بكر أن يبكين، وفرق جمعهن، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن لطم الخدود، وشق الجيوب، وضرب الصدور والدعاء بالويل والثبور، وقال: "ليس منا من حلق ولا خرق ولا دلق ولا سلق"، وذلك حلاق الرأس وتخريق الثياب، والدلق ضرب الخدود وتمريش الوجه، والسلق الصياح في البكاء والقبيح من القول، ومنه (سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ)، وفي الحديث "لعنت
النائحة، والسامعة والشاقة جيبها، واللاطمة وجهها".
والنياحة من بقايا أمر الجاهلية، ونهى عنها النبي صلى الله عليه وسلم، وأغلظ فيها، وينبغي أن ينهى عن ذلك، ويضرب عليه، وقد ضرب عمر نائحة بالّدرة حتى انكشف رأسها، وضرب من جلس إليها من النساء.
وقوله تعالى: (وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ) قال الحسن: لا ينحن، ولا يشققن ثوبًا ولا يخمشن وجهًا، ولا/ ينشدن شعرًا، ولا يدعون ويلاً.
قال ابن حبيب: وقد أبيح البكاء قبل الموت وبعده، ما لم يرتفع به الصوت، أو يكون معه كلام يكره، أو باجتماع من النساء.
وبكى النبي صلى الله عليه وسلم وابنه إبراهيم يجود
بنفسه، فقيل له في ذلك، فقال: "تدمع العين ويحزن القلب، ولا نقول ما يسخط الرب، يا إبراهيم لولا أنه أمر حق، ووعد صدق، وقضاء مقضي، وسبيل مأتي، وأن الآخر منا لاحق بالأول لحزنا عليك، ووجدنا بك أشد من وجدنا وحزننا، هذا وإنا بك يا إبراهيم لمحزونون"، ثم استرجع/ النبي صلى الله عليه وسلم وأكثر من حمد الله عز وجل، ومر النبي صلى الله عليه وسلم بجنازة يبكى عليها من غير نياحة فانتهرهن عمر، فقال عليه السلام: "دعهن يا ابن الخطاب؛ فإن العين دامعة، والنفس مصابة، والعهد حديث".
[باب-11 -] في السلام والحدث في صلاة الجنازة
[فصل-1 - في السلام في صلاة الجنازة]
قال مالك: ويسلم إمام الجنازة واحدة يسمع ومن يليه، ويسلم المأموم واحدة يسمع نفسه فقط، وإن أسمع من يليه فلا بأس.
قال مالك في الواضحة: ولا يرد عليه إلا من يسمعه، وكذلك عنه في العتيبة.
وروى ابن وهب عن ابن عباس وغيره من الصحابة أن سلام الجنازة تسليمة خفيفة.
[فصل-2 - في استخلاف الإمام في صلاة الجنازة لحدث أصابه]
قال ابن القاسم: وإذا أحدث إمام الجنازة استخلف من يتم بهم باقي التكبير ثم إن توضأ فإن شاء رجع فصلى ما أدرك مأمومًا وقضى ما بقي عليه، وإن شاء لم يرجع.
ومن العتبية قال ابن القاسم: وكذلك إن رعف فليستخلف من يتم بهم كان وليًا لها/ أم لا، وإن خرج ولم يستخلف بهم فليتقدم بهم أحدهم فيتم بهم، وأما إن أحدث متعمدًا أو قهقه فإنهم يقطعون جميعًا ويبتدؤون، وقاله سحنون، قال: وكذلك إن تكلم عامدًا، ولا سجود
سهو عليه في صلاة الجنائز، وقال أشهب: إذا قهقه إمام الجنازة أو تكلم عامدًا فليقدموا من يتم بهم بقية التكبير، ويبتدئ هو خلف المستخلف.
قال أشهب: وإذا صلوا على الجنازة وهم جلوس أو ركوب فلا يجزئهم وليعيدوا.
