الجامع لمسائل المدونةكتاب العرايا
أهل الأثرالأرشيف العلمي

[الباب الأول]

جامع القول ما جاء في العرايا وفي بيعها

الفصل [1 - في معنى العرية ووقت جوازها وبيان أنها مستثناه من المزابنة] روى مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم (نهى عن المزابنة) (وأرخص في بيع العرايا بخرصها تمراً ما دون خمسة أوسق أو خمسة أوسق) شك من حدث مالك، وروى ابن وهب أن يزيد بن أبي حبيب قال: أرخص النبي صلى الله عليه وسلم في شراء العرية بخرصها قبل بدو صلاحها).

الجزء: 13 - الصفحة: 1093

ولم يذكر ذلك مالك، وقال: أما ببلدنا فلا تباع حتى تزهي وبذلك يأخذ مالك.
م قال غير واحد من الفقهاء قوله في الحديث في بيعها بخرصها دليل أن ذلك لا يكون إلا بعد الطيب، لأن الخرص إنما يكون بعد الطياب لا قبل ذلك، ولو كان الخرص قبل الطيب لخرص الثمر على أهله حينئذٍ؛ لأنهم يأكلونه بلحاً.
وكذلك قال أبو حنيفة أن العرية هبة التمر مثل قولنا إلا أنه قال يجوز أن يعطيه بها ثمراً ويأخذها.
قال مالك: والعرية هبة الثمر من نخل أو شجر، وكذلك قال أبو حنيفة أن العرية هبة الثمر مثل قولنا إلا أنه قال: يجوز أن يعطيه بها ثمراً ويأخذها منه ابتداءً، وقال الشافعي: العرية مستثناه من المزابنة وهي أن يبيع تمراً على رؤوس النخل خرصاً بتمر نقداً فيما دون خمسة أوسق.

الجزء: 13 - الصفحة: 1094

والدليل لمالك ما رواه ابن الجهم عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن المزابنة وأرخص في العرايا، النخلة والنخلتان توهبان للرجل فيبيعها بخرصها تمراً.
وروى طاووس أنه صلى الله عليه وسلم أمر أن لا تخرص العرايا، وهي أن يمنح الرجل من حائطه نخلات ثم يبتاعها من الممنوح بخرصها كيلاً، فهذان حديثان مفسران أن العرية هبة الثمر لا بيعه.
قال أبو عبيد: ومعنى العرية في اللغة العطية، وأن العرية والمنحة والعطية بمعنى واحد، قال غيره وهو اسم قد عقلته العرب كالعمري والسكنى والرقبى والمنحة وما أشبه ذلك.
وقيل: إن أصل هذه الكلمة أن يعري النخلة من ثمرها بالهبة

الجزء: 13 - الصفحة: 1095

لثمرها فسميت عرية، وهو مأخوذ من قولهم عروت الرجل أعروه إذا طلبت فضله ومعروفه، هذا موضوعها في كلام العرب وهو أيضاً من تنحي الإنسان عن ملكه وعروه منه، ومنه قوله تعالى ﴿فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ﴾ أي بالموضع الفارغ المنكشف، وقيل غير هذا.
وكل يتضمن هبة الثمرة، وهو معروف من عمل أهل المدينة قبل الشرع، كانوا يهبون ثمر نخلهم ثم يبتاعونه من الموهوب فأقرهم النبي صلى الله عليه وسلم على بعض أحكامه وشرع لهم في باقيه.
قالوا: والمعنى الذي أرخص لنا فيه واستثني من المزابنة ومن بيع التمر بالتمر كيلاً ومن سائر أصول الربا أنا كنا نعري تمر حائطنا فنخرج بأهلنا وخدمنا وقت جداد الثمرة لجمعها فكنا نكره دخول المعري علينا في حوائطنا فأرخص لنا النبي صلى الله عليه وسلم أن نشتريها منه بخرصها ثمراً عند الجداد فنترفه بأن لا يدخل علينا من نكره دخوله، ويترفه المعري بأن نكفيه مؤنة السقي والجداد وغير ذلك.
فقد نقلوا الحكم مفسراً فلا كلام لأحد فيه ولا معارضة، وعلمنا أن ذلك مستثنى من جملة المزابنة لما دخلها من المعروف، كما خصت الحوالة من بيع الدين

