قال سحنون: بل يقتلهم.
وروى ابن وهب أن عبد الله بن عمر ورث عبداً له نصرانياً كان يبيع الخمر ويعمل بالربا، فقيل له في ذلك، فقال: ليس الذي عمل في دينه بالذي يحرم علي ميراثه.
فصل
قال مالك ومن مات وترك ابنين فأقر أحدهما بأخت فليعطها خمس ما في يده ولا تحلف مع الأخ المقر لها؛ لأنه شهد، ولا يحلف في النسب مع شاهد واحد.
م: وبيان ذلك أن تعمل المسألة على الإنكار فتكون من اثنين وعلى الإقرار فتكون من خمسة فتضرب اثنين في خمسة فتكون عشرة فإذا قسمتها على الإنكار كان لكل أخ خمسة وإذا قسمتها على الإقرار كان لكل أخ أربعة، فيستفضل المقر واحدٌ وهو خمس ما بيده.
[ومن العتبية: وإن أقر أحد الابنين بأخ لهما فإنه يعطيه ثلث ما في يديه ثم إن مات بعد ذلك المقر له قال: يرثانه جميعاً؛ المقر له والمنكر له، وهو بمنزلة رجل قال: أخي مات وترك ألفاً وهو أخوك أيضاً فإن الألف بينهما.
قال يحيى بن عمر: وأرى أن يأخذ المقر له بدءاً من تركه مثل ما كان أعطاه ثم يكون ما بقي بينهما نصفين].
ومن المدونة قال مالك: وإن أقر أحد الابنين بزوجة لأبيه أعطاها ثُمن ما في يديه.
م: لأن أصلها في الإنكار من اثنتين وفي الإقرار من ثمانية فتصح من ستة عشر فتقسمها على الإنكار فيكون لكل ابن ثمانية وتقسمها على الإقرار للزوجة الثُمن ولكل ابن سبعة فيفضل للمقر واحد وهو ثمن ما في يديه فيعطيه للزوجة.
ومن المدونة قال مالك: وإن هلكت امرأة وتركت زوجها وأختها فأقر الزوج بأخ لها وأنكرت الأخت فلا شيء على الزوج؛ لأنه إنما أقر لها بشيء في يد الأخت، فلا شيء له يعني ولو أقر بأخت للميتة لأعطاها سبع ما في يديه؛ لأن أصل الفريضة في الإنكار من اثنين وفي الإقرار من سبعة فتضرب اثنين في سبعة تكن أربعة عشر، فتقسم على الإنكار؛ تكون للزوج سبعة وتقسم على الإقرار تصح للزوج ستة، فيفضل له واحد وهو سبع ما في يديه.
م: وهذا باب واسع أوعبه إن شاء الله في كتاب الفرائض.
تم رُزمَةُ العبيد بحمد الله وحسن عونه وتأييده وتسديده ويتلوها إن شاء الله كتاب النكاح الأول.
[الباب الأول]
في الحضِّ على النكاح، والخِطْبة فيه
[فصل 1: في الحضِّ على النكاح وذكر حكمه] والنكاح مندوبٌ إليه لقول الله تعالى: ﴿وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾.
وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «تناكحوا تناسلوا»، وقوله صلى الله عليه وسلم: «تزوجوا فإني مُكاثرٌ بكم الأممَ يوم القيامة»،
وليس بواجب، وهو مذهب مالك رحمه الله خلافًا لداود في الحُرَّة، والدليل لمالك قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: 3] فقد خيرنا تعالى في النكاح أو ملك اليمين، وليس في الواجب تخيير، واعتبارًا بنكاح الأمة، ولأنه عقد معاوضةٍ فلم يجب ابتداءً بالشرع كعقد
البيع.
وقال بعض البغداديين: النكاح في الجملة مندوبٌ إليه، وربما تعيَّن فرضه إذا خاف العنت ولم يجد ما يتسرَّى به، وهو قادرٌ على النفقة والمهر، وربما كُرهَ له ذلك وهو أن يكون غير محتاجٍ إليه وهو قليل المال والكسب فَيَغُرُّ المرأة ويَضُّرها.
قال ابن حبيب: وحضَّ النبي صلى الله عليه وسلم على نكاح الأبكار وقال «فإنهن أطيب أفواهًا وأنتَق أرحامًا وأطيب أخلاقًا».
قال ابن حبيب: انتق أرحامًا: أقبلُ للولد.
ورغَّب في نكاح الولود، وفي حديثٍ آخر: «الولود الودود العوود».
قال ابن حبيب: ويستحب أن يُستنجَب الخال، وقد يُتَّقى رضاع الفاجرة فكيف بهذا!
وقد قال صلى الله عليه وسلم: «تُنكح المرأة لمالها ولجمالها ولحسبها ودينها فاظفر بذات الدين تَرِبَت يداك».
وأمر أن تُنْكَحَ في الأكفاء، وقد قال عمر رضي الله عنه: لا يزوج الرجل وليَّته للقبيح الذميم ولا للشيخ الكبير.
ابن المواز: قيل لمالكٍ: فما جاء عن عمر: لا تزوجوهن إلا الأكفاء، وأنه فَّرق بين رجلٍ وامرأةٍ كان قد زُوِّجها وهو غير كفءٍ؟
قال: قد جاء عنه غير هذا، قوله: دين الرجل حَسبُه، وكرمُه تقواه، ومروءته خُلقُه، فليس الشرف والحسب إلا في الإسلام والتقوى.