قال ابن القاسم: وإذا ذكر الإمام بعد أن صلى على الجنازة أنه جنب أجزأت الصلاة كالفريضة وأن القوم لا يعيدون، وإذا قهقه الإمام قطع وقطعوا وأعادوا الصلاة، وإن أحدث أو رعف قدم من يتم بهم، كالفريضة في هذا، وإن ذكر صلاة نسيها تمادى.
قال أبو إسحاق: وهذا هو الأشبه في المتكلم عامدًا وإن كان غلبه من غير شيء أدخله على نفسه فهو الذي فيه الاختلاف فقد يمكن أن يقال: إنه لا يفسد الصلاة وقد وقع لابن القاسم أنه لا يرجع إلى الصلاة ويتم بهم غيره، ويعيدون صلاة الفريضة.
وأما قول أشهب في الذي ذكر صلاة نسيها أنه يتمادى فإن قدر أن بقية الدعاء كان يسير كان صوابًا كمن ذكر بعد أن صلى ركعة من النافلة أنه يضيف إليها أخرى على أحد القولين، وإن كان الدعاء يطول فكيف ترك الوقت الواجب عليه؟ وهو يقول: إذا ذكر فريضة في فريضة بعد ركعة أنه يقطع ففي الجنازة إذا طالت أحرى أن يقطع ويستخلف على القول الثاني، إلا أن يقال إن الجنازة حضر وقتها والمذكورة فائتة فإدراكه التي حضر وقتها خير من أن يصلي الفائتة وتفوته هذه فلا يقدر على قضائها، ألا ترى أن محمد بن عبد الحكم يقول: إذ كان في خناق من وقت الصلاة فذكر صلاة فائتة أنه يبدأ بالتي حضر وقتها؛ لأنه إن ابتدأ بالفائتة فاتتاه جميعًا فكان مصليا لها في غير وقتها فالآن يصلي التي حضر وقتها فيدركها ثم يصلي الفائتة خير من أن يفوتاه جميعًا فهذا على القول أن يتمادى على صلاة الجنازة.
[فصل-3 -] في الصلاة على الجنائز بعد الصبح وبعد العصر
قال مالك رحمه الله: ولا بأس بالصلاة على الجنازة بعد الصبح ما لم يسفر بالضياء، وبعد العصر ما لم تصفر الشمس، وفعله ابن عباس.
قال مالك: فإذا أسفر أو اصفرت فلا يصلوا عليها حينئذ ويؤخروها/ إلى الطلوع أو إلى الغروب، وفعله عمر بن عبد العزيز.
قال مالك: إلا أن يخافوا عليها فليصلوا عليها حينئذ.
قيل لمالك: فإن غابت الشمس بأي ذلك يبدأ أبالمكتوبة أو بالجنازة؟ قال: أي ذلك فعلوا فحسن.
وقال عنه ابن وهب: إن صلوا عليها/ بعد المغرب فهو أصوب، وإن صلوا عليها قبل المغرب فلا بأس بذلك، وقال يحيي بن سعيد.
قال أشهب: في غير المدونة يبدؤون بالمغرب؛ لأنها أوجب ووقتها ضيق.
وأما العصر والصبح فأحب إلي أن يبدأوا بالجنازة، وأما الظهر والعشاء فليبدأوا بما شاءوا إلا أن يخافوا في ذلك كله على الجنازة فسادًا أو فوات الصلاة فليبدأوا بما يخافوا
عليه، وإن صلوا على الجنازة عند طلوع الشمس أو عند غروبها فلا إعادة عليهم.
قال ابن القاسم: وإن دفنت فلا يعيدوا عليها، وقد أرخص مالك أن: يصلوا عليها في هذه الساعات إن خيف عليها.
