الجامع لمسائل المدونةصفحات 965-1004

كتاب المكاتب الأول

صفحات 965-1004

يُبنه؛ لأنه حكم بين مسلم وذمي، وأما إذا ابانه؛ فذلك يلزمه، وإن لم يسلما، فلو كان الحكم للبينونة لم يكن لذكر الإسلام معنى، والله أعلم وقد جرى في كتاب العتق من هذا والله الموفق للصواب.
ومن المكاتب قال غيره: وإذا كاتب النصراني عبده النصراني، لم يكن له نقض الكتابة؛ لأن هذا من التظالم بينهم الذي لا ينبغي للحاكم أن يتركهم وذلك.
ومن العتبية قال سحنون في النصراني يكاتب عبده النصراني بمائة قسط من خمر ثم أسلم المكاتب بعد أن أدى نصف الخمر قال: على المكاتب نصف قيمة نفسه عبداً قناً، أو يكون عليه نصف كتابة مثله في قوته على السعاية، وكذلك لو كان إنما أسلم السيد؛ الجواب واحد.
وذكر ابن حبيب مثله عن ابن الماجشون إلا أنه قال: يكون عليه حصة ما بقي من كتابة مثله، إن ثلث فثلث وإن ربع فربع.
ومن المدونة قال مالك: وإذا اشترى ذمي عبداً مسلماً؛ لم يفسخ شراءه، ولكن يباع عليه من مسلم، فإن كاتبه قبل أن يباع عليه أو كاتب عبده النصراني ثم أسلم العبد بعد الكتابة؛ فإن كتابة هؤلاء كلهم تباع من مسلم، فمن عجز منهم رق لمشتريه، وإن أدى عتق وكان حراً، وولاءه الذي كوتب وهو مسلم للمسلمين دون مسلمي ولد سيده الذمي، ثم إن أسلم سيده بعد ذلك، لم يرجع إليه ولاؤه؛ لأنه قد كان ثبت للمسلمين، وأما الذي أسلم بعد الكتابة فولاؤه لمن يناسب سيده من المسلمين من ولد ذكر أو عصبة، فإن لم يكونوا؛ فالجميع المسلمين، ثم إن أسلم سيده بعد ذلك رجع إليه ولاؤه؛ لأن ولاءه قد كان ثبت له حين عقد كتابته وهو على دينه.

قال سحنون: ومعنى رجوع الولاء في هذا؛ إنما هو الميراث، فأما الولاء فلا ينتقل عمن ثبت له.
وإذا أسلمت أم ولد الذمي فقال مالك مرة: توقف حتى تموت، أو يسلم فتحل له، ثم رجع وثبت على أنها تعتق ولا شيء عليها من سعاية ولا غير ذلك وولاؤها للمسلمين إلا أن يسلم سيدها بعد أن أعتقت عليه فيرجع إليه ولاؤها.
قال ابن القاسم في كتابة أمهات الأولاد: وإن أسلم سيدها بعد إسلامها وقبل أن تعتق؛ فهو أحق بها وتبقى له أم ولد، كما كانت، وإن طال ما بين إسلامها ما لم تعتق بقضية إمام.
قال في المكاتب: وأما إن أسلم ولده بعد أن أسلمت؛ فإنها تعتق عليه، وولاؤها للمسلمين، ولا يرجع إليه ولاؤها إن أسلم.
م: يريد وإن أسلم قبل أن تعتق عليه؛ فإنها تبقى له أم ولد، وولاؤها ثابت للمسلمين، لا يرجع إليه، كما لو دبر عبده بعد أن أسلم؛ فإنه يؤاجر عليه، فإن أسلم السيد أيضاً: رجع إليه مدبره، فإن مات وعتق في ثلثه كان ولاؤه للمسلمين، وبالله التوفيق.
قال: فيها قولان: أحدهما: أن ميراثه كله للسيد كالعبد.

والقول الآخر: أن تؤخذ القيمة من السيد فيأخذ السيد منها باقي الكتابة، ثم يكون الفضل لقرابة السيد؛ فإن لم يكن له قرابة فهو للمسلمين.
فقيل له: كيف يغرم القيمة ويأخذ منها الكتابة؟ فقيل: الكتابة كدين له فلذلك أخذها من القيمة؛ كالرجل يقتل غريمه عمداً، إن دينه لا يسقط عنه، ولم يصرح إذا كان الدين إلى أجل هل يبقى إلى أجله، أو يحل بقتله إليه؟ وكأنه نحا إلى أن دينه يحل على ما ذكره السائل.
م: ومن مسائل ابن الكاتب -رضي الله عنه- قال: قول ابن القاسم إذا عجز المكاتب رجع ماله للسيد، وصار محجوراً عليه، ليس يريد عجزه عن الكتابة كالانتزاع، إنما أراد: أن العبد لا يجوز له التصرف في ماله، تدل على ذلك مسألة التدليس إذا وجد السيد عيباً فيما ولى المكاتب شراؤه وقد عجز، ومسألة أمهات الأولاد إذا أسلمت أم ولد المكاتب الذمي فإن عجز المكاتب؛ فإن كان مولاه مسلماً كان مثل النصراني يشتري أمة مسلمة فلو كان ماله يصير لسيده إذا عجز المكاتب لكانت أم ولده لسيده، ولم يحتج إلى بيعها.
وقيل عن الشيخ ابن سعيد: إنما يرجع المكاتب على حالته التي كان عليها قبل الكتابة، إن كان مأذوناً له رجع كذلك، وإن كان غير مأذون له، رجع كذلك.
والمشهور من قول ابن القاسم خلاف هذا.
ومسألة عجز المكاتب الأعلى أن الأسفل يؤدي إلى السيد الأعلى، دليل على ما قلنا إذ لم يجعله يؤدي إلى المكاتب العاجز، فلو كان باقياً على ملكه لكان يؤدي إليه.
تم المكاتب الأول بحمد الله وحسن عونه وتأييده ونصره].

بسم الله الرحمن الرحيم عونك يا الله وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم تسليما كتاب المكاتب الثاني في إسلام أحد مكاتبي الذمي، وهروب مكاتبه إلى بلد الحرب قال مالك قال ابن القاسم: وإذا كاتب النصراني عبدين له نصارى كتابة واحدة فأسلم أحدهما فأحسن ذلك عندي: أن تباع كتابتهما جميعاً من مسلم ولا يفرقا لعقد الحماية رضيا أم كرها.
وكذلك إن كاتب عبداً له نصرانياً، فولد لمكاتبه ولد في كتابته من أمته، ثم أسلم ذلك الولد دون أبيه؛ فإنه تباع كتابتهما جميعاً.
م: ومعنى قوله: رضيا أم كرها: أي رضيا ببيع المسلم وحده؛ لأجل الحمالة، فلذلك لم يجزه؛ لأنهما يصيرا مكاتبين لرجلين أحدهما حميل بصاحبه، وأما لو رضوا بحل

الحمالة وفضوض الكتابة، وعلما ما يقع على كل واحد منهما؛ لجاز للسيد بيع كتابة المسلم منهما، كما لو أعتق السيد أحدهما، فرضي بذلك صاحبه: أنه يجوز.
ويحتمل: أن يكون إنما أجازه في العتق خاصة لحرمته ويستأنس بأن لا يجيزه في البيع وإن رضيا بحل الحمالة لقول ربيعة الذي لا يجيزه في العتق وإن رضوا، والله أعلم.
فصل قال ابن القاسم: وإن غنمنا مكاتباً لذمي أو لمسلم هرب أو أسر رد إلى سيده إن عرف سيده، غاب أو حضر، ولا يقسم وإن عرف أنه مكاتب ولم يعرف سيده أقر على كتابته، وبيعت كتابته في المقاسم مغنماً، ويؤدي إلى من صار إليه، فإن أدى كان حراً ولاؤه للمسلمين، وإن عجز رق لمن صار إليه.
م: وإن لم يعلم أنه مكاتب ولا علم سيده فبيعت رقبته في المغانم، ثم أتى سيده، قال في العتبية يقال للمكاتب: أد ما اشتراك به هذا وقم بنجومك؛ فإن فعل فذلك له، وإن

ألقى بيده وعجز نفسه؛ فقيل لسيده: إن شئت فافده وهو عبد لك لا كتابة فيه، أو فأسلمه رقيقاً للذي هو في يديه كالجناية، وفي كتاب الجهاد إيعاب هذا.
في الدعوة في الكتابة وبعثها إلى السيد قال ابن القاسم: وإذا قال السيد لمكاتبه قد حل نجم، وقال المكاتب: لم يجل؛ فالقول قول المكاتب؛ لأنه غارم، كقول مالك فيمن أكرى داره سنة، أو باع سلعة بدنانير إلى سنة، فادعى حلوها فالمكتري أو المبتاع مصدق إن أكذبه.
قال ابن القاسم: وإن اتفقا أن الكتابة خمسون، وقال المكاتب: نجمتها على عشرة أنجم في كل نجم خمسة، وقال السيد: بل خمسة أنجم، في كل نجم عشرة؛ صُدِّق المكاتب مع يمينه، فإن أتيا ببينة؛ قضيت بأعدلهما، وإن تكافأتا صدق المكاتب، وكانا كمن لا بينة لهما، وقاله أشهب.
وقال غيره: يقضى ببينة السيد؛ لأنها زادت ألا ترى أن لو قال السيد: الكتابة ألف درهم، وقال المكاتب: تسعمائة؛ صُدِّق المكاتب، وإن أتيا ببينة قضى ببينة السيد لأنها زادت.
[قال أبو إسحاق: وقول ابن القاسم أعدل؛ لأن هذا تكاذب إذا كان في مجلس واحد، وكذلك القياس عنده في الزيادة أنها تكاذب، وأما جعل الغير أن الزيادة هاهنا لها حكم؛ وهي بينة السيد، فجعل الزيادة من جهة المعنى، وإلا فعشرة أشهر أكثر من خمسة في عدد الأشهر، ولكن من جهة هذا المعنى هذا المعنى أن الزيادة في الثمن إنما جاءت من جهة السيد وانظر

