وقال مالك في كتاب ابن سحنون في العنب الذي لا يتزبب يبلغ خرصه إن لو تزبب خمسة أوسق أنه إن وجد في البلد زبيباً فليشتره للزكاة وإن لم يبع بالبلد زبيب أخرج من ثمنه، قال ابن المواز: ليس له أن يخرج زبيباً وليخرج ثمناً، وقال ابن حبيب: يخرج من ثمنه وإن أخرج منه عنباً أجزأه، وكذلك الزيتون الذي لا زيت له أو الرطب/ الذي لا يتمر إذا أخرج من حبه أجزأه.
ومن المدونة: قال مالك: ولا يخرص الزيتون أهله عليه كما يؤمنوا على الحب فإذا بلغ كيل حبه خمسة أوسق أخذ من زيته.
وفي السليمانية: ولا ينظر إليه في وقت رفعه حتى يجف ويتناهى في حال جفافه فإذا كان فيه خمسة أوسق بعد التجفيف ففيه الزكاة من زيته وإلا فلا.
ومن المدونة: وإن كان لا زيت له كزيتون مصر فمن ثمنه على ما فسرنا في النخيل والكرم.
قال ابن القاسم: ومن باع زيتوناً له زيت، أو رطباً يكون تمراً، أو عنباً زبيباً فعليه أن يأتي بزكاة ذلك زيتاً أو تمراً أو زبيباً من عشر أو نصف عشر، قال مالك وإن لم يضبط خرصه ولا أن يتحرى له فليؤد من ثمنه، قال: وأما لا يكون زبيباً ولا تمراً ولا زيتاً فإنما عليه عشر ثمنه أو نصف عشر ثمنه إذا بلغ خمسة أوسق.
م: قال عبد الوهاب في الزيتون الذي له زيت والرطب والعنب الذي يكون تمراً أو زبيباً يباع حباً فقيل: يخرج من ثمنه وقيل: من زيت أو تمر أو زبيب مثله.
قال: فمن أصحابنا من جعل الإخراج من ثمنه رواية في أخذ القيم في الزكاة، ومنه من علله بأن الإخراج من عين ذلك قد فات ببيعه، وهذا هو الصحيح.
ولا يجوز إخراج القيم عندنا في الزكاة خلافاً لأبي حنيفة لقوله صلى الله عليه وسلم: "خذ الإبل من الإبل والبقر من البقر، والغنم من الغنم، والحب من الحب".
فنصه صلى الله عليه وسلم على ما يؤخذ من كل جنس يمنع التخيير بينه وبين غيره، ولأن الزكاة حق يخرج على وجه الطهرة كالرقبة في الكفارة، وهو لو تصدق بقيمة العبد لم يجزئه، فكذلك الزكاة، ولأنه لو أخرج في زكاة الفطر نصف صاع من غير قوت بلده قيمته قيمة صاع من قوت بلده لم يجزئه؛ لأنه أخرج زكاته بقيمة، وفي ذلك أيضاً معنى شراء الصدقة.
ومن المجموعة وكتاب ابن سحنون قال علي وابن نافع عن مالك: لا يبعث في الخرص إلا أهل المعرفة والأمانة.
قال عنه ابن نافع: ويخرص الحائط نخلة نخلة حتى يفرغ منه ثم يجمع ذلك.
ومن المدونة: قال مالك: ولا يترك الخراص لأصحاب الثمار شيئاً لمكان الأكل والفساد وإن لم يكن في الخرص إلا خمسة أوسق أخذ من الخمسة ولم يترك له شيء.
وقال ابن حبيب: وليخفف الخارص ويوسع على أهل الحوائط لما ينتفعون وينالون من رؤس النخل، وهذا خلاف قول مالك.
ابن المواز: قال مالك: ويحسب على الرجل كل ماجذ أو علف أو تصدق به أو وهبه من زرعه بعد ما أفرك إلا الشيء التافه، ولا يحسب ما كان من لك قبل أن يفرك.