م وإنما استحب أن يصلى عليها قبل العصر وقبل الصبح، لمنع جواز التنفل بعدهما، فرأى أن الصلاة عليها حينئذ كالتنفل؛ لقول من قال: إن الصلاة على الميت سنة، وأما الظهر والعشاء فالتنفل قبلهما وبعدهما جائز، فلذلك أمرهم أن يبدأوا بما شاءوا.
قال علي عن مالك: ولا بأس بالصلاة عليها بالليل، ولا يصلي عليها إلا في وقت صلاة.
قال أشهب: لا أكره الصلاة عليها نصف النهار، كما لا أكره التنفل حينئذ، ولم يثبت النهي عن الصلاة حينئذ، وقد ثبت النهي عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها.
باب-12 - في تجصيص القبور والبناء عليها والجلوس والمشي والسلام عليها وزيارتها
[فصل-1 - في حكم تجصيص القبور والبناء عليها]
وكره مالك رحمه الله تعالى تجصيص القبور، والبناء عليها، وهذه الحجارة التي تبنى عليها.
م وإنما كره ذلك؛ لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن تجصيص القبور، والقصة الجص؛ ولأن ذلك/ من زينة الدنيا وتفاخرها والميت غير محتاج إلى ذلك.
قال في العتبية: وأكره المساجد المتخذة على القبور.
ومن المدونة: روى ابن وهب عن بكر بن سوادة أن القبور كانت تسوى بالأرض وأن أبا زمعة صاحب النبي صلى الله عليه وسلم "أمر بتسوية قبره إذا مات".
قال ابن حبيب: وروى جابر "أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن ترفع القبور، أو يبنى عليها، أو يكتب فيها، أو تقصص"، ويروى تجصص يعني تبيض بالجير أو بالتراب الأبيض، وأمر بهدمها وتسويتها بالأرض، وفعله عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
قال ابن حبيب: ولا بأس أن يوضع في طرف القبر الحجر الواحد؛ لئلا يخفى موضعه إذا عفا أثره.
قال ابن القاسم في العتبية: لا بأس به في الحجر والعود يعرف الرجل به قبر وليه، ما لم يكتب عليه، ولا أرى قول/ عمر: ولا تجعلوا على قبري حجرًا أبدًا، إلا أنه أراد من فوقه على معنى البناء.
[فصل-2 - في حكم الجلوس على القبور والمشي عليها والسلام عليها وزيارتها]
ابن حبيب: ولا بأس بالجلوس على القبور، وإنما نهى عن الجلوس عليها
للمذاهب للغائط والبول؛ كذلك فسره مالك وخارجة بن زيد.
وقد روى ذلك مفسرًا للنبي صلى الله عليه وسلم، وكان علي بن أبي طالب رضي الله عنه يتوسدها ويجلس عليها.
ولا بأس بالمشي على القبر إذا عفا، فأما وهو مسنم والطريق دونه فلا أحب ذلك؛ لأن في ذلك تكسير تسنيمه وإباحته طريقًا.
وقد روي للنبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك.
ومن المجموعة سئل مالك عن زيارة القبور، فقال: نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، ثم أذن فيه، فلو فعل ذلك أحد، ولم يقل إلا خيرًا لم أر به بأسًا، وليس من عمل الناس.
قال ابن حبيب: لا بأس بزيارة القبور والجلوس إليها والسلام عليها عند المرور بها، وقد فعل ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، وكان يقول: السلام عليكم يا أهل الديار من
المؤمنين والمسلمين، فيرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون.
اللهم ارزقنا أجرهم، ولا تفتنا بعدهم.
ويدل على السلام على القبور ما مضى من السنة في السلام على قبر النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما.
وقد قدم ابن عمر من سفره وقد مات أخوه عاصم فذهب إلى قبره ودعا له واستغفر له.