لو قال: كاتبني على عشرين ديناراً، وقال السيد: بل عبد موصوف أو عرض، فإذا قدرنا أن الكتابة فوق إذ لو لم يكن فوتاً لكانا يتحالفان ويتفاسخان في اختلافهما في القلة والكثرة مع اتفاقهما في الجنس الواحد، وإذا حكمنا في الجنس الواحد أن القول قول المكاتب مع يمينه وجب أن يرجع في اختلافهما في الجنس إلى قيمة، وانظر هل يرجع إلى كتابة مثله مؤجلة أو قيمة حالة؛ لأنا وجدنا في السلع إذا اختلف المتبايعان في جنسين أو في النكاح إذا اختلفا في جنسين؛ أن المرأة ترجع في الفوت إلى صداق المثل دراهم، والمتبايعان يرجعان إلى قيمة المبيع دراهم، ووجدنا اختلافهما في القلة والكثرة في المسلم فيه بعد الفوت يرجعان إلى الأوسط من سلم الناس على ما ذكره ابن المواز.
م: وهذا الذي احتج به الغير من اختلافهما في عدد مال الكتابة خاصة لا يخالفه فيه ابن القاسم ولا يلزمه به في مسألة اختلافهما في عدد النجوم حجة؛ لأن كل بينة فيها قد زادت بينة المكاتب زادت عدد النجوم، فانتفع بالتأخير وبقلة ما يقع لكل نجم، وبينة السيد زادت بكثرة ما يقع لكل نجم وبقلة النجوم، فيجب عند تكافئهما أن يسقطا، وأما في اختلافهما في عدد المال خاصة فبينة السيد قد انفردت بالزيادة؛ فلذلك قضي بها، وبالله التوفيق.
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن ادعى المكاتب أنه كوتب بمائة، وقال السيد: بمائتين؛ صدق المكاتب إن كان قوله يشبه؛ لأن الكتابة فوت، ولأن مالكاً قال فيمن اشترى عبداً فكاتبه أو دبره أو أعتقه واختلفا في الثمن: إن القول قول المشتري لأنه فوت.
قال محمد بن عبد الحكم: قد اختلف في ذلك ابن القاسم وأشهب: فكان أشهب يرى أن القول قول السيد.
والحجة له: أنه يقول: أنت مملوكي فلا تخرج إلى الكتابة إلا بما أقر لك، وذلك كالبيع، يختلفان فيه فالقول قول البائع، والمبتاع مخير.

والحجة لابن القاسم في قوله: إن القول قول المكاتب: إن الكتابة قد وجبت وهي فوت، فالسيد يدعي فضلاً، والعبد ينكر، فالبينة على المدعي، وعلى المنكر اليمين.
واختار بن المواز قول بن القاسم واحتج بمثل حجته في المدونة.
ومن المدونة: قال ابن القاسم وكان مالك مرة يقول: إذا قبض المبتاع السلعة وبان بها وهي قائمة بعينها؛ فهو مصدق في الثمن مع يمينه، ثم رجع إلى أن يتحالفان ويترادا إن لم تفت السلعة بحوالة سوق فأعلى.
قال ابن حبيب عن أصبغ: فيمن قاطع عبده على مائة، وقال: هي حالة، وقال العبد: [إلى أجل؛ فالسيد مصدق مع يمينه، ولو كاتبه على مائة وقال: هي حالة، وقال العبد: هي] منجمة صدق العبد مع يمينه.
م: لأن سنة القطاعة التعجيل، وسنة الكتابة التنجيم، وهو العرف فيهما فمن ادعى العرف فالقول قوله.
م: ومن كان القول قوله حلف وقضى بما ادعى، فإن نكل حلف الآخر وقضى بما ادعى، فإن نكل لزمه ما ادعي عليه به، وذلك كاختلاف المتبايعين بعد فوت السلعة؛ لأن القطاعات والكتابة فوت.

م: وهذا على قول ابن القاسم في اختلاف المتبايعين يدعي البائع الحلول، والمبتاع الأجل؛ أن القول قول البائع، وأما على قوله القول قول المبتاع؛ فيجب أن يكون القول قول العبد؛ لأن القطاعة كفوت السلعة.
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإذا بعث المكاتب بكتابته إلى سيده وأنكر قبضها؛ فإن لم يقم الرسول بينة بالدفع؛ ضمن، كمن بعث بدين عليه أو امرأة اختلفت من زوجها بما فبعثت به إليه؛ فإن لم يقم الرسول بينة بالدفع وإلا ضمن، وقاله مالك.
ما يحل ويحرم في الكتابة من خيار أو رهن أو حمالة قال ابن القاسم: ومن كاتب عبده على أن السيد أو العبد بالخيار يوماً أو شهراً فلا بأس به، والخيار في الكتابة جائز كالبيع.
ومن كاتب أمته على أن أحدهما بالخيار فولدت ولداً في أيام الخيار؛ دخل الولد في الكتابة معها، فإن كان الخيار لها: كانت وولدها على الكتابة إن أحبت، وإن كرهت رجعت رقيقاً، وإن كان الخيار للسيد: فله أن يدخل ولدها معها في الكتابة على ما أحبت أو كرهت، أو يردها وولدها في الرق كالأمة المبيعة بالخيار تلد في أيام الخيار أن ولدها يدخل معها في إمضاء البيع أو رده لمن له الخيار بالثمن المشترط، ولا شيء على المبتاع من نقص الولادة إن ردها.
وولد المكاتبة في أيام الخيار أبين في دخوله معها في الكتابة على ما وصفنا.

وقال أشهب: الولد للسيد ولا يدخل في الكتابة إذا لم تتم إلا بعد الولادة، وكذلك أرش جنايتها، وما وهي لها فهو لمالكها قبل وجوب الكتابة، وكذلك الولد في البيع للبائع، ولا ينبغي للمبتاع أن يختار البيع للتفرقة، فإن اختاره وقبض الأم؛ قيل لهمام: إما أن يضم المشتري الولد إلى أمه، أو يأخذ البائع الأم فيجمعان بينهما في حوز أحدهما وإلا نقضنا البيع.
وقال ابن القاسم: أما ما وهب للأمة أو تصدق به عليها في أيام الخيار؛ فهو للبائع بخلاف الولد.
م: وهذا رجوع من ابن القاسم إلى أصل أشهب؛ لأن أشهب: يرى في بيع الخيار أنما انعقد يوم وقع الاختيار؛ فما ولدت أو وهب لها أو جني عليها فأخذت له أرشاً فللبائع؛ لأن البيع إنما انعقد بعد ذلك، وابن القاسم يرى إذا اختار البيع من له الخيار فكأنه إنما أمضى العقد الأول؛ فكأن البيع لم يزل منعقداً من حينئذ؛ فلذلك جعل الولد للمبتاع ومع المكاتبة، وكذلك يجب أن يكون ما وهب لها وأرش ما جنى عليها للمبتاع، وأراه إنما فرق بينهما: إنه لما ترجح وقت انعقاد البيع، وكان مال العبد في البيع للبائع جعل ما طرأ له من مال في أيام الخيار لمن له المال، والولد لمن تكون له الأم والله أعلم.
وقول أشهب أبين وأقيس وبه أقول، وبالله التوفيق.
[قال ابن القاسم: وكذلك أرش ما جني عليها في أيام الخيار أو في عهدة الثلاث فهو للبائع؛ لأن منه ضمانها، وعليه نفقتها، والمبتاع بالخيار في أخذها معيبة بجميع الثمن، أو

ردها، وكذلك إن دخلها عيب في أيام الخيار أو في عهدة الثلاث؛ فأما أخذها معيبة بجميع الثمن أو ردها.
قال مالك: ولو هلك مال العبد في عهدة الثلاث وقد بيع به لم يكن للمبتاع رد العبد ولا يرجع بشيء.
ولو هلك العبد في الثلاث انتقض البيع، وعلى المبتاع رد ماله، وليس له التمسك به ودفع الثمن، بخلاف ما دخله من عيب، هذا له أن يرده وماله، أو يمسكه وماله.
م: لأن مال العبد إنما هو مستثنى للعبد فمتى انتقض البيع في العبد انتقض في ماله، وهذا مستوعب في كتاب بيع الخيار.
ومن اشترى عبداً واستثنى ماله؛ كان ما وهب له في أيام الخيار له لا للبائع؛ لأنه استثنى ما عنده وما يصح له من كسب، وهذا هو المعروف من المذهب، وإنما وقع في كتاب محمد في العبد الرهن يرتهن بماله، فيوهب له مال أن ما وهب له لا يدخل في الرهن.
م: قال أبو إسحاق: وفي ذلك نظر، ولعل هذا المفهوم في الرهن إذا رقبته لم تخرج من ملك سيده].