[فصل 2 - في الخطبة في النكاح]
قال ابن المواز: واستحب أهل العلم الخطبة في عقد النكاح.
قال مالك: وهي من العمل القديم، وما نرى لأحدٍ تركها، وما قلَّ منها فهو أفضل.
قال محمد بن إبراهيم: وقد خطب عروة بن الزبير إلى عبد الله بن عمر ابنته سودة، فقال: يا نافع ادع عبيد الله وسالمًا ابنيه، فلما أتياه قال: إن
عروة خطب إليَّ أختكما وإني أزوجه إياها بما جعل الله تعالى للمسلمات على المسلمين من الإمساك بالمعروف أو التسريح بالإحسان، وأن يستحلَّها بما تستحلُّ به المسلمة، / قالا: كذلك يا عروة؟ قال: نعم، قال: فقد زوجناكها على بركة الله عز وجل.
[الباب الثاني]
في نكاح الشغار وما يتعلق به
[فصل 1 - في حكم نكاح الشغار وبيان معناه]
ونهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن نكاح الشغار، وقال: «لا شغار في الإسلام».
قال مالك: وهو أن يزوج الرجل ابنته على أن يزوجه الآخر ابنته وليس بينهما صداق.
والشغار خلوُّ العقد من المهر، يقال: بلدٌ شاغرٌ، أي خَالٍ، ويقال: شَغَر الكلب إذا رفع رِجلَه ليبول.
ولا يحل عقد الشغار بإجماع، فإذا وقع فسخ قبل وبعد الدخول، وروي عنه ثبوته بعد الدخول وإنما لم يَختلف قوله في المدونة في الشغار بخلاف إذا تزوجها على أن لا صداق إذا اختلف قوله؛ لأن الموهوبة إنما فسد الأمر فيها إذا لم يسم لها صداقًا، فإذا فات الأمر بالدخول فقد استوجبت المهر بالمسيس فلا معنى للفسخ على أحد قوليه، والشغار ليس كذلك.
وقال بعض المحققين: إنما اختلف قوله في فسخ الشغار بعد الدخول لاختلافهم في النهي، هل يقتضي فساد المنهي عنه بعد أن يقع؟ وأما المنع منه ابتداءً فليس فيه خلاف.
قال عبد الوهاب: ونكاح الشغار فاسدٌ لنهيه صلى الله عليه وسلم عنه، ولأنه مَلَّك بُضْعَ ابنته بصداقٍ لا تملكه، وذلك يوجب فساد العقد؛ لأن المهر يجب أن يكون ملكًا للمنكوحة.
ومن المدونة: قال مالك فيمن قال لرجل: زوجني ابنتك على أن أزوجك ابنتي، أو: زوجني أمتك على أن أزوجك أمتي، ولا مهر بيننا: فذلك شغارٌ يفسخ أبدًا وإن ولدت الأولاد ورضياه، فللمدخول بها صداق المثل، ولا شيء لغير المدخول بها.
قال مالك: والشغار بين العبيد كالشغار بين الأحرار.
قال ابن القاسم: وأحب ما فيه إليَّ أن يفسخ بطلاق، ويقع به الطلاق والموارثة قبل الفسخ لاختلاف الناس في إجازته أو فسخه.
قال سحنون: والذي عليه أكثر رواة مالكٍ أن كلَّ عقدٍ كانا مغلوبين على فسخه فالفسخ فيه ليس بطلاقٍ، ولا ميراث فيه، وقد ثبت من نهي النبي صلى الله عليه وسلم في الشغار ما لا يُحتَاج فيه إلى حُجة.
قال الشيخ: قال بعض شيوخنا من القرويين: روى عن علي بن زياد عن مالك: أن نكاح الشغار إذا دخلا ثبت النكاح، وكان لهما صداق المثل.
قال الفقيه أبو الحسن بن القايسي: إنما اختلف قول مالك في ذلك لاختلاف الناس في تأويل الشغار.
قيل: وكيف اختلاف الناس فيه وهو في حديث ابن عمر مفسَّرًا أن يزوج الرجل ابنته على أن يزوجه الآخر ابنته وليس بينهما صداق؟
فقال: المتفق عليه من لفظ الحديث إلى قوله: «إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الشغار» وباقي الحديث إنما يحملونه على أنه من تفسير نافع، ولو كان عن النبي صلى الله عليه وسلم ما اختلف فيه.
وذكر عن أبي عمران أنه قال: إنما اختلف الناس في الشغار بعد الدخول لاختلافهم في النهي هل يقتضي فساد المنهيَّ عنه بعد أن يقع أم لا، وأما المنع منه ابتداءً فما اختلف فيه.
قال: وتفسير الشغار في رواية ابن عمر إنما هو من تفسير نافع عن ابن عمر ومعنى الشغار لأنهم رفعوا الصداق، من قولهم: بلدٌ شَاغِرٌ، إذا ارتفع سلطانه، وقولهم: شغر الكلب إذا رفع رجله للبول.
[فصل 2 - في تسمية الصداق في نكاح الشغار وما يترتب على ذلك]
قال مالك: وإن قال الرجل لرجل: زوجني/ ابنتك بمئة على ابن أزوجك ابنتي بمئة، أو قال: بخمسين، فلا خير فيه، وهو من وجه الشغار.
