها هو إذا كانت أرضك مأمونة يجوز النقد فيها؛ لأن أرضه كعرض انتقدته في أرضك.
قال يحيى بن عمر: ولا تبالي كانت أرض صاحبك مأمونة أم لا.

[الباب السابع عشر]

ما يحل ويحرم من كراء الأرض

[الفصل -1 - في اكتراء وشراء الشيء الذي يقبض بعد أجل مسمى والصرف في ثمن الكراء] قال ابن القاسم: ومن اكترى أرضاً يقبضها قابلاً بألف درهم إلى عشر سنين جاز ذلك.
وكذلك شراء الشيء الغائب بثمن إلى أجل أبعد من مسافته جائز أيضاً، وليس ذلك ديناً بدين؛ لأنه معين.
ومن أكرى أرضه بدنانير معلومة على أن يأخذ منها لكل دينار عشرين درهماً جاز، وكذلك بدراهم معلومة على أن يأخذ لكل عشرين درهماً ديناراً، والتعاقد واقع على المقبوض، واللفظ لغو، ولو ثبت الكراء بدراهم مؤجلة لم يجز أن يأخذ بها دنانير معجلة، أو مؤجلة، حتى يحل فيأخذ بها دنانير نقداً.
[مسألة: في الكراء يكون دنانير أو دراهم فإذا حل أجلهما أخذ عوضاً عنهما طعاماً أو ثياباً مؤجلة إلى ثلاثة أيام] ومن أكرى أرضه بدنانير مؤجلة فحلت فلا يأخذ بها طعاماً ولا إداماً، وليأخذ مد يجوز أن يبتدئ به كراءها.
وإن اكتراها بدراهم إلى أجل فلما حل الأجل فسخها في ثياب بعينها على أن يقبضها إلى ثلاثة أيام لم يجز، إلا أن يقبض الثياب قبل أن يفترقا؛ لأنه من وجه الدين بالدين.

[مسألة: فيمن اكترى أرضاً بدراهم وخمر في صفقة واحدة] ومن اكترى أرضاً بدراهم وخمر في صفقة واحدة فسد جميعها، ولم تجز حصة الدراهم، وإن رضي المكتري بترك الخمر لم يجز، وليس كالبيع والسلف الذي يجوز أن يسقط شرط السلف فيتم البيع.
م/: والفرق: أن الخمر ثمن شرط تملكه بالدراهم التي معه، والدنانير السلف إنما شرط النفع بها، ثم ترجع إلى ربها، فإذا تركت سقط النفع المنهي عنه، وقد قيل في البيع والسلف: إنه يفسخ على كل حال، كالبيع بدراهم وخمر؛ لأن النفع المشترط حرام كالخمر، وهذا أقيس.
[مسألة: في الكراء يكون صوفاً على ظهور الغنم يجز بعد أيام قليلة] قال ابن القاسم: ولا بأس بكراء الأرض بصوف على ظهور الغنم إن شرع في الجز مكانه، أو إلى ما قرب من خمسة أيام أو عشرة.
[مسألة: في كراء الأرض بالخيار لكلا المتكاربين أو لأحدهما] ويجوز كراء الأرض بالخيار لكما أو لأحدكما، وإن لم يؤجلاه جاز، وأجله الإمام إلا أن يكون قد مضى مقداره فيوقف الآن من له الخيار، فإن كانا بالخيار جميعاً فاختلفا في الأخذ والرد فالقول قول من أراد الرد.
ومن اكترى داراً بقفيز من حنطة، أو بقفيز من شعير، أيهما شاء المكتري، أو المكري، وذلك كله معين أو مضمون قد لزمهما، أو لزم أحدهما لم يجز ذلك كله، وهو من بيعتين في بيعة، فأما على غير الإلزام لأحدهما، ومن شاء رد فذلك جائز، وإن أعطيت لرجل أرضك يزرع لك فيها حنطة من عنده بطائفة من أرضك يزرعها لنفسه لم يجز؛ لأنك أكريته الأرض بما تنبت.

وإن دفعت إليه أرضاً لك يزرعها بحبك على أن له طائفة أخرى من أرضك غير مزروعة جاز ذلك.
وإن قلت له: اغرس لي أرضي هذه نخلاً أو شجراً بطائفة أخرى من أرضي جاز، وهو كراء الأرض بالخشب.

