الجامع لمسائل المدونةصفحات 214-253

كتاب الضحايا من الجامع

صفحات 214-253

م: وأصحابنا يحملون قول الغير هذا ليس بخلاف لمالك؛ بخلاف ما تأول أبو محمد عبد الوهاب؛ وهو أصوب.
ومن المدونة قال إسماعيل بن عياش: سمعت أشياخنا يقولون: لا جوار للصبي ولا للمعاهد فإن أجارا فالإمام مخير؛ إن أحب أمضاه وإلا فليبعثه إلى مأمنه.

وقال الليث والأوزاعي: في الذمي يكون من المسلمين فيعطي لمشرك أماناً فلا يجوز أمانه ويرد المشرك إلى مأمنه.
قال سحنون: لا يجوز أمان الذمي بحال، وأما الصبي فليس أمانه أماناً إلا أن يجيزه الإمام للقتال فيصير له سهم؛ فالإمام مخير في إجازة أمانه أو رده إلى مأمنه، فإن لم يجزه الإمام للقتال فأمانه باطل.
وذكر محمد في أمان المرأة والصبي والعبد مثل ما في المدونة.
قال: وأما أمان من ليس بمسلم فليس بشيء؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «يجير على المسلمين أدناه» يقول: من هو منهم.
فإن أمنهم الذمي فلا أمان لهم وهم فيء قاله مالك.

قال محمد: فإن قالوا: ظنناه مسلماً فقد اختلف فيه قول ابن القاسم: فاقل مرة: هم فيء.
وقال أيضاً يرون إلى مأمنهم.
محمد: وهو أحب إلينا.
وقاله ابن حبيب.
قال ابن المواز: ولو قالوا: علمنا أنه ذمي وظننا أن أمانه يجوز لذمته منكم كما يجوز أمان أدناكم من عبدكم وصغيركم؛ فلا أمان لهم وهم فيء.
وقال ابن حبيب.
[قال ابن إسحاق: في هذا ضعف، والأشبه في هذا كله أن يردوا إلى مأمنهم لأن هذا فيه شك ولا تباع الذمي بالشك].
ابن سحنون: وإذا أمر أمير العسكر أن يؤمن فأمن فذلك جائز وهو رسول، وكان ينبغي أن يرسل مسلماً إلا أن يبعثه ليكلمهم بلغتهم، وإن أمنهم الذمي عن رجل مسلم من العسكر فقال: قد أمنكم فلانٌ المسلم، أو قال: فلان.
فإن علموا أنه ذمي فلا أمان لهم؛ لأنه لا أمان له على نفسه فكيف على غيره؟ وهم فيء فإن قالوا: ما علمنا أنه ذمي فهي شبهة.
ابن حبيب: ولا ينبغي لأحد من الجيش أن يؤمن أحداً غير الإمام وحده وذلك قدم وينبغي أن يتقدم إلى الناس بذلك ثم إن أمن أحدٌ قبل نهيه أو بعد، فالإمام مخير إما أمنه أو رده إلى مأمنه.

ابن سحنون: ولو قال الإمام لأهل الحرب: من دخل إلينا بأمان فلان أو بأمان أحد من المسلمين فهو ذمة لنا لا ندعه يخرج أو فهو رقيق فهو على ما قال وذلك نافذ، وكذلك لو قال في حصار حصن: من خرج إلينا منكم بغير أمان الأمير فهو فيء أو مباح الدم؛ فهو كذلك.
ومن المدونة: ومما روي أن عمر -رضي الله عنه- كتب إلى سعيد بن عامر وهو يحاصر قيسارية أن من أمنه منكم حر أو عبد من عدوكم فهو آمن حتى يرد إلى مأمنه أو يقيم

فيكم فيكون على الحكم في الجزية، وإذا أمنه بعض ممن تستعينون به على عدوكم من أهل الكفر فهو آمن حتى يرد إلى مأمنه أو يقيم فيكم، وإذا نهيتم عن الأمان فأمن أحدٌ منكم أحداً منهم ناسياً أو عاصياً أو لم يعلم أو جاهلاً؛ رد إلى مأمنه ولا سبيل لكم عليه إلا أن

يشاء أن يقيم فيكم فيكون على الحكم في الجزية، وكذلك إن أشار أحد منكم إلى أحد أن هلم فإنا قاتلوك؛ فأتانا يظن أنه أمان ولم يفهم ما قال، وكذلك إن جاءكم رجل منهم مطمئناً تعلمون أنه جاء متعمداً فإن شككتم فيه فلا تردوه إلى مأمنه واضربوا عليه الجزية، ومن وجدتم في عسكركم منهم لم يعلمكم بنفسه حتى قدرتم عليه فلا أمان له ولا ذمة، واحكموا فيه بما هو أفضل للمسلمين.
قال سحنون في كتاب ابنه: قول عمر في هذا به يقول أصحابنا إلا قوله: فإن شككتم فإنهم إذا قدروا عليه ولم يبينوا ذلك فهم فيء ورقيق للمسلمين.
م: وقول سحنون هذا خلاف لما في المدونة.
وقد قال مالك في الرومي: يؤخذ وهو مقبل إلينا فيقول: جئت أطلب الأمان؛ فهذا الأمر مشكل، ويرد إلى مأمنه، فيصير في المسألة ثلاثة أقوال: قول مالك هذا، وقول عمر: إنه يضرب عليه الجزية، وقول سحنون: إنه فيء.
ومن كتاب ابن سحنون وابن حبيب: وذكر حديث عمر فيمن يقول للمشرك: لا تخف ثم يقتله؛ فمن فعل ذلك ضربت عنقه.
قال سحنون قال مالك: ليس هذا الحديث بالمجتمع عليه.