قال ابن القاسم: ويفسخ قبل البناء ويثبت بعده، ويكون لكل واحدةٍ الأكثر من التسمية أو صداق المثل، وليس هذا بصريح الشغار لدخول الصداق فيه إلا أن بعض الصداق لا يجوز فصار كمن نكح بمئة درهمٍ وبخمرٍ، أو بمئة نقدًا ومئة إلى موتٍ أو فراقٍ، فإنه يفسخ قبل البناء ويثبت بعده، ويكون لهما صداق المثل إلا أن يكون أقل من المئة النقد فلا يُنقَض من المئة شيئًا.
وقال في غير المدونة: أو يكون أكثر من المئتين فلا يزاد.
قال ابن حبيب: قاله ابن القاسم.
وقال ابن الماحشون: لهما ذلك،, وإن زاد على المئتين، ورواه مُطْرَف عن مالك.
قال الشيخ: فوجه هذا: فلأنها صفقةٌ جمعت حلالاً وحرامًا ففسد جميعهما، فوجب أن يكون فيها صداق المثل ما بلغ إذا فاتت كالقيمة في البيع الفاسد.
ووجه قول ابن القاسم: أن النكاح لما كان طريقه المكارمة والبيع طريقه المكايسة لم يجر مجراه في جميع وجوهه، ألا ترى أنه يجوز أن يتزوجها على وَصِيفٍ أو شاةٍ ولا يصف ذلك ولا يضرب له أجلا، ويكون عليه الوَسَط من ذلك حالَّاً، ويجوز أن يتزوجها على عّرَضٍ موصوف، ولا يضرب له أجلاً، ويكون حالَّاً، ولا يجوز مثل هذا في البيوع.
فإذا ثبت ذلك وجب إذا كان صداقها أكثر من مئتين لم يزد عليها، لأنها رضين بالمئة إلى موتٍ أو فراقٍ، فإذا أعطيت هذا لم تُظلَم.
وقد قال أصبغ: إنها إذا تركت المئة للغرر أو رضي الزوج أن يعجِّلها، وذلك قبل البناء ثبت النكاح، وهذا لا يجوز في البيع، وبالله التوفيق.
قال ابن حبيب: ولو تزوجها بمئةٍ نقدًا ومئةٍ إلى أجلٍ معلومٍ، ومئةٍ إلى موتٍ أو فراقٍ فلم يفسخ حتى دخل بها فلها صداق المثل، فإن كان أقل من المئتين فلها مائتان، مئةٌ منها إلى أجلها، وإن كان أزيد من مئتين فالزائد على المئتين حالٌ مع المئة الحالة، ومئةً إلى أجلها، واختلف في الزائد على ثلاثمئة.
فقال ابن المواز: لا يزاد على ثلاثمئة، وقال ابن الماجشون ومُطرف: تزاد بالغًا ما بلغ نقدًا إلا المؤجل المعروف.
قال الشيخ: كان يجب إذا كان فاسدًا عندهما أن يكون فيه صداق المثل حالاً كله بالغًا ما بلغ لا يكون فيه تأخير كالبيوع، فيكون قول ابن القاسم في هذا أولى.
قال الشيخ: قال بعض فقهائنا: حكي عن أبي سعيد ابن أخي هشام: إنما يقوم صداق المثل على أن فيه مئة إلى سنة.
قال ابن حبيب: وسواءٌ فيما ذكرنا من أول المسألة كان بعضه مؤخرًا إلى غير أجلٍ، أو إلى موتٍ، أو فراقٍ، أو إلى ميسرةٍ، أو إلى أن تطلبه المرأة به وهو الآن ملئٌ أو معدمٌ، وقاله ابن الماجشون وأصبغ.
وقال ابن القاسم في قوله: إلى ميسرةٍ أو إلى أن تطلبه المرأة به، إن كان يومئذ مليئًا فجائزٌ، وكذلك قال ابن القاسم في العتبية: إذا تزوجها إلى ميسرةٍ، فإن كان يومئذٍ مليئًا فالنكاح جائزٌ، وليؤخَّر بقدر ما يُرى من التوسعة على مثله، وإن كان يومئذٍ مُعْدَمًا فُسِخ، إلا أن يبنى فيثبت، ولها صداق المثل.
قال عنه عيسي: ولو ادعت امرأةٌ على زوجها أنه تزوجها بمئةٍ نقدًا أو مئةٍ إلى موتٍ أو فراقٍ، وذلك قبل البناء لم يقبل في الفسخ شهادة واحدٍ مع يمينها إذا أنكر الزوج، وإن أقامت بذلك شاهدين فسخ وبطل الصداق، ولو أقامت الشاهد بعد البناء حلفت وأخذت / الأكثر من المئة النقد أو صداق المثل.
ابن حبيب: وقال أصبغ: لها أن تحلف مع شاهدها قبل البناء؛ لأن الفسخ لا يجب بذلك مكانه حتى يخير الزوج في تعجيل ذلك كله، فإن أبي خُيِّرت الزوجة في أن تترك المؤخر، وإن أبت فسخ النكاح.
ولو ادعت أنه تزوجها بجنينٍ أو بآبقٍ أو بثمرٍ لم يبد صلاحه لم تحلف مع شاهدها، لأن هذا فسخٌ لا خيار للزوج فيه.