قال غيره ورثاه فقال:
فإن تك أحزان وفائض دمعة... جرين دمًا من داخل الجوف منقعا
تجرعتها في عاصم واحتسبتها... وأعظم منها ما احتسا وتجرعا
فليت المنايا كن خلفن عاصما... فعشنا جميعًا أو ذهبن بنا معا
دفعنا بك الأيام حتى إذا أتت... تريدك لم نسطع لها عنك مدفعًا
[باب-13] في المرأة تموت حاملًا هل يبقر بطنها على جنينها أو يبقر بطن من ابتلع مالا ثم مات؟
قال ابن القاسم: ولا يبقر بطن الميتة إذا كان جنينها يضطرب في بطنها.
قال ابن القرطي: يدل على ذلك قول الله تعالى: (وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا).
ولو قدر النساء على إخراجه برفق من مخرج الولد كان حسنًا.
م وهذا من قوله: يرد ما استدل به؛ لأنه إذا كان الواجب أن يترك جنينها في بطنها حتى تضعه يوم القيامة فلا يخرج منها بوجه.
وقال سحنون: سمعت أن الجنين إذا استوقن بحياته، وكان معقولًا معروف الحياة فلا بأس أن يبقر بطنها، ويستخرج الولد منها.
قال محمد بن عبد الحكم: رأيت بمصر رجلًا مبقورًا على رمكة مبقورة.
قال سحنون: وكذلك يبقر على/ دنانير في بطن الميت.
وقال مثله أصبغ في
العتبية.
قال ابن القاسم: وكذلك إذا ابتلع جوهرًا لنفسه/ أو وديعة عنده لخوف اللصوص ثم مات فإنه يشق جوفه، ويستخرج ذلك منه.
قال ابن حبيب: وهذا عندي غلط شديد، ولا يشق على حال.
قال: وإن كان جوهرة تساوي، ألف دينار وأضعاف ذلك.
وقد قالت عائشة رضي الله عنها: كسر عظم المؤمن ميتًا ككسره حيًا، يعني في الإثم والحرمة، ولقد سألتهم عن المرأة تموت بجمع وولدها يضطرب في بطنها أيشق لاستخراج جنينها.
فكلهم قال: لا، ولكن يستأني بها حتى يموت فكيف يشق بجوهرة أو دنانير.؟
م والصواب عندي ما قاله سحنون وأصبغ؛ لأن الميت لا يؤلمه ذلك، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن إضاعة المال، وقد رأى أهل العلم قطع الصلاة لخوف وقوع صبي أو أعمى في بئر وقطعها من غير هذا فيه إثم، ولكن أبيح ذلك/ لإحياء نفس مؤمنة، فكذلك يباح بقر الميتة لإحياء ولدها الذي يتحقق موته لو ترك،
والواقع في بئر قد يحي لو ترك إلى فراغ الصلاة، فكان البقر أولى.
وأما احتجاجه بقول عائشة رضي الله عنها فيحمل ذلك إذا فعله عبثا، وأما لما هو أوجب منه فلا، ألا ترى أن الحي لو أصابه أمر في جوفه يتحقق أن حياته باستخراجه لبقر عيه ولم يكن إثما في فعل ذلك بنفسه، ولا الأب في ولده ولا السيد في عبده إن فعله بهم جبرًا مع أن حرمة الحي أعظم من حرمة الميت والله أعلم بالصواب.
[فصل - 3 - في الجماعة في البحر يموت أحدهم ماذا يعمل به؟ يلقى في البحر أو ينتظر به البر]
وإذا مات الميت في البحر فقال ابن القاسم: إن طمعوا بالبر في يومهم وشبه ذلك أمسكوه حتى يدفنوه في البر من يومهم، وإن يئس من ذلك غسل وكفن وصلوا عليه وألقوه في البحر، ولا يحبسوه.
قال ابن حبيب: يلقونه في أكفانه مستقبل القبلة على شقه الأيمن.
قال ابن الماجشون وابن القاسم: ولا يثقلوا/ رجليه ليغرق كما يفعل من لا يعرف، وحق على من وجده على ضفة البحر أن يدفنه، وقد قيل: يثقل بشيء إذا رمي في الماء.