الجزء: 13 - الصفحة: 1096

بالدين، وكما خص قرص الذهب من بيع الذهب بالذهب نساء، وكذلك التولية في الطعام.
ومن الإقناع لابن المنذر ويقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أرخص في بيع العرايا أن قوماً شكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الثمار تأتي ولا نقد معهم، ومعهم تمر من بقايا أقواتهم فرخص لهم أن يبتاعوا من الثمار بخرصها مرفقاً بأهل الفاقة.
[فصل 2 - في الأصناف التي يجوز فيها العرايا وهل يجوز للمعري شراؤه] ومن المدونة قال مالك رحمه الله: والعرايا في النخل وفي جميع الثمار كلها مما ييبس ويدخر، وما لا ييبس ولا يدخر مثل التفاح والسفرجل والأجاص وشبهه،

الجزء: 13 - الصفحة: 1097

ومثل القثاء والموز والقصب الحلو والبقول وشبهه لأن العرية هبة الثمرة، وهبة جميع الثمار والبقول جائزة إلا أن ما يدخر منها يشتري بخرصه، وما لا يدخر لا يشترى بخرصه رطباً، كما لا يجوز شراء ما يدخر بخرصه رطباً، قال: ولذلك إن أعراه نخلاً لا يتمر أو عنباً لا يتزبب فلا يشتريه بخرصه تمراً ولا زبيباً نقداً ولا إلى الجداد، ويجوز ذلك كله بعين أو عرض نقداً أو إلى أجل حين جواز بيعه.
قال ابن وهب: قيل لمالك فالرجل يعري بالتين والزيتون وشبهه ثم يشتريه كما يشتري التمر؟ قال أرى أن بيع العرية جائز إذا كان كله مما ييبس ويدخر.
قال ابن المواز: وقد كان من قول مالك لا يشترى مما أعرى بخرصه إلا العنب والنخل.
قال أشهب: ويشتري الزيتون بخرصه إلى القطف إذا كان يبيس ويدخر.
فصل [3 - شروط جواز العرية للمعري] ومن المدونة: قال مالك: فإذا أعراه مما ييبس ويدخر مثل التمر والتين والعنب والجوز واللوز وشبهه جاز لمعريها أن يشتري الثمرة إذا أزهت وحل بيعها لا قبل ذلك بخرصها يابسة إلى الجذاذ إن كانت خمسة أوسق فأقل، فإن كانت أكثر من خمسة أوسق لم يجز بيعها بتمر نقداً ولا إلى الجذاذ ولا بطعام يخالفها إلى أجل ويجوز له ولغيره شراء

الجزء: 13 - الصفحة: 1098

ما أزهى وإن زاد على خمسة أوسق بعين أو عرض نقداً أو إلى أجل أو بطعام يخالفها نقداً ويتعجل جدادها، فإن تفرقا في الطعام قبل القبض والجذاذ لم يجز.
م قال بعض أصحابنا: إن قيل لم اقتصر مالك على خمسة أوسق، وقد شك الراوي في الخمسة أوسق؟، قيل له: قد قيل الشك دخل على الراوي في الخمسة أوسق وفيما دونها، وما دون الخمسة غير محدود، فوجب أن يقتصر على الخمسة الأوسق المحدودة في هذا وإذ هي أصل في الزكاة.
وروى أبو الفرج عن مالك لا يشترى من العرايا بخرصها إلا أقل من خمسة أوسق، شك داود في الخمسة أوسق.
م وهذا أصح لأن الشك إنما يقع في مثل هذا في الأكثر مع أنه قد روى في بعض الأخبار عن جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم (أرخص في العرايا الوسق والوسقين والثلاثة والأربعة)، فهذا يدل على ما دون خمسة أوسق، وأما من احتج بأن الخمسة أوسق أصل في الزكاة فاقتصر عليها، فهذا لو احتج به على أنها لا تكون إلا فيما دون خمسة أوسق لكان أولى؛ لأن الخمسة أوسق إنما جعلت أصلاً في الزكاة؛ لأنها أول