قال ابن القاسم: وأما ما أكلت الدواب بأفواهها عند الدارس فلا يحسب، ويحسب ما علفهم منه.
قال في العتبية عن مالك: ولا يحسب عليه ما أكل بلحاً، وليس هو مثل الفريك يأكله من زرعه ولا الفول والحمص يأكله أخضر، هذا يتحراه فإن بلغ خرصه على التيبيس خمسة أوسق زكى وأخرج عنه حباً يابساً من ذلك الصنف، قال في كتاب ابن المواز: وإن شاء أخرج من ثمنه.
وقال أشهب: من استأجر على خرط زيتونه على الثلث فعليه زكاة ذلك الثلث.
ومن المجموعة، وكتاب ابن سحنون قال مالك: وإذا خرص خارص مئة وسق، وخرص آخر تسعين، وآخر ثمانين، أخذ من قول كل واحد ثلثه.
ومن المدونة: قال: ومن خرص عليه أربعة أوسق فرفع خمسة أحببت له أن يزكي لقلة إصابة الخراص اليوم.
م: قال بعض شيوخنا القرويين: ولفظة: أحببت ها هنا على الإيجاب وإن كان موضوعها الاستحباب فربما وردت على الإيجاب.
م: وهو صواب.
وقد قال مالك في المجموعة، وكتاب ابن سحنون: يؤدي عن كل ما زاد على ما خرص عليه.
قال في كتاب ابن المواز: إن كان الخارص من أهل الأمانة والبصر لم يكن على صاحب الثمرة إلا ما خرص عليه ولكن الخراص اليوم لا يبصرون فأرى أن يؤدي زكاة ما وجد إذا خرص عليه أربعة فأصاب خمسة، وفي كتاب ابن سحنون: وروى ابن نافع
وعلي عن مالك أنه إن خرص عالم فلا شيء عليه فيما زاد وإن خرصه جاهل فليزك الزيادة، وقال ابن نافع: يزكي الزيادة خرصه عالم/ أو غير عالم.
م: وهو القياس كالحاكم يحكم بحكم ثم يظهر أنه خطأ صراح لم يختلف فيه.
فصل [2 - في الحائط يكون فيه من أعلى التمر أو أدناه، كيف يؤخذ منه]
ومن المدونة قال مالك، وإذا كان الحائط صنفاً واحداً من أعلى التمر أو أدناه أخذ منه، وإن كان أجناساً أخذ من أوسطها جنساً، ابن وهب: وقال أبو أمامة بن سهل: في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ قال هو الجعرور ولون حبيق فنهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يؤخذ في الصدقة.
وكتب عمر بن عبد العزيز بأن يؤخذ البرني من البرني واللون من اللون
ولا يؤخذ البرني من اللون وأن يرخذ من الجرون ولا يضمنونها الناس.
يعني بالجرن أنادر التمر.
وقال ابن نافع عن مالك في المجموعة: إذا كان الحائط رديئاً كله أو جيداً كله فليبتع له رب الحائط وسطاً من التمر، وقاله عبد الملك، قال ابن نافع: رآه بمنزلة الغنم، وليس كذلك.
وقال عنه ابن القاسم، وأشهب: بل يؤدي منه، وقال به ابن نافع.
قال عنه أشهب: وإن كان في الحائط رديء وجيد أخذ من كل صنف بقدره، وكذلك إن كان أحدهما أكثر، وهو كاجتماع الشعير والقمح، وقاله أشهب، وقال عنه ابن القاسم في أصناف من التمر يؤدي من وسطه، وقال به، وقد روى القولين عن مالك ابن القاسم وأشهب، وابن نافع، وقال مالك: العجوة من وسطه.
م: فصار في الحائط إذا كان فيه من أعلى التمر أو أدناه قولان: أحدهما: أن يؤخذ منه بعينه، والثاني: أن عليه أن يأتي بالوسط، فوجه هذا قياساً على الماشية، ووجه الأول: أن الأصل كان أن يؤخذ زكاة كل شيء من عينه لقوله صلى الله عليه وسلم: "صدقة كل مال منه" فخصت السنة في الماشية أن يؤخذ من الوسط وبقي ما سواه على أصله.