فصل قال مالك: ومن كاتب عبده وأخذ منه عند الكتابة رهناً يملكه مما يغاب عليه، فضاع بيد السيد؛ فإنه يضمن قيمته، فإن ساوت الكتابة عتق مكانه وكانت قصاصاً.
قال ابن المواز: لأني لو أغرمت السيد ذلك لم أدفعه إلى المكاتب حتى تحل النجوم، إلا أن يأتي المكاتب برهن ثقة مكانه فيأخذ ذلك، ويثبت على كتابته، فإن لم يأت به تعجيل ذلك سيده، وجعل ذلك من أول نجم إن لم يكن كفافاً للكتابة، ولم يكن على المكاتب شيئاً حتى تنقضي نجوم ذلك، وإن كان فيه فضلٌ عتق وأخذ الفضل من سيده.
ومن المدونة: وإن فلس السيد أو مات نظرت إلى الرهن؛ فإن كان في عقد الكتابة بشرط فهو انتزاع من السيد لا يحاص به المكاتب غرماء سيده كما لو كاتبه على أنه لو أسلف سيده دنانير أو باعه بيعاً بثمن مؤجل فذلك انتزاع لا يحاص به، ولو وجد الرهن بعينه في فلس أو موت فلا شيء له فيه، ولا محاصة له به، ولا لغرماء المكاتب فيه شيء، ولو كان الرهن بعد عقد الكتابة لنجم حل أو نحوه؛ فللمكاتب أخذه إن وجده بعينه، أو المحاصة بقيمته إن لم يجده فما صار له كان قصاصاً مما حل عليه، وما بقي له من قيمته ففي ذمة السيد يقاص به المكاتب فيما حل عليه.
وفي كتاب محمد وما صار له في المحاصة قوصص به فيما حل عليه.

قال ابن المواز: فيأخذه الغرماء ثم تباع لهم بقية الكتابة؛ فإن أدى كان حراً، وإن عجز رق للمشتري كله، وأتبع المولى ببقية قيمة رهنه، وإذا بيعت كتابته فله أن يحاص الغرماء في ثمنها كما كان يحاصصهم فيما بيده.
م: يريد: وإذا حاصهم فيما بيده فنابه أكثر مما حل عليه فليحسب ذلك من أول نجم ثم مما يليه، فإن كان فيه كفاف ما عليه من الكتابة؛ عتق مكانه، وكان قصاصاً؛ لأني لا أدفع ذلك للمكاتب حتى تحل النجوم إلا أن يأتي المكاتب برهن ثقة مكانه فيأخذ ذلك، ويثبت على كتابته، فذلك له واسع، ويتبع السيد بما بقي له من قيمة رهنه.
قال: ولو كاتبه بمائة دينار؛ فأرهنه بما رهناً قيمته مائتي دينار، فضاع بيد السيد، وعلى السيد دين لرجل مائتي دينار ففلسفة الغريم، فوجد بيد السيد مائتي دينار فليحاصه المكاتب فيها بقيمة رهنه فإن شاء المكاتب تعجل العتق بما يقع له، قال له الغريم: عليك من الكتابة مائة، فآخذ أنا من هذه المائتين مائة أيضاً ويتحاصا في المائة الثانية؛ فيقع للمكاتب خمسون فيأخذها ويخرج حراً، ويتبع السيد بخمسين بقية قيمة رهنه، فإن شاء المكاتب أخذ ما يقع له في الحصاص، ويأتي برهن مكانه، ويؤدي على نجومه تحاصا في المائتين، فتقع له مائة ويأتي برهن قيمته مائة، ويأخذ المائة ويؤدي إلى نجومه إلا أن يكون حل عليه شيء منها؛ فيأخذ الغريم من المائتين مثل الذي على المكاتب، ويتحاصا فيما بقي، فيأتي المكاتب برهن مثل ما يقع له في الحصص، فهذا وجه الحصاص وتفسيره وبالله التوفيق.

قال غير ابن القاسم في المدونة وهو أشهب: ليس ذلك انتزاعاً كان الرهن في أصل الكتابة أو بعدها، ويضمنه السيد إن لم تقم بينة بهلاكه، فإن كانت القيمة دنانير والكتابة دنانير تحاصا؛ لأن في وقف القيمة ضرر عليهما، إلا أن يتهم السيد العبداء على الرهن لتعجيل الكتابة قبل وقتها فتوقف القيمة بيد عدل، وإن كانت الكتابة عرضاً أو طعاماً، أوقفت القيمة لرجال رخص ما عليه عند محله، ويحاص الغرماء بالقيمة في الفصل والموت.
قال أبو إسحاق: ومذهب الغير أبين؛ لأن هذا إنما يكون انتزاعاً بأن بينهم ذلك، وأما شرطه الرهن في أصل الكتابة، فلا يفهم منه الانتزاع، وأما دعواه الضياع؛ فأوجب ابن القاسم المقاصة بظاهره، ولو أتى العبد برهن ثقة وذلك أنه لم يصح هلاك الرهن ولا غير هلاكه فكان الأمر مشكلاً، فلم يحمل عليه العداء فغرمه قيمته، فيوقف كما لو ثبت عداؤه ولم يسقط عنه ضمانه؛ لأنه مضمون فتوسط فيه إن ضمنه وجعله قصاصاً.
وظاهر مذهب الغير: أنه لا فائدة في إيقاف القيمة فقد يقول: إنه لو أتى برهن ثقة أنه يصير عليه إلى الأجل إذا كانت عليه أن الإنفاق ضرر، فإذا كان إنما العلة أن الإيقاف لا فائدة فيه، فإذا أتى برهن أخذ القيمة.
وعلة ابن القاسم غير هذا؛ أنه لما لم يتحقق علة العداء كان ذلك قصاصاً، وأنه لو تحقق أنه عداء لأوقفت القيمة.
وذهب ابن المواز: إلى أن له الحصاص به، وإن كان في أصل الكتابة، قال: لأنه وإن اشترطه رهناً فهو مال للمكاتب لم يشترطه السيد لنفسه بل اشترط أنه للمكاتب فلا

يظلم، وما نابه في الحصاص فليس للسيد أن يتعجله لنفسه، ولا لغرمائه، ويكون رهناً، وكذلك لو كاتبه على أن يسلفه أو يبيعه سلعة محلها إلى بعد الكتابة، ففلس السيد؛ كان له أن يحاص بقيمتها حالاً ويقبض ذلك المكاتب، إلا أن يكون قد حل عليه شيء من نجومه، فيقاصه بذلك.
م: سئل الشيخ أبو الحسن بن القابسي -رحمه الله-: ما وجه قول ابن القاسم: إذا كان الرهن في أصل الكتابة فضاع، أنه يرجع عليه بقيمته ما لم يفلس فإذا فلس لم يرجع عليه وراءه كالانتزاع؛ فإن كان انتزاعاً فيلزمه أن يقول: لا شيء للمكاتب فيه وإن لم يفلس، وإن لم يره انتزاعاً: فللمكاتب أن يحاص به غرماء سيده؟ فقال الشيخ أبو الحسن: إذا اشترطه في أصل الكتابة فكأنه انتزعه، وقوله: هو رهن؛ كأنه وعده أن يرده إليه بعد وفاء الكتابة، فصار كالهبة منه له، يقوم عليه بها ما لم يفلس.
ومن المدونة قال ابن القاسم: ولا يجوز أن يكاتبه ويرتهن رهناً من غير المكاتب، فيصير كالحمالة، وذلك لا يجوز.
قال ابن المواز: [ولا يجوز أن يكاتبه ويرتهن رهناً من عبيده]، ولا يجوز الرهن بالكتابة إلا أن يكون للعبد فيكون بمنزلة حمالة المكاتبين بعضهم ببعض في كتابة واحدة، وإن كان من غير ملك العبد ولم يعلم السيد كان باطلاً كحمالة غيره بها، والسيد بالخيار إن شاء أن يمضي الكتابة بلا رهن فذلك له؛ لأن الرهن بمنزلة الحمالة، وإن أبى نقضت الكتابة.
ابن المواز: إلا أن يؤدي جل الكتابة فلا يفسخ، ويفسخ الرهن.
قال: ولو علم السيد أن الرهن ليس لعبده فسخ الرهن ولم يفسخ الكتابة.