الجزء: 13 - الصفحة: 1099

المال الكثير الذي تجب فيه المواساة، ألا ترى أن الزكاة تجب فيها وما فوقها، فدل أنها في حد الكثرة، وشراء العرايا إنما أرخص فيها لقلتها فيجب أن تكون فيما دونها والله اعلم.
فصل [4 - في عربة النخل أو الشجر قبل أن يكون فيها ثمر] ومن المدونة قال مالك: وتجوز عرية النخل والشجر قبل أن يكون فيها ثمر أو يعرى الرجل ثمر نخلتين أو ثلاث يأكلها عاماً أو عامين أو حياته ولا يشتريها معريها بخرصها حتى تزهي.
قال مالك: ولا يجوز شراء العرية بخرصها تمراً نقداً وإن جدها مكانه.
[قال] ابن المواز: قال أصبغ ويفسخ إن نزل حتى يأتنفا فيها ما يحل، فإن فاتت رطباً رد مثلها إن وجد وإلا فقيمتها.
قال ابن حبيب: وإن تطوع له بتعجيل خرصها قبل الجداد من غير شرط، فذلك جائز.
قال ابن المواز: قال أصبغ: وإذا اشترى ما أعرى من رطب الفواكه التي لا تيبس ولا تدخر وقد أزهت بخرصها يدفعه من غيرها نقداً أو إلى تناهيها لم يصلح ذلك، فإن لم يفت ذلك رد، وإن قبض وفات أنقد ولم يرد، وكأنها هي ضمنها له

الجزء: 13 - الصفحة: 1100

إلى تأخرها، وكذلك في كل عريه ما كانت تدخلها رخصة العرية ورفقها، ولو أجيزت بديا بغير كراهية لم أراه خطأ وإن كنت أتقيه، ولو فسخه فافسخ، لم أعبه ورأيته صواباً.
[فصل 5 - في شراء العرية بتمر من غير صنفها] ومن المدونة: قال مالك: ولا يجوز شراء العرية بتمر من غير صنفها إلى الجداد ولا برطب أو بسر، وإنما يجوز شراؤها بخرصها تمراً من صنفها إلى الجذاذ أو بعين أو بعرض نقداً أو إلى أجل، ولا يجوز شراؤها قبل زهوها بعين ولا عرض إلا على أن يجدها مكانه، ولا يجوز أيضاً بخرصها تمراً جدها أو لم يجدها.
م ولم يأخذ مالك بحديث زيد بن أبي حبيب أنها تشتري بخرصها قبل بدو صلاحها وإن كان فيه زيادة مرفق؛ لأن العمل بالمدينة على خلافه.

الجزء: 13 - الصفحة: 1101

قال مالك: ولا تباع بخرصها من برني وهي عجوة.
قال ابن القابسي: ويجوز إذا حل الأجل أن يعطيه تمراً من غير صنفها كالطعام في القرض الذي يجوز أن يأخذ فيه بعد الأجل خلاف صنفه مثل الكيل بخلاف الطعام من بيع.
م يريد طعاماً باعه فلا يأخذ في ثمنه إلا مثله من صنفه، قال: لأن هذا طريقه المكايسة، والعرايا طريقها المعروف، فالقرض أشبه بها والله اعلم.
م ويلزم على هذا أن يجوز له بيعه قبل قبضه كالقرض.
ولو قيل إنما جاز له أن يعطيه خلافه لأنه قد تقرر له في ذمته تمر موصوف فيجوز إذا تراضيا عند الأجل أن يعطيه خلافه، كمن أسلم في سمراء فله أن يأخذ محموله؛ لأنه بدل ومعروف وليس كمن باع سمراء بثمن إلى أجل فطلب أن يعطيه عند الأجل محمولة فهذا لا يجوز له؛ لأنه إنما كان تقرر له في ذمته عين فإذا أعطاه الطعام لم يصح أن يقال فيه أنه بدل ولا إقالة، وإنما صح من فعله أنه باع طعاماً فأخذ طعاماً.
فإن قيل فالأول أيضاً باع طعاماً وأخذ طعاماً بخلافه؟ قيل الشرع قد أباح له أن يأخذ فيه هذا الطعام الموصوف، فهو كما لو أسلم فيه فافترقا.
م ويلزم على هذا أن لا يجوز بيعه قبل قبضه بخلاف قول ابن القابسي والله أعلم بالصواب.

الجزء: 13 - الصفحة: 1102

[فصل 6 - في حكم تعجيل الخرص قبل الجداد والإجبار على قبض الخرص قبل الأجل وهل في العرية جائحة] وفي الواضحة: إذا تطوع له بتعجيل خرصها قبل الجداد من غير شرط جاز.
قال ابن الكاتب: وعلى هذا لو مات المعري قبل يبسها أخذ من تركته خرصها تمراً؛ لأنه دين عليه حل بموته.
م قيل فهل يجبره المعري على قبض الخرص قبل الأجل؟ فيظهر أن قول ابن القابسي الذي جعله عليه كالطعام من قرض أن له أن يجبره على قبضه.
والصواب أن لا يجبره كالطعام من بيع والله اعلم.
وقد جعل ابن القاسم في العرية الجائحة كسائر البيوع.
وقال أشهب: لا جائحة فيها لأن طريقها المعروف، وهذا يؤيد أن هذه المسائل تجري على القولين.
[فصل 7 - فيمن نكح بثمرة بعد زهوها ثم أجيحت] م واختلف فيمن نكح بثمرة بعد زهوها هل فيها جائحة فروى [أبو زيد] عن ابن القاسم في العتبية أن لا جائحة فيها، والمصيبة من المرأة، وقال ابن الماجشون: فيها كالجائحة كالبيع.
م وهذا أقيس.