[الباب الثامن عشر]

باب جامع في المزارعة والمغارسة

[الفصل -1 - فيمن أكرى أرضه من رجل يزرعها على أن ما أنبتت بينهما] قال مالك رحمه الله: ومن أكرى أرضه من رجل يزرعها قصباً، أو قصيلاً، أو قمحاً، أو شعيراً، أو قطنية على أن ما أنبتت بينهما، أو هو مع الأرض بينهما لم يجز.
قال بعض فقهاء القرويين: ويجب إذا عمل أو زرع أن يكون الزرع له، وعليه كراء مثل الأرض؛ لأن العمل والزرع من عنده، فأشبه الشركة الفاسدة إذا أخرج أحدهما الأرض والآخر البذر والعمل، ولا يبعد أن يقال: إن نصف الزرع قد أفاته العامل في نصف الأرض لرب الأرض بإذنه، فعلى رب الأرض نصف البذر وإجارة العامل فيه، ويترقب بنصف العامل الذي زرعه لنفسه، فإن تم أدى الكراء، وإن بطل بطل عنه كراء ما زرع لنفسه، وأما إجارته في نصف رب الأرض فثابتة، تم الزرع أو لم يتم، وأما قوله على أن الأرض بيني وبينك نصفين فيجب على أحد التأويلين أن تكون نصف الزريعة قد زرعها لرب الأرض، فيكون عليه مثلها؛ لأن أرضه قابضة لها، وللعامل إجارته في النصف الذي لرب الأرض في حرثه وقيامه به، ويستأني بالنصف الذي زرعه العامل لنفسه، فإن تم كان عليه كراء المثل، إذا كان قد حكم بالفسخ في إبان الزراعة، فإن لم يتم الزرع فلا كراء له، وإن لم يحكم بالفسخ حتى تم الزرع فلا كراء عليه في النصف الذي اشترى، ولا يفيته الزرع ويرده، ويمكن أن ما زرعه لرب الأرض لا يفوت أيضاً ويكون لزارعه؛ لأنه كأنه لم يدفعه إلا بعد تمامه فهو لزارعه، وعليه نصف كراء الأرض لرب

الأرض.
قال: فإن قال له: اغرسها لي شجراً أو نخلاً فإذا بلغت النخل كذا وكذا سعفة، والشجر كذا فالنخل والشجر بيننا نصفين، فذلك جائز.
قال ابن القاسم: وإن قال: فالأصول بيننا فقط، فإن كان مع مواضعها من الأرض جاز، وإن لم يشترط ذلك، وشرط له ترك الأصول في أرضه حتى تبلى لم يجز.
[الفصل -2 - في وجه العمل في المغارسة عند العلماء] قال ابن حبيب وعيسى بن دينار عن ابن القاسم: ووجه العمل في المغارسة عند العلماء: أن يعطيه أرضه يغرسها صنفاً من الشجر أو أصنافاً يسميها له، فإذا بلغت شباباً سمياه، أو قدراً حداه يشبه الشرط في انبساطها وارتفاعها كانت الأرض والشجر بينهما على النصف، أو الثلث، أو الثلثين، أو جزءاً مسمى، ولا يجوز أن يسميا شباباً أو قدراً يثمر الشجر قبله؛ لأن العامل تكون له تلك الثمرة إلى أن يبلغ الشجر الشباب الذي سمياه، ثم يكون له نصف الشجر بأرضه، فكأنه أجر نفسه بثمر لم يبد صلاحه، وبنصف الأرض وما ينبت فيها فلذلك لم يجز.
قالا: ولا بأس أن يجعلا ذلك إلى إثمار الشجر، وهو وقت معروف، وهو أحب إلينا.