فصل ومن المدونة قال مالك الأمر المجتمع عليه عندنا: أن العبد إذا كاتبه سيده لم ينبغ أن يتحمل له أحد بكتابة عبده إن مات العبد أو عجز، وليس هذا من سنة المسلمين؛ لأن الكتابة ليست بدين ثابت، وإن مات المكاتب أو عجز؛ لم ينتفع الحميل بما أدى عنه في عتق ولا رق يملكه هو، وهذا من أكل المال بالباطل.
قال غيره: ولأن سنتها لا تكون في ذمة وإجازة الضمان فيها إصراف لها إلى الذمة وليس للضامن أن يرجع بما أدى في ذمة العبد فلم يحرم، وضمان أحد المكاتبين عن الآخر جائز، بخلاف الأجنبي؛ لأنه إنما ضمن ملكه عن ملكه.
وقال محمد بن عبد الحكم: لا بأس بالحمالة بالكتابة، كما لو تحمل رجل عند عبد غير مأذون له في التجارة بمال، أو عن رجل في ولاية وهو يعلم بشيء اشتراه أحدهما؛ أن ذلك يلزمه، وإن ذهب ماله باطل؛ فهو الذي رضي بهذا.
م: ولا أعلم أن لي في هذا القول رواية.
ومن المدونة: قال مالك: ومن زوج مكاتبته لرجل على أن ضمن له كتابتها فولدت منه بنتاً ثم هلك الزوج فالحمالة باطلة، وتبقى المكاتبة على حالها، وابنته أمة لا ترث أباها، وميراثه لأقرب الناس منه.
ابن المواز قال ابن القاسم: إذا لم تؤد الحمالة حتى مات وترك مالاً كثيراً؛ قيل: يؤخذ ذلك من ماله بعد موته.

قال ابن المواز: لأنه شيء لم يحكم عليه به في حياته، إلا أنه لو أدى ذلك حتى يعتق ويفوت ذلك جاز للسيد، ورجع به الزوج عليه، ورجعت عليه هي بصداق مثلها يوم وقع النكاح، فيتقاصان، فمن كان له الفضل أخذه منه صاحبه.
م: وفي الأول شيء من هذا.
فيمن ورث شقصاً من مكاتب يعتق عليه أو أوصي له به قال ابن القاسم: وإذا ورثت مع أخيك لأبيك مكاتباً هو أخوك لأمك، وضع عنه حصتك، وسعي لأخيك في نصيبه، وخرج حرا، وإن عجز عتقت حصتك فيه، ولا يقوم عليك بقيته، وأما لو وهب لك نصفه، أو أوصى لك به فقبلته؛ فإن المكاتب إن لم يكن له مال ظاهر فهو مخير: في أن يعجز نفسه ويقوم عليك باقيه، ويعتق كله إن كان لك مال، وإن لم يكن لك مال أعتق نصيبك منه، ورق باقيه لشريكك فيه، وإن شاء ثبت على كتابته، وحطت عنه حصتك منها، فإن أدى فولاؤه لعاقدها، وإن عجز قوم باقيه [عليك إن كنت مليئاً وأعتق، وإن لم يكن لك مال أعتق نصيبك منه دون باقيه] مثل إذا عجز نفسه ولا مال له، سواء.
قال: وليس له أن يعجز نفسه إن كان له مال ظاهر للتقويم عليك.
م: وإن قيل ما الفرق بين من وهب له بعض مكاتب ممن يعتق عليه فقبله، وبين من أعتق حصته من كاتب بينه وبين آخر؛ أنه جعل عتقه في هذا وضع مال، وأنه إن عجز لا

يعتق عليه حصته، ولا تقوّم عليه حصة صاحبه، وفي الذي وهب له بعض مكاتب ممن يعتق عليه إن عجز تقوم بقيته عليه.
قيل: الفرق بينها أن من يعتق عليه لما كان ممن لا يستقر ملكه عليه إن عجز ولابد من عتقه، جعلنا قبوله لما وهب له منه قصداً لعتق تلك الحصة من الرقبة، والآخر هو ممن إذا عجز يجوز له ملكه، وهو الآن لا يملك منه إلا مالاً؛ فإنما عتقه إياه وضع مال، ولو قصد إلى عتق الرقبة فيه، وإنه إن عجز كان ذلك الشقص حراً لاستوت المسألتان وبالله التوفيق.
قيل لابن القاسم: فلِم إذا قبله ولم يعجز نفسه يوضع عنه حصته وهو لم يملك منه رقاً، ولو أدى لكان ولاؤه لعاقد كتابته؟ قال: لأنه إن عجز وصار له؛ عتق عليه.
م: وإذا عجز فقوم على الأخ بقيته يكون ولاء هذا النصف للأخ وولاء النصف الموهوب للواهب؛ لأنه لو وهبه جميعه لأعتق، وكان ولاؤه للواهب، وكذلك هبة نصفه، وأما النصف الذي عتق على الأخ فولاؤه له؛ لأنه عتق عليه بعد أن صار رقاً، وبالله التوفيق.
في من يدخل على الكتابة بالولادة والشراء من القرابة قال مالك: وكل ما ولد للمكاتب من أمته مما حملت به بعد الكتابة دخل في كتابته، وصاروا بمنزلته لا يعتقون إلا بأدائها، وإن بلغوا جازت بيوعهم، وقسمتهم بغير إذنه إن كانوا مأمونين، وليس له ولد له كشرائه إياهم بغير إذن السيد إذ لا يمنعه السيد وطأه أمته ولا استحاثه الولد منها.

قال: وكل ولد ولد له منها قبل الكتابة أو كوتب وأمته حامل منه؛ فلا يدخل ذلك الولد في كتابته إلا أن يكون عليه.
قال ابن القاسم في العتبية: وأما إن كاتب أمته علم بها أو لم يعلم؛ فإنه يدخل معها في الكتابة.
ابن المواز قال أشهب عن مالك: فإن خافت العجز لم يبع ولدها الذي حدث في الكتابة إلا بإذن السيد.
قال أشهب: وكذلك المكاتب في بيع ولده من أمته.
وكذلك في سماع أشهب.
قال ابن المواز: والأب والأخ لا يبيعه وإن ظهر عجزه إلا بإذن السيد؛ لأن السيد إذا عجز اتبع الولد لنفسه، فإذا أذن لأبيه في بيعه فلا حجة للولد ولا للأخ؛ لأنهم قد وقفوا على العجز كلهم، والرجوع إلى الرق.
م: فلا فرق بين ملك السيد لهم ولا بين ملك غيره، فلم تكن لهم حجة في بيعهم.
قال ابن المواز: وأما أم ولده فله إذا تبين عجزه أن يبيعها وإن لم يأذن له سيده، وذلك في الوضع الذي لو لم يبعها لعجز، فمنع السيد من بيعها ضرر؛ واستدعا رقه.

وقال ابن حبيب عن ابن الماجشون في مكاتب كاتب على نفسه وعلى ابنة له فعجز عن بعض نجومه فاستأذن سيده في بيعها فأذن له؛ قال: لا يجوز ذلك إذا لم يكن السلطان عجزه، فإن وقع ذلك وفاتت بحمل من مشتريها فلا ترد إليه؛ لأنها لا ترجع إلى أحسن من ذلك، وإن بقي بيد أبيها فضل عما أدى من ثمنها من الكتابة فهو له سائغ؛ كما لو قتلت.
ومن المدونة قال ابن القاسم: ولا يجوز للمكاتب أن يشتري ولده أو أبويه إلا بإذن سيده فمن ابتاعه بإذنه من ولد أو ولد ولد، أو أبوين أو من يعتق على الحر بالملك دخل معه في الكتابة، وجاز بيعهم وشراؤهم وقسمتهم بغير إذنه ولا يبيعهم في عجزه، فإذا عجزا رقوا كلهم للسيد، ويصير إذا اشتراهم بإذن السيد؛ كأنه كاتب عليهم، وكأن السيد كاتبهم جميعاً كتابة واحدة، ولو مات الذي عقد الكتابة لسعى من دخل معه في الكتابة على النجوم بحال ما كانت، ولا تؤخذ منهم حالة، وإن اتباعهم بغير إذن السيد لم يفسخ بيعه ولا يدخلوا معه في الكتابة ولا يبيعهم إلا أن يخشى العجز، ولا بيع لهم ولا شراء ولا قسم إلا بإذنه، ويعتقون بأدائه، وكذلك أم ولده ليس لها أن تتجر إلا بإذنه، ولا له بيعها إلا أن يخاف العجز، وأما إن ابتاع من لا يعتق على الحر بالملك من القرابة بإذن السيد، أو بغير إذنه؛ لم يدخلوا معه في الكتابة وله بيعهم، وإن لم يعجز، ولا فعل لهم إلا بإذنه، وكل من اشتراه فدخل معه في الكتابة جاز شراؤه وبيعه ومقاسمته شركاءه، وكل من اشتراه فلم يدخل معه في الكتابة؛ فلا يجوز بيعه ولا شراؤه ولا مقاسمته إلا بإذن المكاتب.
وقال أشهب عن مالك -رحمه الله-: يدخل الولد والوالد إذا اشتراهم بإذن السيد، ولا يدخل الأخ.

