[باب]-8 - جامع القول في الشهيد
[فصل -1 -: الشهيد لا يغسل ولا يكفن ولا يحنط ولا يصلى عليه]
قال مالك رحمه الله: والشهيد في المعترك لا يغسل، ولا يكفن، ولا يحنط، ولا يصلى عليه، ويدفن بثيابه، وكذلك قال الرسول صلى الله عليه وسلم: ((زملوهم/ بثيابهم)).
ومن سماع ابن وهب: قيل لمالك: أبلغك أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على حمزة حين استشهد فكبر عليه سبعين تكبيرة؟ قال: ما سمعت ذلك، ولا بلغني أنه صلى على أحد من الشهداء.
قال أصبغ: هي السنة من فعل الرسول صلى الله عليه وسلم.
قال أشهب: وإذا قتل في المعترك وهو جنب فلا يغسل، ولا يصلى عليه.
أصبغ: وقد قتل حنظلة بن عامر الأنصاري يوم أحد وهو جنب فلم يصنع به
شيء فغسلته الملائكة بين السماء والأرض.
[فصل -2 -: لا ينزع عن الشهيد شيء مما هو عليه إلا السلاح.
وهل يزاد شيء في كفنه؟]
ومن المدونة قال ابن القاسم: يصنع بقبورهم ما يصنع بقبور الموتى من الحفر واللحد، ولا ينزع عنه شيء من ثيابه، ولا فرو ولا خف ولا قلنسوة.
قال مطرف: ولا خاتمه، إلا أن يكون نفيس الفص، ولا منطقته، إلا أن يكون لها خطب.
قال ابن القاسم في المدونة: وينزع عنه الدرع والسيف وجميع السلاح.
قال مالك: وما علمت أنه يزاد في كفنه شيء أكثر مما عليه.
قال أشهب في المجموعة: إلا أن يكون فيما لا يواريه، أو سلب ما كان عليه.
قال أصبغ في المستخرجة: وإن كان عليه ثيابه فشاء وليه أن يزيد عليها فذلك واسع.
[فصل -3 -: من جرح في المعركة ثم عاش حياة مستقرة فإنه يغسل ويكفن ويصلى عليه]
ومن المدونة قال مالك: وأما من عاش وأكل وشرب أو عاش حياة بينة فهو كالمجروح يموت بعد أيام فهذا يغسل ويكفن، ويصلى عليه، وليس كحال من به رمق وهو في غمرة الموت.
ابن سحنون: وقال أشهب: الذي لا يغسل من مات في المعركة، فأما من حمل إلى أهله فمات فيهم، أو مات في أيدي الرجال أو بقي في المعركة حتى مات، فإنه يغسل، ويصلى عليه.
سحنون: قوله: ((إذا بقي في المعركة)) يقول: في الحياة البينة الذي لا يقتل قاتله إلا بالقسامة.
ابن وهب: وقد صلى الرسول صلى الله عليه وسلم على ثابت بن شماس بن عثمان يوم أحد بعد أن عاش يومًا وليلة.
قال ابن القاسم: ومن قتله العدو بحجر أو بعصا أو خنقوه حتى مات، أو قتلوه أي قتلة كانت في معركة أو في غير معركة فهو كالشهيد/ في المعركة، ولو أغار العدو على قرية من قرى الإسلام فدافعوهم عن أنفسهم كان من قتل منهم
كالشهيد في المعركة.
قال عنه أصبغ في العتبية: ولو قتلوهم في منازلهم في غير ملاقاة ولا معترك فإنهم يُغَسلون ويصلى عليهم/، بخلاف من قتل في المعترك.
وقال ابن وهب: هم كالشهداء في المعترك حيثما نالهم القتل منهم.
م وبه أقول، وسواء كانت امرأة أو صبية أو صبيًا.
وقاله سحنون.
وهو وفاق لما في المدونة.
ومن المدونة قال مالك: فأما من قتل مظلومًا أو قتله اللصوص في المعترك أو مات بغرق أو هدم فإنه يغسل، ويصلى عليه.
قال ابن القاسم: وكذلك إن قتله اللصوص في المعترك، أو مات في دفعه إياهم عن حريمه.
ابن سحنون: ولو قتل المسلمون في المعترك مسلمًا ظنوا أنه من العدو أو ما درست الخيل من الرجالة فإن هؤلاء يغسلون ويصلى عليهم.
وروى ابن وهب في المدونة: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في قبر واحد، ثم يقول: أيهما أكثر أخذًا للقرآن، فإذا أشير له
إلى أحدهما قدمه في اللحد، وقال: أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة، وأمر بدفنهم بدمائهم ولم يصل عليهم، ولم يغسلوا.
ومن كتاب الغصب: وإذا دفن الرجل والمرأة في قبر واحد جعل الرجل مما يلي القبلة، والمرأة من ورائه.
قيل: فهل يجعل بينهما حاجز من صعيد أو يدفنان في قبر واحد من غير ضرورة؟ قال: ما سمعت عن مالك فيه شيئًا.
قال أشهب في غير المدونة: يفعل ذلك بالرجلين للضرورة، ويقدم في اللحد أفضلهما، ولا يجعل بينهما من الصعيد حاجز وكفى بالأكفان بينهما حاجز، وكذلك إن فعل ذلك بهما لغير ضرورة، ولمن فعل ذلك حظه من الإساءة.
قال ابن القاسم: في الرجال والصبيان والنساء جمعوا في قبر واحد من ضرورة، قال: يكون الرجال مما يلي القبلة والصبيان من خلفهم والنساء من ورائهم.