وإن كان في الحائط أجناساً فقولان أيضاً: أحدهما: أن يؤخذ من أوسطها جنساً، والآخر: من كل جنس بقدره.
فوجه الأول: قياساً على الماشية، ووجه الثاني: قياساً على الأصل.
فصل [3 - في وقت وجوب الزكاة في الحب والثمار]
ومن المدونة: قال مالك: ومن مات وقد أزهى حائطه، وطاب كرمه، وأفرك زرعه واستغنى عن الماء وقد خرص عليه شيء أو لم يخرص فزكاة ذلك على الميت إن بلغ ما فيه الزكاة أوصى بها أم لا بلغت حصة كل وارث ما فيه الزكاة أم لا، وأما إن مات قبل الأزهاء والطيب فلا شيء عليه، والزكاة على من بلغت حصته من الورثة ما فيه الزكاة دون من لم تبلغ حصته ذلك.
فصل [4 - في المال يكون بين شركاء، كيف يزكى؟]
قال مالك: والشركاء في النخل والزرع والكرم والزيتون والذهب والورق والماشية لا يؤخذ من ذلك الزكاة حتى يكون لكل واحد منهم ما تجب فيه الزكاة، وليس على من لم تبلغ حصته من ذلك مقدار الزكاة زكاة.
فصل [5 - في أخذ الزكاة عن الحوائط المحبسة في سبيل الله]
قال مالك: وتؤدى الزكاة عن الحوائط المحبسة في سبيل الله أو على قوم
بأعيانهم أو بغير أعيانهم، وقد حبس الصحابة بالمدينة حوائط فلم تزل الزكاة تؤخذ منها.
قال ابن المواز: إن بلغ حظ كل واحد من المعينين ما فيه الزكاة، ولا زكاة على من يبلغ حظه ذلك وإن كان في جملة الحائط ما فيه الزكاة.
وقال سحنون: المعينون وغيرهم سواء إذا خرج من الجميع خمسة أوسق ففيه الزكاة.
وقال عبد الملك: إذا حبست على من تحلُّ له الزكاة فلا زكاة فيها، وإن كان على غيرهم زكيت.
م: فوجه قول سحنون وهو ظاهر «المدونة» أن المحبس عليهم إنما يملكون الحوائط ملك انتفاع لا ملك ابتياع ولا ميراث ولا يتصرفون فيها تصرف المالك فكأنها مبقاة على ملك المحبس وأجرها جار على عليه فكان الاعتبار في الزكاة بملكه لا بملكهم.
ووجه قول ابن المواز: أن الزكاة إنما هي في الثمرة لا في الحوائط فمن وجبت له الثمرة فعليه الزكاة كما لو أوصى لرجل بثمرة حائطه سنين والثلث يحمله لكان عليه الزكاة فكذلك هذا.
ووجه قول ابن الماجشون إذا حبست على من يأخذ الزكاة/ فلا زكاة فيها فلأنها
إذا كانت تعود إليهم فلا فائدة في أخذها منهم، وبالله التوفيق.
ومن المدونة قال مالك: ومن جعل إبلاً له في سبيل الله يحبس رقابها ويحمل على نسلها أو أوقف مئة دينار يسلفها الناس ففي ذلك الزكاة، وإن أوقف الدنانير أو الماشية لتفرق في سبيل الله أو على المساكين أو لتباع الماشية ويفرق الثمن فيدركها الحول قبل أن يفرق فلا يؤخذ منها زكاة لأنها تفرق ولا تترك مسبلة.
م: لأنها على غير ملك مالك فتزكي عنها.
قال ابن المواز: وما كان يفرق أصلها من العين خاصة فإنه لا يزكي كان على معينين أو مجهولين.