وقال ابن نافع وغيره: لا يدخل في الكتابة بالشراء بإذن السيد إلا الولد وحده فقط إذ له أن يستحدثه.
وروي عنه أيضاً في غير المدونة: أنه يدخل الولد وإن اشتراه بغير إذن السيد إذ له أن يستحدثه.
قال ابن القاسم: وإذا كان المكاتب مدياناً فابتاع ابنه؛ لم يدخل معه في الكتابة، وإن أذن سيده حتى يأذن غرماؤه، وهو بخلاف ما ولد له في كتابته؛ لأن ذلك بمنزلته، الا ترى أن ولد المعتق إلى أجل، والمدبر من أمته بعد ما عقد لهما ذلك بمنزلتهما، وأما ما ولد لهما قبل ذلك أو كانت أمتاهما حاملاً يوم العقد منه فرقيق، وإن اشتريا ما ولد لهما قبل ذلك لم يكونوا بمنزلتهما، ولهما بيهم؛ إذا أذن لهما في ذلك السيد، إلا أن يأذن في ذلك للمعتق إلى أجل عند تقارب الأجل، أو يأذن للمدبر والسيد مريض؛ فلا يجوز إذنه حينئذ، وإنما يجوز إذن السيد في ذلك الموضع الذي يجوز للسيد أن ينتزعهم؛ فإن لم يأذن لهم ولم ينتزعهم حتى أعتقوا؛ كانوا لهم تبعاً كأموالهم ويعتقون عليهم.
وقال ابن القاسم: في باب بعد هذا: وللمكاتب أن يشري زوجته الحامل منه، وليس للسيد منعه، إلا أنه إذا ابتاعها بإذنه دخل حملها في الكتابة، وكانت به أم ولد، وإن ابتاعها بغير إذنه لم يدخل حملها في الكتابة ولم تكن به أم ولد.
ومن كاتب عبده ثم كاتب زوجة العبد على حدة؛ فما حدث بينهما من ولد فهو في كتابة الأم؛ يعتق بعتقها، ويروق برقها، ولا يعتق الولد بعتق الأب.

قال في كتاب النكاح: ونفقة هذا الولد على الأم، ونفقة الأم على الزوج، ولو كانت كتابة الأبوين واحدة كانت نفقة الأم والولد على الأب.
في سعي ولد المكاتب، وسعي أم ولده، وعتق السيد المكاتب دون ولده قال ابن القاسم: ومن أدخلناه في كتابه المكاتب؛ فله حكم من عقدت عليه الكتابة، فإن مات المكاتب الذي عقدت عليه الكتابة لم يؤخذوا بأداء الكتابة كالة، وسعوا على النجوم.
قال: وما ولدت المكاتبة من ولد بعد الكتابة فهم بمنزلتها لا سبيل للسيد عليهم في السعاية ما دامت الأم على نجومها، ولها أن تستسعيهم معها؛ فإن أبوا آجرتهم، ولا تأخذ من أجارتهم ولا مما في أيديهم إلا ما تقوى به على الأداء والسعي، فإن ماتت سعوا، ولم يوضح عنهم شيء لموتها، ويسعى القوي على من أزمن منهم ثم لا يرجع عليه إن عتقوا.
قال في الجنايات: وإذا كاتب عبده وزوجته فحدث لهما ولد؛ فليس لهما أخذ ماله وكسبه، وعليه أن يسعى معهما بقدر قوته وأداء مثله، فإن خاف العجز؛ فلهما الأداء من ماله كما يؤديهما عنه في عجزه ثم لا تراجع بينهم.
ومن المكاتب: وإن ولد للمكاتب من أمته ولدان فاتخذ كل واحد منهما أم ولد؛ فأولدها، إلا أن أولادهما ملكوا ثم مات الجد فالولدان مع أمهما يسعون فإن أدوا أعتقت،

وإن مات أحدهما قبل الأداء ولم يدع ولداً وترك أم ولد؛ فإنها تباع، ويعتق أخوه في ثمنها ولا يرجع السيد عليه بشيء.
قال سحنون: لأن حرمتها بسيدها وبولده، فإذا ذهب الذي ثبتت به حرمتها قبل أن تتم له حرمة صارت أمة يستعان بها في الكتابة.
م: وبعد هذا باب فيه إيعاب هذا.
فصل قال مالك: وإذا ولد للمكاتب من أمته ولد بعد الكتابة فأعتق السيد الأب؛ لم يجز عتقه إذا كان يقوى على السعي، وإن كان لا يقوى على السعي؛ وإن كان لا يقوى على السعي؛ جاز عتقه، ثم إن كان للأب مال يفي بالكتابة ولا سعاية في الولد أدى من مال الأب عن الولد حالاً وأعتقوا.
قال غيره: هذا إذا رضي الأب بالعتق، وإلا لم يجز؛ لأن السيد يتهم على تعجيل النجوم قبل وقتها.
م: وهذا تفسير وقاله جماعة من أصحابنا، وقال بعض أصحابنا: ولو لم يرضى الأب بالعتق وتمادى على الكتابة، ثم عجزوا؛ كان الولد رقيقاً ويعتق الأب بالعتق الأول [كمن أعتق أحد مكاتبيه فرده أصحابه ثم عجزوا أن ذلك المكاتب يعتق بالعتق الأول] وليس كمن جعل عتقه في يديه فرده؛ لأن هذا إنما رده لعلة استعجال المال، فهو كرد أصحابه عتقه.

م: وفيها نظر؛ وهو كمن عجل عتق مكاتبه على تعجيل كتابته، [فيأبى من ذلك ويتمادى على كتابته] ثم يعجز أنه يرق للسيد؛ لأنه لم يرض بما طلبه به سيده، وإنما أعتقه على صفة فلم يرضها فلم يلزم السيد عتقه والله أعلم.
قال ابن القاسم: وإن لم يكن في مال الأب إلا قدر ما يؤدى عنهم إلى أن يبلغوا السعي أخذوا وأدى نجوماً إلى أن يبلغوا السعي، ولا يؤخذ حالاً؛ إذ لو ماتوا قبل بلوغ السعي كان المال لأبيهم، فإذا بلغ الولد السعي سعوا، فإن أدوا أعتقوا وإن عجزوا رقوا.
قال: وإن لم يكن في مال الأب ما يبلغهم السعي؛ مضى عتق الأب، ورقوا.
ولابن القاسم قول ثان: أنه يأخذه حالاً، وإن كان فيه ما يبلغهم السعي.
قال ابن المواز: وهو مثل ما لو مات وترك مالاً.
ومن المدونة قيل: أرأيت أن قووا على السعي حين عتق الأب وله مال؟ قال: قال مالك: إن أعتق السيد أحد الأولاد وهو قوي على السعي؛ لم يجز عتقه، وسعوا جميعاً ولا يوضع عنهم من الكتابة شيء، وإن كان الذي أعتق صغيراً؛ لا سعاية له، أو كبيرا فانياً، أو به ضرر، لا يقوى على السعي؛ جاز عتقه فيه، ولم يوضع عمن بقي من الكتابة شيء ولا يرجع الذي أدى على أخيه الزمن المعتق بشيء.

وقال غيره: إذا كان للأب الزمن مال والولد يقوى على السعي؛ لم يجز عتقه؛ لأن ماله معونة لهم كبدنه.
م: وروي عن مالك: أنه تؤدى جميع الكتابة من مال الأب، ويكونون أحراراً، وإن كانوا أقوياء على السعي يوم عتق أبوهم وله مال.
وقال ابن نافع: لا يجوز له عتق الصغير، ولا يعتق بغير رضاهم، إلا من لا يرجى نفعه يوماً ما ولا يزداد إلا ضعفاً.
في المريض يكاتب عبده، أو يقر بقبض كتابته قال ابن القاسم: ومن كاتب عبده في مرضه والثلث يحمله؛ جاز، وإن لم يحمله الثلث خير الورثة بين إمضاء كتابته أو عتق محمل الثلث منه بتلاً، ولو أجاز له الورثة ذلك قبل الموت وهم كبار لزمهم ذلك بعد موته وكذلك القول فيمن أوصى أن يكاتب عبده سواء، إن حمله الثلث كوتب كتابة مثله في جزائه وأدائه، وإن لم يحمله: خير الورثة في إجازة ذلك، أو أعتق محمل الثلث منه بتلاً.
قال: وإن كاتبه في مرضه وقبض الكتابة في مرضه.
قال في كتاب محمد: والثلث يحمله ثم مات.
قال فيه وفي المدونة: فإن لم يحابه؛ جاز ذلك، وكان حراً، لا سبيل للورثة عليه، بمنزلة بيع المريض.
وقد قال مالك: إن بيع المريض وشراءه جائز إذا لم يجاب؛ فإن حابى: كانت محاباته في الثلث.