الجزء: 13 - الصفحة: 1103

م ووجه قول ابن القاسم أن النكاح طريقه المكارمة فلم يكن فيه جائحة، وفرق ابن القاسم بين النكاح والعرية في الجائحة، وكان يجب أن لا يفرق بينهما؛ لأن طريق ذلك المكارمة بخلاف البيع.
م والصواب عندي أن لا فرق بينهما ويكون القياس أن لا جائحة فيها؛ لأن طريق ذلك المكارمة أو يكون في ذلك الجائحة؛ لأنها ثمن البضع وثمن في العرية للخرص الذي يدفعه عوضاً عنها والله أعلم.
[فصل 8 - في بيع العرية بعجوة من صنفها من حائط آخر معين] ومن المدونة: قال مالك: ولا يجوز بيعها بعجوة من صنفها من حائط آخر معين ولكن بتمر من صنفها مضمون عليه، وما عدا وجه رخصته صار مزابنة، وهي مرفق للمعرى في رفع ضرر الدخول عليه، وللمعري في حمل السقي والعمل عنه، وقد أجيز بدل دينار بأوزن منه معروفاً وحرم بيعاً، وكذلك التولية والإقالة في الطعام جائزة، وحرام بمعنى التكايس.

الجزء: 13 - الصفحة: 1104

فصل [9 - في من اشترى عريته من حائط هل له بيع جميع ثمرة ذلك الحائط] قال مالك: ولمن ابتاع عريته من حائط بخرصها بيه جميع ثمرة ذلك الحائط رطباً، وليس للمعري طلبه بالخرص إلا إلى الجداد؛ لأن ذلك في ذمته، وليس عليه أن يعطيه ذلك من ثمر حائط بعينه.
[فصل 10 - في بيع المعري أصل حائطه دون الثمرة أو العكس وفي العرية يبيعها صاحبها من رجل ثم يشتريها من الذي أعراها] قال مالك: وإذا باع المعري أصل حائطه دون ثمرته، أو ثمرته دون أصله أو الثمرة من رجل والأصل من آخر، جاز لمالك الثمرة شراء العرية الأولى بخرصها إلى الجداد.
قال: ولو باع المعري عريته بعد الزهو بما يجوز له أو وهبها جاز لمعريها شراؤها بالخرص ممن صارت له، كمن أسكنته داراً حياته فوهب سكناها لغيره كان لك أنت شراء السكنى من الموهوب كما كان لك شراؤه من الذي وهبته له.
قال: ولا يجوز لمن أسكنته حياته أن يبيع سكناه من غيره لأنه غرر وله أن يهبه.
م قال بعض أصحابنا: وإذا باع المعري أصل حائطه وثمرته جاز له شراء العرية على قول ابن القاسم لأنه يجيز شراءها لوجهين: للمرفق ولدفع الضرر، فهذا أرفق

الجزء: 13 - الصفحة: 1105

بالمعري.
وأما على قول غيره الذي لا يراعي إلا الضرر خاصة فلا يجوز له شراؤها.
فصل [11 - من ملك نخلة في حائط فهل لصاحب الحائط شراء ثمرتها بالخرص] ومن المدونة: قال مالك: وإذا ملك رجل نخلة في حائطك فلك شراء ثمرتها منه بالخرص ممن صارت له، كالعرية إن أردت بذلك رفقه بكفايتك إياه مؤنتها، وإن كان لدفع ضرر دخوله فلا يعجبني وأراه من بيع التمر بالرطب؛ لأنه لم يعره شيئاً، وأما العرية فيجوز شراؤها بالخرص لمعريها لوجهين: إما لدفع ضرر دخوله وخروجه أو لمرفق في الكفاية.
وقال بعض كبار أصحاب مالك: لا يجوز للمعري شراء ما أعرى إلا لدفع الضرر، ولا يجوز له شراء نخلة أصلها لغيره في حائطه، قال: وليس بقياس ولكن موضع تخفيف.
قال مالك: ولمعري خمسة أوسق شراء بعضها بالخرص، وإن أعرى أكثر من خمسة أوسق، فله شراء خمسة أوسق، وقد يجوز لمن أسكن رجلاً حياته شراء بعض السكنى، ومن مات من معري أو معرى جاز لورثته ما جاز له.
وقال بعض كبار أصحاب مالك إذا أعراه خمسة أوسق فأدنى فلا يجوز أن يشتري بعض عريته؛ لأن الضرر الذي به أرخص قائم بعد.