قال ابن حبيب: وإذا تغارسا، ولم يسميا حدا، ولا شباباً معلوماً، فذلك جائز، ويكون إلى الإثمار والشباب التام.
وروى حسين بن عاصم عن ابن القاسم في العتبية أن هذا فاسد حتى يسميا شباباً معروفاً، أو إلى الإثمار، ولو سميا عدة سنين يعمل العامل إليها ويغرسها ثم يكون بينهما، فذلك جائز إذا كانت الأرض مأموناً نباتها، ولا يثمر الشجر قبلها.
وإن غارسه على أن له في كل نخلة نبتت حقاً مسمى، ولا شيء له فيما لم ينبت، وعلى أنه إن شاء عمل وإن شاء ترك، فذلك جائز إذا اشترط شيئاً معروفاً.
قال ابن القاسم: ولو قال لرجل: استأجرك على أن تغرس لي في هذه الأرض كذا وكذا نخلة، فإن نبتت فهي بيني وبينك، فهو جعل وليس بإجارة، ولو شاء أن يترك ترك، ولو لم يكن جعلا ما جاز؛ لأنه لا يدري أيتم أم لا.
قال ابن حبيب: قال مالك: ولا تجوز المغارسة إلى أجل؛ لأنها من معنى الجعل.
قال لي مطرف: إنما يجوز الأجل في هذا أن يقول له: اغرسها لي شجر كذا، فإذا بلغت الإثمار، أو شباب كذا، فلك النصف ولي النصف على أن تقوم بنصفي كذا وكذا سنة فذلك جائز، وكأنه آجره على أن يغرس له نصف الأرض، أو يأتي هو بالغرس من عنده، ويقوم له به كذا وكذا سنة على أن أعطاه في إجارته نصف الأرض، فإن بطل الغرس بعد أن غرسه، قيل لرب الأرض: اعطه غرساً مثله يغرسه لك، ويقوم لك به إلى أجلك.
قلت: فهذه المغارسة بعينها إلى أجل.

ومالك إنما ينظر إلى العمل، ولا ينفع عنده حسن اللفظ إذا قبح العمل، فقال: هذا لا يعتدل في كل شيء.
ألا ترى أن لو قال لرجل: أؤاجرك سنة تقوم بجنابي هذا بنصف ثمرته لم يجز، ولو قال: أساقيك إياه سنة بنصف ثمرته جاز، فهل فسرق بينهما غير اللفظ؟ فكذلك ما فسرت لك.
م/ وقال أصبغ: الأصل أن لا فرق بين أساقيك بنصف الثمرة، أو أؤاجرك، ولا يضر قبح اللفظ إذا حسن العمل.
ولم يفرق ابن القاسم بينهما، وهو أصوب.
وقال حسين بن عاصم عن ابن القاسم: إذا غارسه على أنه إذا تمت المغارسة، وأخذ نصفه قام بنصف رب الأرض سنين معلومة، فإن كان عمل هذا النصف معلوماً ومضموناً على العامل مات أو عاش، فذلك جائز، وإن شرط عمل يده بعينه فلا خير فيه؛ لأنه خطر لا يدري أيعيش العامل إلى ذلك الأجل أم لا.
وقال سحنون: هذا خطأ، ولا يجوز على كل حال؛ لأنه يكون جعلاً وبيعاً.
[الفصل -3 - فيما إذا غارسه إلى حد الإثمار فأثمر بعضها وبقي البعض] قال ابن القاسم: وإن غارسه إلى حد الإثمار فأثمر بعضها وبقي البعض، فإن كان الذي أثمر منها الجل، وبقي الشيء التافه اليسير، فذلك تبع لما أثمر، ويكون العامل على شرطه، ويسقط عنه العمل في ذلك.
وقاله ابن حبيب.
قال ابن حبيب: وإن كان الذي لم يثمر مما له بال وقدر، أو متناصفاً، أو متماثلاً، فإن كان متبايناً سقط عنه السقي والعمل فيما أثمر، ولزمه العمل والسقي فيما لم يثمر،

وإن كان ما أثمر مختلطاً في الشجر لزمه سقي الجميع حتى يتم كله أو جله.
قال: وأما ثمرة ما أثمر فبينهما، قلت أو كثرت، كان متبايناً أو مختلطاً.
فإذا ثبت بعض غرسه، ومات البعض، فما مات بعد بلوغه القدر الذي شرط سقط شرط العامل فيما مات، قل أو كثر، وصار حقه فيما ثبت وبلغ، قل أو كثر، وله أن يعيد غراسة ما مات إن شاء وقوي عليه.
وقال نحوه أصبغ عن أشهب في العتبية.
قال أصبغ: وقاله ابن القاسم فيما أعلم.
وقال حسين بن عاصم عن ابن القاسم في العتبية: إذا مات أقلها وثبت جلها أو أكثرها فالأرض وما فيها بينهما، ولا يضر ما مات منها، وإن كان مات جلها أو أكثرها، فلا شيء له فيما ثبت من اليسير منها.
وقاله سحنون.
قال سحنون: كما يكون للعامل نصف الجميع إذا مات منها الشيء اليسير فيما مات وفيما ثبت، وكذلك لا يكون له قليل ولا كثير إذا كان الذي ثبت هو اليسير، ومات الكثير، لا مما ثبت، ولا مما لم يثبت.
قال ابن المواز: وقال أصبغ: وإن تعدى رجل فقطع الشجر بعد تمامها، فإن طمع فيما قطع أن يرجع، وهو قائم على عمله، ولم يتركه فهو أحق بعمله، والأمر بينهما قائم، وإلا فلا شيء للعامل.