وقال غيره: في الكتابة في المرض من ناحية العتق وقعت بمحاباة أو بغير محاباة.
سحنون وكذلك قال ابن القاسم في المديان يكاتب عبده: لا يجوز؛ لأن ذلك من ناحية العتق.
قال غيره: ويوقف المكاتب بنجومه، فإن مات السيد والثلث يحمله جازت كتابته، وإن لم يحمله: خيّر الورثة في الإجازة، أو عتق محمل الثلث منه بما في يديه من الكتابة.
وقاله أكثر الرواة.
ابن المواز وكذلك يقول أشهب: إن ذلك من ناحية العتق وليس كالبيع إذ لا تجوز كتابته، وإن غالاه في الثمن حتى يحمل الثلث رقبته، ولا يعجل عتقه إلا أن يكون للسيد مال مأمون، وإلا لم يعتق حتى يموت السيد ويحمله الثلث، وإن لم يحمله الثلث خير الورثة في عتقه أو يردوا إليه ما قبضه منه السيد، ويعتقوا منه بحمل الثلث بتلاً، ويبقى ماله بيده، ويقوم في الثلث بما ردوا عليه وبغيره من ماله إن كان له وعلى حاله وهيئته يوم يقوم لا قبل ذلك.
م: قال بعض شيوخنا القرويين: إذا كاتب عبده في مرضه وحابى، وقبض الكتابة؛ إنه يجعل في الثلث قيمة الرقبة كلها كما لو لم يحاب، بخلاف إذا حابى المريض في بيعه هاهنا إنما يجعل في الثلث المحاباة خاصة؛ لأن الكتابة في المرض عتاقة.
قال: وإذا حابى فان الثلث يحمل رقبته؛ جاز ذلك، ولم يقوم في النجوم المقبوضة منه، ولا يضاف ذلك إلى مال السيد، وإن كان الثلث لا يحمله ردت النجوم المقبوضة إلى يد العبد، ثم يعتق محمل الثلث من رقبته بماله إذا لم يجز الورثة.

م: وإنما يفترق الحكم عند ابن القاسم: في أن يحابي أم لا، لأنه إذا لم يحاب وحمله الثلث عجل عتق العبد في حياة السيد، ويمضا فعله كما يمضا بيعه إذا لم يحاب، وإذا حابى وحمله الثلث أيضاً لم يكن بد من إيقافه إلى بعد الموت؛ لأن المحاباة وصية، وإن لم يحمله الثلث في الوجهين خير الورثة بين إجازة ما فعل الموصي أو يردوا إلى المكاتب ما قبض منه، ويعتق محمل الثلث منه بماله بتلا.
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن كاتبه في صحته، وأقر في مرضه بقبض الكتابة؛ جاز ذلك، وكان حراً، ولم يتهم السيد إن ترك ولداً، فإن كان ورثته كلاله والثلث لا يحمله؛ لم يصدق إلا ببينة، وإن حمله الثلث صُدِّق؛ لأنه لو أعتقه جاز عتقه.
وقال غيره: إذا اتهم بالميل والمحاباة معه إذا ورثته كلالة؛ لم يجز إقراره، حمله الثلث أو لم يحمله؛ لأنه في إقراره لم يرد به الوصية فيكون في الثلث، وإنما أراد أن يعتقه من رأس المال، فلما بطل ذلك لم يكن في الثلث، ولا يكون في الثلث إلا ما أريد به الثلث، وقاله ابن القاسم أيضاً غير مرة.
م: وقد قال في الأول من الوصايا: وإن أقر المريض لصديق ملاطف بدين جاز إن ورثه ولده، وأما إن كان ورثته أبوين أو زوجة أو عصبة ونحوه؛ لم يجز إقراره له.
قال سحنون في غير المدونة: لا في الثلث ولا غيره.

م: وهذا يشبه قول الغير هاهنا؛ لأن الإقرار بالدين كالإقرار بقبض الدين.
وقال ابن حبيب في إقراره بدين للصديق: إنه إن حمله الثلث جاز؛ كان ورثته كلالة أو ولد؛ لأنه لو أوصى له بالثلث جاز؛ وهذا يشبه قول ابن القاسم في إقراره بقبض الكتابة، وبالله التوفيق.
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن كاتبه في مرضه وأقر بقبض الكتابة في مرضه ذلك فإن حمله الثلث خير؛ كان ورثته كلالة أو ولد، وكان بمنزلة من ابتداء عتقه في مرضه.
م: يريد: أنه كالمبتل في المرض؛ فإن كان مال السيد مأموناً عجل عتقه، وإن لم يكن مأموناً لم يعتق إلا بعد الموت.
قال: وإن لم يحمله الثلث خير الورثة؛ فإما أمضوا كتابته، وإلا أعتق محمل الثلث منه، وكان ما بقي رقيقاً لهم.
وقال غيره: يوقف بنجومه؛ لأن الكتابة في المرض عتاقة من الثلث، وليس من ناحية البيه؛ لأن ما يؤدي المكاتب إنما هو جنس من الغلة.
في الوصية بالكتابة أو بنجم منها لرجل أو للمكاتب ووصية المكاتب قال ابن القاسم: وإن كاتبه في المرض بألف درهم وقيمته مائة درهم وأوصى بكتابته لرجل والثلث لا يحمل الكتابة؛ فإن حمل الثلث رقبته جازت الكتابة والوصية،

كالوصية أن يخدم فلاناً سنة ثم هو حر، فإن حمله الثلث جازت وصيته في العتق والخدمة، وإن لم يحمل الثلث رقبة المكاتب ولم يجز الورثة كتابته؛ فليعتق منه محمل الثلث، وتبطل الوصية بالكتابة لتبدية العتق عليها.
م: وذكر ابن المواز هذا القول عن أشهب وأخذ به، وذكر عن ابن القاسم: أنه إنما يجعل الأقل في الثلث إذا أوصى بالكتابة للمكاتب؛ لأنه عتق، وأما الأجنبي فإنما يجعل الكتابة في الثلث.
ابن المواز: ورواه عن مالك، قال وقول ابن القاسم جيد، وفيها نظر.
قال: وقال ابن القاسم في المكاتب في المرض بألف وقيمته مائة وأوصى بالكتابة لرجل، والثلث يحمل رقبته، ولا يحمل كتابته؛ أن الكتابة جائزة؛ لأن الثلث يحمل الرقبة، ثم تقوّم الكتابة بالنقد، فإن كان لا يحملها الثلث بعد إسقاط قيمة الرقبة من مال الميت؛ خير الورثة بين إجازة ذلك أو القطع له بالثلث من جميع ماله.
ومن المدونة قال ابن القاسم ومن أوصى لرجل بمكاتبه أو بما عليه، أو أوصى بعتق مكاتبه أو بوضع ما عليه؛ جعل في الثلث الأقل من قيمة الكتابة أو قيمة الرقبة على أنه عبد مكاتب في جزائه وأدائه، كما لو قتل، وقاله ابن نافع.
وقال أكثر الرواة: ليس قيمة الكتابة ولكن الكتابة، قالوا كلهم: فأي ذلك حمل الثلث جازت الوصية.

قال: ومن أوصى لرجل بثلث ماله؛ كان الموصى له شريكاً للورثة في كل شيء تركه الميت من عين أو عرض أو كتابة مكاتب، وصار كأحد الورثة.
م: يريد: إلا فيما يطرأ للميت من مال لم يعلم به؛ فإنه لا شيء للموصى له فيه، وفي الوصايا بيان هذا، وقد تقدمت مسألة من أوصى أن يكاتب والثلث حمله؛ أنه يكاتب كتابة مثله، وإن لم يحمله الثلث خير الورثة في إجازة ذلك، أو عتق محمل الثلث منه بتلاً.
فصل قال مالك: ومن وهب بمكاتبه من كتابته نجماً بعينه من أول الكتابة أو وسطها أو آخرها، أو تصدق به عليه، أو أوصى له به، وذلك كله في المرض، ثم مات السيد؛ قوم ذلك النجم وسائر النجوم بالنقد، يقال: ما يسوى هذا النجم وعدده وأجله كذا بالنقد؛ فيعلم ذلك، أو ما تسوى جميع النجوم، ومحل كل نجم منها كذا بالنقد؛ فينظر ما ذلك النجم من هذه النجوم، فيقدر حصة ذلك النجم من جميع الكتابة يعتق الآن من رقبة المكاتب، ويوضع عنه ذلك النجم بعينه إن حمله الثلث، ويسعى فيما بقي بعد ذلك، وإن لم يحمله الثلث خير الورثة في إجازة ذلك أو عتق محمل الثلث من رقبة المكاتب، ويحط عنه من كل نجم بقدر ما أعتق منه، فإن كان الذي أعتق منه الثلثين وضع عنه من كل نجم ثلثاه، وإن كان أقل من ذلك أو أكثر فعلى هذا يحسب، ولا يحظ عنه النجم المعين إذا لم يحمله الثلث، ولم يخير الورثة؛ لأن الوصية قد حالت عن وجهها.