الجزء: 13 - الصفحة: 1106

م قال بعض أصحابنا: وإذا أعراه أكثر من خمسة أوسق فاشترى خمسة أوسق بالخرص والزائد عليها بالدنانير والدراهم، فقال بعض شيوخنا من أهل بلدنا: أنه جائز، ومنع منه بعضهم.
قال: والصواب ألا يجوز لأنها رخصة خرجت عن حدها كما لو أقاله من طعام ابتاعه قبل قبضه، وباعه سلعة في عقد واحد وكمساقاة وبيع، وقراض وبيع ونحو ذلك من الرخص؛ لأنه لا يجوز فكذلك هذا.
[فصل 12 - في الرجل يعري أكثر من خمسة أوسق ثم يريد شراءها] قال ابن القاسم: ومن أعرى جميع حائطه وهو خمسة أوسق أو أدنى جاز له شراء جميعه أو بعضه بالخرص.
وتوقف لي مالك في شراء جميعه بالخرص، وبلغني عنه إجازته والذي سمعت أنا منه إجازة شراء بعضه، وذلك عندي سواء وإن لم يدفع به ضرراً كما جاز شراء جميع السكنى أو بعضها ولا يدفع به ضرراً.
م وذكر عن الشيخ أبي عمران أنه قال: لا يجوز شراء العرية إلا بعد طيبها، كانت [العرية] سنة أو سنين كثيرة.
م يريد سواء كان شراؤها بالعين أو بالخرص.
وقال غيره: إذا طالت السنون جاز ذلك.

الجزء: 13 - الصفحة: 1107

م يريد بالعين على قوله لا تباع بالخرص إلا بعد الزهو وأما على ما روي عن يزيد بن أبي حبيب فيجوز على هذا القول أن تباع بخرصها تمراً، يدفع إليه الخرص كل عام تخرص إذا طابت كل سنة، فيدفع إليه ذلك الخرص، كما جاز له شراؤها في سنة قبل بدو صلاحها بالخرص والله اعلم.
وذكر عن ابن شلبون أنه قال: إذا كان الأجل حياة المعري جاز شراء العرية بالعين للضرورة وأما بخرصها فلا يجوز إلا لما أزهى من التمر، ولا يجوز شراء ما بعده بالخرص، وأما إذا كانت العرية أمداً يسيراً كالسنتين والثلاث فلا يجوز للمعري شراؤها بالدنانير والدراهم.
وقول أبي عمران عندي أصوبها.
م قال بعض أصحابنا: سألت أبا بكر بن عبد الرحمن عمن أسكن رجلاً داراً حياته ثم اشتراها بسكنى دارٍ مدة معلومة فانهدم المسكن المعلوم قبل تمام الأجل، فقال: يرجع في السكنى حياته، قيل: فيرجع من معلوم إلى مجهول، فهلا يرجع بقيمة بقية السكنى المعلومة؟ فقال: يحتمل أن تكون كمسألة من صالح على الإنكار فاستحق ما أخذ المدعي.
فقيل: يرجع بقيمة المستحق.
وقيل يرجعان على الخصومة، وقول من قال يرجعان إلى الخصومة ضعيف.

الجزء: 13 - الصفحة: 1108

وقال غيره من الشيوخ القرويين: إنما يرجع بقيمة السكنى المؤجلة كالخلع بعوض يستحق أو النكاح به أو أخذه من دم عمد أنه [إنما] يرجع بقيمة المستحق ونحا إلى أن يدخل ذلك القولان اللذان في مسألة الصلح.
م وهذا هو الصواب عندي.
وقال غيره من القرويين: إنما يرجع في السكنى حياته؛ لأنه العوض ولا يدخله اختلاف مسألة الصلح، قال: وهذا القول أصوبها.

فصل [13 - في الرجل يعري أناساً من حوائط له ثم يريد شراءها] قال مالك: ومن أعرى أناساً شتى من حائط له في بلد واحد أو في بلدان شتى خمسة أوسق لكل واحد أو أقل أو أكثر جاز له أن يشتري من كل واحد قدر خمسة أوشق أو أدنى، وكذلك إن أعراهم كلهم حائطاً له.
قال في كتاب ابن المواز: ومن أعرى نفراً هذا وسقين وهذا وسقين حتى أعرى جماعة أكثر من خمسة أوسق، فله شراء جميعه بالخرص، وقد وقف عنه مالك ثم أجازه.