قال الشيخ: وذكر عن أبي عمران في رجلين عقد كل واحدٍ منهما نكاح أخته من صاحبه في مجلسٍ واحدٍ -يريد بصداقٍ معلوم- قال: هو جائزٌ إذا لم يفهم أنه إن لم يزوج أحدهما صاحبه لم يزوجه الآخر، فإن فهم ذلك لم يجز وكان من الشغار لدخول الصداق فيه.
قال: وإنما فُرِّق بين وجه الشغار ومِن الشغار بخلاف وجه الدَّين بالدَّين الذي جُعِل كالدَّين بالدَّين؛ لأن وجه الدَّين بالدَّين يوجد فيه الربا كما يوجد في نفس الدَّين بالدَّين، والشغار حقيقته البُضْع بالبُضْع فلا صداق يدخل في ذلك، ووجه الشغار الصداق يدخل فيه، فإن كان قُرِنَ إلى ذلك البُضْع بالبُضْع فلا يبلغ مبلغ نفس الشغار.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وأما من خالع زوجته على حلالٍ وحرامٍ بطل الحرام وجاز منه الحلال، ولم يكن للزوج غير ذلك، وإن خالعها على حرامٍ كله مثل الخمر والخنزير والربا فالخلع جائز، ولا شيء للزوج من ذلك، ولا يَتبع المرأة بشيءٍ منه.
قال الشيخ: والفرق بين النكاح والخلع في هذا هو أن النكاح لا يجوز إلا بعوض، فيجب أن يفسد بفساده، والخلع يجوز بغير عوض فلم يكن لعوضه تأثيرٌ في فساده.
ومن المدونة: وإن خالعها على ثمرةٍ لم يبد صلاحها، أو عبدٍ آبقٍ، أو جنينٍ في بطن أمُّه، أو بعيرٍ شاردٍ جاز ذلك.
وقال ابن القاسم: وإن قال له: زوجني ابنتك بمئةٍ على أن أزوجك ابنتي بلا مهر، ففعلا، ووقع النكاح على هذا ودخل كل واحدٍ منهما بامرأته، فنكاح التي سمي لها المهر ثابت، ويكون لها مهر مثلها، ويفسخ نكاح التي لم يسم لها صداق، ودخل بها أو لم يدخل بها.
قال الشيخ: يريد: أن نكاحها قبل البناء يفسخ ولا صداق لها، وإن دخلا فسخ نكاح التي لم يسم لها صداقًا، وأخذت مهر مثلها، ويثبت نكاح المسمى لها، وأخذت الأكثر من التسمية أو صداق المثل.
قال عبد الوهاب: لا خلاف أعلم أن الصداق لا يجوز أن يكون غررًا، أو مجهولاً، أو مما لا يصلح تملُّكه، ولكن الخلاف في النكاح إذا وقع على صداقٍ هذه صفته، هل يصح ويبطل الصداق أو لا يصح أصلاً؟
فعن مالك في ذلك روايتان: إحداهما: أن العقد يبطل، ويفرق بينهما قبل الدخول وبعده، والأخرى: أنه إن أُدْرِكَ قبل البناء فسخ، وإن أُدْرِكَ بعد الدخول لم يفسخ.
واختلفت عبارة أصحابنا في معنى الفسخ قبل الدخول، فظاهر قول متقدميهم وجوب الفسخ على معنى الردع، لئلا يُقْدِمُوا عليه، لا على أن العقد وقع فاسدًا ثم صحَّ بالدخول، أو أن الدخول أجاز الإقرار على عقدٍ فاسدٍ على ما اعترض به علينا أغبياء المخالفين، وألزمونا على ذلك أن الدخول يجب أن يصحَّح كلَّ عقدٍ فاسد، كالمتعة والشغار ونكاح المرأة على عمتها وخالتها وغير ذلك.
وذلك كله غير لازمٍ لنا، ولا مفهومٌ / من قولنا، وإنما مراد أصحابنا وجوب الفسخ على طريقة العقوبة لهم والردع عما فعلاه، لئلا يعودوا إلى مثله.
ولا معنى لقول من قال: إنه ليس في هذا ردع ولا عقوبة لهما، لأنهما إذا فسخ [نكاحهما] عقداه في الحال، لأن فائدة الفسخ أنه يعد طلاقًا، فإذا نكحها عادت عنده على اثنتين، وهذه فائدة صحيحة.
قال الشيخ: ولأنها واحدة بائنة تملك الزوجة بها نفسها، فقد لا تشاء نكاحه، أو تشاء بأضعاف الصداق الأول، وفي ذلك ردع بين.
قال عبد الوهاب: وأما المتأخرون فإنهم قالوا: لما حققنا النظر علمنا أن ذلك استحباب من مالك واحتياط ليقع العقد صحيحًا بإجماع، ولإمكان أن يستأنف بصداق صحيح، فإذا وقع الدخول وفات بالوطء وجب فيه صداق صحيح وتقرر، فلا معنى [للفسخ] لزوال الصداق الذي كان الفسخ من أجله لوجوب صداق صحيح، كما لو تزوجها وبها أحد العيوب الأربعة، لكان له الرد، فلو زال ذلك قبل أن يرد لسقط حقه من الرد لزوال ما من أجله كان له أن يرد.
فأما من تزوج بصداق مغصوب فمن أصحابنا من فرق بينه وبين المجهول والغرر، لأن ذلك ممنوع لحق الآدمي، ولو أذن له لجاز، وهذه الأشياء ممنوعة لحق الله تعالى.