ومن كتاب ابن المواز وغيره قال أشهب: إنما يجعل في الثلث الأقل من قيمة النجم أو ما قابله من الرقبة؛ كما لو أوصى له بجميع الكتابة، وأخذ به سحنون، ورواه أبو زيد عن ابن القاسم.
م: تفسيره: أن ينظر ما قيمة ذلك النجم من سائر نجوم الكتابة؛ فإن قيل: الربع: فالذي يقابله من الرقبة الربع، ثم ينظر الأقل من قيمة ذلك النجم ومن قيمة ربع الرقبة فيجعل الأقل في الثلث.
ابن المواز قال أشهب: وإن لم يكن للسيد مال غير المكاتب، وقد أوصى له بالنجم الأول فشح الورثة عليه، فإن خرجت قيمته من قيمة ما في الكتابة من الثلث جاز ذلك عليهم ووضع النجم بعينه، وإن لم يسع ذلك النجم الثلث عتق منه محمله، ووضع عنه بقدر ما يحمل الثلث منه، فإذا عجز كان منه حراً بقدر ذلك.
قال: ولا يخير الورثة في ذلك؛ لأنهم قادرون على بيع سائر الكتابة.
وقال ابن القاسم: بل يخيرون، فذكر عنه مثل ما في المدونة.
وقال ابن المواز بقول أشهب، قال: وتفسير ذلك: أن يقوم النجم الأول، فإن كانت قيمته خمسين وقيمة بقية النجوم مائة فقد حمله الثلث، فتوضع عنه بقيته، ويعتق ثلثه إن عجز، وإن كانت قيمة بقية النجوم خمسين وُضع عنه ثلثا النجم الأول، وعتق ثلث الرقبة إن عجز.
وقيل: إذا عرف قيمة النجم الموصى له به سعى، فإن عجز أعتق قدره، فإن تمادى؛ لم يوضع عنه ذلك من أول الكتابة، فإذا لم يبق عليه إلا قدره؛ عتق.

ابن المواز: وليس هذا بشيء، وقول مالك صواب، ولا حجة للورثة أن يقولوا: يبدأ العبد علينا؛ لأن لهم بيع بقية الكتابة نقداً وقد عدل بينهم في القيمة.
فصل قال ابن المواز قال مالك: ومن وهب لرجل وهو صحيح كتابة مكاتبه فعجز؛ فهو رقيق للذي وهبت له الكتابة، فإن وهب نصفها رق له نصفه إن عجز، وكذلك سائر الأجزاء كما لو باعه كتابته أو نصفها، وقاله أشهب واصبغ ورواه موسى بن معاوية في العتبية عن ابن القاسم.
وروى عنه أبو زيد: أنه إن عجز كانت رقبته للمعطى، وروي نحوه عن أشهب.
م: فوجه الأولى: أنه يكون له بقدر ذلك من القربة قياساً على البيع كما ذكر.
ووجه الثانية: قياساً على هبة ذلك للمكاتب لا يعتق منه شيء إن عجز.
قال ابن المواز قال أصبغ عن ابن القاسم وأشهب وكذلك إن وهبه نجماً من نجوم مكاتبه؛ فإنه يكون شريكاً له في النجوم كلها بقدر ذلك، كبيعه لنجم من نجومه ولم يسمه، فإنه شريك بقدر نجم من عدد نجوم الكتابة، وإن كانت خمسة أنجم للمشتري أو للموهوب خُمس كل نجم، فإن عجز كان له من رقبته خمسها، وقاله أصبغ.
قال ابن المواز: كان ذلك في صحة السيد أو مرضه، فأما هبته لنجم مسمى بعينه في صحته فلا يكون للموهوب من رقبة المكاتب شيء إن عجز، وكأنه إنما وهبه مال ذلك

النجم بعينه إن تم، ولا يجوز بيع ذلك النجم المعين؛ لأنه إن عجز كان له من رقبة المكاتب رق بقدر ذلك النجم، ولا يدرى ما قدره من العبد، بخلاف النجم المبهم، لأن ذلك يرجع إلى جزء مسمى.
وروى أبو زيد عن ابن القاسم في العتبية: فيمن وهب لرجل نجماً من نجوم مكاتبه ثم عجز العبد؛ قال: يكون له في رقبة العبد حصة بقدر النجم الذي وهبه.
قال ابن المواز: وأما لو أوصى بالنجم بعينه لرجل؛ لكان له إذا عجز حصته من رقبة العبد رقاً، كما يكون إن أوصى به للمكاتب عتقاً، وقاله مالك.
قال ابن المواز: والفرق بين الحصة والوصية في هذا: أنه في الوصية قد أشرك بينه وبين ورثته على قدر ما أوصى له من نفسه، أوصى بذلك للرجل فصار العبد والرجل شريكاً للورثة ليس أحدهم أولى من صاحبه.
والصحيح يقول: لم أعط من الرقبة شيئاً إنما أعطيته مالاً.
قال ابن المواز: ولو اقتضى الموصى له ذلك النجم المعتق أو بعضهم ثم عجز وقيمته من سائر الأنجم نصف رقبة العبد ولا يرد مما أخذ شيئاً، قاله أشهب وذكر عن ابن القاسم: إنه إن رد ما أخذ للعبد رجع بنصيبه في رقبة العبد، وإن لم يرد؛ كان العبد للورثة.
والأول هو الصواب، وعلمت أحداً قال هذا ممن أوصى؛ لأن الموصى له إنما أخذ غلة مصابته؛ لأنها معجلة، وغلة مصابة الورثة متأخرة، وعلى ذلك قوم وعدل في القيمة، فلا ينظر في ذلك إلا ما ينصرف إليه مصابة الموصى له، ولا مصابة الورثة من كثرة أو قلة، ألا ترى أنهم لو قبضوا بعد قبضه لأكثر نجومهم ثم عجز المكاتب فقد أخذوا أكثر من

الثلثين في العدد، وإنما ذلك كعبيد ثلاثة مكاتبين قيمتهم سواء، أوصى بأحدهم لرجل فعجز بعد إن قبض أكثر نجومه وعجز الآخران ولم يؤديا شيئاً، فلا يقال: إن الموصى له صار له أكثر من الثلث؛ لأنه أمر نفذ بالقيمة وكما لو قبض الموصى له جميع كتابة عبده وخرج حراً، وقبض الورثة أكثر كتابة عبيدهم ثم عجزا فقد صار للورثة في هذا الحساب أكثر من الثلثين وبالله التوفيق.
قال ابن المواز: ولو لم يقبض الموصى له النجم حتى مات المكاتب وترك مالاً كثيراً؛ أخذ صاحب النجم نجمه، والورثة نجومهم على قدر المال لا على القيمة؛ لأن النجوم قد حلت بموته، واستوى المتقدم والمتأخر، فما فضل بعد ذلك كان بين الورثة وبين صاحب النجم نصفين؛ بقدر ما كان يقع له من رقبة العبد لو عجز، قال: ولو لم يترك المكاتب ما يفي بالكتابة لتحاصا؛ الموصى له بالنجم، والورثة في ذلك بقدر العدد لا على القيمة، ولو أوصى بألف درهم مما على مكاتبه، فقال الورثة: نحن نعجلها لك، فأبى، وقال: لعله يعجز فيصير لي من رقبته بحصته مع ما أخذت من نجم؛ فللورثة تعجيلها، كما لو عجلها المكاتب بإذن الورثة لجبر هذا على أخذها.
وروى أصبغ عن ابن القاسم في العتبية: إذا أوصى لرجل بنجم من نجوم مكاتبه، فقالت الورثة: نحن ندفع إليك نجماً، وقال هو: لا أرضى، لعله يعجز فيكون لي فيه جزء، قال: إن لم يحل النجم فذلك له، وإن حل فذلك للورثة.

قال ابن المواز: وإن أوصى بالنجم الأول لرجل، وبالثاني لآخر، وخرج المكاتب من الثلث، ثم عجز؛ فلصاحب الأول من رقبته بقدر فضل قيمة نجمه، ولو قبض الأول نجمه ثم عجز قبل قبض الثاني، فرقبه المكاتب بينهما على ما وصفنا، وللأول ما اقتضى، ولا يرجع عليه الثاني بشيء، ولو كان ثم نجمٌ ثالث يبقى للورثة فقبض صاحب النجم نجميهما ثم عجز؛ فالعبد بينهما وبين الورثة على قدر قيمة النجم الأول والثاني والثالث، ولا يرجع الورثة عليها بشيء.
وروي عن ابن القاسم في بعض مجالسه: أنهما إن ردا ما أخذا إلى المكاتب رجع فيه بأنصبائهما، وإن لم يردا فنصيبهما منه للورثة.
والصواب ما تقدم وهو قول أشهب، وروى أصبغ القولين لابن القاسم في العتبية.
قال ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون: ولو أوصى بالنجم الآخر لرجل قبل أن يتأدى من الكتابة شيئاً فتقاضى الورثة نجومهم، وسلموا المكاتب للموصى له ليأخذ نجمه، فعجز عنه؛ فإنه تكون قربته بينه وبين الورثة، بقدر قيمة نجمه من قيمة نجومهم؛ لأنهم كانوا له فيه شركاء، وهذا بخلاف أن لو كان السيد قد تأدى نجومه إلا النجم الآخر أوصى به لرجل فينقذه له، ثم يعجز عنه المكاتب أو يموت؛ أن جميع العبد يرق له، وكأنه أوصى بجميع الكتابة إذا كان ما بقي عليه به يعتق ولا شرك لأحد معه فيه، وله جميع تركة المكاتب، وكما لو أوصى به للمكاتب صار حراً.