تم كتاب الجنائز من الكتاب الجامع من المدونة وما يتعلق بها من غيرها من أمهات الدواوين بحمد الله تعالى وتوفيقه.
وبقي من مسائل الجنائز أبواب لا يستغنى عن قرائتها ومعرفتها.
وأنا أذكرها ليكمل الكتاب بها إن شاء الله تعالى.
[فصل - 4 - في حكم نبش القبر لاستخراج المال ونحوه].
قال أبو إسحاق: إذا ذكروا بعد الدفن أنهم نسوا في القبر كيسا أو ثوبا لرجل فإن كان يحدثان ذلك فتحوا القبر وأخرجوا ذلك، وإن طال ذلك وشاءوا أن يعطوا لصاحب الثوب قيمته فذلك لهم، وإلا فلهم أن ينبشوه.
قال سحنون: ولو ادعى رجل أن الثوب الذي على الكفن له وقد دفن أو كان خاتما أو دنانير ادعاها فإن كان ذلك يعرف، أو أقر به أهل الميت ولم يدعوه لهم ولا للميت جعل له سبيل إلى إخراج ثوبه، وكذلك الخاتم والدنانير، وإن كان الثوب للميت فإن كان نفيسا فليخرج، وإن لم يكن كثير الثمن فليترك، وإن كان لغير الميت فلصاحبه كشفه عنه، وأخذ ثوبه نفيسا كان أو غيره.
قال عيسى عن ابن القاسم: إذا دفن في ثوب ليس له، فلينبش لاستخراجه ثوبه، إلا أن يطول أمره ويروح الميت فلا يرى إلى ذلك سبيلا.
[باب - 14 -] في توجيه الميت وتلقينه وإغماضه ووضعه في قبره والتعزية بمصيبته
[فصل -1 - في توجيه الميت إلى القبلة وتلقينه وإغماضه]
ومن الواضحة قال مالك: ولا أحب ترك توجيه الميت إلى القبلة إن استطيع ذلك.
ابن حبيب: وروي ذلك عن عي بن أبي طالب رضي الله عنه، وجماعة من السلف.
وقال مالك في المجموعة: وما علمته من الأمر القديم ينبغي أن يوجه إلى القبلة على شقه الأمن فإن لم يقدر فعلى ظهره ورجلاه إلى القبلة.
ابن حبيب: ولا أحب أن يوجه إلى القبلة، إلا أن يغلب أو يعاين، وذلك عند إحداد نظره وشخوص بصره، وينبغي أن يلقن لا إله إلا الله ويغمض/ بصره إذا قضى.
وروي أن النبي (صلى الله عليه وسلم) أمر بذلك، وروي أنه قال: "من كان آخر كلامه لا إله إلا الله حرم على النار"، ويستحب أن
يقال عنده حين يحتضر سلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين، لمثل هذا فليعمل العاملون، وعد غير مكذوب.
قال غيره: الإغماض سنه، أغمض النبي (صلى الله عليه وسلم) أبا سلمة، وأغمض أبو بكر رسول الله (صلى الله عليه وسلم).
قال مالك/: ولا بأس أن تغمضه الحائض والجنب.
ابن حبيب: ويستحب أن يقال عند إغماضه: بسم الله، وعلى وفاة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) اللهم يسر عليه أمره، وسهل عليه موته، وأسعده بلقياك، واجعل ما خرج إليه خيرا مما خرج منه.
ويستحب أن لا يجلس عنده إذا احتضر إلا أفضل أهله وأحسنهم هديا وكلاما، وأن يكثروا من الدعاء، فإن الملائكة يحضرونه، ويؤمنون على دعاء الداعي له، وأكره أن تحضره الحائض والكافر،
أو يكون عليه أو قربه ثوب غير طاهر.