الجزء: 13 - الصفحة: 1109

[فصل 14 - في الشركاء يعرون رجلاً واحداً] ومن المدونة: قال مالك: والشركاء في الحائط إذا أعروا منه رجلاً خمسين وسقاً، جاز لكل واحد منهم شراء خمسة أوسق منه فأدنى.
[قال] ابن حبيب قال ابن الماجشون: إذا أعرى نفر لرجل فلا يجوز لواحد منهم شراء عريته منه دون شركائه؛ لأن المعري يدخل الحائط لبعض جده فلم يدفع مشتري ذلك ضرر دخوله، فهو كمشتري بعض العرية.
قال وأجاز ذلك ابن القاسم.
قال بعض أصحابنا: حكي لي عن أبي الحسن بن القابسي: في رجل يعري حوائط له يجوز له أن يشتري خمسة أوسق من كل حائط، أعرى الحوائط لرجل واحد أو لرجال.
قال: وبلغني أن أبا محمد بن أبي زيد قال: إن أعرى تلك الحوائط لرجل واحد فلا يشتري من جميع الحوائط بالخرص إلا خمسة أوسق.
قال حاكي القولين: ويظهر لي أنه إن كان أعرى ذلك لرجل واحد في لفظ واحد وعقد واحد فهي عرية واحدة ولا يشتري من تلك الحوائط [بالخرص] إلا خمسة أوسق فقط، وإن أعراه ذلك في أوقات مختلفة مفترقة، فيحسن هاهنا أن يشتري من كل حائط خمسة أوسق بخرصها؛ لأنها عرية بعد عرية.
قال بعض أصحابنا: يؤيد ذلك قول مالك فيمن اشترى حوائط فأصابتها جائحة أنه إن كان شراء ذلك في صفقات، فجائحة كل حائط على حدته، وإن كان في صفقة واحدة روعي ثلث الجميع.

الجزء: 13 - الصفحة: 1110

[الباب الثاني]

في زكاة العرية وسقيها وجائحتها وحيازتها

[الفصل 1 - في زكاة العرية وسقيها] قال مالك: وزكاة العرية وسقيها على رب الحائط وإن لم تبلغ خمسة أوسق إلا مع بقية حائطه.
قال ابن القاسم: وسواء في ذلك أعراه جزءاً شائعاً أو نخلاً معينة أو جميع الحائط.
قال أبو محمد: يريد يعطيه جميع ثمرة الحائط ويكون عليه أن يزكى عنه من غيره.
قال ابن المواز: قال مالك: ومن باع ثمراً في شجرة بعد جواز بيعه فالسقي على البائع، ومن باع الأصول وفيها ثمرة مأبورة فهي للبائع إذا لم يشترطها المبتاع والسقي على البائع.
وقال المخزومي: ذلك على المشتري لأنه يسقي نخلة فتشرب ثمرة هذا.
ومن المدونة: قال مالك: ولو تصدق بثمرة حائطه [قبل زهوه] على المساكين كان السقي عليه ولا يحاسب به المساكين.
ولو وهب ثمر حائطه أو جزءاً منه أو ثمر نخل معينة سنين قبل الزهو أو أعمر ذلك لم يجز له شراء ثمرة ذلك أو بعضه بالخرص ولكن/ بعين أو عرض والسقي في ذلك على