[الباب التاسع عشر]

جامع القول في المغارسة الفاسدة

[الفصل 1 - في المغارسة على النصف إلى أجل غير معلوم أو إلى وقت يكون الإثمار قبله أو إلى أجل مؤقت من عدة سنين] قال ابن حبيب: وإذا تعاقدا على أمر لا يجوز، مثل: أن يشترط شباباً معلوماً على أن يقوم الداخل بنصيب رب الأرض ما عاش، ولم يؤقت أجلاً، أو تغارسا إلى شباب يكون الإثمار قبله، أو إلى أجل موقت من عدة سنين، فهذا كله فاسد، وينفسخ قبل العمل، فإن فات وقد عامله على النصف فذلك بينهما نصفان، وعلى العامل نصف قيمة الأرض يوم قبضها خالية، وله على رب الأرض قيمة عمله وغراسه في نصف رب الأرض، قيمته يوم بلغ وتم، وأجرته فيه من يومئذ إلى يوم الحكم، وإن اغتلا قبل ذلك غلة نصفين مضى ذلك لهما، وإن كان الغارس اغتلها وحده رد نصف ذلك إلى رب الأرض- لأنها وجبت له، وضمن نصيبه من الشجر بقيمته يوم بلغ - قال: ولو بطل الغرس قبل بلوغ الشباب المشترط في هذا الفساد فلا شيء للغارس من الأرض؛ لأن المغارسة الصحيحة أو الفاسدة مجاعلة، فإذا لم تتم فلا شيء للغارس، وإن بطل الغرس بعد بلوغ الإثمار، أو ما شرط من الشباب، فقد وجب للغارس نصف

الأرض بقيمتها يوم قبضها، وله على رب الأرض قيمة غرسه يوم بلغ، ويكون ذهاب الغرس منهما.
قاله كله مطرف، وقاله أصبغ، ورواه عن ابن القاسم على أنه اختلف فيه قوله، وهذا أحسن.
م/: وكذلك استحسن عيسى عن ابن القاسم مثل قول ابن حبيب هذا.
وقد كان روى عنه مثل رواية ابن عاصم التي تأتي بعد هذا، ثم رجع ابن القاسم، وثبت على مثل رواية ابن حبيب، وكتب به إلى عيسى.
والذي روى عيسى وحسين بن عاصم عن ابن القاسم في العتبية: إذا وقعت المغارسة فاسدة، مثل: أن يغارسه على النصف، ولم يسميا شباباً: ولا قدراً ينتهيان إليه، أو إلى أجل يكون الإثمار قبله ففسخ ذلك بينهما، وقد ثبت الغرس.
قال: فالغرس بينهما نصفان، ويكون على العامل قيمة نصف الأرض براحاً؛ لتوقيته إياها بالغرس؛ لأنه ابتاع نصف الأرض بعمله إلى مالا أمد له، وذلك غرر، فصار بمنزلة من اشترى أرضاً بغرر ففوتها بالغرس.
[الفصل 2 - في الشجر يثمر في مغارسة فاسدة وقد اغتله المتغارسان زماناً] قال: وإذا أثمرت الشجر واغتلاها زماناً فما اغتل العامل في نصفه الذي ألزمناه قيمته فهو له؛ لأنه لا كراء عليه فيه، والنصف الآخر كان ربه أكراه بثمر لم يبد صلاحه فيرد تلك الثمرة التي قبض إلى ربها، إن قبضها ثمراً رد مكيلتها، وإن قبضها