ويستحب أن يقرب منه رائحة طيبة من بخور أوغيره، ولا بأس أن يقرأ عند رأسه بسورة "يس" أو غيرها.
وقد سئل عنه مالك: فلم يكرهه، وقال: إنما أكره أن يعمل بذلك استنانًا وقال في المجموعة والعتبية: ليس القراءة والإجمار من عمل الناس.
فصل -2 - [صفة وضع الميت في قبره]
ويجعل الميت في قبره على شقه الأيمن مستقبل القبلة؛ لقوله عليه السلام: "أشرف المجالس ما استقبل به القبلة".
وقد روي عن السلف أنهم أمروا أن يفعل ذلك بهم عند احتضارهم؛ ولأن الميت كان يعظم هذه الجهة في حياته فيوجه إليها / بعد وفاته، فإن لم يقدر جعلت رجلاه إلى القبلة واستقبلها بوجهه، كالمريض الذي يوجه إلى الصلاة.
[فصل - 3 - اللحد أفضل من الشق]
واللحد أفضل من الشق إلا لضرورة؛ لقوله عليه السلام: "اللحد لنا والشق لغيرنا".
وألحد له (صلى الله عليه وسلم)، وكذلك السلف، وعليه عمل الأمة.
م وهو أن يحفر له تحت الجرف في حائط القبلة.
[فصل - 4 - في فضل التعزية وما يقول المعزي]
قال ابن حبيب: قد جاء في تعزية المصاب ثواب كثير، وجاء أن الله تعالى يلبس الذي عزاه لباس التقوى.
وروي أن النبي (صلى الله عليه وسلم): كان إذا عزى قال: "بارك الله لك في الباقي، وآجرك في الفاني"، وعزى عليه السلام امرأة في ابنها، فقال: "إن لله ما أخذ وإن له ما أبقى، وكل شيء عنده بأجل مسمى؛ وكل إليه راجعون، فاحتسبي واصبري فإنما الصبر عند أول الصدمة.
وكان ابن سيرين يقول: أعظم الله أجرك وأعقبك عقبانًا لدنياك / وأخراك.
وقال مكحول: أعظم الله أجرك، وجبر مصيبتك، وأحسن عقباك، وغفر لمتوفاك.
وكل واسع.
قال غيره: وأحسن التعزية ما جاء به الحديث "آجركم الله في مصيبتكم، وأعقبكم منها خيرًا، إنا لله وإنا إليه راجعون".
وأصيب عمر بن عبد العزيز بامرأة من أهله فلما دفنت ورجع معه القوم فأرادوا أن يعزوه عند منزله فدخل وأغلق الباب، وقال: إنا لا نعزي في النساء، وفعله عبد الملك في وفاة ابنته، ولغير ابن حبيب: عن مالك أنه قال: إن كان فبالأم، قال غيره: وكل واسع.
وقد قال النبي (صلى الله عليه وسلم): "ليعز المسلمين في مصائبهم المصيبة بي".
وجعل المصيبة بالزوجة
الصالحة والقرين الصالح مصيبة.
قال النخعي: كانوا يكرهون التعزية عند القبر.
قال ابن حبيب: ذلك واسع في الدين فأما في الأدب فيعز الرجل في منزله.
[باب - 15 -] في بقاء الروح وذكر النفس والروح وفتنة القبر
[فصل - 1 - في بقاء الروح وذكر النفس والروح]
قال أبو محمد: ومن قول أهل السنة وأئمة الدين في الأرواح أنها باقية فأرواح أهل السعادة منعمة إلى يوم الدين، وأرواح أهل الشقاء معذبة إلى يوم يبعثون.
قال الله تعالى في الشهداء: ﴿أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ إلى قوله: ﴿وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ﴾.
وهذا في الذين من خلفهم بعد في الدنيا، وقال في آل فرعون: (النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا)، وهذا قبل قيام الساعة (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ)، وقال تعالى: (فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى).