في وصية المكاتب وبيعه أم ولده لخوف العجز وبيع ولده إياها وهلاكه وذكر من يرثه قال مالك: وإذا أدى المكاتب كتابته في مرضه؛ جازت وصيته في ثلث ما بقي من ماله، وإن مات قبل دفع الكتابة لم تجز وصيته.
قال ابن القاسم: فإن أوصى أن يدفع إلى سيده الكتابة الساعة فلم تصل إلى سيده حتى مات، وقد كان أوصى بوصايا، فوصاياه باطل إذا لم يؤد كتابته قبل أن يموت.
م: قيل للفقيه الجليل أبي عمران -رحمه الله- فلو بعث بكتابته في مرضه إلى سيده فلم يقبلها السيد حين وصولها إليه، هل يكون حراً ويرثه ورثته؟ فقال: لا حتى يقضى عليه بذلك، إلا أن يكون بموضع لا حكم فيه فيشهد عليه فيكون ذلك كالحلم.
فصل قال ابن القاسم: وإذا ولدت أمة المكاتب قبل الكتابة فليست بأم ولد له وله أن يبيعها وإن لم يخف عجزاً، الا ترى أن ولدها لغير المكاتب وهي بمنزلة أم ولد العبد يعتقه سيده فلا تكون له بذلك أم ولد، وأما إذا ولدت من المكاتب أمته بعد الكتابة فقال مالك: هي أم ولد له ولا يبيعها إلا أن يخاف العجز فيبيعها حينئذ.
قال ربيعة: وله أن يبيعها في عدمه لدين عليه.

قال ربيعة: وإن مات المكاتب عديماً وعليه دين للناس؛ فأم ولده في دينه وولده رقٌ لسيده.
ومن كتاب ابن حبيب قال أصبغ: إذا خاف المكاتب العجز فباع أم ولده وهي حامل منه فولدت عند المشتري؛ فإن كان المكاتب بحاله لم يعتق ولم يعجز رد بيعها لتعتق بعتقه أو يعجز فيبيعها دون ولدها، قال: وإن كان الأب قد عتق بأدائه أو عجز فرد رقيقاً؛ مضى بيع الأمة بقيمتها على أن جنينها مستثنى ورد الجنين فكان بحال أبيه من عتق أو رق، فإن لم يعثر على ذلك حتى أعتقها المبتاع وولدها فسواء عجز الاب أو أدى أو كان على كتابته، فإن العتق في الأمة ماض، وعليه قيمتها على أن جنينها مستثنى، ويرد عتق الولد، ويكون سبيله سبيل أبيه من عتق أو رق أو كتابة، وليس هذا كمن باع مكاتبه فأعتقه المبتاع؛ لأن هذا باعه غير سيده.
فصل ومن المدونة قال مالك: وإذا مات المكاتب وترك مالاً فيه وفاء بكتابته وترك أم ولد وولداً منها أو غيرها؛ عتقت أم ولده مع الولد فيه وإن لم يترك مالاً سعت أم ولده مع ولده منها أو من غيرها أو سعت عليهم إن لم يقووا وقويت هي على السعي وكانت مأمونة عليه.
قال مالك: وإن ترك أم ولد ولا ولد معها، وترك مالاً فيه وفاء بكتابته؛ فهي والمال ملك للسيد، ولا عتق لأم ولده؛ لأن المكاتب لم يترك ولداً بعد موته فيعتق أم ولده بعتقه.
قال ربيعة: وكذلك إن ترك ولداً ثم مات الولد؛ فهي والمال للسيد، قال في آخر الكتاب: وكذلك لو كان هو ولده في كتابة فمات ولده عن أم ولد لا ولد معها؛ فهي رق

للأب، وإن ترك مالاً ك ثيراً إلا أن يترك ولداً كاتب عليه أو حدثوا في الكتابة فتعتق أم ولده بعتقه ويرق برقهم، وكذلك الإخوان في كتابة يموت أحدهما ويدع أم ولده ولا ولد معها؛ أنها رقيق، ولا تعتق، وتسعى أم ولد المكاتب بعده إلا أن يدع منها أو من غيرها كاتب عليهم أو حدثوا في الكتابة.
قال ابن المواز: وإن كان معهم أب أو أخ في الكتابة وترك أم ولد لا ولد معها؛ فقال ابن القاسم: هي رقيق للأب أو للأخ، وإن ترك وفاء بالكتابة.
وقال أشهب: إن ترك وفاء بها؛ عتقت مع الأب أو الأخ، وإن لم يترك وفاء؛ رقت: ولا تعتق في سعيهما بعد ذلك، قال: ولا تسعى هي إلا مع الولد.
ومن العتبية قال سحنون عن ابن القاسم: في مكاتب مات عن أم ولد وولد منها أو من غيرها وترك مالاً أعتقوا به، قال: لا يرجعون عليها بشيء، قال: وكذلك لو لم يترك مالاً فسعوا فعتقت كانوا ولدها أو غير ولدها فلا يرجعون عليها بشيء.
فصل ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن مات المكاتب وترك أم ولد وولداً منها حدث في كتابته فخشي الولد العجز؛ فلهم بيعها، وإن كانت أمهم.
قال عن مالك: وإن كان للأب أمهات أولاد سواها فخاف العجز الولد فلهم بيع من فيها نجاتهم كانت أمهم أو غيرها.
قال ابن القاسم: وأرى الا يبيع أمه إذا كان في بيع سواها ما يغنيه.

ومن العتبية قال سحنون: يقرع بينهن أيتهن تباع غير أمه فلا تدخل في السهم.
وقال أيضاً: يباع من كل واحدة بقدرها، يريد: غير أمه، إلا أن يكون لكل واحدة ولد فيباع من كل واحدة بقدرها.
وقال في مكاتب مات وترك عليه من الكتابة مائة دينار وترك ثلاث أمهات أولاد من كل واحدة ولد وقيمة كل واحدة منهن مائة فتشاح البنون أيتهن تباع؟ قال: يباع من كل واحدة بثلث المائة، وإن اختلفت قيمتهن قضيت عليهن بقدر قيمتهن، فإن كانت قيمة الواحدة ثلاثمائة، والثانية مائتين، والثالثة مائة؛ فجميع قيمتهن ستمائة فالمائة الباقية من الكتابة من جميع القيم السدس، فيباع من كل واحدة سدسها فيقوم من ذلك المائة.
م: وإن شئت قلت: يباع من التي قيمتها ثلاثمائة بنصف المائة، ومن التي قيمتها مائتين بثلث المائة [والتي قيمتها مائة سدس المائة] فهذا أعدل إذ قد ينقص ثمن الجزء لما يدخل الباقي من الحرية، ولابد أن يباع منهن بمائة.
فصل ومن المدونة قال ابن القاسم: وإذا هلك المكاتب ومعه في الكتابة ولد وأجنبي وترك مالاً فيه وفاء بكتابته؛ فإن كتابته تحل بموته ويتعجلها السيد من ماله، ويعتق بذلك من معه في الكتابة، وليس لمن معه في الكتابة من ولد وأجنبي أخذ المال وأداؤه على النجوم إذا كان فيه وفاء يعتقون به الآن لما فيه من الغرر، فإن لم يف ببقية الكتابة فولده الذين معه في الكتابة أخذه إن كانت لهم أمانة وقوة على السعاية ويؤدون نجوماً.

قال مالك في كتاب الجنايات: وإن ترك ولداً لا سعاية فيهم ولم يدع مالاً؛ رقوا مكانهم إلا أن يكون فيما ترك ما يؤدي على النجوم إلى أن يبلغوا السعي فيفعل ذلك بهم أو يترك ولداً ممن يسعى فيدفع المال إليهم، وإن لم يقووا ومعهم أم ولد للأب دفع إليها المال إن لم يكن فيه وفاء، وكان لها أمانة وقوة على السعي؛ فإن لم يكن فيها ذلك وكان في المال مع ثمنها إن بيعت كفاف الكتابة؛ بيعت وأدت الكتابة، وعتق الولد، أو يكون في ثمنها مع المال ما يؤدي إلى بلوغ الولد السعي، وإن لم يكن ذلك رقوا أجمعون مكانهم.
فصل قال ابن القاسم في كتاب المكاتب: ولا يدفع ذلك المال لمن معه في الكتابة غير الولد من قريب أو أجنبي وليتعجله السيد من الكتابة ويسعوا في بقيتها، فإن أدوا عتقوا وأتبع السيد الأجنبي بحصة ما أدى من مال الميت وحاص به غ رماءه بعد عتقه، وليس هذا كالمعتق على أن عليه مالاً بعد العتق؛ لأن السيد لم يخرج عنه مالاً فيجب له أن يحاص به، وفي هذا قد أدي عنهم مال المكاتب فهو كالسلف فلذلك حاص به غرماءه.
وقال ربيعه: لا يدفع المال إلى ولد غيره وإن كانوا ذوي قوة وأمانة، إذ ليس لهم أصله، وهو لا يأمن عليه التلف إذا كان بأيديهم وليتعجله السيد ويقاصهم من آخر كتابتهم، فإ، كانوا صغاراً لا قوة فيهم على السعي فهم رقيق وذلك المال للسيد.

جارٍ التحميل