الجزء: 13 - الصفحة: 1111

الموهوب أو المعمر وعليه الزكاة إن بلغ حظه ما فيه الزكاة، وإن لم يبلغ فلا زكاة على واحد منهما.
قال ابن القاسم: وقال أكابر أصحابنا أن العرية مثل الهبة.
م يعني أن على المعري زكاتها وسقيها.
قال: وفرق مالك بينهما في السقي والزكاة.
وقال ابن المواز: اختلف في زكاة العرية فقيل على رب الحائط، وقيل على المعري إلا أن يكون أعراها بعد طيبها، قال: وهذا أحب إلينا، ولم يختلفوا أن السقي فيها على رب الحائط.
وقال سحنون: إذا كانت العرية والهبة بيد المعطي يسقي ذلك ويقوم عليه فالزكاة عليه، وإن كانت بيد المعرى أو الموهوب يقوم عليه فالزكاة عليه.
وقال أشهب: زكاة العرية على المعري كالهبة إلا أن يعريه بعد الزهو، وما روي عن مالك أنها على رب الحائط فخطرة رمى بها.
وقال ابن حبيب: الزكاة والسقي على المعري أعراه الحائط أو بعضه أو نخلات بعينها قال: وسواء سماها عرية أو هبة فله حكم العرايا في ذلك وفي شرائها بخرصها، وأنكر قول بن القاسم في التفرقة بين العرية والهبة.
قال: وهل الهبة إلا ترجمة العرية، فلا يفرق اللفظ بينهما.
م وتحصيل اختلافهم.
قول: زكاة العرية والهبة وسقيها على الموهوب والمعري.
وقول: أن ذلك كله على رب الحائط.
وقال ابن القاسم: في العرية أن ذلك على رب الحائط، وفي الهبة على الموهوب وقال سحنون: ذلك على من كانت بيده وولي القيام عليها.
وقول: أن السقي على رب الحائط، والزكاة على من له الثمرة.

الجزء: 13 - الصفحة: 1112

[فصل 2 - في حيازة العرية] قال ابن حبيب: وحيازة العرية بوجهين: قبض الأصول، وأن يطلع فيها ثمر قبل موت المعرى، وإن قبضها ولم يطلع فيها ثمر حتى مات المعري بطلت، وإن طلع التمر ولم تقبض الشجر حتى مات المعري بطلت، قاله مالك.
وقال أشهب في كتاب ابن المواز: إن مات بعد الإبار فهو حوز؛ لأن المعطي يدخل ويخرج ولا يمنع، وكمن وهب أرضاً بصحراء فحوزها أن تسلم إليه وإن مات ربها قبل أن تؤبر فلا شيء للمعرى إلا أن تكون العرية مما يسلم إلى المعري فتحاز، فإنه إن لم يحز حتى مات ربها فلا شيء له، وإن حازه جاز ذلك وإن لم تؤبر.
م وهذا هو الصواب وخير من كلام ابن حبيب.
وقال ابن القاسم في كتاب الهبات إذا وهبه ما تلد أمته أو ثمر نخلة عشرين سنة جاز ذلك إذا حوزه الأصل أو الأمة أو حاز ذلك له أجنبي، وهذا يدل على خلاف ما قال ابن حبيب لأن ثمر عشر سنين لم يأت بعد.

الجزء: 13 - الصفحة: 1113

[فصل 3 - في الجائحة في العرايا] قال أبو الفرج: ومن أعرى خمسة أوسق من حائط بعينه فأجيح الحائط إلا مقدار خمسة أوسق كانت للمعرى قياساً على قول مالك فيمن حبس على قوم حائطاً وعلى قوم خمسة أوسق منه فأجيح إلا مقدار خمسة أوسق أن أصحاب الخمسة الأوسق مقدمون على من سواهم.

الجزء: 13 - الصفحة: 1114

[الباب الثالث]

في المنحة وبيعها وحيازتها

[الفصل 1 - في حكم العرية والرجوع فيها وشراؤها من الممنوح وكذلك أحكام السكنى] قال مالك: ولا بأس أن تمنح رجلاً لبن غنم لك أو إبل أو بقر يحلبها عاماً أو أعواماً، ولا رجوع لك في منحة أو عرية أو إخدام عبد أو إسكان دار، تعميراً أو تأجيلاً مسمى، ولا بأس بشراء ما منحته أو أعريته أو أسكنته بعين أو عرض أو طعام نقداً أو مؤجلاً، لجواز أن تبيع شاة لبوناً بطعام إلى أجل.
ولا باس أن تبتاع هذه السكنى وإن كانت تعميراً بسكنى دار لك أخرى أو خدمة العبد بخدمة عبد لك آخر.
قال سحنون/: يعني إذا كان الذي يعطيه من سكنى دار أو خدمة عبد إلى أجل مسمى أو رقبتهما بتلا.
م وذكر عن أبي الحسن بن القابسي أن ذلك جائز على مذهب ابن القاسم أن يشتري ما اسكنه حياته بسكنى دار له أخرى حياته؛ لأن ذلك كله على وجه المعروف.