رطباً رد قيمتها، ويأخذ من العامل كراء نصف الأرض خالية من الغرس يوم اغتلها.
ويصير جميع الغلة للعامل، ثم يكون رب الأرض مخيراً في نصف الغرس الذي في حصته من الأرض، إن شاء أخذه بقيمته مقلوعاً أو أمر الغارس بقلعه.
قال سحنون: بل تكون جميع الغلة لرب الأرض، وإن أخذ العامل منها شيئاً رده، وله على رب الأرض قيمة غرسه إن كان له قيمة، وأجر عمله.
ولو جعلت له الثمرة لكان بيع الثمر قبل بدو صلاحه.
وروى مثله عيسى عن ابن القاسم.
م/: واختصار ذلك ثلاثة أقوال: [1] أن الغلة بينهما، وعلى الغارس نصف قيمة الأرض يوم قبضها براحاً، وله قيمة غرسه وعمله يوم بلغ في نصف رب الأرض، وإجارة عمله من يوم اغتله في نصف رب الأرض.
[2] وقيل: بل تكون الغلة كلها للعامل، وعليه قيمة نصف الأرض يوم قبضها، وعليه كراء نصف الأرض التي لربها، ثم تخير رب الأرض في نصف الغرس بين أن يعطيه قيمته مقلوعاً، أو يأمره بقلعه.
[3] وقيل: بل الغلة كلها لرب الأرض، وعليه إجارة العامل وقيمة غرسه إن كانت له قيمة، ولا يكون للعامل على هذا القول في الأرض شيء.
قال حسين بن عاصم عن ابن القاسم: ولو اغتلاها زماناً، ثم بطل الغرس حتى ذهب، ورجعت الأرض براحاً فإنه أيضاً تكون نصف الأرض للعامل بقيمتها يوم أخذها براحاً؛ لأنه ساعة فوتها بالغرس وجبت عليه قيمتها وضمنها، فلا يسقط عنه الضمان رجوعها إلى حالتها الأولى، ويكون أيضاً للعامل الغلة كلها، وعليه كراء نصف الأرض من يوم اغتلها، فإن مات الغرس قبل أن يبلغ ذلك الشباب فليس للغارس في غرسه

أجر، كحافر البئر تهدم قبل فراغه أنه لا شيء له، وإن انهدمت بعد فراغه منها فهو من المستأجر، وعليه للحافر أجره كاملاً.
وقال سحنون: إذا هلك الغرس بعد الغلة فجميع الغلة لصاحب الأرض، ويعطي للعامل أجر مثله بعد أن يرد جميع ما أخذ.
فصل [3 - في المتغارسين يشترطان أن الثمرة بينهما فقط ما بقي الأصل] قال عيسى عن ابن القاسم: فأما إن لم يشترطا أن الأرض بينهما، ولكن شرطا أن الثمرة فقط بينهما ما بقي الأصل، فهذا فاسد، وتكون جميع الغلة للعامل، ويرد رب الأرض جميع ما أخذ منها إن كان ثمراً فالمكيلة، وإن كان رطباً فالقيمة، ويؤخذ من العامل كراء الأرض من حين أخذها منه، لا من حين أثمرت الشجرة، ولرب الأرض أن يعطيه قيمة الغرس مقلوعاً، أو يأمره بقلعه.
وكذلك روى عنه يحيى بن يحيى، إلا أنه قال: وعلى العامل كراؤها يوم وضع فيها الغرس إلى يوم ينظر في أمر كرائها نقداً بقدر تشاح الناس فيها.
وكذلك روى عنه حسين بن عاصم في شرطه أن الثمرة بينهما والأصول دون الأرض بينهما، إلا أنه قال: وعلى العامل كراء الأرض يوم اغتلها.
وقال سحنون في هذا: الغلة كلها لرب الأرض، ويكون للعامل أجر مثله.
قال: لأن مالكاً قال إذا تعامل المتزارعان على ما لا يحل كان الزرع لصاحب