[باب -9 -] في غسل الميت وحنوطه وكفنه
/
قال الرسول صلى الله عليه وسلم: ((للنسوة في ابنته اغسلنها ثلاثًا أو خمسًا أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك بماء وسدر، واجعلن في الآخرة كافورًا أو شيئًا من كافور.
قال الشيخ أبو الحسن: قولهك إن رأيتن ذلك، يحتمل أن يريد [إن] رأيتن أن تزدن، ويحتمل أن يكون توسعة فيما حد من ذلك إن رأيتن أن تفعلن كذا، وإلا فالانقاء يكفي.
والله أعلم.
وكُفن النبي صلى الله عليه وسلم في ثلاثة أثواب بيض سَحُولية، ليس فيها قميص ولا عمامة، وأُلحد له في دفنه صلى الله عليه وسلم.
م قال بعض أصحابنا: واختلف إذ غسل في القميص هل بقي عليه أو نزعوه عنه؟ بعض الناس يروي أنه إنما ترك عليه في الغسل للستر لما سمعوا قائلا يقول: لا تنزعوا القميص، ثم لما فرغوا من غسله وكفنوه نزعوا القميص، وأن عبد الرحمن بن أبي بكر أخذه وأراد أن يكفن فيه تبريكًا بذلك، ثم قال: قيمص لم يرضه الله لرسوله لا أحب أن أكفن فيه فبدى له عما أراد.
والله أعلم.
والحديث يدل أنهم نزعوه عنه، وهو قولهم: ((وكفن في ثلاثة أثواب بيض سَحولية، ليس فيها قميص ولا عمامة)).
[فصل -1 - في غسل الميت]
م فغسل الميت وتكفينه وتحنيطة/ سنة من الرسول صلى الله عليه وسلم، ومن السلف بعده، وأما دفنه ففرض على الكفاية، ولأنه من باب ستر العورة، وقد كان
ذلك متعينًا عليه فلما مات وجب على المسلمين ستره ومواراته؛ لأن حرمته ميتًا كحرمة الحي فيحمل ذلك من قام به.
م وقيل: إن غسل الميت والصلاة عليه ومواراته فرض على الكفاية يحملها بعض الناس عن بعض، كالجهاد وطلب العلم.
ومن المدونة قال مالك: وليس في غسل الميت حد لازم، ولكنه ينقى.
واستحب مالك: في رواية ابن وهب وترًا، كما جاء في الحديث ((بماء وسدر وفي الآخرة كافور أو شيء من كافور)) ((وكفن الرسول عليه السلام في ثلاثة أثواب)).
قال ابن حبيب: السنة أن يكون الغسل وترًا، وكذلك غسل النبي صلى الله عليه وسلم.
قال النخعي: غسله وتر، وتجميره وتر، وكفنه وتر.
وقال ابن سيرين: يغسل ثلاثًا، فإن خرج من شيء غسل خمسًا، فإن خرج منه شيء غسل سبعًا لا يزاد.
وغسل ابن عمر سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل ثلاثًا في الأولى صب عليه الماء قراحًا، والثانية غسل رأسه ولحيته وجسده بالماء والسدر، بدأ برأسه ولحيته ثم بشقه الأيمن ثم بشقه الأيسر، ثم الثالثة بماء وشيء من كافور.
وقال مثله النخعي: إلا أنه قال: يبدأ فيوضأ.
ابن حبيب: كما يوضأ الحي.
أبو إسحاق: أنكر سحنون تكرير وضوئه.
وقال أشهب: في ترك وضوئه أصلاً سعة.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإن وضئ الميت فحسن، والغسل يجزئ لا بأس أن يعرى من القميص/ للغسل، وتستر عورته، ويجعل الغاسل على يده خرقة، ويفضي بها إلى فرجه، وإن احتاج إلى مباشرة الفرج بيده فعل، ويعصر بطنه عصرًا رقيقًا.
م لأنه لا يأمن أن يخرج منه شيء فيلطخ أكفانه، وتنهتك بذلك صيانته، ويزول المعنى المطلوب بتكرار غسله، والمبالغة في تنظيفه.
وقد روى ذلك عن السلف.
ابن سحنون وقال أشهب: إذا عصر بطنه فليأمر بصب الماء عليه، ولا يقطع مادام يفعل ذلك.
ومن كتاب ابن القرطي: ولا يؤخر غسل الميت بعد خروج روحه، ولا يغسل بماء زمزم ميت، ولا نجاسة، وإنما يكره غسل الميت بماء الورد والقرنفل من ناحية السرف، وإلا فهو جائز إذ لا يغسل للتطهير، وهو أكرم للقاء الملكين.
قال أبو محمد: وما ذكر ابن القرطي في ماء زمزم لا وجه له عند مالك
وأصحابه.
فإن كان يعني في قوله: بماء الورد والقرنفل أنه لا يغسل بغيره من الماء القراح فليس هذا قول أهل المدينة.
م وهو الذي أراد؛ لأنه قال إذا لا يغسل لتطهير.
م قال أبو إسحاق: وما قاله ابن القرطي: من منع غسل الميت من ماء زمزم وإزالة النجاسة به ليس بظاهر، لاسيما إذا قلنا: إن الميت طاهر ليس بنجس، وأما إجازته غسل الميت بماء الورد والقرنفل فنحا بذلك إلى أن الميت لا عبادة عليه، وإنما يراد بالغسل تنظيفه.
م وقد يحتج بقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((اغسلنها بماء وسدر)).