ولم يقل فيميت التي قضى عليها/ الموت فوفاة النفوس والأرواح توفى قبض، لا توفى تلاشى.
قال الله عز وجل: (تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا)، وذلك في زوال الروح عن الجسد.
وقال في الكفار: (وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ
اليوم) ولم يقل إنهم يميتون أنفسهم.
وقال الله تعالى في قول من قال من الموتى (رَبِّ ارْجِعُونِ) فهذا قول/ الروح، وإذا كان الشهداء قبل يوم القيامة أحياء يرزقون فكذلك لا يمنع من سعد بطاعته أن تكون روحه منعمة ويتفاضلون في الدرجات.
وقد تظاهرت الأحاديث بتنعيم أرواح المؤمنين بعد الموت قبل يوم القيامة وأنها تأوي إلى قناديل معلقة تحت العرش، وأنها تعلق في شجر الجنة يقول تأكل، كما قال في الشهداء: (يُرْزَقُونَ)، وهذا لا يدفعه إلا زائغ ملحد.
وأما حديث في
حواصل طير خضر فليس بصحيح، والصحيح ما ذكرت، ومما يؤيده القرآن؛ ولأن الروح لا ترجع إلا إلى جسده الذي كان فيه، وكذلك جاء الأثر في النفخ في الصور لتخرج منه الأرواح كل روح إلى جسده.
واختلف في النفس والروح، فقيل: إنهما اسمان بمعنى واحد، وإليه ذهب غير واحد من أصحابنا، منهم: سعيد بن محمد الحداد، وذكر أصبغ عن
ابن القاسم في العتبية وغيرها أنه سمع عبد الرحيم بن خالد يقول بلغني أن الروح له جسد ويدان ورجلان ورأس وعينان يسل من الجسد سلا.
وفي رواية ابن حبيب عن أصبغ عن ابن القاسم عن عبد الرحمن أن النفس هي التي جسد مجسد.
قال ابن حبيب: وهي في الجسد كخلق مركب عليه خلق، وكخلق في جوف خلق تسل من الجسد بصورتها، ويبقى الجسد جثة، والروح هو النفس الجاري الداخل والخارج ولا حياة للنفس إلا به، فالنفس هي التي تلذ وتفرح وتألم وتحزن وتعقل وتسمع وتبصر وتتكلم، والروح لا تلذ ولا تألم ولا تعرف شيئا، والنفس هي التي ترى في المنام وتقبض عند النوم، ومن انقضى أجله اتبع روحه نفسه في المنام فكان ذلك توفية، ثم تصير الأرواح والأنفس بعد الموت شيئًا واحدًا وإنما تميز في الأجساد فإذا انقضى الأجل تبع الروح النفس فصارت كلها أرواحا عند الله تعالى، قال: (وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا) هي التي ترجع إلى جسدها إلى تمام أجلها، ومنه قول النبي (صلى الله عليه وسلم) عند/ المضطجع: "اللهم إن أمسكت نفسي فاغفر لها وارحمها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به الصالحين من عبادك"، ومنه قول الله تعالى:
(فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى).
فليست تموت الأنفس والأرواح، وإنما تموت الأجساد، وتخرج النفس ثم هي حية عند الله تعالى إلى يوم الدين.
/ والله أعلم.
فصل - 2 - [في فتنة القبر]
قال ابن حبيب: وفتنة القبر وعذابه قوي عند أهل العلم والسنة، وإنما يكذب به زنديق ومن لا يؤمن بالبعث بعد الموت.