الحب إذا تولى عمله، ولم يكن لصاحب الأرض إلا كراء أرضه، والشجر للذي غرسها وقام بها، كما أن الزرع للذي زرعه وتولى عمله.
م/: ويجب على ما علل أن تكون الغلة للعامل؛ لأنها ثمرة شجره، كما أن له ثمرة زرعه، ويكون لرب الأرض كراء أرضه.
قال ابن عاصم: وقلت لابن القاسم: لم جعلت للعامل قيمة الشجر مقلوعاً وهو إنما غرسها بوجه شبهة؟.
قال: لأن رب الأرض أكرى أرضه بثمر يخرج منها، وإلى أمد مجهول، فذلك فاسد من وجهين، فلابد أن ترد الأرض إلى ربها على حال ما أخرجت من يده براحاً، وإن لم يفعل ذلك، وجعلت عليه قيمة الشجر قائماً أدخلت عليه ما يحجبه عن أرضه؛ لأنك إن ألزمته القيمة فلم يقدر عليها صرت إلى أن بعت عليه شيئاً من أرضه للعامل في أجرته، وهو إنما أكراها منه بثمر إلى مالا أمد له، فهو بخلاف الذي غرسه على أن له نصف الأرض؛ لأنه إنما عامله على أن يغرس له نصف الأرض بالنصف الذي أعطاه، فإذا أفاتها بالغرس، وفساد المعاملة كانت له بقيمتها.
قال حسين: قلت لابن القاسم: فإن ذهب الغرس، ورجعت الأرض إلى حالها الأول، والمسألة بحالها؟.
فقال: تكون الثمرة كلها للعامل، ويكون عليه كراء الأرض من يوم اغتلها، ولا يكون له على رب الأرض فيما هلك من الغرس قيمة؛ لأنه إنما كان يعطيه قيمتها مقلوعاً، أو يأمره بقلعه، وقد ذهب وبطل؛ ولأنه إنما كان الغرس له، ولا لرب الأرض.
وفي المسألة الأولى التي غارسه فيها على أن له النصف في الأرض مع الشجر، إنما كان نصف الغرس الذي بطل بعد أن يبلغ الشباب، أو القدر لرب الأرض، لا للغارس، فلذلك أوجبت للغارس قيمة عمله فيه على رب الأرض، فهذا بيانه.

وقال سحنون: الثمرة كلها لصاحب الأرض، ويعطي العامل أجر مثله في عمله.
وقال ابن حبيب: إذا تعاملا على أن الثمرة فقط بينهما ما قامت الشجر، فإذا هلكت فلا شيء للعامل في الأرض، أو على أن الشجر دون الأرض بينهما لم يجز، وفسخ ذلك متى عثرت عليه، وردت الأرض بالشجر والغلة إلى رب الأرض، وعليه للعامل الأقل من قيمة عمله ثابتاً يوم فرغ منه وتم، أو نفقته التي أنفق، وثمن الغرس الذي غرس، وله مع ذلك أجرة يده في قيامه بالشجر إذا رجعت الغلة إلى رب الأرض، وإذا أبطلت الشجر بعد تمامها وبلوغها قبل أن ينظر فيها، فقال مطرف وابن الماجشون: ليس للعامل فيها قيمة عمل، ولا يرد ما أنفق؛ لأنه لم يخرج من يده شيئاً فيعوض منه، وإنما غرس على أن يكون ثمن غرسه في ثمره ذلك الغرس بعينه، وإن كان غرراً فلا شيء له إذا ذهبا، ولو كان محمله محمل الإجارة على شيء بغرر من غير لأعطى قيمة عمله، ذهب أو بقي، ويرد ما أخذ من الغرر إن أخذ منه شيئاً، وتمضي الغلة لمن اغتلها قبل ذهاب الشجر، اغتلاها جميعاً أو الغارس وحده، ولا ينظر بينهما في شيء إذا ذهب الغرس الذي تعاملا عليه وفات موضع تصحيحه بالقيمة، كما نظر في الذي فوت هذا.
قال أصبغ: إذا ذهب قبل الحكم بتصحيحه، وقد كان تم، وفرغ، أعطى العامل قيمة عمله يوم تم قائماً غير ذاهب كشرائه بثمن فاسد ثم فات، وفواته الفراغ منه، فلربه القيمة يومئذ، والغلة كلها لرب الأرض.
قال ابن حبيب: وبالأول أقول، وإنما تكون حجة أصبغ في المسألة الأولى؛ لأنه أعطاه فيها نصف الأرض ثمناً لغراسته النصف الآخر، فإذا غرس وجب له ما أعطى،

وصار ما فرغ لرب الأرض، صحيحة كانت معاملتهما أو فاسدة، فإذا لم يعطه شيئاً على أغراسه من الأرض فلا شيء للغارس في غراسته إذا ذهب قبل الحكم.
فصل [4 - فيما إذا غارسه على النصف ثم اختلفا بعد ذلك في تبعية الأرض والشجر للثمرة] قال حسين بن عاصم عن ابن القاسم: إذا غارسه على النصف، ولم يذكر الأرض والشجر، فقال العامل: عاملتك على أن نصف الأرض بغرسها لي.
وقال رب الأرض: بل على أن الثمرة بيننا وحدها، أو على أن الشجر وحده بيننا.
قال: إن كان للبلد سنة حملوا عليها على قول من ادعاها، يريد: بما يجوز أو لا يجوز، ويقضي فيما لا يجوز بما ينبغي مما تقدم.
قال: وإن كان أهل البلد يعملون على الوجهين فليصدق مدعي الحلال، وهو العامل.
وقال عنه أبو زيد: إن كان الغالب في عمل أهل البلد بما ادعى مدعي الحرام فهو على ما قال، فإن لم يثمر كلف العامل القلع إلا أن يعطيه رب الأرض قيمة الشجر مقلوعاً، ولا شيء له في عمله، وإن أثمرت فالثمرة للعامل، وعليه كراء الأرض من يوم أثمرت النخل، فإن كان عمل أهل البلد على الحلال سلكا بهما مسلكه، وإن كانوا يعملون بالأمرين تحالفا وفسخ الأمر بينهما.

فصل [5 - إذا غارسه على أن يحصن الأرض ويغرس فيها شجراً ثم إذا بلغ حداً معيناً كانت الأرض والشجر والتحصين بينهما] ومن العتبية قال أصبغ: وإذا غارسه على أن يضرب حولها جداراً، أو يزرب زرباً، أو يحفر سياجاً، وعلى أن يغرسها شجراً، فإذا بلغت حداً ذكراه، كانت الأرض، والشجر، والزرب، والجدار بينهما، وكان ذلك مما يخاف أن لا يتم إلا بهذا التحين لكثرة المواشي ومرور الناس، أو لا يخاف.
فإن كانت مأمونة أو مؤنة ذلك يسيرة فهو جائز، وإن كانت كثيرة لم يجز، وهذا مثل ما يستخف شرطه في المساقاة، وما لا يستخف بشرطه.
فصل [6 - فيمن غارس رجلاً على النصف فعجز العامل أو غاب، ثم عاد بعد أن دخل آخر مكانه] وقال أصبغ فيمن أعطى أرضه مغارسة على النصف يغرس بعضها أو جلها، فلم يتم العمل الذي شرطا حتى عجز العامل أو غاب، فأدخل رب الأرض في الغرس من قام به، ثم عمل ما بقي منه، أو عمله رب الأرض بنفسه، ثم قدم العامل فقام في ذلك، قال: يكون على حقه إذا قدم.
وكذلك إذا كان حاضراً لم يسلم، ولم ير أنه ترك ذلك رضا بالخروج منه فهو على حقه، ويعطي الذي عمل وأتمه قدر ما تكلفه بغير شرط مما لو وليه هو لزمه مثله، وبالله التوفيق.

[الباب العشرون]

جامع مسائل من أكرية الأرضين، واكتراء الأرض الغائبة، وبيع المراعي، وكراء الزوج والوصيّ.

[الفصل -1 - فيمن اكترى جزءاً شائعاً من أرض] قال ابن القاسم: ومن اكترى ربع أرض، أو جزءاً شائعاً قل أو كثر جاز ذلك، كالشراء.
ومن اكترى من رجل مئة ذراع من أرضه التي بموضع كذا جاز ذلك إذا كانت متساوية، ولا يجوز في المختلفة حتى يسمي الأرض من أي موضع منها، وقال غيره: لا يجوز وإن استوت حتى يسمي الموضع.
م/: إنما لم يجزه ابن القاسم في المختلفة؛ لأنه لما ذكر عدد أذرع الأرض فهم عنه إنما اشترط أن يأخذ مئة ذراع من ناحية منها، فكذلك شرط التساوي.
وأما لو قال: إن تكسير أرضك ألف ذراع، فأكترى منها مئة لجاز، ويكون شريكاً فيها بالعشر، وإنما لم يجز ذلك غيره، وإن استوت؛ لأن الأرض لا تكاد تتساوى جملة.
قال ابن أبي زمنين: إنما لم يجزه غيره؛ لأن من قول أصحاب مالك: أن من باع من رجل ثوباً من ثوبين، صفتهما وقيمتهما واحدة، على أن يضرب بينهما بالقرعة، فأينما خرج أخذه المشتري أن ذلك لا يجوز؛ لأن المبايعة في هذا ليست كالقسمة، وينبغي أن

يكون الكراء كالبيع.
فيكون حينئذ المتكاريان كأنهما تخاطرا؛ لأنهما إن تشاحا، ولم يتفقا، ودعوا إلى القسمة بالقرعة والتعديل لم يكن ذلك لهما، وهذا رأيته لبعض العلماء، وهو كلام صحيح المعنى إن شاء الله تعالى.
م/: ويلزم على هذا أنه لا يجوز أن يكتري ربع أرض أو جزءاً شائعاً منها؛ لأن الأمر يؤديه إلى أنه اكترى ما يخرجه السهم.
وكراء الجزء جائز باتفاق عندنا، ولا ينظر إلى ما يؤول إليه الأمر من القسمة؛ لجواز بقائه على الإشاعة، إما لانتفاع أو كراء، فتوقع أمر القسمة أمر يكون أو لا يكون، فهو كاستحقاق في البيع، فوجب ألا يعتبر به.
وإنما العلة عند الغير أن الأرض لا تكاد تتساوى، والله أعلم.
[الفصل -2 - فيمن اكترى أرضاً على أن يقلبها ثلاث مرات ويزرعها في الرابعة أو على أن يزبلها] ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن اكترى أرضاً على أن يكربها ثلاث مرات، ويزرعها في الكراب الرابع جاز ذلك، وكذلك على أن يزبلها إن كان الذي يزبلها به شيئاً معروفاً.
م/: يريد: إذا كانت مأمونة، وإن شرط على أن يحرثها له ربها جاز.

م/: يريد: إذا كانت الأرض مأمونة؛ لأن زيادة الحرثات والتزبيل منفعة تبقى في الأرض إن لم يتم زرعها، فيصير كنقد اشترطه في غير المأمونة.
فإن نزل ذلك في غير المأمونة وزرع فلم يتم زرعه نظر إلى غالب عادة الناس في حرثهم لو لم يكن شرط، وهو عندنا حرثه، فينظر: كم يزيد كراؤها على حرثة في السنة الثانية لو حرثت ثلاث حرثات، فترجع عليه بالزائد؛ لأنه كنقد اشترطه فيها ولو تم زرعه فيها لانبغى أن يكون عليه كراء مثلها بشرط أن يحرث ثلاث حرثات؛ لأنه كراء فاسد للغرر الذي دخلا فيه.
ولو قيل: إنه لو حرثها حرثة فلم يتم زرعه أن ذلك يزيد في كرائها في السنة المقبلة لوجب أن يرجع عليه به إذا لم يتم زرعه.
وعلى هذا يجب أن يرجع بزيادة الثلاث حرثات المشترطة عليه، ونحوه لبعض القرويين.
وكذلك إن زبلها إن كان الذي يزبلها به شيئاً معروفاً، وإن شرط على أن يحرثها له ربها جاز ذلك، ولا بأس بالبيع والكراء في صفقة واحدة.
[مسألة: كراء الأرض أو الدار الغائبة] ولا بأس بكراء أرض أو دار غائبة ببلد قريب أو بعيد على صفة أو رؤية متقدمة، وينقده، كالبيع، ولا رد له إن وجدها على الصفة، وإنما يجوز ذلك على الرؤية المتقدمة منذ أمد لا تتغير في مثله.

[مسألة: بيع المراعي] وللرجل بيع مراعي أرضه إذا بلغ خصبها أن يرعى، لا قبل ذلك، فيبيع مرعاها سنة، لا أكثر.
[الفصل -3 - في كراء الزوج والوصي] وليس للرجل أن يكري ربع زوجته إلا بإذنها.
ولا أحب للوصي أن يشتري لنفسه شيئاً من مال يتمية، أو يكري أرضاً لها من نفسه، فإن نزل أعيد ما اشترى إلى السوق، فإن زيد عليه بيع، وإلا لزم الوصي ما سمى.
وكذلك الكراء، إلا أن يكون إبان الكراء قد فات، فيسأل أهل المعرفة عن الكراء، فإن كان فيه فضل، غرمه الوصي، وإلا ودا ما عليه.
قال بعض فقهاء القرويين: إنما يجب أن يعاد إلى السوق قبل أن يحول سوقه يوم اشتراه، فأما إذا حال سوقه نظر، فإن اشترى بقيمته يوم اشترى مضى، وإن كان بأقل غرم الزائد.
قال: انظر لو اشترى ما لا تفيته حوالة الأسواق، مثل المكيل والموزون بقيمته يوم اشتراه إلا أنه اليوم زاد سوقه فالأشبه أن يمضي ذلك، ولا يرد إلى السوق؛ لأن ذلك ضرر بالوصي، وهو لم يضر باليتيم ولا خانه.
وقد قال ابن القاسم: إن الوصي إذا اشترى شيئاً بالقيمة لم يرد.

جارٍ التحميل