وإذا خالط الماء السدر صار الماء مضافًا، فإذا/ جاز أن يغسل بماء السدر وماء الكافور جاز أن يغسل بماء الورد والقرنفل، وبهذا قال كثير من الناس، والأولى أن يكون بماء القراح مع أن قوله عليه السلام: ((أغسلنها بماء وسدر)) يجوز عندنا أن لا يخلط السدر بالماء، وأن يحك الميت بالسدر، ويصب عليه الماء فيحصل حينئذ طهارته بالماء وحده؛ إذ لا يغسل لتطهير.
ومن المدونة: قال مالك: ويُغسل أحد الزوجين صاحبه، وإن أصاب غيره من نساء أو رجال، ويستر كل واحد عورة صاحبه.
قال أشهب وسحنون: مجردين، فأما العورة فتستر، كما يفعل بالموتى.
قال سحنون: في كتاب ابنه سواء كان الرجل قد دخل بامرأته أم لا.
قال ابن القاسم: وإن وضعت الزوجة حملها بعد موته وقبل غسله فجائز أن تغسله، وإن كانت عدتها قد انقضت/ ولا يلتفت إلى العدة، ألا ترى أن الرجل يغسل امرأته، وليس في عدة منها.
وقد غسلت أسماء أبا بكر، وغسل علي فاطمة ومن غير كتاب أجمع أهل العلم على أن المرأة تغسل زوجها إذا مات، واختلفوا في الرجل يغسل زوجته فكان علقمة وجابر بن زيد وعبد الرحمن وسليمان بن يسار
وأبو سلمة ابن عبد الرحمن وقتادة وحماد بن أبي سليمان ومالك والأوزاعي والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق يقولون: يغسلها وكره ذلك الشعبي، وقال الثوري وأصحاب الرأي لا يغسلها.
قال ابن المنذر: فالقول الأول أنه يغسلها؛ لأن عليًا غسل فاطمة.
وأم الولد في الغسل كالزوجة تغسل سيدها ويغسلها، ومنع الحسن من ذلك، وقال: لا تغسل أم الولد سيدها.
قال في العتبية: وكذلك كل من يحل له وطؤها، مثل: أمته وأم ولده ومدبرته، وأما مكاتبته: سحنون: أو معتقته إلى أجل، أو معتق بعضها، أو أمة له فيها شرك فلا تغسله ولا يغسلها.
قال ابن حبيب: قال ابن الماجشون: ولو مات الزوج وامرأته حامل فولدت قبل غسله فلها أن تتزوج غيره وتغسله، وإن ماتت هي وتزوج أختها فله/ أن يغسلها.
قال ابن حبيب: وأحب إليّ إذا نكح أختها أن لا يغسلها، واختلف فيه قول ابن القاسم في المجموعة.
م وكذلك عندي إذا ولدت المرأة وتزوجت غيره أحب إليّ أن لا تغسله؛ لأنه قد حرم عليه تزويجها كما لو كان ذلك طلاقًا، وكان حيًا، كما لو طلقها فولدت، ثم تزوج أختها فينبغي أن يكون الجواب فيهما سواء في الغسل بعد الموت، والله أعلم.
قال ابن الماجشون: وللمرأة إذا غسلت زوجها أن تجففه وتكفنه، ولا تحنطه؛ لأنها حاد، إلا أن تضع حملها قبل ذلك إن كانت حاملاً، أو تكون
بموضع ليس فيه من يحنطه فلتفعل، ولا تمس بالطيب إلا الميت.
قال سحنون: وإذا مات أحد الزوجين فظهر أن النكاح بينهما كان فاسدًا لا يقران عليه، مثل: أن تكون أخته من الرضاعة، أو تزوجها شغارًا، أو كان أحدهما محرمًا أو مريضًا فلا يغسل الحي الميت، وإن كان فساده في الصداق، كا/ لنكاح بخمر أو خنزير أو نحوه، فله أن يغسلها وتغسله؛ إن كان قد دخل بها، وإن لم يدخل بها فلا يغسل أحدهما صاحبه وإن ظهر بأحدهما جنون أو جذام أو برص فللباقي منهما أن يغسل صاحبه؛ لأنه نكاح حلا يتورثان فيه قبل البناء وبعده، وكذلك إن زوجها وليّ وثم أولى منه، وأما بعقد أجنبي وهي من ذروات القدر ووليها حاضر فلا، وكذلك إن عقدت هي على نفسها، وإما إن غرته أنها حرة، وفيها بقية رق فإن ولي العقد من يجوز عقده فالغسل بينهما؛ إذ يجوز للزوج المقام عليه، وإن وليه من لا يجوز عقده فلا غسل بينهما.
ولو غرها الزوج أنه حر وهي حرة فالغسل
بينهما.
م والأصل في هذا أن كل موضع كانا مغلوبين فيه على فسخ النكاح فلا يغتسلان وكل ما كان لأحد الزوجين أو للولي إجازته أو فسخه فإنهما يتغاسلان.
وقال ابن القابسي: الأصل في ذلك والعلة التي لا تخزم هي إذا كان له النظر في محاسنها والاستمتاع بها في حياتها فللحي منهما أن يغسل الميت، وإذا كان ممنوعًا من ذلك فهو ممنوع من/ غسله.
قال سحنون: وإذا اختلف الأولياء في الغسل قضى للزوج بغسل زوجته وإدخالها في قبرها، ولا يقضي للزوجة بغسل زوجها إذا أبى ذلك الأولياء.