وقال ابن حبيب: قال مالك: ذلك تشديد من عمر ولا ينبغي أن يقتل.
قال ابن حبيب: وسمعت بعض أهل العلم يقولون فيمن رمى مشركاً بالقتل فتقاه المشرك.
فقال له المسلم لا تخف أو لا بأس عليك ثم أسره فأراد قتله؛ فإن كان أراد بقوله: لا تخف؛ تأمينه من الضربة لا من القتل؛ فله قتله.
وإن أراد تأمينه من القتل فلا سبيل له إلى قتله فإن قتله فعليه قيمته يجعلها في المغنم.
قال ابن سحنون: وقال ابن وهب عن مالك: والإشارة بالأمان كالكلام، وليتقدم الإمام إلى الناس في ذلك.
وذكر ما روي عن عمر في القائل للعلج.
مترس وهو بالفارسية: لا تخف.
قال سحنون: فهو أمان.
وكذلك إن نادوهم بالأمان بأي لسان من قبطية أو فارسية أو رومية أو غيرها فذلك أمان؛ كان ذلك على لسان يعرفه العدو أم لا يعرفه.
فصل قال سحنون: وأمان الخوارج لأهل الحرب جائز، وكذلك لرجل حربي ولا ينكث ذلك الإمام حتى ينبذ إلى الحربين إن كانوا في منعة وإلا فليبعثهم إلى مأمنهم ثم ينبذ إليهم

إذا رأى ذلك وكان عنده على غير نظر، وإن كان خوارج لهم منعة أمنوا قوماً حربيين على أن يخرجوا إليهم فيكونون معهم بدار الإسلام فقاتلوا فظهر على الجميع بعد قتال أو قبل فلا يستباح الحربيون لسبي ولا أخذ مال؛ لأنه انعقد لهم أمان الكون بدار الإسلام، ومن قتل منهم قتيلاً فليس له سلبه وإن كان الإمام قد نقل الأسلاب، وليسوا كالحربيين الذين أمنهم الخوارج على أن يخرجوا من دار الحرب ليقاتلونا معهم، هؤلاء على أصل الحرب ولم يذكروا أماناً فليس خروجهم أماناً.
فصل ومن كتاب ابن المواز وابن سحنون قال أشهب فمن شذ من سرية بدار الحرب فأسره العدو فلما أحسوا بالسرية طلبوا من الأسير الأمان فأمنهم؛ فإن كان آمناً على نفسه جاز أمانه وإن كان خائفاً لم يجز أمانه والأسير مصدق.
ابن المواز: وإن اختلف قوله أخذ بقوله الأول.

وقال سحنون: لا أرى أمانه أماناً، ولا أصدق أنه أمنهم غير خائف؛ لأن المسلمين قدروا عليهم وهذا ضرر على المسلمين، وهل يقدر الأسير إلا طلبوه في الأمان إلى يؤمنهم.
ابن المواز قال ابن القاسم: إذا أمنهم عن تهديد بالقتل فلا أمان لهم، وأما إن قالوا: نخليك وتأمننا.
فأمنهم فهو أمان جائز.
قيل له: أنه بأيديهم ويخاف إن لم يفعل قتلوه أو غنموه؟ قال: وما يدريه، بل أمانه جائز؛ إن كان ذلك منه بعد أن أشرف عليهم المسلمون ولو شاءوا أن ينقذوا قدروا على ذلك وتخلصوا.
ابن حبيب: إن هددوه بالقتل وقالوا له أمنا ونخلوك.
ففعل؛ فلا أمان لهم إلا أن يخلوه بغير شرط؛ فإن أمنهم وهو على نفسه آمن فذلك جائز ويقبل قول الأسير قاله من أرضاه.
وهذا الباب موعب في كتب أصحابنا وفيما ذكرنا منه كفاية.
[وإن أسر العدو مسلماً ثم أمنوه على أن لا يهرب لم يكن له أن يهرب ولذلك إن أعطاهم عهداً ألا يهرب وتركوه يتصرف لم يكن له أن يهرب؛ لأنه وإن كان مكرهاً على العهد فإن ذلك يؤدي إلى الضرر بالمسلمين والتضييق على ما في أيديهم من الأسارى، ويرون المسلمين لا يوفون بعهد، فإن خلوه على أن حلف بالطلاق أو العتق على أن لا يهرب جاز له الهروب بخلاف الأول؛ لأنهم في مسألة العهد لم يجعلوا له الهروب بوجه

وهذا جعلوا له ذلك ويقع عليه الطلاق والعتق، وأيضاً يرون أنه أبى طلاق زوجته وعتق عبده على المقام ثم لا يلزمه ذلك لأنه مكره].
في تكبير المرابطين وفي الديوان والجعائل قال مالك -رحمه الله-: ولا بأس بالتكبير في الرباط والحرس على البحر ورفع الصوت به بالليل والنهار وأنكر التطريب.
ومن كتاب الغضب قيل لمالك: إنا نكون في الثغور فيقال: نهى الإمام أن يحرس إلا بإذني.
قال: ويقول أيضاً: لا تصلوا إلا بإذني؛ فلا يلتفت إلى قوله، وليحرس الناس.
وفي الباب الأول ذكر فضل الرباط وثوابه مستوعباً.
فصل قيل لابن القاسم: فما قول مالك في الدواوين؟ قال: أما مثل ديوان مصر والشام والمدينة مثل دواوين العرب؛ فلم ير مالك به بأساً.
يري: لا بأس أن يكتب فيه.
قيل: فإن تنازع رجلان في اسم مكتوب في العطاء فأعطى أحدهما الآخر مالاً على أن يبرأ له من ذلك الاسم.

قال مالك: في رجل زيد في عطائه فأراد بيع تلك الزيادة بعرض أنه لا يجوز.
قال ابن القاسم: فكذلك ما اصطلحا عليه لا يجوز؛ لأن الذي أعطى الدراهم إن كان هو صاحب الاسم فقد أخذ الآخر ما لا يحل له، وإن كان الذي أخذ الدراهم هو صاحب الاسم لم يجز له؛ لأنه لا يدري ما باع قليل بكثير أو كثير بقليل ولا يدري ما مبلغ حياة صاحبه فهذا غرر لا يجوز.
[قال أبو إسحاق: وإنما أراد أن الطعام إنما خرج لزيد بن عمر بمائة دينار فجاء رجلان اسم كل واحد منهما زيد بن عمر فقال كل واحد منهما: أنا ذلك الرجل ولي يكون العطاء، فإذا لم يعلم ذلك تحالفا وقسماه، وأثبتها السلطان جميعاً، إن رأى ذلك، أو أحدهما.
ولو كانت المائة إنما هي لخروجه وليست بعطاء من الأعطية الثابتة للناس لنظر السلطان فأيهما رأى أن يخرجه ويعطيه المائة فعل وخلاه وأثبته وأسقط الآخر، لأنها إنما تعطى لمكان خروجه، فإذا لم يره أهلاً للخروج أخرج غيره، والذي أراد في الكتاب الأعطية الثابتة؛ فلذلك لم يجز أن يزيد أحدهما صاحبه شيئاً، ولا أن يشتري أحد الزيادة التي زيدت في العطاء؛ لأنها مؤبدة، وأما لو زيد في العطاء فأراد رجل أن يشتري تلك الزيادة منه سنة أو أعطاه كله سنة؛ لجاز ذلك.
وإذا سمى الإمام الخارجين فلا يجعل لرجل ممن سماه الإمام لرجل آخر أن يخرج عنه إلا بإذن الإمام؛ لأن الإمام يثق بخروج من سماه، فقد يأتي هو بمن هو دونه، أو من لا يقوم مقامه، أو يرى الإمام أن تسمية من سمى اولى عنده من خروج غيره، وأما إذا قال: يخرج من البعث الفلاني مائة وأعطى بعضهم لبعض على أن يخرج عنه، فقال للإمام: أنا أخرج؛ جاز ذلك؛ لأن الإمام لم يسم أحداً.
ولو قال: يخرج جملة أهل الصيف فأراد

بعضهم أن يجعل لمن بعثه في الربيع ما جاز إلا بإذن الإمام؛ لأنه قد عين من يخرج فلا يخرج غيرهم إلا بإذنه، وينبغي أنه إذا أتاه بمن يقوم مقامه ألا يكلفه الخروج إذ لا ضرر عليه في ذلك وهذا جائز إلا لمن أوقف نفسه لهذا يلتمس الزيادة فمتى وجدها خرج فيكره ذلك].
قال الأوزاعي أوقف عمر للصحابة الفيء وخراج الأرضين للمجاهدين ففرض منه للمقاتلة والعيال والذرية فصار ذلك سنة لمن بعده فمن افترض فيه ونيته الجهاد فلا بأس به.
قال ابن محيريز: أصحاب العطاء أفضل من المتطوعة؛ لما يروعون.
وقال مكحول: روعات البعوث تنفي روعات يوم القيامة.
فصل قال مالك: ولا بأس بالجعائل في البعوث، لم يزل الناس يتجاعلون عندنا بالمدينة بجعل القاعد للخارج، وربما خرج لهم العطاء وربما لم يخرج، وقد أدى القاعد للخارج مائة دينار في بعث في أيام عمر.

قال ابن القاسم: وهذا إذا كانوا أهل ديوان واحد؛ لأن عليهم سد الثغور، وإن جعل لمن ليس معه في ديوان ليغزو عنه فلا يعجبني، وقد كره مالك لمن في السبيل كعسقلان ونحوها أن يؤاجر فرسه لمن يغزو به أو يرابط عليه فهو إذا أجر نفسه أشد كراهية.
قال ابن عباس: لا بأس بالطوى من ماحوز إلى ماحوز إذا ضمنه الإنسان.
وقال يحيى بن سعيد: لا بأس بالطوى أن يقول: خذ بعثي وآخذ بعثك وأزيدك كذا.

قال شريح: يكره من قبل أن يكتتبا، فأما بعد الكتابة فجائز، إلا لمن انتصب من ماحوز إلى ماحوز يريد الزيادة في الجعل.
[قال أبو إسحاق: يريد أن الخروج حضور أن ذلك في هذه الخرجة وحدها، وأما أن يقول له ولم يحضر الخروج: خذ بعثي وآخذ بعثك، وما كان لي فهو لك وما كان لك فهو لي وأن يرد كذا فهذا الدين بالدين، ولهذا المعنى كره أن يعتقد الطوى قبل الكتبة، لعله يريد قبل حضور ما يأخذانه وحلوله، فأما إذا كان لم يتقدم لهما كتبة فلم يجب لهما شيئاً يخرجان فيه فلا فائدة في إعطاء أحدهما الآخر على شيء ليس هو ملزوم به ولا مجبور عليه].
قال ابن عمر ومكحول: من أجمع على غزو فلا بأس أن يأخذ ما أعطين وأما من لا يخرج إلا لما يعطى؛ فلا خير فيه.
قال علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-: إن كان إنما يغزو من أجل الجعل فليس له أجر.
وقال الرسول -عليه السلام- للمجتعل أجر ما احتسب وللجاعل أجر الجاعل والمحتسب.

ومن كتاب ابن سحنون قال مالك: ولا بأس بالكراء في الغزو إلى القفل من بلد العدو، وفيه للناس توسعة، وكذلك على أن زوادهم إلى القفل؛ لأن وجه غزوهم معروف.
قيل: وقد تختلف الطريق ويكون المقام نحو الشهر وأكثر وأقل.
قال: وجه ذلك معروف.
م: وإذا غزا رجل عن رجل من أهل ديوانه بأجرة؛ فالسهمان للذي استأجره، وقد نزلت عندنا فأفتى شيوخنا بذلك، وكذلك حكى بعض أصحابنا عن بعض شيوخنا من القرويين.
جامع ما جاء في أخذ الجزية وقتال الخوارج قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في أهل المجوس: «سنوا بهم سنة أهل الكتاب».
قال ابن حبيب: يعني في أخذ الجزية.
قال الزهري: روي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- صالح أهل الأوثان على الجزية إلا من كان منهم من العرب.
وقال ابن وهب: لا يقبل من العرب إلا الإسلام إلا من دخل منهم في ملة.

وقال سحنون: ما أعرف هذا، وتؤخذ الجزية عن مجوس العرب وغيرها؛ لقول النبي -صلى الله عليه وسلم- في المجوس: «سنوا بهم سنة أهل الكتاب».
وقد قال أشهب: في الأمم كلها إذا بذلوا الجزية قبلت منهم.
[قال أبو إسحاق: وما قاله أشهب هو ظاهر المدونة وهو الصواب؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال في المجوس: «سنوا بهم سنة أهل الكتاب» وهذا لفظ عام، وكل من يتمسك بكتاب فاسم المجوسية واقع عليه، ولا فرق بين مال الكفر أنها راجعة إلى أن ذلك كفر، ولا فرق بين اعجمي وعربي.
ومن المدونة] قال مالك: وأخذ عثمان الجزية من مجوس العرب.
قال ابن القاسم: والأمم كلها عندي بمنزلة المجوس.
وقد قال مالك في الفزازنة -وهم جنس من الحبشة-: لا يقاتلوا حتى يدعوا إلى الإسلام، ففي قوله هذا إذا لم يجيبوا دعوا إلى إعطاء الجزية ويقروا على دينهم، وكذلك الصقالبة، والترك، والأبر، وغيرهم من الأعاجم ممن لا كتاب لهم.

م: قال ابن الجهم: تؤخذ الجزية من كل من دان بغير دين الإسلام، إلا ما أجمع عليه من كفار قريش، فلا جائز أن يجري عليهم ذل ولا صغار، وهو إما الإسلام وإما السيف، ولا يرخص لهم على المقام بالكفر بأداء الجزية.
وفي كتاب القرويين: أن قريشاً أسلمت كلها يوم الفتح فإذا وجد كافر منهم كان مرتداً والمرتد لا تؤخذ منه الجزية لأنه لا يسترق.
م: وهو الصواب.

فصل قال مالك: ويستتاب أهل الأهواء من الإباضية والحرورية والقدرية وغيرهم؛ فإن تابوا وإلا قتلوا إذا كان الإمام عدلاً.
وقال الرسول -صلى الله عليه وسلم-: «من غير دينه فاقتلوه».
وقال في قوم مرقوا ببدعتهم يمرقون من الدين، فكان علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- أول من قاتلهم.
قال ابن القاسم: وإن خرجوا على إمام عدل فأرادوا قتاله ودعوى إلى ما هم عليه؛ دعوا إلى السنة والجماعة فإن أبوا؛ قاتلوا.
وسئل مالك عن أهل العصبية الذين كانوا بالشام؟ فقال: أرى للإمام إن يدعوهم إلى الرجوع إلى مناصفة الحق بينهم؛ فإن رجعوا وإلا قوتلوا.
[قال أبو إسحاق: وظاهر هذا أنهم وإن لم يلبثوا بدارهم ولا دعوا إلى بدعتهم لمخالفتهم الإجماع وقدحهم في الصفات وعند الفقهاء أنهم يتوارثون؛ لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-:

«ويتمارى في الفوق» فكأنه أبقى لهم شيئاً فيكون قتلهم على هذا التأويل حداً كحد الزاني والزنديق إذا ظهر عليه وأنكر، كنا نصلي عليه ونورثه.
وقد اختلف المتكلمون في تكفيرهم بمآل قولهم الذي سد عليهم طريق المعرفة بالله تعالى.
فقيل: يكفرون بذلك وعلى هذا لا يتوارثون.
وقيل: لا يكفرون بمآل قولهم؛ لأنهم لم يقولوا، وهذا ظاهر الفقهاء.
وإن كان قد أطلق بعض أصحابنا على من قال: بخلق القرآن أنه كافر.
فهذا على القول الذي يكفر بمآل القول.
وقيل: يضربون ويسجنون ولا يقتلون إلا أن يبينوا بدارهم ويدعوا إلى بدعتهم، وكذلك فعل علي -رضي الله عنه- بالخوارج لم يقاتلهم حتى بانوا بدارهم ودعوى إلى بدعتهم فقاتلهم وقتلهم، ولا تستباح نساؤهم ولا أموالهم وما استهلكوه من الأموال فلا غرم عليهم فيه، وما كان قائماً أخذ من أيديهم، ولم يحدوا فيما وطئوا؛ لأنهم فعلوا ذلك بتأويل وعلى دين يرون أنه صواب، فليسوا كالمحاربين.
ومن رمى منهم امرأة بما استحلوا منها من وطء وقال لها يا زانية: حد.

قال ابن الجهم: تؤخذ الجزية من كل من دان بغير الإسلام إلا ما أجمع عليه من كفار قريس كما تقدم الكلام عليه].
ابن سحنون قال سحنون في الخوارج: إنما قاتلوا وقتلوا لبدعتهم وسماهم النبي -صلى الله عليه وسلم- مارقين قال: «ويتمارى في الفوق» ولم يسميهم كفاراً، وسن علي بن أبي طالب قتالهم بما كان عنده من النبي -صلى الله عليه وسلم- من العلم فيهم فلم يكفرهم ولا سباهم ولا أخذ أموالهم ومواريثهم قائمة، ولهم أحكام أهل الإسلام في ذلك، وإنما قوتلوا بالسنة وبما أحثوا من البدعة؛ فكان ذلك كحد يقام وليس قتلهم يوجب تكفيرهم كما لم يوجب مثل المحارب تكفيره، ولا قتل المحصن تكفيره، وأموالهم لهم، ولهم حكم المسلمين في أمهات الأولاد وعدد النساء والمدبرين والوصايا، ويرد ما أخذوه للمسلمين إلى أربابه، ولا يتبعوا بما سفكوا من دم، ونالوا من فرج، ولا بقود، ولا بدية، ولا صداق، ولا حد، وما لم يعرف به من الأموال أوقف لأهله فإن أيس منهم تصدق به، ولم يثبت عندنا أن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- أجاز الانتفاع بسلاح الخوارج ما دامت الحرب قائمة.

ومن المدونة قال مالك -رحمه الله- في الخوارج إذا خرجوا فأصابوا الدماء والأموال ثم تابوا ورجعوا: وضعت الدماء عنهم ويؤخذ منهم ما وجد بأيديهم من مال بعينه وما استهلكوه فلا يتبعون به، وإن كانوا أملياء؛ لأنهم متأولون بخلاف المحاربين؛ أولئك إذا تابوا إنما يسقط عنهم حد الحرابة ولا يوضع عنهم من حقوق الناس شيء قال ولا يصلي على القدرية ولا الإباضية ولا تتبع جنائزهم ولا تعاد مرضاهم.
قال سحنون: أدباً لهم.
ابن وهب قال ابن شهاب: هاجت الفتنة الأولى فرأى جماعة من البدريين إسقاط القصاص والحدود عمن قاتل في تأويل القرآن فقتل، ولا حد على امرأة سبيت ولا بينها وبين زوجها ملاعنة ويحد قاذفها بها وترد إلى زوجها الأول بعد أن تنقضي عدتها من زوجها الآخر.
ابن وهب: ذكرت الخوارج واجتهادهم عند ابن عباس فقال ابن عباس: ليسوا بأشد اجتهاداً اليهود والنصارى ثم هم يضلون.

قال الشيخ: وإذا سبى الخارجي حرة فأولدها لحق الولد به إذ لا حد عليه في ذلك لما عذر بالتأويل، وكذلك إن سبى أمة فأولدها فلا حد عليه ويلحق به الولد ويكون حكمها كحكم المستحقة من يد مشتريها، ويدخله الاختلاف الذي دخلها.
وقاله بعض أصحابنا.
ابن وهب قال أبو سعيد الخدري: بينما نحن عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو يقسم قسماً إذ أتاه ذو الخويصرة رجل من بني تميم فقال يا رسول الله: اعدل.
فقال رسول الله

-صلى الله عليه وسلم-: «ومن يعدل إذا لم أعدل خبت وخسرت إن لم أعدل» فقال عمر: يا رسول الله ائذن لي أن أضرب عنقه.
فقال: «دعه فإن له أصحاباً يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية ينظر إلى نصله لا يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى رصافه فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى نضيه فلا يوجد فيه شيء، وهو القدح، ثم ينظر إلى قذذه فلا يوجد فيه شيء، سبق الفرث والدم، آيتهم رجل أسود إحدى عضديه مثل ثدي المرأة أو مثل البعضة تدردر يخرجون على خير فرقة من الناس».
قال أبو سعيد: ولقد شهدت مع علي بن أبي طالب قتالهم فأمر بذلك الرجل فالتمس فأتى به حتى نظرت إليه على نعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الذي نعت.
مسألة في قتال الخوارج لم أروها وقرأتها على شيخنا أبي الحسن القاضي فصوبها قال ابن سحنون: وافترض الله عز وجل قتال الخوارج فقال تبارك وتعالى {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي

تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ} فوجب على المسلمين جميعاً بهذه الآية قتال الخوارج وأهل العصبية وهذا إذا كان الإمام عدلاً، وأما إن لم يكن عدلاً وخرج عليه عدل فعليك الخروج مع العدل حتى يظهر دين الله، وإن كان الخارجي غير عدل فيسعك الوقوف إلا أن تراد نفسك ومالك فادفع عن نفسك ومالك وعن ظلم المسلمين إن قدرت، وإن كانوا يطلبون الوالي الظالم؛ فلا يجوز لك الدفع عنه، ولا القيام عليه، ولا يسعك الوقوف عن العدل كان هو القائم أو المقوم عليه، ولا يجب على المسلمين قتال الفئة الباغية إلا مع الولاة إن رأوا الفساد ظاهراً، ولا قيام لله بحق المسلمين إلا بالاجتماع والتولية على أنفسهم من يقوم بالحق، ولا يكون الإمام إلا من قريش لقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «لا تكون الأئمة إلا من قريش»؛ لأن الله لم يخل من

قريش عدلاً، ومن قام من غير قريش بالعدل والحق، يدعو إلى العدل؛ فحينئذ يجب على الناس نصرته، وإن لم يدع فلا نصرة له على الناس، قال ذلك مالك وغيره من أكابر أهل المدينة، وإنما منع مالك من القيام يومئذ لأنه لم يقم إمام عدل، وليس يرى القيام إلا مع العدل من قريش فهذه مذاهبنا وبالله التوفيق.
مسألة: روى عيسى عن ابن القاسم قال سئل مالك: عن الوالي إذا قام عليه قائم يطلب إزالة ما بيده هل يجب علينا أن ندفع عنه غيره؟ قال: أما مثل عمر بن عبد العزيز فنعم.
وأما غيره: فلا، ودعه وما يريد منه، ينتقم الله من ظالم بظالم ثم ينتقم من كليهما قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَاسٍ شَدِيدٍ﴾.
قال: وسئل مالك إذا بايع الناس رجلاً بالإمارة ثم قام رجل آخر ودعا الناس إلى البيعة فبايعه بعضهم؟ فقال: قد روى معاوية أن المبايع الثاني يقتل؛ وهذا عندي إذا

كان الأول عدلاً، وأما إن كان مثل هؤلاء فليس له بيعة إذا كانت بيعته على الخوف، والبيعة للثاني إذا كان عدلاً، وإلا فلا بيعة لهما تلزم.
قال مالك: ولابد من إمام بر أو فاجر.
قال أبو إسحاق: والحديث الذي رواه معاوية أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «إذا كان في الأرض خليفتان فاقتلوا أحدهما»، وقد بلغني أنه كان يقال: «لا تكرهوا الفتن فإن فيها حصاد المنافقين».
والله عز وجل أعلم.

وهذا

باب جامع لوجوه شتى مما يتعلق بالجهاد

ومن كتاب ابن حبيب: روي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يخرج في سفره يوم الخميس باكراً ويرجع يوم الاثنين باكراً.
بيد إذا رجع فيصلي ركعتين في المسجد ثم يحدث أصحابه ساعة ثم يدخل.
وروي أنه كان يصلي ركعتين قبل أن يخرج.
وكان -عليه السلام- يبعث السرايا أول النهار.
قال ابن مسعود: من خرج إلى سفر فليأت إخوانه يسلم عليهم ويرتجى بدعائهم خيراً فإذا قدم فليأتوه.
وكان النبي -صلى الله عليه وسلم-: إذا استوى على بعيره يريد سفراً كبر ثلاثاً

وقال: «سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون، اللهم يسر لنا في سفرنا هذا التقوى ومن العمل ما ترضى، اللهم ازو لنا الأرض وهون علينا السفر واطو لنا بعده، اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل والمال، اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر وكآبة المنقلة وسوء المنظر في الأهل والمال».
وكان -صلى الله عليه وسلم- إذا بعث جيشاً أو سرية يوصيهم فيقول: اغزوا بسم الله وعلى عون الله وامضوا بتأييد الله بالنصر ولزوم الصبر، قاتلوا في سبيل الله، ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين، ولا تجنبوا عند اللقاء، ولا تمثلوا عند القدرة، ولا تسرفوا عند الظهور، ولا تقتلوا هرماً، ولا امرأة، ولا وليداً، ولا تغلوا عند الغنائم، ونزهوا الجهاد عن عرض الدنيا، وأبشروا بالرباح في البيع الذي بايعتم به، وذلك هو الفوز العظيم).

وقال -صلى الله عليه وسلم-: «خير الصحابة أربعة، وخير الطلائع أربعون، وخير السرايا أربع مائة، وخير الجيوش أربعة آلاف، ولن تغلب اثنا عشر ألفاً من قلة إلا باختلاف كلمتهم».
«ونهى عن الوحدة في السفر وغيره».
وقال -صلى الله عليه وسلم-: «لا تتمنوا لقاء العدو، واسألوا الله تعالى العافية، فإذا لقيتموهم فاثبتوا واذكروا الله تعالى».
وفي حديث آخر: «فإذا صاحوا فعليكم بالصمت والسكينة، ولا تنازعوا

فتفشلوا، وإذا أتوكم فاثبتوا، وأكثروا ذكر الله تعالى، وعليكم بالأرض، وقولوا: اللهم أنت ربنا وربهم ونواصينا ونواصيهم بيدك وإنما تغلبهم أنت فاهزمهم بطولك، فإذا غشوكم فقوموا غضوا أبصاركم واحملوا على بركة الله تعالى».
وكان -صلى الله عليه وسلم-: يبرز إلى غزوه حين تزول الشمس، وكان يقول: «اللهم منزل الكتاب مجري السحاب هازم الأحزاب اهزمهم لنا وانصرنا عليهم وزلزل بهم».
وفي العتبية قيل لمالك: هل بلغك أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يتحرى قتال العدو بعد الزوال؟ قال: ما بلغني ذلك، وما كان قتاله يوم خيبر ويوم أحد إلا أول النهار.

فصل قال ابن حبيب: ولم يزل الشعار من أمر الناس.
قال ابن عباس: كان الشعار يوم بدر: "يا منصور"، ويوم حنين: "حم لا ينصرون"، وشعارهم حين انهزموا: "يا أصحاب سورة البقرة تخضيضا".
فصل ومن العتبية من سماع ابن القاسم: وينبغي لإمام الجيش ألا يعجل على أصحابه ويكون في وسطهم.
وقال أيضاً مالك فيه وفي الواضحة: ينبغي أن يكون الإمام في آخرهم حتى يتقدمه الضعيف ويلحق به المنقطع.
وكان عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- يفعل ذلك.
ابن حبيب وأوصى عمر بن العزيز صاحب الطائفة أن يركب أضعف دابة في الجيش يضبط سيرها.

وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «عليكم بسير الليل، وإذا سرتم في الخصب فأمكنوا الدواب من أسنانها ولا تجاوزوا المنازل، وإن سرتم في الجدب فعليكم بالدلج، وإياكم والتعريس في جواب الطريق، والصلاة عليها، وإذا ضل أحدكم أو أخطأ فليتيامن، فإذا أعيا فليهرول، وادنوا من الماء وأقلوا المكث في المنازل».
فصل وينبغي لإمام الجيش أن يوكل بالساقية رجالاً في دخوله دار الحرب وفي خروجه يلحقون بمن تخلف ويقفون على الضعيف ومن معه دابة لا فضل فيها أمروه بتركها فإن أبى نزعوها منه وتركوها وألحقوه بالناس، ولا ضمان عليهم فيها، وكذلك إن كان معه بقر أو غنم اشتراها من المغنم فلم يقدر أن يلحق بالناس؛ فعلى أصحاب الساقة قتل ذلك إن خافوا على الرجل، وإن تركوها وألحقوا ربها بالناس ثم مرت بها سرية لحقوا العسكر بعد ساعة أو يوم أو يومين فقام ربها، فإن كان بقي خلف ربها بقية من المسلمين فليس لأهل الساقة أن يحولوا بينها وبين ربها، فإن فعلوا فهم ضامنون لما قتلوا أو هلك منها،

وإن فعلوا ذلك ولم يعلموا بمن خلفهم لم يضمنوا؛ ولربها أخذها ممن قام بها من خلفه، ويؤدي إليه ما أنفق عليها وإلا أسلمها إليه، والقول قوله فيما يشبه من النفقة، فإن اختلف في مدة النفقة: فقال المنفق: من وقت كذا، وقال ربها: من وقت كذا، أو قال: لا أدري.
فالمنفق مدعي؛ فإن جاء بالبينة وإلا فلا شيء له إلا ما أقر به ربها، ولو أنفقوا عليها وهم يظنون أنها للعدو غنيمة؛ فلا رجوع لهم بالنفقة على ربها؛ كما لو غنموا عبداً من أيدي العدو للمسلمين فلربه أخذه بغير نفقة ولو قسمت أخذها بالثمن فلا نفقة؛ لأنهم إنما أنفقوا على أموالهم.
م: والقياس إن أخذه ربه قبل القسمة أن عليه النفقة لأنه يأخذه بغير ثمن ولو هلك كان منه، ولو كانت له غلة كانت لسيده ممن عليه الضمان؛ فله الخراج وعليه النفقة، كقولهم: فيمن رد عبداً بعيب فلا رجوع له بالنفقة؛ لأن ذلك كان في ضمانه، وكان له خراجه، فكذلك عليه نفقته، وأما ما أنفق عليه بعد القسمة فلا رجوع لهم بالنفقة؛ لأنهم أنفقوا على أموالهم وما كان ضمانه منهم.

فصل قال ابن حبيب: اختلف ي قول الله سبحانه: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾ الآية فقيل -وهم الأكثر-: يعني ضعفاً في العدد لا في القوة والجلد؛ فلا يحل أن يفر الرجل من رجلين، ولا المائة من المائتين، وإن كانوا أشد منهم سلاحاً، وأظهر جلداً وقوة؛ إلا أن يكونوا بأرض العدو وموضع مادتهم؛ فلهم حينئذ في الانحياز عنهم التولية منهم سعة.
وقيل: إنما ذلك في القوة والجلد؛ فلو أن مائة مسلم لقوا ثلاثمائة أو خمسمائة ليسوا مثلهم في القوة والجلد لم يجز لهم التولية عنهم فإنما الضعف في القوة لا في العدد، وهذا قول ابن الماجشون وروايته عن مالك وبن أقول.
م: إنما ذلك إذا تساووا أو تقاربوا في العدد فتلقى المائة منا المعدة بالخيل والسلاح مائتين من الشرك معدين مثل عدتنا أو قريباً منها، وأما إن تلقى مائة منا غير معدة مائتين منهم معدة فلا؛ لأن الواحد المعد بكفاءة عشرة غير معدين؛ فإنما تحمل الآية على الاستواء في العدد والمقاربة فيه والله أعلم.

قال ابن حبيب: لم يأخذ مالك بقول عمر: "أنا فئة لمن انحاز إلي" وهو بالمدينة، وإنما ذلك إلى رأس الجيش وولاته.
قال ابن المواز: إنما الانحياز إلى والي جيشه الأعظم الذي دخل معه وربما تكون سرية دون سرية فتنحاز المتقدمة إلى من خلفها ممن يليها، ثم تنحاز إذا ما جاءهما أكثر من مثلهما إلى من يليها حتى يبلغ الانحياز من الجيش الأعظم، ووليهم الأكبر.
وقاله عبد الملك: والله أعلم بما يخرج من سخطه.
وقال عن مالك: لا يجوز الانحياز إلا عن بين وضعف من السلطان ولهم السعة أن يثبتوا للقتال أكثر من الضعفين والثلاثة وأكثر من ذلك، وإن كانوا يجدون مصرفاً عنهم.

قيل: فإن علموا أنهم مقتولون إن ثبتوا؟ قال: فأحب إلي أن ينصرفوا عنهم إن وجدوا إلى ذلك سبيلاً، فإن لم يجدوا: فلهم أن يقاتلوا حتى يقتلوا.
[فصل وسئل ربيعة عن مدينة حاصرها العدو فضعفوا عن قتالهم وليس عندهم ما يكفيهم؛ أيخرجون لقتالهم أم يصبرون حتى يموتوا جوعاً؟ قال: بل يخرجون للقتال أحب إلي.
قال ابن سحنون: ولو بلغ بهم من الجوع حتى لا يقدروا على القتال فإن طعموا أن في الإخراج منجاة ومفاداة قد عرف ذلك من العدو في غيرهم؛ فليخرج إليهم، وإن كانوا يقتلونهم فليصبروا للموت جوعاً.
وقال أبو إسحاق: لهم الخروج إلى القتال فلعل ذلك روح لهم.

وقد اختلف في المركب من المسلمين [تلقى عليها النار]؛ هل [يثقل] الرجل نفسه ليغرق؟ فقيل: ذلك له؛ لأنه فر من موت إلى موت أيسر منه؛ وعلى هذا: إذا أيقن الإنسان بمثل هذه الأشياء التي هي تعذيب له وأيقن بالهلكة أنه يفر منها إلى موت هو أيسر منها فلا يكون قاتلاً لنفسه.
وقد قال ربيعة أيضاً: إن صبر فهو أكرم له، وإن اقتحم فقد عوفي، ولا بأس به إن شاء الله].
فصل ابن المواز: وسئل عن الرجل بين الصفين يدعو إلى المبارزة؟ قال: إن صحت نيته فلا بأس بذلك وقد فعل فيما مضى.
ابن حبيب: سمعت أهل العلم يقولون: لا بأس بالمبارزة وذلك على قدر النية.
ولا

يكون ذلك إلا بإذن الإمام، قرب ضعيفٍ يقتل؛ فيهد الناس، ولا بأس أن يعضد إذا خيف عليه، وقيل: لا يعضد؛ لأنه لم يوف بالشرط، ولا يعجبنا، لأن العلج إذا أسره يجب علينا أن نستنقذه إذا قدرنا، وقد برز يوم بدر حمزة

وعلي وعبيدة بن الحارث بن عبد المطلب إلى عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة

والوليد بن عتبة، فبرز حمزة لعتبة فقتله، وبرز علي للوليد فقتله، وضرب شيبة رجل عبيدة فقطعها فكر عليه حمزة وعلي فاستنفذاه من يده.
فصل ومن كتاب محمد بن عبد الحكم روى أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال في قول الله سبحانه: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ الآية.
أن القوة: الرمي.
قال ذلك ثلاث مرات، وكان يعجبه الرجل أن يكون فارساً رامياً سابحاً.
ابن حبيب: وقال ابن عباس: القوة السلاح كله والعدة في سبيل الله.
وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «من تقلد سيفاً في سبيل الله ألبسه الله وشاح الكرامة».

جارٍ التحميل