ومن أصحابنا من ساوى بينهما وقال: يفسخ قبل الدخول ويثبت بعده كما يقول فيمن صلى في دارٍ مغصوبةٍ أنه يُعيد في الوقت لا بعده.
قال الشيخ: وقد قيل: لا يعيد في وقتٍ ولا غيره، وهو الصواب فيه، وفي أن لا يفسخ النكاح، وبالله التوفيق.
[الباب الثالث]
في إنكاح الرجل ابنته البكر والثيب وابنه الصغير ومملوكيه ومن يلي عليه غائبًا أو حاضرًا وتزويج اليتيمة قبل البلوغ
[فصل 1 - في تزويج البكر]
قال الله عز وجل حكايةً عن شعيبٍ عليه السلام: ﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ﴾ [القصص: 27] ولم يذكر مشورة.
وزوَّج النبي صلى الله عليه وسلم ابنتيه لعثمان ولم يستشرهما، وتزوج
عائشة رضي الله عنها وهي بنت سبع سنين، وقيل: بنت ست سنين ودخل بها بنت تسع.
قال بعض البغداديين: ويستحب له استئذانها، لقوله صلى الله عليه وسلم «شاوروا النساء في أبضاعهن»، ولأن ذلك أطيب لقلبها من غير ضررٍ يلحقه به.
وقيل: إنه ربما كان بها عيبٌ لم يَعلم به ولو علمه لم يزوجها، فإذا استأذنها أعلمته به فَتَحَرَّز منه.
وعنه في اَلمَعنَّسة روايتان: إحداهما: بقاء الإجبار عليها، والثانية: زواله.
فوجه بقائه: اعتبارًا بغير المعنَّسة لِعلَّة البكارة، ووجه زواله: أن المعنى الموجب للإجبار في الصغيرة التي لم تعنَّس قِلَّة خبرتها بالأمور، وعدم معرفتها بمصالحها، وذلك منتفٍ في المعنَّسة لبروز وجهها ومعرفتها بمصالحها، فقام ذلك مقام الثيوبة في رفع الإجبار عنها.
فصل: [2 - في تزويج الثيب]
وقال صلى الله عليه وسلم: «الأيُّم أحقُّ بنفسها من وليَّها»، وروي: «الثيب» مُفسَّرًا.
وقوله: «ليس للولي مع الثيب أمر».
وقال صلى الله عليه وسلم: «البكر تُستأذن في نفسها، وإذنها صماتها».
قال مالك: وذلك عندنا في البكر اليتيمة، وكذلك هو مفسرٌ في رواية ابن وحب: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اليتيمة تُستأمر في نفسها، فإن
سكتت / فهو إذنها، وإن أبت فلا جواز عليها».
ابن وهب: وجاء عن عمر بن عبد العزيز وابن شهاب: أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «كل يتيمة تُستأمر في نفسها فما أنكرت لم يَجُز عليها، وما صمتت عنه وأقرَّت عليه جاز عليها وذلك إذنها».
قال إسماعيل القاضي: الأيِّم التي لا زوج لها، بالغًا كانت أو غير بالغ، بكرًا كانت أو ثيبًا، ولو كان كما توهَّم قوم أنها الثيب خاصة لكانت الثيب أحقَّ بنفسها من وليها، والبكر ليست بأحقَّ بنفسها من وليها، ولكن الاستئمار إنما هو على الترغيب لا على الإيجاب، وإنما في الحديث معنيان: أحدهما: أن الأيامى
أحق بأنفسهن، والمعنى الآخر: تعليم كيف تستأذن البكر منهن، وأن إذنها صماتها، لأنها تستحي أن تُجيب بلسانها.
[فصل 3 - فيمن له حق الإجبار في النكاح]
ومن المدونة: قال مالك: وإذا ردَّت المرأة الرجال رجلاً بعد رجلٍ لم تجبر على النكاح، ولا يُجْبِرَ أحدٌ أحدًا على النكاح إلا الأب في ابنته البكر، وفي ابنه الصغير، وفي أمته، وفي عبده، والولي في يتيمة -يريد الوصي.
قال مالك: ولا يزوج البكر [اليتيمة] وليها وإن كانت سفيهةً إلا برضاها، للحديث.
قال ابن القاسم: ومن زوج ابنته الصغيرة بأقلَّ من مهر مثلها جاز إن كان على وجه النظر، وقد أتت امرأةٌ مطلقةٌ إلى مالكٍ فقالت له: إن لي ابنةٌ في حجري موسرةً مرغوبًا فيها، وقد أُصَدِقتْ صداقًا كثيرًا، وأراد أبوها أن يزوجها من ابن أخٍ له فقير؟ فقال لها مالك: إني لا أرى لكِ في هذا مُتكلَّمًا.
قال ابن القاسم: وأنا أرى أن نكاح الأب إياها جائزٌ إلا أن يأتي من ذلك ضررٌ فيُمْنَع.
قال سحنون: الضرر في البدن من الجنون أو غير ذلك، فأما الفقر فلا، وتزويجه جائز.
فصل [4 - في تزويج الأب ابنته المطلقة أو التي مات عنها زوجها]
قال مالك: ومن زوج ابنته البكر فطلقها الزوج قبل البناء، أو مات عنها فلأبيها أن يزوجها كما يزوج البكر.
قال مالك: فإن بنى بها الزوج ثم طلقها أو مات عنها فهي أحق بنفسها.
قال ابن القاسم: وتسكن حيث شاءت إلا أن يخاف عليها الضيعة والمواضع السوء، ويخاف عليها الفضيحة من نفسها وهواها فيكون للأب أو للولي أن يمنعها من ذلك.
ومن كتاب الخلع قال: ولو رجعت هذه الثيب إلى الأب قبل بلوغها فله إنكاحها كالبكر، لأن النفقة ترجع على الأب لها.
قال ابن المواز: ولأن الذي أثبت ولاية أبيها عليها الصغر والبكورية، فإذا سقط سبب البكورية بقي ولاية الصغر، فإذا ذهب الصغر انقطع بقية سبيله عليها، لأنها قد افْتُضَّتْ بنكاحٍ وبلغت المحيض.
وكذلك عن ابن القاسم وأشهب: أن الأب يزوجها إذا رجعت إليه ثيبًا ما لم تحض.
وقال سحنون: يزوجها بغير رضاها وإن حاضت.
قال الشيخ: ووجه هذا: أنها صغيرة.
مالك: للأب إجبارها على النكاح، فلا يزيله من يده بلوغها أصله البكر، ولأنها رجعت إليه وملك منها ما كان يملكه / قبل الدخول، وصارت كمن دخل بها، فلا يزيل ما بيده منها البلوغ، كالتي لم يُدْخَل بها.
ومن النكاح قال مالك: وإذا احتلم الغلام فله أن يذهب حيث شاء، وليس لأبيه منعه.
قال ابن القاسم: إلا أن يخاف من ناحيته سفهًا فله منعه.
[فصل 5 - في تزويج الأب ابنته التي زنت
والتي زوجت تزويجًا حرامًا]
قال: وإن زنت البكر فحُدَّت أو لم تُحَد فلأبيها أن يزوجها كما يزوج البكر.
وإن زوجها تزويجًا حرامًا ثم بنى بها الزوج وجامعها ثم طلقها أو مات عنها بالقرب لم يكن لأبيها أن يزوجها كما يزوج البكر؛ لأنه نكاحٌ يُلحق فيه الولد، ويُدرأ فيه الحد.
قال مالك: وتعتد منه في بيت زوجها الذي كانت تسكن فيه.
قال ابن القاسم: فجعل العدة فيه كالعدة في النكاح الحلال، فهذا يدلُّك أنه خلاف الزنا في تزويج الأب إياها.
قال عبد الوهاب: لأنه رفع الإجبار بالثيوبة هو لزوال الحياء والانقباض الذي يكون في البكر، وهذا منتفٍ في المزنيِّ بها أو المغصوبة؛ لأن الحياء يغلب عليها أشدُّ من غلبته على البكر، لقبيح ما رَكِبَتْه أو رُكِبَ منها، وللعار الذي لحقها ويزهد في مثلها، فوجب بقاء الإجبار عليها؛ ولأن ذلك لما لم يرفع عنها ولاية المال فكذلك لا يرفع إجبار النكاح.
قال الشيخ: وليس ما يرفع إجبار النكاح يرفع ولاية المال.
وقال ابن حارثٍ الأندلسي: إن محمد بن عبد الحكم قال: لا يزوجها أبوها إلا برضاها كالثيب.
قال عبد الوهاب: وألزمت في مجلس النظر بحضرة ولي العهد أنه إذا كانت العلة في المزنيِّ بها الحياء فإذا تكرر منها الزنا فقد ارتفع حياؤها وزالت علة الإجبار ولم يكن لأبيها أن يزوجها إلا برضاها، فالتزمتُ ذلك للمُخَالف وبالله التوفيق.
[فصل 6 - في تزويج الأب من فارقها زوجها بعد إقامتها معه وقبل المسيس]
ومن المدونة: قال مالك: ومن زوج ابنته البكر فدخل بها، ثم فارقها قبل أن يمسها، فإن طالت إقامتها مع زوجها وشهدت مشاهد النساء فلا يزوجها أبوها إلا برضاها، وأرى السنة طول إقامة، وإن كان أمرًا قريبًا فله أن يزوجها.
قال ابن القاسم في المستخرجة: وإن فارقها بعد ستة أشهرٍ فليؤامرها الأب إن زوجها، فإن لم يؤامرها فالنكاح جائز.
قال مالك: وإن فارقها بعد شهرين فلا يؤامرها.
قال عبد الوهاب: إنما ذلك؛ لأن عودتها إلى الأب إذا كان عن قُرْبٍ فكأنها على الحال التي كانت عليها عنده من الحياء وقلة خبرتها بالأمور، وقلة معرفتها بمصالحها، فهي كالتي لم يدخل بها، وإذا طال أمرها طُولاً تَخْبَرَ به مواضع حظوظها، وتعرف مصالحها، وبرز وجهها فقد صارت كالثيب، فانقطع الإجبار عنها.
قال: وفي حدَّ الطول روايتان:
إحداهما: سنة، والأخرى: لا حدَّ فيه أكثر من العُرف.
فوجه السنة: أنها مدة جُعِلَتْ في الشرع حَدَّاً لأمور منها العنَّة، وفي
الأدواء الثلاثة في عَهْدَة الرقيق، وانقطاع الشُّفْعَة بعد العام، فكذلك ها هنا.
ووجه نفي التحديد أن كلَّ أمرٍ احتيج فيه إلى اختبارٍ وتَعَرُّفِ حالٍ ولم يرد فيه توقيفٌ بتحديد مدةٍ وجب الرجوع فيه إلى العرف.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وكذلك إن زوجها أبوها وهي بكرٌ فدخل بها زوجها ثم مات عنها، أو طلقها فقالت الجارية: / ما جامعني، وقد كان الزوج أقر بجماعها، فإن كانت إقامته معها أمرًا قريبًا جاز إنكاح الأب عليها؛ لأنها تقول: أنا بكر، وتُقِرُّ بأن صُنْعَ الأب جائزٌ عليها، ولا يضرها ما قال الزوج من وطئه إياها، وإن طالت إقامتها معه فلا يزوجها أبوها إلا برضاها، أقرَّت بالوطء أو لم تُقِر.
فصل: [7 - في سكوت البكر والثيب عند استئذانهما في النكاح]
قال مالك: وإذا قال للبكر وليها: إني مزوجكِ من فلان، فسكتت فذلك رضىَّ منها.
قال غيره: إذا كانت تعلم أن السكوت رضى.
قال مالك: وإذا سكتت فذهب الولي فزوجها من ذلك الرجل، ثم أنكرت، لزمها النكاح، ولم ينفعها إنكارها بعد سكوتها.
قال لاشيخ: لقوله صلى الله عليه وسلم: «فإن سكتت فهو إذنها».
قال مالك: وأما الثيب إذا قال لها أبوها أو ليها: إني مزوجك من فلان، فسكتت، فلا يكون سكوتها إذنًا ولا رضىَّ إلا أن تتكلم وتستخلف الولي على إنكاحها.
قال عبد الوهاب: وإنما خُصَّت البكر بالصمات لقوله عليه الصلاة والسلام في البكر: «إذنها صماتها»؛ ولأن الحياء يغلب عليها لئلا تَتْسَبَ متى نطقت إلى الشهوة والميل إلى الرجال فيكون ذلك مُزَهِّدًا فيها، وأما الثيب فلقوله صلى الله
عليه وسلم: «الثيب تُعْرِبُ عن نفسها»؛ ولأن الثيب قد زال عنها الحياء ببروز وجهها ومعرفتها بما يُرادَ منها.
قال: وينبغي أن تعلم البكر إذا صمتت أن ذلك إذنٌ منها احتياطًا لجواز أن تظن أن ذلك ليس بإذن، وليس ذلك بشرطٍ في صحة الإذن.
ومن المدونة: قال مالك: وليست المشورة بلازمةٍ للأب في الأبكار، وروى ابن وهب أن النبي عليه الصلاة والسلام زوج عثمان ابنتيه ولم يستشرهما.
قال مالك: وبلغني أن القاسم بن محمد وسالمًا كانا يُنَكِحَان بناتهما الأبكار ولا يستأمرانهن.
قال مالك: وذلك الأمر عندنا في الأبكار.
فصل: [8 - في تزويج الأخر أخته بغير أمرها]
قال ابن القاسم: ومن زوج أخته البكر أو الثيب بغير أمرها فبلغها ذلك فرضيت، فبلغني أن مالكًا قال مرة: إن كانت بغير البلد أو فيه فتأخَّر إعلامها لم يجز، وإن قَرَبَ جاز.
قال سحنون في المستخرجة: إن كانت عن البلد غائبةً مثل البَرِيد واليوم وشبهه، والقُلْزُم من مصر وبينهما يومان فهو قريبٌ إذا أرسل إليها في فور ذلك فأجازت، فأما مثل الإسكندرية وأسوان فلا يجوز وإن أجازت، وقاله أصبغ.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وسألنا مالكًا ونزلت بالمدينة في رجلٍ زوَّج أخته فقالت حين بلغها: ما وكَّلت ولا أرضى، ثم كَلَّمَتَ في ذلك فرضيت؟ فقال لا يجوز هذا النكاح، ولا يُقام عليه حتى يأتنفا نكاحًا جديدًا.
قال في كتاب ابن المواز: إذا علمت فأنكرت، ثم أجازت لم يجز النكاح ولم يُقَرَّا عليه.
قيل لمالك: فإن قالت حين بلغها: ما وكَّلته ولم أرض، ثم أقرت بعد ذلك بوكالته، وبأنها كانت راضيةً وهي وكَّلته؟
فقال مالك: لا يجوز ولا يثبت إلا بنكاحٍ جديدٍ.
[فصل 9 - في تزويج الأب ابنه الكبير وابنته الثيب وهما غائبان]
ومن المدونة: قال مالك: ومن زوج ابنه الكبير المنقطع عنه أو ابنته الثيب وهما غائبان، فرضيا بفعل أبيهما لم يجز النكاح؛ لأنهما لو ماتا لا يتوارثان.
قيل لابن المواز: فيفسخ النكاح قبل أن يعلما؟
قال: إن كان ذلك عن قُرْبٍ لم يفسخ حتى يعلما فيجيزا أو يَرَدَّا، وإن كان على بُعدٍ فُسِخَ مكانه إذا علم أنه أُفْتِيْتَ عليهما بغير علمهما.
قال ابن المواز: وأحب إلينا في الابن الكبير البائن [عنه] ألا يفسخ بعد البناء إذا رضي حين بلغه، وقال ابن القاسم.
وقال أيضًا أصبغ: إنما يؤمران قبل البناء بالفسخ بغير حكمٍ للاختلاف فيه -يريد: في البعيد الغيبة.
قال ابن القاسم: قال مالك: فأما إذا قال الخاطب: هو أمرني بذلك، أو هي أمرتني، ثم قال المتزوج منهما الحاضر: لا حاجة لي بنكاح من إذا قدم كان عليَّ بالخيار، لم يكن ذلك له حتى يقدم الغائب، فإن أقر لزمه، وإن أنكر لم يقبل منه إنكاره بتوكيله مَنْ زوَّجه حتى يحلف أنه ما أمره ولا بعثه، وإذا حلف سقط عنه النكاح.
قال الشيخ: ظاهره أنه إن نكل لزمه النكاح.
وذكر ابن حبيب: إنه إن لم يحلف لم يلزمه النكاح بنكوله.
وذكر عن غير واحدٍ من أصحاب مالك: أنه لا يمين في ذلك.
ابن المواز: قيل: فإن أقر الرسول بعد العقد بأن ذلك بغير أمر الغائب؟
قال: إذا كان ذلك بعد النكاح لم يقبل قوله حتى يثبت ذلك بأمرٍ لاشك فيه، أو يقدم الغائب فيحلف.
[فصل 10 - في تزويج اليتيمة قبل البلوغ]
ومن المدونة: قال مالك: ولا تتزوج اليتيمة التي مُولَّي عليها حتى تبلغ وتأذن في ذلك، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر باستئذان اليتيمة، ولا إذن إلا للبالغة.
قال ابن المواز: وكذلك وصيُّ أبيها لا يزوجها حتى تبلغ ويشاورهما.
قال: ولو رضيت في الصغر فزوجت ما كان ذلك تزويجًا، ويفسخ إلا أن يتقادم ذلك بعد الدخول فيُقرَّا عليه.
-قال الشيخ: يريد وإن كرهت-.
قال ابن القاسم: فإذا لم يدخل فإنه يفسخ أبدًا وإن طال ورضيت.
وسئل عن التي بنى بها وقد ولدت؟
فقال: مُنذْ كم بنى بها؟
قال: منذ ثمانية عشر شهرًا.
قال: أرى أن يفسخ.
قيل: فاليتيمة تبلغ حد الوطء وهي محتاجةٌ فتخطَب وتبلغ النكاح؟
قال: لا يزوجها وصيٌّ ولا وليٌّ حتى تبلغ المحيض.
قيل لابن القاسم: فإن قاربت وأَشعَرت؟
قال: إذا جرت عليها المَواسِي وشارفت الحيض فَلْيُنْكِحْها وصيها برضاها فإن لم يكن وصيها فوليها برضاها، وقاله أصبغ، ثم رجع أصبغ، فأباه حتى تبلغ سنَّاً لا يبلغه أحدٌ إلا حاض، فإن زوَّجت قبل ذلك فسخ.
قال ابن المواز: وأحب إلي ألا يفسخ إذا زوجت بعد الإشعار.
وقد سئل مالك عن صبيةٍ من الأعراب صغيرةٍ محتاجةٍ تطوف وتَسأل، ولَّت أُمُّها رجلاً فزوجها في غنى؟
قال مالك: بِنتُ كم هِي؟
قيل له: بنت عشر سنين.
قال: إذا كانت هكذا في حاجةٍ مُلحَّةٍ تتكفَّف، / يُعرفُ ذلك منها، فلا بأس بذلك إذا رضيت، ولو كانت صغيرةً لم يجز.
[فصل 11 - في تزويج اليتيمة بعد البلوغ بغير أمرها]
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإذا بلغت اليتيمة فزوجها وليها بغير أمرها ثم أعلمها بالقرب فرضيت جاز، ولا يكون سكوتها ها هنا رضى.
قال الشيخ: وإنما لم يجعل سكوتها ها هنا رضى لتعدِّيه في العقد عليها قبل إعلامها، فزال الحياء عنها الذي أوجب أن يكون صمتها رضى، والأول إنما عَقَدَ بعد إعلامها، فَجُعِلَ سكوتها رضىَّ كما جاء في الحديث.
قال الشيخ: ولو زوجها بغير أمرها ثم أعلمها بذلك فسكتت، فأعلمها أن سكوتها وترك ردها له نطقًا يكون رضىَّ به، وأَشهد عليها بذلك، وكل ذلك هي ساكتة، لَعُدَّ ذلك منها رِضىَّ، ولا كلام لها بعد ذلك.
والله أعلم.
ابن المواز: قال أشهب عن مالكٍ في امرأةٍ زوَّجها أخوها، ثم مات
الزوج قبل البناء، فقال ورثته: لم تكن هي رضيت، فقال: تُسأل هي الآن، فإن قالت كنت رضيت، فذلك لها.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإن كانت بغير البلد، أو فيه فتأخَّر إعلامها لم يجز وإن رضيت.
قال سحنون: وهذا قول مالكٍ الذي عليه أصحابه.
قال شُريح: تستأمر اليتيمة في نفسها، فإن مَعَّضَت لم تُنكَح، وإن سكتت فهو إذنها.
قال سليمان: معنى معَّضَت: عبَسَت وقَطَّبت.