الجزء: 13 - الصفحة: 1115

قال: ورأى سحنون أن الثاني على طريق المبايعة.
م ولو كان الثاني على طريق المبايعة لما جاز؛ لأن الأول الذي يأخذ منه مجهول، فجوازه ذلك كله على سبيل المعروف أولاً، وقد ذكر أن أبا محمد يرى أن قول سحنون تفسير لقول ابن القاسم واستحسنه.
م ذكر لنا عن أبي عمران فيمن اشترى عمراً كثيرة أعمرها رجلاً فاستحق بعضها أنه لابد من قبض الثمن على قدر قيم المنافع لا على قيم الرقاب، والقياس مراعاة حل الصفقة كهبة الثواب، وذكر عن أبي بكر بن عبد الرحمن أنه قال: هذا عندي مخالف للبيوع، وليس له رد ما بقي ويقضي الثمن على قدر الانتفاع.
ومن كتاب الصلح: وإذا أوصى بما في بطن أمته لرجل لم يجز للورثة مصالحته على شيء من ذلك بخلاف السكنى وخدمة العبد وغلة النخل؛ لأن ذلك مرجع إليهم ولا يرجع للحمل وهذه غلات، والولد ليس بغلة، ويجوز رهن هذه الأشياء ولا ترهن الأجنة.

الجزء: 13 - الصفحة: 1116

[فصل 2 - بم تكون الحيازة في المنحة وخدمة العبد وسكنى الدار] قال ابن حبيب: ومن منح لبن شاة فحازها الممنوح فمات المانح قبل أن يجئ فيها لبن فلا شيء للممنوح كما قلنا في الثمرة، وأما خدمة العبد وسكنى الدار فحوز الرقبة موجب لتمام الحيازة؛ لأن ذلك قائم النفع، واللبن لم يكن بعد.
وقال ابن المواز: من منح لرجل لبن غنم أو أسكنه داراً أو أخدمه ثم مات رب الدار أو مولى العبد بعد الحوز فهي للمعطي، وإن مات قبل أن تحاز عنه الغنم والدار والعبد فهي ميراث.
وكذلك إن أشهد أن فرسه حبس في السبيل بعد السنة فمات ربه قبل السنة، أو منح رجلاً بعيراً إلى الزراع أو تصدق على غائب بدار فلم يقدم ليحوز حتى مات رب الدار ثم مات ربه قبل ذلك، فذلك كله باطل وهو موروث.
م يريد وإن حل الأجل وحيز ذلك كله فهو نافد.
وقول محمد خير من كلام ابن حبيب.
تم كتاب العرايا من الجامع لابن يونس والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً ..

الجزء: 13 - الصفحة: 1117

فصول الكتاب · 78 فصل
فصول الجامع لمسائل المدونة
المقدمةالمقدمةكتاب الصلاة الأولكتاب الصلاة الثانيكتاب الجنائز من الجامعكتاب الصوم من الجامعكتاب الاعتكافكتاب الزكاة الأولكتاب الزكاة الثاني من الجامعكتاب الحج الأول من الجامعكتاب الحج الثاني من الجامعكتاب الحج الثالث من الجامعكتاب الصيد من الجامعكتاب الذبائح من الجامعكتاب الضحايا من الجامعكتاب العتق الأول من الجامعكتاب المكاتب الأولكتاب السلم الأولكتاب السلم الثانيكتاب السلم الثالثكتاب الصرفكتاب الرهنكتاب بيوع الآجالكتاب البيوع الفاسدةكتاب بيع الخياركتاب المرابحةكتاب اشتراء الغائبكتاب الوكالاتكتاب التجارة إلى أرض الحربكتاب جامع لأبواب متفرقةكتاب العراياكتاب العيوب والتدليسكتاب الصلحكتاب الجوائحكتاب الجعل والإجارةكتاب المساقاةكتاب القراضكتاب الأقضيةكتاب كراء الرواحل والدوابكتاب كراء الدور والأرضينكتاب الشركةكتاب الشهادة الأولىكتاب الشهادة الثانيكتاب الرجوع عن الشهاداتكتاب المديانكتاب الرجوع عن الشهاداتكتاب التفليسكتاب الحمالةكتاب المأذون له في التجارةكتاب اللقطةكتاب الضوالكتاب الإباقكتاب حريم الآبار وإحياء المواتكتاب الغصبكتاب الوديعةكتاب العاريةكتاب العدةكتاب الاستحقاقكتاب الحبسكتاب الصدقةكتاب الهبة والهباتكتاب الهباتكتاب الوصايا الأولكتاب الوصايا الثانيكتابً الوصايا الثالثكتاب الشفعة الأولىكتاب الشفعة الثانيكتاب القسم الأولكتاب القسم الثانيكتاب الفرائض الثانيكتابكتاب المحاربين والمرتدينكتاب القذفكتاب الأشربةكتاب الجراحكتاب الجناياتكتاب الدِّياتكتاب الجامع
جارٍ التحميل