وقد روي أن الرسول (صلى الله عليه وسلم) قال: "إذا قبضت الروح عرج بها إلى السماء حتى توقف بين يدي الجبار فإن كانت من أهل السعادة أمر الله تعالى ملائكته يذهبون بها فيرونها مقعدها من الجنة وما أعد الله لها من النعيم، وإن كانت من أهل الشقاء أروها مقعدها من جهنم وما أعد الله لها فيها من العذاب، ثم يذهبون بها قدر ما فرغ من
غسل الجسد وكفنه فيدخلون ذلك الروح بين الجسد والكفن فما يتكلم أحد بشيء إلا وهو يسمعه إلا أنه منع من المراجعة فإذا وضع في قبره وواروه سمع خفق نعالهم ونفضهم أيديهم من التراب ثم يأتيه فتانا القبر منكر ونكير ملكان/ أسودان أزرقان يطآن في شعورهما وينحتان الأرض بأنيابهما معما إرزبة من حديد لو اجتمع عليها أهل منى لم يطيقوها.
قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): وهي أهون عليهما من هذا ورفع شيئًا من الأرض فيسألانه عن ربه وعن نبيه وعن دينه، فيثبت الله الذين آمنوا ويضل الله الظالمين.
قال ابن حبيب: ثم يذهب بروح المؤمن بعد فتنته في قبره إلى عليين، وفيها تجتمع أرواح المؤمنين، فهي باقية في صورة طير بيض تذهب في الجنة
حيث شاءت وتصيب من ثمارها، وترى مقعدها ومثواها من الجنة إلى يوم القيامة بالغداة والعشي، ثم تأوي إلى جنة المأوى في ظل العرش إلى / قناديل من نور معلقة بالعرش وإنما سميت جن المأوى؛ لأن أرواح المؤمنين تأوي إليها ويبقى جسد المؤمن في قبره رميما إلا من كرم الله من المؤمنين، كما كرم أنبياءه فلا تنقض الأرض من أجسادهم شيئًا.
والأنبياء عليهم السلام أول من يخرج من الأرض يوم البعث، وأما الكافر فترد روحه بعد عذابه في قبره إلى سجين وهي شجرة سوداء على شفير جهنم فيها تجتمع أرواح الكفار والأشقياء الفجار في جوف طيور سود تعرض على النار بالغداة والعشي إلى يوم البعث، ويبقى جسده في قبره رميما.
ومنهم من حفر عنه فوجد رمادًا في قبره قد احترق.
وأرواح المؤمنين خاصة تطلع على قبورهم ومواضع رميم أجسادها ذاهبة وراجعة ثم تأوي إلى جنة المأوى مكرمة من الله تعالى لها، ولذلك أمر النبي (صلى الله عليه وسلم) بالسلام على القبور وزيارتها، وأما أرواح الأشقياء فمحبوسة في سجين لا يؤذن لها باطلاع قبورها تضييقًا من الله تعالى عليها فإذا كان يوم القيامة جمعت الأرواح/ كلها فأدخلت في الصور، والصور مثقب على عدد الأرواح كلها، فإذا نفخ فيه نفخة البعث خرج كل روح من ثقبه في فور واحد فتنتشر ما بين
السماء والأرض كأنها النحل، ثم تذهب إلى أجسادها، وقد أنبتها الله تعالى فيأتي كل روح إلى جسده، وقد ألهمه الله سبحانه وتعالى إلى معرفته فتدخل فيه من منخريه ويدب في الجسد، فإذا هم أحياء فيتنهون صوت نفخة الصور وهو قوله تعالى: (يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ)، فذلك البعث والحشر إلى الله عز وجل لفصل القضاء، وهو قوله تعالى: (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ)
هنا كمل كتاب الجنائز، وبتمامه تم الجزء الأول من الجامع لابن يونس، ويتلوه في الصاني كتاب الصيام بحمد الله تعالى وحسن عونه وتوفيقه الجميل وبمنه الجزيل عشية الثلاثاء الثاني والعشرين من شهر الله جمادي الثاني من عام ثمانية وتسعون ومئة وألف بالبلاد المباركة، اللهم تقبله وانفع وارحم كاتبه وآمره بالكتاب دنيا وأخرى إنك جواد كريم، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا.
أ. هـ.
كتاب الصوم
بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا