الجامع لمسائل المدونةكتاب الذبائح من الجامع
أهل الأثرالأرشيف العلمي

[الباب: الأول]

في سنة الذبح وتوجيه الذبيحة والتسمية عليها

والسنة في الذبح: أخذ الشاة برفق وتوضع على شقها الأيسر إلى القبلة، ورأسها مشرف وتأخذ بيدك اليسرى جلد حلقها من اللحي الأسفل بالصوف وغيره وتمده حتى تتبين البشرة تحته وتوضع السكين في المذبح حتى تكون الجوزة في الرأس، ثم تسمي الله تعالى وتمر السكين مراً مجهزاً بغير ترديد، ثم ترفع بعد قطع الودجين والحلقوم، لقوله صلى الله عليه وسلم: "ما فرى الأوداج، وذكر اسم الله عليه فكل"، وقوله: "الذكاة في الحلق واللبة"؛ ولأن الذكاة ما لم تكمل في هذه المواضع جاز أن تعيش معه، وقال صلى الله عليه وسلم: "إذا ذبح أحدكم فليجهز".
قال مالك: ولا ينخع، والنخع: قطع المخ الذي في العنق.
وتكون قد حددت شفرتك قبل ذلك؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر بحد الشفار، وأن توارى عن البهائم.

الجزء: 5 - الصفحة: 794

قال في حديث آخر: "ولا يضرب بها الأرض ولا يجعل رجله على عنقها وليجلس حتى تبرد"، وأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه رأى رجلاً يحد شفرته، وقد أخذ شاة ليذبحها، فضربه بالدرة، وقال: تعذب الروح، ألا فعلت هذا قبل أن تأخذها، وضرب آخر رآه يجر شاة برجلها ليذبحها، وقال: "قدها إلى الموت قوداً جميلاً".
وكره ربيعة ذبحها، وأخرى تنظر إليها وكره مالك ذبح الطير والدجاجة وهو قائم، فإن فعل أكل إذا أصاب وجه الذبح.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ومن السنة توجيه الذبيحة إلى القبلة، فإن لم يفعل وتركها ووجهها إلى غير القبلة أكلت، وبئس ما صنع.
قال ابن القاسم: وبلغ مالك أن الجزارين يدورون حول الحفرة فيذبحون فنهاهم عن ذلك، وأمرهم بتوجيهها إلى القبلة.

الجزء: 5 - الصفحة: 795

قال ابن حبيب: وإنما حمل مالك أمرهم على الجهل منهم بخطأ ما فعلوه، فذلك لم يقل: ما ذبحوه على تلك الحال لا يؤكل.
وقد قال مالك: من ترك توجيه الذبيحة للقبلة عامداً من غير جهل ولا نسيان أنها تؤكل.
وقال فيه ابن المواز: أحب إلي أن لا تؤكل، وإن كان ساهياً أكلت.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وليسم الله عند الذبح والنحر وعلى الضحايا، وليقل عند الذبح والنحر وعلى الضحايا، وليقل بسم الله، والله أكبر، وكذلك فعل الرسول.
قال أبو محمد عبد الوهاب: والتسمية سنة لأمره صلى الله عليه وسلم بها في الصيد ولا فرق بينهما، فإن تركها ناسياً أجزأت؛ لأن ترك السنن نسياناً لا يبطل العبادة، وإن تعمد تركها: قال مالك: لا تؤكل، فمن أصحابنا من حمله على التحريم تغليظاً لئلا يستخف بالسنن، ومنهم من قال: هي واجبة مع الذكر ساقطة مع النسيان.
قال ابن حبيب: ولو قال: بسم الله فقط، أو الله أكبر فقط، أو لا إله إلا الله،

الجزء: 5 - الصفحة: 796

أو سبحان الله، أو لا حول ولا قوة إلا بالله من غير تسمية أجزأه، وكل تسمية لله، ولكن ما مضى عليه الناس أحسن،/ وهو بسم الله، والله أكبر.
ومن المدونة: قيل لابن القاسم: هل يقول بعد التسمية: صلى الله على محمد أو يقول محمد رسول الله؟.
قال: ذلك موضع لا يذكر فيه إلا اسم الله وحده.
ابن حبيب: وروى أصبغ عن ابن القاسم: أن في بعض الحديث: موطنان لا يذكر فيهما إلا الله: الذبيحة، والعطاس"، ولا يقول بعد التشميت والتحميد في العطاس: محمد رسول الله، وإن شاء قال بعدهما: صلى الله على محمد؛ لأن الصلاة على النبي ليست تسمية له مع الله سبحانه، وقاله أشهب.
ولا ينبغي أن يجعل الصلاة على النبي في هذا استناناً.

الجزء: 5 - الصفحة: 797

ومن المدونة: قال مالك: وإن شاء قال في الضحية بعد التسمية: اللهم تقبل مني، وإلا فالتسمية تكفيه.
قال ابن المواز: أحب إلينا أن يقول في الضحية: "ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم".
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وأنكر مالك قول الناس: اللهم منك وإليك، وقال: هذه بدعة.
قال ابن حبيب: أما قوله: اللهم تقبل مني فلابد له منه، وإن شاء قال: اللهم منك وإليك، وإن شاء ترك.
قال: ومن أمر عبده بالذبح وأمره بالتسمية مرتين أو ثلاثاً، كل ذلك يقول العبد: قد سميت ولم يسمعه السيد فلا بأس أن يصدقه ويأكل ما ذبح إلا أن يتركه تنزهاً، كما فعل عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة.
وحكى لنا عن بعض شيوخنا فيمن استأجر له رجلاً على أن يذبح له أضحيته ويسمعه التسمية فذبح ولم يسمعه التسمية، وقال له: قد سميت أنه لا شيء له من الأجر لمخالفته الشرط، ولا يغرم الذبيحة.
وقال غيره: له أن يغرمه الذبيحة إن شاء.
وقال أبو عمران الفاسي: إنها ذبيحة مذكاة وتجزئه؛ لأنه لا يخلو من أن

الجزء: 5 - الصفحة: 798

يكون صدق أو نسي، وكل ذلك لا يضر الذبيحة، ولا ينبغي أن يظن به تعمد ترك ذلك، واحتج بحديث عبد الله بن عياش، وأن مالكاً أجاز أكلها، وهذا هو الصواب، ولا ينبغي أن يضمن ولا يحرم الأجر، وقاله أبو بكر بن عبد الرحمن، واحتج بحديث ابن عياش.
قال: وقد قال إسماعيل القاضي: إنه إنما ترك ابن عياش أن يأكلها: لأنه كان بالمدينة عبيد مجوس فاتقى أن يكون أن العبد لم يجب إلى الإسلام.
وذكر عن أبي عمران: إن كانت إجارة من يسمع التسمية أكثر من إجارة من لا يسمعها فيعطى أجر المثل.
قال الشيخ أبو عمران: التسمية عند الذبح أقوى من استقبال القبلة؛ لأن الله ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾، وقال: ﴿وَلَا تَاكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾، وقال: ﴿أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾، وقال صلى الله عليه وسلم: "ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل"، وقال: "إذا أرسلت كلبك وذكرت اسم الله فكل".
وأما من ترك التوجيه إلى القبلة فليس لها نص في كتاب ولا سنة، فهي أضعف، والتفريق بينها حسن أن يجعل التوجيه بها إلى القبلة استحباباً أو سنة لا تبلغ رتبة التسمية لا على مذهب مالك ولا على مذهب أشهب الذي يخفف ترك التسمية،

الجزء: 5 - الصفحة: 799

وذلك أن غير واحد من السلف ومن فقهاء الأمصار قالوا: لا يضر أن يذبح الرجل إلى غير القبلة، وإن كان قد استحب ابن عمر، والشعبي في تركها عامداً أنها لا تؤكل، والصحيح من قول مالك أنها تؤكل، وعليه جمهور السلف، إذ لا نص لها في كتاب ولا في سنة.

الجزء: 5 - الصفحة: 800

الباب الثاني

ما يجوز التذكية به وصفة الذبح وذبح ما ينحر، ونحر ما يذبح وذكر النخع

قال مالك- رحمه الله- ومن احتاج إلى أن يذبح بمروة أو عود أو عظم أو حجر أو غيره أجزأه.
وقال ابن القاسم: ولو ذبح بذلك ومعه سكين تؤكل إذا أفرى الأوداج والحلقوم.
قال أبو محمد: وقد أساء.
قال ابن حبيب: والمروة: حجار بيض صلبه حداد، والعظم يجزئ به الذبح ذكياً كان أو غير ذكي.
قال ابن المواز: وقد أجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم الذكاة بالحجر والمروة والشظاظ: وهو ما يخرج من كسر العصا،/ وبالقصب، وقال: "كل ما أنهر الدم فكله إلا السن والظفر"، وقاله ابن عباس، وقال: "وإذا مر في الحلقوم ثم أفرى الأوداج واللحم والعروق فهو ذبح، وإن هو تردد به فلا يؤكل".

الجزء: 5 - الصفحة: 801

وقال سعيد بن المسيب وابن قسيط، ويحي بن سعيد: إنه يذبح بالعظم والقصبة وغير ذلك وإن لم يضطر إليه، وقال مالك، والليث.
قال ابن عباس: والذبح بالظفر إنما هو خنق.
قال ابن حبيب: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "انهروا الدم بما شئتم إلا الظفر والسن"، يعني: سيلو الدم، ومنه سمي النهر نهراً، لأنه يسيل سيلاً.
وأما السن والظفر المنهي عن التذكية بهما فهما المركبان في فم الإنسان وفي أصبعه؛ لأنه إذا ذبح بالظفر فهو خنق، وبالسن فهو نهش، وإذا كانا منزوعين ولم يصغرا أو عظماً حتى يمكن الذبح بهما فلا بأس بالذبح بهما.
ومن المدونة: قال مالك: وتمام الذبح إفراد الأوداج والحلقوم، فإن أفرى الأوداج وحدها أو الحلقوم وحده لم تؤكل.
قال سحنون: وإن بقي ودج واحد لم ينقطع لم تؤكل.
قال: ولو قطع الحلقوم ثم لم تساعده السكين في مرها على الودجين إذ ليست بحادة فأقلبها فقطع الأوداج بها من داخل لم تؤكل.

الجزء: 5 - الصفحة: 802

قال سحنون: ولو أجاز الغلصمة إلى البدن لم تؤكل.
قال العتبي وقاله ابن القاسم وأشهب.
ابن حبيب: وقاله أصبغ، وبه أقول؛ لأن الحلقوم لم يقطع منه شيء.
قال: ولو اجاز ذلك أشهب وابن عبد الحكم.
قال ابن وضاح: ولم يحفظ لمالك فيها شيء.
وقال يحي بن عمر: قال مالك، وابن القاسم إنها لا تؤكل، قال: وعلى قياس قول ابن القاسم: إنها إذا جازت إلى البدن وبقي في الرأس منها قدر حلقه الخاتم: إنها تؤكل إلا أن يبقى في الرأس منها ما لا يستدير فلا تؤكل.
م: قال بعض شيوخنا: إذا ذبح الجزار لرجل وأجاز الغلصمة في البدن ضمن قيمة الشاة على مذهب مالك، وابن القاسم، ولا يضمن في قول غيرهما.
وقال بعض أصحابنا: قال الشيخ أبو بكر بن عبد الرحمن القروي: قلت للشيخ أبي الحسن ابن القابسي فيما قيل: إذا رفع الذابح يده بعد الذبح ثم أعاد إن كان كالمختبر فلا شيء عليه ويأكلها، وإن رفع يده على أنه أتم الذبح ثم رجع فلا تؤكل.

الجزء: 5 - الصفحة: 803

كان يجب أن يكون الجواب بعكس هذا أنه إذا رفع يده مختبراً فلا تؤكل، وإن كان على أنه أتم الذكاة فلتؤكل إذا أعاد يده بالفور؟ لأن الأول رفع يده وهو شاك في تمام الذبح، والآخر: رفع يده موقناً، كقولهم فيمن سلم من اثنتين، وكان على يقين أنها أربع، ثم أيقن أنه سلم من اثنتين أنه لا يضره ويتم باقي صلاته، وإن سلم على شك أبطل صلاته، فصوب الشيخ ما قلته.
وقال ابن حبيب- في غير الواضحة-: إذا قطع الأوداج وأكثر الحلقوم، النصف فأكثر، أكلت، وإن قطع يسيراً منه لم تؤكل، ولو لم يقطع منه شيئاً فقيل له في ذلك فرجع فأجهز على الحلقوم فإن كان في فور الذبح قبل أن يذهب عنها ويدعها فذلك جائز، وإن كان بعد أن تباعد فلا تؤكل.
وقال سحنون: إذا رفع يده قبل تمام الذكاة، ثم علم فردها مكانه وأجهز فلا تؤكل، وروي عنه أنه كره أكلها، وروي عنه أنه إن رفع كالمختبر فلتؤكل، وإن كان على التمام فلا تؤكل، وقد بينا ذلك.
م: وذكر لنا عن ابن عبد الرحمن أنه إن رفع يده، ثم أعادها، فإن كان حين رفع يده لو تركت الذبيحة لعاشت فأعاد فأتم الذكاة فإنها تؤكل، وكأنه الآن ابتدأ ذكاتها، وإن كان حين رفع يده لو تركها لم تعش وإذ قد أنفذ المقاتل فلا تؤكل وتصير مثل المتردية وأكيلة السبع.

الجزء: 5 - الصفحة: 804

وروى يحي بن يحي عن ابن القاسم في العتبية في الدجاجة والحمام إذا أجهز على أوداجه/ ونصف حلقومه أو ثلثه فلا بأس بأكله إذا لم يتعمد، ولم يجز ذلك سحنون حتى يجهز على جميع الحلقوم والأدواج.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وأما المريء الذي يكون مع الحلقوم وهو الحرف الأحمر فلم أسمع من مالك فيه شيئاً.
فصل [1 - في كون الذكاة لا تخرج عن الحلق واللبة] قال مالك: ولا ينحر ما يذبح، ولا يذبح ما ينحر خلا البقر فإن النحر والذبح فيه جائز، واستجب مالك فيها الذبح لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَامُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾، وقوله: ﴿فَذَبَحُوهَا﴾، قال: فإن نحرت أكلت؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نحر عن نسائه البقر.
قال مالك: والغنم تذبح ولا تنحر، والإبل تنحر ولا تذبح، فإن ذبحت الإبل أو نحرت الغنم من غير ضرورة لم تؤكل.
قال أبو محمد عبد الوهاب: وإنما ذلك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نحر الإبل، ولم يحفظ عنه ولا عن أحد فيها الذبح، وأما الغنم: فإنه صلى الله عليه وسلم ذبحها، ولم يرو عنه ولا عن أحد أنه نحر شاة.

الجزء: 5 - الصفحة: 805

وقيل: إن الفرق بين الإبل والغنم: إن عنق البعير طويل فيبعد خروج روحه وفي ذلك تعذيبه وزيادة ألم، والنحر أسهل وأخف عليه؛ لأنه في آخر العنق وأقرب لخروج روحه.
وأما الشاة: فعنقها قصير ولا لبة لها فلا يتمكن من نحرها إلا بما يقرب من جوفها، فكان الوجه فيها الذبح، فإذا ذبح أحد بعيراً أو نحر شاة فقد أتى بالذكاة على خلاف الوجه المأمور به في الشرع فأشبه من ذبح من القفى أو أبقى شيئاً من الودجين.
قال ابن المواز: هذا قول مالك وأصحابه إلا أشهب فإنه قال: إذا ذبح البعير من غير ضرورة فقد صار ذبحه له ضرورة وفات موضع نحره فيؤكل ولا يطرح، وكذلك الشاة عنده إذا نحرت.
م: فوجه هذا: فلأنه جائز مع الضرورة، فلو لم يكن ذكاة ما جاز كالطعن في الفخذ، ولذلك أجاز ابن أبي سلمة أكل ذلك كله إذا نحر ما يذبح أو ذبح ما ينحر من غير ضرورة.
وقال ابن بكير: يؤكل البعير إذا ذبح، ولا تؤكل الشاة إذا نحرت؛ لأن البعير له موضع الذبح، وإنما عدل فيه إلى النحر؛ لأنه أقل لتعذيبه، وأما الشاة فلا منحر لها؛ لأن موضع لبتها يقرب من جوفها، فيكون كالطاعن في جوفها.

الجزء: 5 - الصفحة: 806

ومن المدونة: قال ابن القاسم: ولا يؤكل ما نحر من الطير كله.
قال عنه ابن المواز: وكذلك النعامة إذا نحرت.
ومن المستخرجة: قال ابن أبي سلمة: يؤكل ذلك كله إذا نحر ما يذبح، أو ذبح ما ينحر من طير، وغيره من غير ضرورة.
ومن المدونة: قال مالك: وما وقع من الأنعام في بئر فلم يوصل إلى ذكائه فإن ما بين اللبة والمنحر منه مذبح ومنحر، إن نحر فجائز، وإن ذبح فجائز، ولا يجزئ في موضع سواه من جنب أو كتف أو غيره، ولا يجزئ هذا في غير هذه الضرورة، ويترك حتى يموت.
قيل لابن المواز: فما ذكر من الأحاديث في البعير، وغيره يقع في حفير أو بئر، فلا يوصل منه إلا إلى جنبه، أو كتفه، أو دبره فليبعج من حيث وصلوا إليه منه، ويؤكل لهذه الضرورة؟

الجزء: 5 - الصفحة: 807

قال: هذه ميتة، وقد أبى ذلك مالك وأصحابه، وهم أئمة الفقه والمبرزون للحديث ومعرفة المعمول به، والأحاديث كثيرة، وقد جاء: عقوا ولو بعصفور، وليس كل ما ذكر عمل به.
وقد جاء أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أمر مناديا فنادى: "إن النحر في الحلق واللبة ولا تعجلوا الأنفس حتى تزهق"، فهذا أصح مما ذكرت.
وقال ابن عباس: "الذكاة في الحلق واللبة".
وقيل لابن المسيب: فإن وقع في ناهر من المناهر فلم يوصل منه إلى منحره؟ قال: لا ينحر إلا من منحر إبراهيم عليه السلام، وقال مثله: ابن شهاب، وربيعة، وعطاء.
م:/ وأرخص ابن حبيب أن يبعج في جنب أو كتف إذا لم يوصل إلى الحلق للاختلاف الذي فيه.

الجزء: 5 - الصفحة: 808

وقول ابن حبيب هذا قول أهل العراق.
فصل [2 - في النخع] ومن المدونة: وكره مالك أن يبدأ الجزار بسلخ الشاة قبل أن تزهق نفسها، ولا ينخع، ولا يقطع رأسها ولا شيء من لحمها حتى تزهق نفسها، فإن فعل أكلت مع ما قطع منها.
قال ابن المواز: وقد جاء الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فإذا ذبح فلا ينخع وليجلس حتى تبرد" أو كلمة غيرها.
ومن المدونة: قال مالك: والنخع: قطع المخ الذي في العنق، وكسر العنق أو الظهر من النخع إن انقطع النخاع.
قال ابن المواز: وهو المخ الجاري في فقار العنق والصلب، وهو إذا انقطع مقتل لا حياة بعده.

الجزء: 5 - الصفحة: 809

وقال محمد بن أبي زمنين: ذكر عبد الملك أن ابن القاسم وأصبغ كانا يقولان في النخاع: إنه المخ الأبيض الذي في عظم العنق والظهر، وكانا لا يريان دق العنق مقتلاً حتى ينقطع النخاع.
قال: وليس النخاع ما قالا، وإنما النخاع عظم العنق، فإذا اندق العنق فهو مقتل، ولا يكشف على المخ الأبيض الذي فيه انقطع أو لم ينقطع، وكذلك قال مطرف عن مالك.
قال عبد الملك: وأما انكسار الصلب ففيه يحتاج إلى معرفة انقطاع ذلك المخ الأبيض الذي في القفا، فإذا سلم ذلك فليس بمقتل، لأنه قد ينجبر ويبرأ على حدوبة، ويعيش صاحبه، فإذا انقطع ذلك المخ الأبيض فهو مقتل.
ومن المدونة: قال مالك: ومن ذبح فتدامت يده إلى أن أبان الرأس أكلت ما لم يتعمد ذلك.
قال ابن القاسم: ولو تعمد ذلك وبدأ في قطعة بالحلقوم والأوداج أكلت؛ لأنها كذبيحة ذكيت ثم عجل فقطع رأسها قبل أن تموت.
قال ابن المواز: نعم تؤكل وإن تعمد، وقد أخطأ في تعمده وعظم خطؤه وخالف السنة، ولا أرى عليه إعادة إن كان أضحيته؛ لأنه لم ينخعها إلا بعد تمام الذكاة فقطع الحلقوم والأوداج.
وقال ابن عباس: إذا تعمد ذلك فلا تؤكل.
قال ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون: إنه إذا نخعها في ذبحه متعمداً من غير جهل ولا نسيان إنها لا تؤكل.
قال ابن حبيب: لأنه كالعابث بذبيحته حين ترك سنة الذبح، وهذا استحسان.
والقياس: أن تؤكل كما قال ابن القاسم.

الجزء: 5 - الصفحة: 810

[الباب الثالث]

في ذبيحة المرأة والصبي ومن على غير الإسلام

قال مالك: وتؤكل ذبيحة الصبي قبل البلوغ إذا أطاق الذبح وعرفه.
قال: وكذلك ذبيحة المرأة تؤكل وإن ذبحت من غير ضرورة.
أبو محمد: قال محمد عن مالك: ويكره من غير ضرورة.
قال ابن المواز: وتذبح المرأة أضحيتها، ولا يذبح الصبي أضحيته.
قال: وتؤكل ذبيحة الأغلف، والجنب والحائض.
وقال مالك: لا تؤكل ذبيحة من لا يعقل من جنون أو سكر وإن أصابا، لعدم القصد.
وتؤكل ذبيحة السارق؛ لأنه إنما حرم عليه السرقة لا عين الذبح، والمحرم حرم عليه الذبح نفسه.
ومن المدونة: قال مالك: ولو اضطرت المرأة إلى الذبح ولم يحضرها إلا نصراني فلتل هي الذبح دونه.
قال ابن القاسم: وتؤكل ذبيحة الأخرس.
قال مالك: وإذا ارتد الغلام إلى أي دين كان، لم تؤكل ذبيحته.

الجزء: 5 - الصفحة: 811

قال ابن القاسم: ولا بأس بذبائح أهل الكتاب وصبيانهم إذا أطاقوا الذبح وعرفوه كذبح رجالهم.
وكره مالك أكل ما ذبحه أهل الكتاب لكنائسهم أو لأعيادهم من غير تحريم، وتأول قول الله تعالى: ﴿أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾.
قال ابن القاسم: وكذلك ما سموا عليه اسم المسيح، ولا أرى أن تؤكل، ولم أسمعه من مالك.
ابن المواز: وكره مالك أكل ذلك، وليس بالمحرم، وإنما المحرم ما ذبح للأصنام، لقوله تعالى: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾، وقال: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾،/ وإن الذي يذبح لكنيسته لقريب عندي أن يكون قد أهل لغير الله به، وما ترك مالك العزيمة فتحرى له إلا للآية الأخرى فيما ظننا: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾، فإنما ذلك في ذبائحهم، ولإجازة من أجازه، منهم: ربيعة، وابن شهاب.
قال ابن المواز: وتؤكل ذبيحة النصراني العربي، وذبيحة المجوسي إذا تنصر، وتلى ابن عباس: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾.

الجزء: 5 - الصفحة: 812

وتؤكل ذبيحة السامري، وهو صنف من اليهود لا يؤمنون بالبعث، قاله عمر بن الخطاب، وغيره.
ولا تؤكل ذبيحة الصابئ، وليس بحرام كذبيحة المجوسي، وقد حرم الحسن، وسعيد بن جبير ذبائحهم، ونكاح نسائهم، وقيل: إنهم بين المجوسية والنصرانية، وإذا ولي المجوسي مسلماً فذبح له، فاختلف في أكله فأجازه ابن سيرين، وعطاء، وكرهه الحسن.
وسئل الحسن عن مجوسي قال لمسلم: اذبحها لصنمنا أو لنارنا، فاستقبل بها القبلة وسمى الله، فكره أكلها.
قال ابن المواز: وإنما يكره إذا أمره بهذا الشرط، فأما لو تضيف به مسلم، فأمر بذبحها مسلماً ليأكل منها فذلك جائز.
ومن المدونة: قال: وكره مالك أن يمكن الرجل من ذبح أضحيته أو هديه أحداً من الناس، وليلها بنفسه، فإن مكن من ذبحها كتابياً لم يجزه، وأعاد.
وروى عنه أشهب: أنه كرهه، ولا يعيد.
وقال عنه ابن القاسم: وأما إن ذبحها له مسلم فإنها تجزئه.

الجزء: 5 - الصفحة: 813

قال: وما ذبح اليهود من الغنم فأصابوه فاسداً عندهم لا يستحلونه لأجل الرئة وشبهها التي يحرمونها في دينهم، فمرة كان مالك يجيز أكلها، ثم لم يزل يكرهه، وقال: لا تؤكل.
قال ابن القاسم: وأما ذبيحة اليهود مما لا يستحلونه فإنه لا يؤكل.
قال ابن حبيب: لا يؤكل من طعامهم ما حرم عليهم، فمنه: كل ذي ظفر من الإبل، وحمر الوحش والنعم والأوز، وكل ما ليس بمشقوق الظلف، ولا منفرج القائمة، وشحوم البقر والغنم: الشحم الخالص كالثروب والكلى، وما لصق بالغطنة وما أشبهة من الشحم المحض، فأما ما ليس في التنزيل محرماً عليهم، وهو مما حرموه على أنفسهم مثل الطريف فمكروه، وليس في قوة التحريم مثل ما هو منصوص في كتابنا.
وعن بعض العلماء تخفيف فيما حرموه على أنفسهم تخفيف، وأما ما ذبحوه لكنائسهم، أو على اسم المسيح، أو على الصليب فليس بمحرم، وقد كرهه مالك، واستخفه غير واحد من الصحابة والتابعين، وقال: ولقد أحل الله لنا ذلك، وهو عالم بما يقولون.

الجزء: 5 - الصفحة: 814

ومن المختصر: ولا بأس بأكل طعام المجوس الذي ليست له ذكاة.
قال الأبهري: وقد أكل الصحابة من طعامهم حين فتح الله عليهم بلادهم مما لا ذكاة فيه.
قال مالك- في مختصر-: ولا أحب أكل شحوم اليهود من غير أن نراه حراماً، واحتج بعض أصحابنا بالحديث في الذي غنم جراباً فيه شحم من خيبر من اليهود فأراد صاحب المغانم أخذه منه، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "خل بينه وبين جرابه يذهب به إلى أصحابه".
قالوا: والآية محتملة في قوله: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾، يريد: ما ذبحوه، ومحال أن تكون/ الذكاة لبعض الشاة دون بعض، فلما كانت الذكاة شائعة في جميعها دخل الشحم في التذكية فلاحتمال ذلك لم يحرمه مالك: وكرهه من غير تحريم له.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: والحربيون ومن عندنا من الذميين سواء عند مالك في ذبائحهم، ومالك يكره ذبائحهم كلهم، والشراء من مجازرهم، ولا يراه حراماً.
وقال عمر بن الخطاب: لا يكون اليهود، وال النصارى جزارين ولا صيارفة في

الجزء: 5 - الصفحة: 815

الأسواق، وأن يقاموا من الأسواق كلها، فإن الله قد أغنانا بالمسلمين عنهم.
قال مالك: معنى قوله: يقاموا من الأسواق كلها: أن لا يبيعوا في أسواق المسلمين في شيء من أعمالهم، وأن يكلموا الولاة فيقيمونهم.
قال ابن المواز: ما ذبحه الكتابي لنفسه أحب إلي مما ذبحه المسلم، وقد كان من مضى يختارون لذبائحهم أهل الفضل والصلاح، فلا ينبغي لمسلم أن يمكن ذبيحته من كتابي، وإن كان شريكاً له فيها، فإن فعل أكلت

الجزء: 5 - الصفحة: 816

[الباب الرابع]

في المتردية، والموقوذة، وأكلية السبع، والأنصاب والأزلام

قال الله تعالى ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ إلى قوله: ﴿بِالْأَزْلَامِ﴾.
قال مالك: وإذا تردت الشاة من جبل أو غيره فاندق عنقها أو أصابها ما يعلم أنها لا تعيش معه ما لم يكن قد نخعها فإنها تذكى وتؤكل؛ لأن بعضها مجتمع إلى بعض، ولو انقطع النخاع لم تؤكل وإن ذكيت وفيها الحياة، وكذلك التي خرق السبع أمعاءها، أو ذبحها ذبحاً لا تحي مع ذلك.
والنطيحة والموقوذة تقع للموت، فإن ابتدرت وذكيت ونفسها تجري وهي تطرف بعينها أو تحرك ذنبها فإنها تؤكل، وكذلك التي عقرها السبع إلا أن يفعل بها ما لا حياة بعده فإنها لا تؤكل وإن ذكيت.
قال ابن المواز: وابن حبيب- في شاة ذبحت فلم تتحرك، فإن كانت صحيحة فانهار دمها فلتؤكل، وإن كانت مريضة وقعت للموت فبودر إليها فذبحت وسال

الجزء: 5 - الصفحة: 817

دمها، فإن طرفت بعينها أو حركت ذنبها أو ركضت برجلها أو استفاض نفسها في جوفها أو منخريها عندما ذبحت، فإن كان منها صنف من هذا أكلت.
قال ابن حبيب: فإن لم يكن واحد من هذا ولكن تحركت أعضاؤها واختلجت بضاعها فلا تؤكل.
قال ابن المواز: وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وعبيد بن عمير، وسعيد ابن المسيب: إذا كان العين تطرف، والذنب يتحرك، والرجل تركض فهو ذكاة.
وقال زيد بن ثابت- في الذنب والرجل أي ذلك تحرك من الذبيحة فهو ذكاة.
قال ابن حبيب: وما أصاب المتردية والنطيحة وأكيلة السبع والمنخنقة والموقوذة من أمرٍ لا حياة بعده من نثر الدماغ، أو الحشوة أو قرض المصران، أو شق الأوداج أو انقطاع النخاع فلا تؤكل.

الجزء: 5 - الصفحة: 818

وأما كسر الرأس ولم ينتثر الدماغ، أو شق الجوف ولم ينتثر الحشوة ولا انشق المصران أو انكسر الصلب ولم ينقطع النخاع فهذه تؤكل إن ذكيت قبل أن تزهق نفسها إلا أن تصير من ذلك إلى حد الموت والإياس منها أو أشكل أمرها فتذبح حينئذ فلا تؤكل وإن طرفت بعينها أو استفاض نفسها وإن لم يكن ما أصابها قد بلغ المقاتل فقد صارت إلى سبيل الموت مما أصابها.
وإنما تفسير قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾، فوجه الذكاة: في قائم الحياة، وحياة هذه غير قائمة، وذكاة هذه مشكلة، وليس في الدين إشكال.
م: أما قوله: فيما أنفذ المقاتل: فصواب؛ لأنه ميت بعد، ألا ترى أن الإنسان يصيبه مثل ذلك فيورث وإن لم تزهق نفسه، وإن مات وارثه قلبه فقد استحق ميراثه منه.
وأما ما لا يبلغ المقاتل: فالصواب ما قاله مالك: إنها تؤكل إذا كان فيها شيء من الحياة، وإن علم أنها لا تعيش مما أصابها، لقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾، فهذه مما تصح فيها الذكاة إذ فيها شيء من الحياة.
وقال علي بن أبي طالب، وزيد بن ثابت، وغيرهما في التي تقع للموت: إذا حركت ذنبها أو رجلها بعد الذبح أنها تؤكل، وقاله ابن حبيب، فما الفرق بينهما؟؛

الجزء: 5 - الصفحة: 819

وهما عندي سواء.
وبالله التوفيق.
فصل [في معنى الأزلام والأنصاب] ومن المدونة: قال مالك: والأزلام: قداح كانت في الجاهلية في الواحد: أفعل، وفي الآخر: لا تفعل، والآخر: لا شيء فيه، وكان أحدهم إذا أراد سفراً أو حاجة ضرب، فإن خرج الذي فيه: أفعل، فعل، وإن خرج الذي فيه: لا تفعل، ترك، وإن خرج الذي فيه: لا شيء أعاد الضرب.
وقيل في الأنصاب: حجارة كانت تعبد.
تم كتاب الذبائح بحمد الله وعونه.

الجزء: 5 - الصفحة: 820

فصول الكتاب · 78 فصل
فصول الجامع لمسائل المدونة
المقدمةالمقدمةكتاب الصلاة الأولكتاب الصلاة الثانيكتاب الجنائز من الجامعكتاب الصوم من الجامعكتاب الاعتكافكتاب الزكاة الأولكتاب الزكاة الثاني من الجامعكتاب الحج الأول من الجامعكتاب الحج الثاني من الجامعكتاب الحج الثالث من الجامعكتاب الصيد من الجامعكتاب الذبائح من الجامعكتاب الضحايا من الجامعكتاب العتق الأول من الجامعكتاب المكاتب الأولكتاب السلم الأولكتاب السلم الثانيكتاب السلم الثالثكتاب الصرفكتاب الرهنكتاب بيوع الآجالكتاب البيوع الفاسدةكتاب بيع الخياركتاب المرابحةكتاب اشتراء الغائبكتاب الوكالاتكتاب التجارة إلى أرض الحربكتاب جامع لأبواب متفرقةكتاب العراياكتاب العيوب والتدليسكتاب الصلحكتاب الجوائحكتاب الجعل والإجارةكتاب المساقاةكتاب القراضكتاب الأقضيةكتاب كراء الرواحل والدوابكتاب كراء الدور والأرضينكتاب الشركةكتاب الشهادة الأولىكتاب الشهادة الثانيكتاب الرجوع عن الشهاداتكتاب المديانكتاب الرجوع عن الشهاداتكتاب التفليسكتاب الحمالةكتاب المأذون له في التجارةكتاب اللقطةكتاب الضوالكتاب الإباقكتاب حريم الآبار وإحياء المواتكتاب الغصبكتاب الوديعةكتاب العاريةكتاب العدةكتاب الاستحقاقكتاب الحبسكتاب الصدقةكتاب الهبة والهباتكتاب الهباتكتاب الوصايا الأولكتاب الوصايا الثانيكتابً الوصايا الثالثكتاب الشفعة الأولىكتاب الشفعة الثانيكتاب القسم الأولكتاب القسم الثانيكتاب الفرائض الثانيكتابكتاب المحاربين والمرتدينكتاب القذفكتاب الأشربةكتاب الجراحكتاب الجناياتكتاب الدِّياتكتاب الجامع
جارٍ التحميل