قال محمد عن ابن القاسم: تغسل المرأة زوجها والرجل زوجته، وهو أو هي أحق بذلك وأولى من غيره.
قال أبو محمد: وهو أحسن من قول سحنون.
قال سحنون: وليس للمسلم غسل زوجته النصرانية، ولا تغسله هي إلا
بحضرة المسلمين.
قال: وللأمة غسل سيدها العبد، وإن ولدت منه، وللعبد غسل زوجته الأمة، ولها أن تغسله من غير أن يقضي بذلك لواحد منهما، إلا أن تكون زوجته حرة، ويأذن له السيد في/ غسلها فيقضي له بذلك.
ومن المدونة: والمطلقة واحدة لا تغسل زوجها قبل انقضاء العدة، ولا يغسلها؛ لأن مالكًا قال: لو سألته أن تبيت في أهلها فأذن لها قبل أن يرتجعها لم يكن إذنه إذنًا، ولا قضاء له عليها حتى يراجعها.
وقال مالك في كتاب أبي الفرج: أنها تغسله.
م وهذا يجري على اختلاف قول مالك في روايتها في الطلاق الرجعي.
قال بعض البغداديين: وجه قوله يجوز له غسلها؛ فلأن أحكام الزوجية قائمة بينهما، من الطلاق والظهار والإيلاء والنفقة والتوارث، ووجه منعه؛ فلأن الاستمتاع بها والنظر إليها ممنوع منه، ولم يحصل ما يزيله من الارتجاع فأشبهت المبتوتة.
فصل -2 -: [في الرجل يموت وليس معه إلا نساء أو العكس]
قال مالك: ومن مات في سفر ولا رجال معه، ومعه نساء فيهن
ذوات محرم منه، أم أو أخت أو عمة أو خالة أو غيرهن فليغسلنه ويسترنه.
قال سحنون: يغسلنه وعليه ثوب.
وقال عيسى بن دينار: ينزع ثوبه، ويستر عورته.
قال مالك: وإن لم يكن فيهن ذات محرم منه يمن وجهه ويديه/ إلى المرفقين.
قال سحنون: فإن يمينه وصلين عليه صلين صفًا واحدًا أفذاذًا، وتمت الصلاة، ثم جاء رجال قبل أن يدفن ومعهم الماء فلا يغسل، ولا يصلى عليه ثانية، وقد أجزأ ما فعل النساء في وقت يجوز لهن فعله، ولو غسله/ الرجال ودفن بلا صلاة غير صلاة النساء لم أر بذلك بأسًا، والأول أحب إلينا.
قال مالك في المدونة: وإن ماتت امرأة مع رجال ولا نساء معها فإن كان فيهم ذو محرم منها غسلها من فوق الثوب، وإن لم يكن فيهم ذو محرم منها يمم وجهها ويديها إلى الكوعتين.
قال ابن سحنون: وقال أشهب: وأحب إلي في أمه وأخته أن ييممها، وكذلك
المرأة في ابنها.
سحنون: ولا أعلم من يقوله غيره من أصحابنا، وقول مالك: أحب إلي، ولو فعلوا ذلك رجوت أن يكون ذلك واسعًا.
قال ابن حبيب: وإذا غسلها ذو محرم منها من فوق الثوب فليصب الماء من تحته ولا يلصقه بجسدها فيصف إذا ابتل عورتها، ولكن يجافيه ما قدر، فإن لم يجد الماء يممها إلى المرفق، وإنما تيمم إلى الكوعين إذا لم يحضرها إلا رجال من غير محارمها، كان معهم ماء أو لم يكن، ولو كان معهم امرأة كتابية فليعلموها الغسل فتغسلها، وكذلك رجل مات بين نساء ليسوا بمحارمه ومعهم رجل نصراني أو يهودي فليعلمنه الغسل فيغسله.
قال ذلك كله مالك والثوري.
وقال أشهب في المجموعة: لا يلي ذلك كافر ولا كافرة، وإن وصف لهما الغسل، ولا يؤمنوا على ذلك؛ لأني أخاف أن لا يغسلوه.
قال سحنون: يدع الكافر يغسله، وكذلك الكافرة في المسلمة، ثم يحتاطوا بالتيمم فيهما.
فصل -3 -: [في غسل الصبي أو الصبية]
ومن المدونة قال مالك: ولا بأس أن يغسل النساء الصبي ابن سبع سنين وشبهه.
قال أشهب في المجموعة: ما لم يؤمر مثله بستر العورة.
وقال ابن القاسم في كتاب ابن مزين: ولا يغسل الرجل الصبية، وإن صغرت جدًا.
قال عيسى: إذا صغرت جدًا فلا بأس أن يغسلها الأجنبي.
وقاله مالك في الواضحة.
وقال أشهب: إذا كانت من الصغر لم يبلغ مثلها أن تشتهي فلا بأس أن يغسلها؛ لأنه يتقي ذلك منها مثل اتقائه من الصبي.
فصل -4 -: [في غسل الميت يكون ببدنه الجراح أو نحوها]
ومن المدونة قال مالك: وإذا مات جريح أو مجدور أو مجروب وخيف عليه أن يتزلع إن غسل فليصب عليه الماء صبًا رقيقًا بقدر طاقتهم،
ولا ييمموه، ومن قول مالك: إنه لا ييمم ميت إلا/ رجل مع نساء أو امرأة مع رجال.
قال مالك في المجموعة: ومن وجد تحت الهدم وقد تهشم رأسه وعظامه والمجدور المتسلخ فيغسلان ما لم يتفاحش ذلك منهما.
قال ابن حبيب: ولا بأس عند الوباء وما يشتد على الناس من غسل الموتى لكثرتهم أن يجتزؤوا فيه بغسلة واحدة بغير وضوء يصب الماء عليهم صبًا ولو نزل الأمر الفظيع فكثر فيه الموتى فلا بأس أن يدفنوا بغير غسل/ إذا لم يوجد من يغسلهم/ ويجعل منهم في قبر واحد.
وقاله أصبغ وغيره.
فصل -5 -: [في حكم غسل المسلم الميت الكافر]
ومن المدونة قال مالك: ولا يغسل المسلم أباه الكافر ولا يتبعه ولا يدخله قبره، إلا أن يخاف أن يضيع فيواريه التراب.
م إنما لم يغسله؛ لأن الغسل تابع للصلاة، فلما لم يصل عليه لقطع الولاية بينهما لم يغسله؛ ولأن الغسل تطهير له، والكافر ليس من أهل التطهير.
وقاله بعض أصحابنا من البغداديين.
قال ابن حبيب: لا بأس أن يحضره ويلي أمر تكفينه حتى يخرجه ويبرأ منه إلى أهل دينه، فإن كفي دفنه وأمن الضيعة عليه فلا يتبعه، وإن خشي ذلك فليتقدم إلى قبره، فإن لم يخش ضيعة وأحب أن يحضر ذفنه فليتقدم أما جنازته معتزلا منه وممن يحمله.
وقد روى أن النبي صلى الله عليه وسلم أذن في ذلك.
وقال عطاء: نحوه.
ومن المجموعة قال ابن القاسم وأشهب: وإن مات الابن المسلم فلا يُكل إلى أبيه الكافر في شيء من أمره من غسل ولا غيره، فأما مسيره معه ودعاؤه له فلا يمنع منه.
قال مالك: ولا يعزى المسلم بابنه الكافر؛ لقول الله تعالى: (مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا).
وفي كتاب ابن سحنون: ويعزى الذمي في وليه إن كان له جوار، يقول: "أخلف الله لك المصيبة، وجزاء أفضل ما جزي به أحدًا من أهل دينه".
ومن المدونة قال مالك: وإذا مات كافر بين مسلمين لا كافر معهم لفوه في شيء ورواه/ التراب.
وقال الليث وربيعة: ولا يستقبل به قبلتنا ولا قبلتهم.
قال ابن حبيب: وإذا ماتت ذمية حامل من/ مسلم فلتدفن مع أهل دينها، وإنما ولدها عضو منها حتى يزايلها.
ومن العتبية قال ابن القاسم: في نفر مسلمين فيهم كافر لا يعرف ماتوا تحت هدم فليغسلوا ويصلي عليهم وينووا بالصلاة المسلمين، وقاله أشهب.
قال أشهب: وأما الجماعة فيهم مسلم واحد فلا يصلي عليهم حتى يعرف المسلم الواحد بعينه فيصلي عليه.
وقال سحنون: يصلي عليهم، وإن لم يكن فيهم إلا مسلم واحد، وينووا بالصلاة والدعاء للمسلم.
وإن مات
مسلم ويهودي تحت هدم ولأحدهما مال ولم يعرف المسلم ولا ذو المال فليقدر ويكفنا من ذلك المال، ويصلى عليهما، والنية بالدعاء للمسلم ويدفنان، ويبقى ذلك المال موقوفًا.
فصل -6 -: [في حنوط الميت]
ومن المدونة قال مالك: ولا بأس أن يحنط الميت بالمسك والعنبر.
قال ابن عمر لما حنط سعيد بن زيد: "وأيّ شيء أطيب من المسك".
وقال عطاء: والكافور أحب إلي منه.
ومن الواضحة: ونحوه لأشهب.
في المجموعة قال: وإذا فرغت من غسل الميت نشفت بلله في ثوب وعورته مستورة وقد أجمرت ثيابه قبل ذلك وترًا، وإن أجمرتها شفعًا فلا حرج، ثم تبسط الثوب الأعلى، وتجعل الأوسع ثم الأوسع فالأوسع من باقيها، ثم تجعل الحنوط بين أكفانه.
ومن المدونة قال ابن القاسم: وتجعل الحنوط على جسده وبين أكفانه،
ولا/ تجعل من فوقه.
قال يزيد بن أبي حبيب: يذر حنوطه على مواضع السجود السبعة.
قال عطاء: وتجعل في مراقه وإبطيه ومراجع رجليه ومأبضيه، ورفغيه، وما هنالك وفي أنفه وفمه وعينيه وأذنيه.
قال أشهب: وإن جعل الحنوط في لحيته ورأسه فواسع.
قال أبو بكر بن محمد: قوله: مراقه يعني مخرج الأذى، ورفغيه ما بين الأنثيين والفخذين، ومأبضيه ما بين الساق والفخذ عند الركبتين.
وقيل عن أبي عمران: أن مراقه يعني ما تحت كل ما رق وانخفظ مثل: الأعكان والجلد ينثني، قال: وهو بتشديد القاف.
قال سحنون: وليسد دبره بقطنة، يجعل فيها ذريره، ويبالغ/ فيها برفق.
قال ابن حبيب: وتُسد أذناه ومنخراه بقطن فيه الكافور، ثم يعطف
الثوب الذي يلي بدنه يضم الأيسر إلى الأيمن، ثم الأيمن إلى الأيسر كما يلتحف في حياته أشهب: وإن عطف الأيمن أولاً فلا بأس به، ويفعل هكذا في كل ثوب، ولا يجعل الحنوط إلا على الثوب الآخر، وأما/ ظاهر كفنه فلا يجعل عليه شيء.
قال ابن القرطي: ثم يخاط كفنه.
فصل -7 -: [في الكفن]
قال النبي صلى الله عليه وسلم في الكفن: "البسوا البياض، وكفنوا فيه موتاكم، فإنها من خير ثيابكم".
قال ابن حبيب: والقصد في الكفن أحب إلينا من المغالاة فيه، وروي ذلك عن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما.
أشهب: والكفن الجديد والخلق سواء.
ومن المدونة قال مالك: وأحب إلي أن لا يكفن الميت في أقل من ثلاثة أثواب، إلا أن لا يوجد ذلك.
قال ابن حبيب: أحب إلى مالك في الكفن خمسة أثواب تعد فيها العمامة، والمئزر والقميص، ويلف في ثوبين، وذلك في المرأة ألزم؛ لأنها تحتاج إلى مئزر، وتشد بعصابة من حقويها إلى ركبتيها، ودرع وخمار وثوبين.
ابن حبيب: وثوبان أحب إلينا من ثوب واحد، وثلاثة أحب إلينا من أربعة.
قال أبو محمد: يريد الوتر، ويريد في الأول الستر.
قال ابن القرطي: والمرأة في عدة أثواب الكفن أكثر من الرجل، وأقله لها خمسة، وأكثره سبعة.
قال: ولا ينقص الرجل الذي يجد من ثلاثة أثواب، ويكفن في مثل هيئته في حياته، إن تشاح الورثة.
قال ابن القاسم في المجموعة: والصبي والصبية إذا لم يبلغا الحلم بمنزلة الكبير في الكفن.
قال سحنون: هذا إن كان قد رهق الحلم، فأما إن كان صغيرًا فالخرقة وشبه ذلك تجزئ، وقاله أشهب.
ومن المدونة قال مالك: ومن شأن الميت عندنا أن يعمم، وذلك أحب إليّ.
وذكر عن أبي العباس الأبياني قال: الذي استحب مالك أن يكفن الميت في ثلاثة أثواب، يريد غير العمامة والمئزر.
قال: ولم يؤزر النبي صلى الله عليه وسلم ولا عمم، وإنما كفن في ثلاثة أثواب أدرج فيها إدراجًا/.
قال ابن القاسم في العتبية: أحب الكفن إلى ما كفن النبي صلى/ الله عليه وسلم فيه، ثلاثة أثواب بيض لا يكون فيها قميص ولا عمامة ولا يؤزر ويدرج فيها إدراجًا.
قال: وأحب إلي أن تؤزر المرأة وتخمر
وذلك سواء ثلاثة أثواب تدرج فيها إن وجد لذلك سعة.
قال مالك في المدونة: وكره مالك في أكفان الرجال والنساء الخز والمعصفر، وإنما كره الخز؛ لأن سداه حرير، وكره في الأكفان الحرير محضًا، وأجاز مالك الكفن في العصب وهو الحبر وما أشبهه.
قال عنه علي: ولا بأس بالمعصفر والمزعفر للرجال والنساء.
وقال ابن حبيب عن مالك: ولا بأس أن تكفن المرأة في الحرير والخز والمعصفر وما جاز لها وللرجال له في الحياة فالكفن لها أوله فيه مباح ما لم يرد بذلك السمعة والنفج؛ لأنه ليس في محل ذلك، ولا بأس في كفن الرجل بالعلم الحرير، ولا بأس بالثوب الذي يغسل ويبقى فيه أثر زعفران أو عصفر أو مشق.
قال: والحبرة مستحب لمن قوى عليه.
وقد كفن النبي صلى الله عليه وسلم في
ثلاثة أثواب، قيل إنها بيض.
وقيل: إن أحدها حبرة.
فصل -8 -: [في مؤن الميت]
ومن المختصر وغيره: قال مالك: والحنوط وجميع موأن البيت في إقباره إلى أن يواري من رأس ماله، قال: والرهن أولى من الكفن، والكفن أولى من الدين.
م إنما قال: إن مؤن الميت إلى أن يوارى من رأس ماله؛ لأن ستر الميت وصيانته حق لله فهي مقدمة إذ لا يجوز تركها ولا التراخي بإسقاطها؛ ولأنه لو لم يُخلف كفنًا لوجب على المسلمين تكفينه؛ لأن حرمته كحرمة الحي، وإنما قال: إذا كان الكفن مرهونًا فالرهن أولى به من الكفن؛ لأن المرتهن قد حازه عن عوض والعين إذا تعلق به عن عوض أولى، كالدين مع الزكاة، أو مع الوصية، وإنما
قال: والكفن أولى من الدين؛ فلأن حرمة الميت كحرمة الحي فلما كان في حياته أولى الناس بماله فيما يحتاج إليه إذا أفلس فكذلك بعد موته/.
قال مالك: ومن أوصى أن يكفن في سرف وأوصى بمثل ذلك في حنوطه وقبره فلا يجاز في رأس ماله إلا ما يجوز لمثله لو لم يوص، وقاله ابن القاسم وأشهب.
وقال سحنون: الزائد يكون في ثلثه.
وروى عن مالك في المجموعة أنه لا يجوز من ذلك إلا ما يكفن فيه مثله.
قال ابن القرطي: والزائد على السداد ميراث، وهذا هو المستعمل.
قال أبو إسحاق: وهو الأشبه؛ لأنه القاصد إلى إتلاف ماله فلا يجوز ذلك.
قال: وإذا أوصى بشيء يسير في كفنه وحنوطه لم يكن لبعض الورثة للزيادة فيه بغير ممالاءة من جميعهم.
قال سحنون: في العتبية إذا أوصى أن يكفن في ثوب واحد فزاد بعض الورثة ثوبًا آخر فقام في ذلك بقية الورثة فإن كان في التركة محمل لذلك فلا ضمان على الذي فعله/.
فصل -9 -: [في الميت إذا نبش هل يكفن وتعاد الصلاة عليه؟]
قال يحيى عن ابن القاسم: وإذا نبش الميت وعرِّي لم تعد الصلاة عليه،
وعلى ورثته أن يكفنوه ثانية من بقية تركته، وإن كان عليه دين محيط فالكفن الثاني أولى به.
قال سحنون: فإن قسم ماله فليس ذلك على ورثته، وإن كان قد أوصى بثلثه فلا يكفن في ثلث ولا في غيره.
قال ابن سحنون: فإن وجدوا الكفن الأول بعد أن دفن فهو ميراث.
قال ابن حبيب عن أصبغ: ومن نبش فلا يلزم ورثته تكفينه ثانية في بقية ماله، إلا أن يشاءوا أو يحتسب فيه محتسب.
فصل -10 -: [في من يلزم الرجل أن يكفنه ويقبره]
قال ابن الماجشون: ويلزم الرجل تكفين من تلزمه نفقته، من زوجة وولد وأبوين وعبيد، كالنفقة كانت الزوجة فقيرة أو مليئة، ورواه عن مالك في الواضحة.
وروي عنه في العتيبة: إنما ذلك عليه في فقرها.
قال ابن حبيب: وكما لا ينقطع حقه بموته من ماله في كفن نفسه كذلك في كفن من ذكرنا.
وقال أصبغ وسحنون: لا يلزمه في أحد ممن ذكرنا إلا في
عبيده.
قال سحنون: مسلمين كانوا أو كفارًا؛ لأن نفقتهم لا تزول إلا بزوال الملك، ونفقة الوالدين أمر يحدث، ونفقة الولد تزول، وهذا القياس، ويستحسن أن يجبر في/ الولد الصغار والأبكار والزوجة الفقيرة.
وروى عيسى عن ابن القاسم في الزوجة إن كانت بكرًا فعلى أبيها، فإن دخلت فليس ذلك على الأب ولا على الزوج.
وإن كان لها ولد فذلك على ولدها في عدمها.
فصل -11 - [في الخلاف في ابن آدم هل ينجس بالموت؟ وما يترتب على ذلك].
قال سحنون في المجموعة: ولا ينجس الثوب الذي ينشف به الميت.
وقال محمد بن عبد الحكم: إنه ينجس.
قال ابن القصار: اختلف في ابن آدم إذا مات هل ينجس أم لا؟ وليس لمالك فيه نص، والذي عندي أنه طاهر، وقد قَبَّل النبي صلى الله عليه وسلم عثمان بن مظعون لما مات، وجرت دموعه على خد عثمان، ولو كان نجسًا ما فعل ذلك به.
قال مالك في العتبية وغيرها: وأرى أن يغتسل غاسل الميت، وعليه أدركت الناس، واستحسنه ابن القاسم وأشهب، وقال ابن حبيب: لا غسل عليه
ولا وضوء، وقاله جماعة من الصحابة والتابعين، وقاله مالك.
وقال: فإن اغتسل من غير إيجاب فحسن.
وقال غيره: إنما يستحب له أن يغتسل، ولما روي أن الروسول صلى الله عليه وسلم قال: "من غسل ميتًا فليغتسل"، وأمر عليًا رضي الله عنه أن يغتسل لما غسل أياه، ومن طريق المعنى أن الغاسل ربما يخاف أن ينتضح عليه من الماء الذي
يصيب بدن الميت فيقطعه ذلك عن الانبساط والمبالغة في غسله، فإذا وُطِّن على الغسل تمكن منه وزال ما كان يتقيه، وإنما قيل: "من حمله فليتوضأ" يعني ليصلي عليه إذا بلغ، وقد تقدم هذا.
قال مالك في المجموعة: لا أحب للجنب/ أن يغسل الميت، وذلك جائز للحائض.
قال ابن القرطي: اختلف في غسل الجنب للميت، وإجازته أحب إلينا.
قال أشهب: ومن أصابه شيء من الماء الذي غُسِّل به الميت فغسل ذلك أحب إليّ، فإن لم يفعل وصلى به ولم يعلم أن ذلك الماء أصابه شيء من أذى الميت فلا شيء عليه.
فصل -12 -: [في من هو أولى بالصلاة على الميت من أوليائه].
قال ابن عبدوس: ومن قول مالك وأصحابه أن الابن وابن الابن أولى بالصلاة على الجنازة من الأب، والأب أولى من الأخ، والأخ أولى من ابن الأخ، وابن الأخ أولى من الجد، والجد أولى من العم، والعم أولى من ابن العم، وابن/ العم وإن بعد أولى من مولى النعمة، وكلهم أولى من الزوج.
ومن المدونة قال: وإنما ينظر في هذا إلى من هو أقعد بالميت، فهو أولى بالصلاة عليه.
قال مالك: والعصبة أولى بالصلاة على المرأة من زوجها، وقاله عمر بن الخطاب رضي الله عنه وغيره.
قال مالك: وزوجها أولى بإدخالها في قبرها من عصبتها.
سحنون: ويغسلها إن شاء.
قال: ومن كانت إليه الصلاة من وال أو قاضٍ أ, صاحب الشرط فهو أحق بالصلاة على الميت إذا حضر من أوليائه.
قال ابن القاسم: وصاحب الشرط إذا ولاه الوالي الشرط فهو مستخلف على الصلاة.
قال سحنون في العتبية: وإنما يكون صاحب الصلاة والمنبر أحق من الأولياء إذا كان إليه سلطان الحكم من قضاء أو شرطة، وإلا فهو كسائر الأولياء.
م وإنما كان الإمام أولى بالصلاة/ على الميت من أوليائه؛ لأن طريقها الولاية، وقد قال عليه السلام: "ولا يؤم الرجل في سلطانه ولا في بيته إلا بإذنه"؛ ولأن الحسين بن علي رضي الله عنهما قدم سعيد بن العاصي- وكان الأمير- فصلى على الحسن رضوان الله عليهم، وقال له: أنت الأمير، ولولا السنة ما قدمتك؛ ولأنها صلاة تفعل في اجتماع فكانت في الأئمة، كالجمعة
والعيدين.
وقال ابن القاسم: عن مالك في المجموعة: وإمام المصر أحق بالصلاة من الولي والقاضي وصاحب الشرطة وإن كانت إليهم الصلاة.
ابن حبيب: وقاله مطرف وابن الماجشون وابن عبد الحكم وأصبغ.
وقال عن ابن القاسم: إن ذلك لمن كانت غليه الخطبة.
قال مالك في العتبية: وإذا أوصى الميت أن يصلي عليه رجل ووليه حاضر فالموصى إليه أحق، ومازال الناس يختارون لجنائزهم أهل الفضل من الصحابة والتابعين رضي الله عنهم.
وينبغي لولي الميت إذا حضر رجل له فضل أن يقدمه، وينبغي أن يفعل ذلك من سُئِل فيه.
قال ابن حبيب: والموصى إليه أحق بالصلاة من الوالي، وقاله مالك.
قال سحنون: ومن الولي.
وقد قال مالك: وإذا أوصى على خير ولم يكن لعداوة بينه وبين وليه فذلك نافذ، وإن كان لعداوة بينهما لم تجز، والولي أحق.
قال ابن حبيب: وإذا أراد الأقعد من الأولياء أن يوكل بالصلاة أجنبيًا فذلك له، وليس لمن تحته من الأولياء كلام، كالنكاح يوكل به.
قال ابن الماجشون وأصبغ في السليمانية: ليس له ذلك إن أراد أن يصلي هو بنفسه، وإلا فالذي معه من الولاة أولى بذلك، وحكاه عن محمد بن الحكم.
م واحتج لهذا بعض الناس بالحضانة، قال: وذلك أشبه من عقد النكاح؛ لأن طريق ذلك الرأفة والشفقة.
والله أعلم.
[باب -10 -] في صلاة النساء وخروجهن مع الجنائز وذكر النياحة والبكاء
[فصل -1 - في كيفية صلاة النساء على الجنازة]
قلت: فهل تصلي النساء على الجنائز في قول مالك؟ قال: نعم.
قال ابن القاسم: وإن مات رجل مع نساء لا رجل معهن صلين عليه أفذاذًا ولا تؤمهن إحداهن، ومن غير المدونة وأشهب يقول: تؤمهن واحدة منهن تقوم وسطهن.
[فصل -2 - في حكم خروج النساء مع الجنازة]
قال ابن القاسم: وكان مالك يوسع للنساء أن يخرجن مع الجنازة، قال مالك: ولا بأس أن تتبع المرأة جنازة ولدها ووالدها، ومثل زوجها وأخيها إذا عرف أن مثلها تخرج على مثله، وإن كانت شابة، وأكره أن تخرج على غيرهم من أقاربها ممن لا يكون لها الخروج عليهم.
م كذا في الأم ممن لا يكون، وفي نقل أبي محمد وغيره ممن لا ينكر وهو أصوب، فيحتمل أن يكون معنى ما في الأم أن كل امرأة منصرفة ليست من ذوات القدر اللائي لا يخرجن يجوز لها أن تخرج على كل من يخرج عليه في الحياة، ولا تحتجب منه، ولا تخرج على من تحتجب منه من أقاربها، وأما على نقل أبي محمد فيكون المعنى أن المتصرفة تخرج على الولد والوالد والأخ والزوج
لا غير، ويكون معنى قوله: ممن لا ينكر الذين لا ينكر.
كأنه قال: ولا تخرج على غير هؤلاء الذين لا ينكر عليها الخروج عليهم من الولد والوالد والأخ والزوج، وكذلك وقعت في المبسوط.
والله أعلم، وهو الصواب إن شاء الله تعالى.
ومن العتبية: سئل مالك عن/ النساء يخرجن إلى الجنازة على الرحائل ومشاة قال: قد كن يخرجن قديمًا، وقد خرجت أسماء تقود فرس الزبير وهي حامل، وقال: وما أرى به بأسًا إلا في الأمر المستنكر.
وقال ابن حبيب: يكره خروج النساء إلى الجنائز، وإن كن غير نوائح ول ابواكي في جنائز الخاص من قرابتهن وغير الخاص وينبغي للإمام/ منعهن من ذلك.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم لمن رأي منهن: "ارجعن مأزورات غير مأجورات".
[فصل -3 - في النياحة والبكاء على الميت]
ويكره اجتماع النساء للبكاء سرًا وعلانية، وقد نهى عمر النساء في موت أبي