وأما الأنعام يفرق أصلها أو ثمنها فلم يفرق حتى جاء الحول فقال ابن القاسم مرة: هل مثل الدنانير، ولا أعلم أن مالكًا قاله، وقال ابن القاسم أيضًا ورواه عن مالك وقاله أشهب: إن كنت تفرق على مجهولين فلا زكاة فيها وإن كانت على معينين فالزكاة على من بلغت حصته ما فيه الزكاة.
قال محمد: وهذا أحب إلينا بخلاف الدنانير، لأن من أوصي له بمال لا يزكيه حتى يقبضه، وأما الغنم فإنها تزكي وإن لم تقبض.
قال: وإن كانت الأمهات موقوفة ويفرق نسلها أو أصول نخل ويفرق ثمرها فقال ابن القاسم إن كانت على معينين فلا زكاة من ليس في حصته ما فيه الزكاة من ثمرة أو نسل، وإن كانت على مجهولين ففي جملة الثمرة وفي الأولاد الزكاة إذا تم للأولاد حول من وقت الولادة في الوجهين جميعًا.
وقال سحنون إذا كان في جملة الثمرة خمسة أوسق ففيها الزكاة كانت على معينين أو مجهولين، وكذلك في نسل الأنعام إذا كان في جملة الأولاد نصاب ففيها الزكاة كانت على معينين أو مجهولين.
م: ولا خلاف أن في الأمهات الزكاة لأنها موقوفة لما جعلها له.
قال ابن القاسم: أو وقفت الأنعام ليكون غلتها من لبن وصوف ونحوه يفرق على معينين أو غير معينين فالزكاة في الأمهات والأولاد جميعًا وحولها واحد لأن ذلك كله موقوف.
فصل [6 - كل نوع من أنواع المال يجمع إلى نوعة في الزكاة]
ومن المدونة قال مالك: ويجمع التمر كله بعض إلى بعض في الزكاة، وكذلك العنب يجمع بعضه إلى بعض في الزكاة، قال مالك: وإن كانت كرومة مفترقة في بلدان شتي جمع بعضها إلى بعض، وكذلك بجمع الماشية والحب.
فصل [7 - ما اتفق في الزرع والنبات والحصاد من الجنس الواحد أضيف بعضه إلى بعض وكمل منه النصاب].
م: قال مالك: وإذا كانت الأرض تزرع مرتين في السنة فليؤدي في كل مرة ولا يجمع عليه ما حصد في المرتين، وإنما ينظر إلى كل حصاد، وكذلك في المختصر، قال ابن سحنون عن أبيه: أما إن كان يحصد في كل مرة خمسة أوسق فليزك، وإن كان لم يصب إلى أقل من خمسة أوسق في كل مرة فإن ما زرع في الصيف في أوله يضم إلى ما وزع في آخره ويجعل كالبكري والمتأخر، وكذلك يضم ما زرع في أول الشتاء إلى آخره ولا يضم زريعة الصيف إلى زريعة الشتاء.
فصل [8 - إذا استقر وجوب الزكاة في الحبوب والثمار ثم ضاع المال قبل إخراج زكاته، فهل يضمن زكاته؟].
ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن حصد زرعه وجذ تمره وفيه ما تجب فيه الزكاة فلم يدخله بيته حتى ضاع القمح من الأندر، والتمر من الجرين فلا يضمن زكاته، وكذلك لو عزل عشر ذلك في أندره أو جرينه ليفرقه فضاع بغير تفريط فلا شيء عليه، وقد قال مالك فيمن أخرج زكاته ليفرقها عند محلها فضاعت من غير تفريط فلا شيء عليه فكذلك هذا.
محمد: قال أشهب: هذا إذا كان هو الذي يلي تفرقة زكاته وإن لم يلها فعليه زكاة ما بقي فقط للمصدق.
ومن المدونة قال مالك: وإن أدخل ذلك في بيته قبل قدوم المصدق فضاع ضمن زكاته وكذلك لو عزل عشرة في بيته حتى يأتيه المصدق فضاع ضمنه؛ لأنه قد أدخله بيته، قال ابن القاسم: والذي أري أنه إذا أخرجه وأشهد عليه فتأخر عنه المصدق لم يلزمه ضمانه.
م: يريد: إذا عزله في بيته وأشهد عليه لم يضمن عند ابن القاسم، ويضمن عند مالك.
قال ابن القاسم: وقد بلغني عن مالك أنه قال في ذلك إذا لم يفرط في الحبوب لم يضمن.
قال سحنون: وقد قاله المخزومي: إذا عزله وحبسه للمصدق فتلف بغير سببه فلا شيء عليه إذا ليس عليه أكثر مما صنع وليس إليه دفعه.
وقال عنه في غير المدونة إذا عزل عشرة ثم استقرضه أو أكله أوباعه فقد ضمنه فإن فلس لم يحاص به السلطان غرماءه لأنه لو مات لم يلزم ورثته إخراجها إلا بوصية/ فتكون في ثلثه.
وقال أشهب: إذا كان هو يلي إخراج زكاة زرعة فعزل عشرة ليفرقه فلم يفرط في تفرقته حتى ضاع فلا شيء عليهولا فيما بقي، وإن فرط ضمن، وإذا لم يكن يلي إنفاذ ذلك وإنما يأخذه المصدق لم يجزئه إن تلف ما عزله، وعليه زكاة ما بقي، وبهذا أخذ ابن المواز، قال: ولو أدخله بيته بعد انتظار منه للمساكين فطال ذلك وخاف ضياعه فلا ضمان عليه بعد ذلك.
وقد تقدم في أول كتاب الزكاة الأول كثير من معاني هذا الفضل.
فصل [9 - في اجتماع العشر والخراج]
وفي المدونة قال مالك: ومن اكتري أرض خراج أو غيرها فزرعها فزكاة ما أ×رجت الأرض على المكتري، ولا يضع الخراج الذي على الأرض زكاة ما خرج منها عن الزراع كانت الأرض له أو لغيره وقاله عمر بن عبد العزيز وغيره.
قال عبد الوهاب: وقال أبو حنيفة: إن العشر والخراج لا يجتمعان.
ودليلنا قوله - صلى الله عليه وسلم -: " فيما سقت السماء العشر" فعم، واعتباراً بأرض الصلح المكتراة؛ لأن الخراج كراء، والعشر زكاة فلم يمنعها الخراج، كمن اكتري أرضًا فزرعها.
وقال أبو حنيفة: فيمن اكتري أرضًا فزرعها أن الزكاة على رب الأرض.
ودليلنا قوله تعالي: [وآتوا حقه يوم حصاده] وربها غير زارع ولا حاصد، وإنما المخاطب الزارع لأنه هو الحاصل والمالك لذلك الحب دون غيره.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ومن أخرجت أرضه طعامًا كثيرًا تجب فيه الزكاة فباعه ثم أتي المصدق فليأخذ من البائع العشر أو نصف العشر طعامًا ولا شيء له على المبتاع، فإن أعدم البائع ووجد الساعي الطعام بعينه عند المبتاع أخذ منه المصدق ورجع المبتاع على البائع بقدر ذلك من الثمن لأنه باع منه طعامًا معينًا فاستحق بعضه، وقال غيره: لا شيء على المبتاع لأن البائع كان له البيع جائزًا، قال سحنون: وقاله أشهب، وهو عندي أعدل.
م: فوجه قول ابن القاسم أن البائع باع حقه وحق المساكين فنفذ بيعه في حق نفسه وبطل في حق غيره، وأما في يسره فتؤخذ الزكاة منه لتعلق الزكاة بذمته، ولا ضرر على المساكين في مطالبته، والقياس: قول أشهب؛ لأنه لما كان له أن يعطي الزكاة عنه من غيره لم يكن حق المساكين ثابتًا في عينه فلما لم يتعين حق المساكين فيه كان البيع جائزًا فإذا باعه فقد تعلق الوجوب بذمته فلا يزيله عدمه.
ومن المدونة: قال مالك: ومن باع أرضه بزرعها وقد طاب فزكاته على البائع.
قال في المستخرجة: ولا بأس أن يأمن المبتاع عليه فإذا فرغ منه وكاله أخبره بما وجد فيه فأخرج زكاته، قال ابن القاسم وإن باعه من نصراني فأحب إلى أن يتحفظ من ذلك حتى يعلم ما يخرج منه.
ومن المدونة: قال مالك: وإن كان الزرع حين البيع أخرض فاشترطه المبتاع فزكاته
على المبتاع، قال في المستخرجة: فإن اشترط زكاته على البائع لم يجز.
م: لأنه غرر إذا لا يعلم مقداره.
قال عنه يحيي بن يحيي: ولو باع ثمرة نخل قد أزهت وفيها خمسة أوسق فوجبت زكاتها على البائع فأصابتها جائحة أنقصتها من خمسة أوسق، قال: إن بلغت الجائحة الثلث حتى يرجع على البائع من أجلها فلا زكاة عليه وإن لم تبلغ الجائحة الثلث لم يرجع على البائع بشيء وكانت عليه الزكاة كما هي لأنه باع ما تجب عليه فيه الزكاة ولم يرجع عليه بشيء.
ومن المدونة قال: ومن منح أرضه ذميًا أو عبدًا أو إكراهًا منه فلا زكاة على رب الأرض لأنه غير زارع ولا على من زرعها من عبد أو ذمي إذ لا زكاة في أموالهم وزروعهم.
قال مالك: وأما الصبي يمنح أرضًا أو يزرع أرضه بنفسه فعليه العشر؛ لأن الصغير في ماله الزكاة.
فصل [10 - فيمن مات وقد أوصي بزكاة زرعة الأخضر أو بثمر حائظه قبل طيبة]
قال مالك: ومن مات وقد أوصي بزكاة زرعه الأخضر أو بثمر حائطة قبل طيبة فهي وصية من الثلث غير مبدأة إذا لم تلزمه، ولا تسقط هذه الوصية عن الورثة زكاة ما بقي لهم لأنه كرجل استثني عشر زرعة لنفسه وما بقي فللورثة فإن كان/ في حظ كل وارث وحده ما تجب فيه الزكاة عليه وإلا فلا، قال: وإن كان في العشر الذي أوصي به للماسكين خمسة أوسق فأكثر زكاة المصدق وإن لم يقع لكل مسكين إلا مد إذ ليسوا بأعيانهم وهم كمالك واحد ولا يرجع المساكين على الورثة بشيء مما أخذ منهم المصدق وإن حمل ذلك الثلث لأنه كشيء بعينه أوصي لهم به فاستحق أو بعضه.
وقال ابن الماجشون: لا يؤخذ منهم شيء لأنها إلى المساكين ترجع.
ومن المدونة قال مالك: وكذلك لو أوصي بثمرة حائطه أو بزرعه كله قبل طيبة للمساكين، أو قال ثمرة حائطي سنتين أو ثلاثة للمساكين لم يسقط عنهم زكاة ذلك وإن لم يصر لكل مسكين إلا مد لأنهم ليسوا بأعيانهم فهو بخلاف الورثة.
وإما أن أوصي بزكاة زرعه قبل طيبه لرجل بعينه كان كأحد الورثة، وعليه النفقة معهم لأنه استحقه يوم مات الميت، والزرع أخضر، والمساكين لا يستحقون ذلك إلا بعد بلوغه وسقيه وعمله والنفقة عليه من مال الميت حتى يقبضوه.
قال ابن حبيب: جميع ما يحتاج إليه نصيب المساكين من سقي وحصاد وغيره في جملة مال الميت، وحكاه عن ابن القاسم وأشهب.
م: وحكي عن أبي محمد أنه قال: نفقة العشر الموصي به للمساكين من ثلث الموصي فإن ناف ذلك الزرع بنفقته على الثلث أخرج منه محمل الثلث فإن لم يكن للميت مال غير الزرع قيل للورثة: أنفقوا عليه وتقاصوهم بنفقتكم في ثلث الزرع الموصي بعشرة لهم فإن بقي في ثلثه بعد إخراج فقتكم منه أكثر من عشر جميعه كان لهم العشر، وما بقي فلكم، وإن بقي العشر فأقل لم يكن لهم غيره لأنه باقي ثلث مال الميت بعد خراج نفقتكم فإن أبي الورثة أن ينفقوا أو لم يكن لهم مال دفعوه
مساقاة وكان كالموصي لهم بعشر الجميع يأخذونه من حصة الورثة التي وقعت لهم في المساقاة إلا أن يكون عشر الجميع أكثر من ثلث ما وقع في حصتهم من المساقاة فلا يزاد الموصي لهم على ثلث ذلك، وذلك أن الزرع إذا كان يخرج عشرة أوسق فقد حصل للموصي لهم بعشرة: وسق، فهم أبدًا يأخذونه مما رجع إلى الورثة بعد المساقاة ما لم يكن عشر جميع الزرع أكثر من ثلث ما يحصل للورثة في المساقاة فلا يزاد الموصي لهم على ثلث ذلك إذا كأنه جميع ما خلفه الميت.
وقال أشهب: إذا أوصي بزكاة زرعه الأخضر فقال: تؤدي زكاته عني فوصيته باطلة في حصة من تبلغ حصته ما تجب فيه الزكاة من الورثة؛ لأنها وصية لوارث، ومن لم تبلغ حصته ما تجب فيه الزكاة لم يؤخذ منه شيء ويؤدي ذلك من مال الميت يريد: من ثلثه، وإن كانوا لا تجب في حصة أحد منهم الزكاة أدي ذلك منه إذا بلغ خمسة أوسق يريد: من ثلثه غير مبدأ، وإن كان نصيب كل واحد ما فيه الزكاة فالوصية باطل، والزكاة عليهم.
م: معني قول أشهب: كأن الميت أراد أن يدفع الزكاة عن من تجب الزكاة في حصته من الورثة فيؤدي ذلك عنه من ثلثه، فلو فعل ذلك كانت وصية لوارث إذ قد أدي عنه ما يلزمه من الزكاة وأبقي حصته يوفرها فردت وصيته لهذه العلة وألزم الوارث
ما يلزمه من الزكاة، وأما من لا يلزمه في حصته فلم يدفع عنه الميت شيئًا ولم يوص له بشيء فأنفذت وصيته وكانت من الثلث غير مبدأة إذا لم تلزمه بعد.
فصل [11 - يما يضم بعضه إلى بعض من الحبوب]
ومن المدونة قال مالك: والقمح والشعير والسلت كصنف واحد يضم بعضه إلى بعض في الزكاة ولا يضم معها غيرها فمن رفع من جميعها خمسة أوسق فليزك ويخرج من كل صنف بقدره.
م: إنما قال يضم ذلك لتقاربه في الخلقة والانتفاع كالضأن والمعز والجواميس والبقر والإبل والبخت وأخذ من هذا من كل صنف بقدره لأنه ينقسم وفيه فيه رأس واحدة من الماشية أخذه من أكثرها لأنها لا تنقسم، وإن استويا خير الساعي.
ومن العتيبة قال ابن وهب وأصبغ في الأشقالية وهي حبة مستطيلة مصوفة هي أقرب خلقه إلى الست والقمح من الشعير وليست من القمح والشعير/ وهي صنف منفرد.
وقال ابن كنانة: هو صنف من الحنطة يقال له العلس يكون باليمين يجمع من الحنطة.
م: وهو أصوب.
قال ابن حبيب: وهو قول مالك فيه وجميع أصحابه إلا ابن القاسم فإنه قال: إنه صنف منفرد لا يضم إلا القمح والشعير والسلت، وقال ابن كنانة: هو صنف من الحنطة يجمع إليها، وهو الصواب.
ومن المدنة: قال مالك: وأما الدخن والأرز والذرة فأصناف لا يضم بعضها إلى بعض ولا تضم إلى غيرها ولا يزكي حتى يرفع من كل صنف منها خمسة أوسق.
قال: والقطاني كلها الفول والعدس والحمص والجلبان واللوبيا وما ثبتت معرفته عند الناس أنه من القطاني فإنه يضم بعضه إلى بعض من الزكاة فمن رفع من جميعها خمسة أوسق أخرج من كل صنف بقدره.
محمد: فإن قيل كيف تجمع القطنية في الزكاة وهي يجوز الواحد منها بالاثنين من غيره؟ قيل: فالذهب والورق يجمعها في الزكاة وقد يؤخذ بالدينار أضعافه من الدراهم.
م: والترمس والبسيلة من القطنية.
قال أشهب عن مالك في العتيبة في الكرسنة أنها من القطنية، وقال ابن حبيب: بل هي صنف على حدته.
قال مالك: وليس في الحلبة زكاة.
وقد تقدم أن في حب الفجل الزكاة إذا بلغ كيل حبة خمسة أوسق أخذ من زيته، وكذلك الجلجلان إذا كان يعصر أخذ من زيته إذا بلغ كيل حبة خمسة أوسق، قال: وإن كان قوم لا يعصرون الجلجلان وإنما يبعونه حبًا ليزيت للأدهان فأرجو إذا أخذ من حبه أن يكون خفيفًا، وقال مالك في المختصر: ويجزي من ثمنه، وقد تقدم اختلاف قول مالك في حب القرطم وبزر الكتان هل فيه زكاة أم لا.
فصل [13 - فيمن زرع جنسًا واحدًا زراعة بعد زراعة]
وإذا زرع جنسًا واحدًا زراعة بعد زراعة فإن كان حصاده الأول بعد زراعة الثاني أو كانت زراعة الثاني بعد حصاد الأول لم يضم بعضه إلى بعض فإن كان في كل واحد منهما بانفراده دون خمسة أوسق لم تجب فيهما زكاة وإن زرع ثالثًا بعد حصاده الأول وقبل حصاد الثاني لم يضم الأول إلى الثالث وضم الأوسط إلى الأول والثالث فإن كان في الأول وسقان والثالث كذلك والأوسط ثلاثة أوسق زكي عن الجميع لأنك إن
أضفت الأوسط إلى الأول كانا خمسة أوسق وإن أضفته إلى الآخر كانا خمسة أوسق أيضًا، وهذا قول ابن مسلمة وإن كان الأوسط، وسقا أو سقين لم يجب في شيء من ذلك زكاة وإن كان الأوسط وسقين والآخر وسقين والأول ثلاثة زكي الأول والأوسط دون الآخر، وإن كان الأول وسقين والأوسط وسقين والآخر ثلاثة زكي الأوسط والآخر دون الأول، وإذا كانت زراعة الثاني عندما قرب حصاد الأول لما يضافا؛ لأن الأول في معني المحصود وإن يبس ولم يبق إلا حصاده كان أبين.
[الباب السابع عشر]
جامع القول في زكاة الفطر
[فصل 1 - في حكمها]
وزكاة الفطر واجبة، واختلف هل هي فرض أو سنة فقيل فيقول الله تعالي: (قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى (14) وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى) أنه في إخراج زكاة الفطر ثم الغدو إلى المصلي بعده، وقيل: إنها داخلة في قول الله تعالي: (وآتُوا الزَّكَاةَ)، وقاله مالك، وروي عنه أيضًا وعن أكثر أصحابه غير ذلك أنها مما سن الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وفرض على ما جاء في الحديث " أن الرسول - صلى الله عليه وسلم -، فرضها على الناس صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير.
م: معني قوله: "فرضها" أي قدرها، قال الله تعالي (قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ) أي: قدَّرها.
[فصل 3 - في قدر المخرج] وفي حديث أبي سعيد الخدري: "كنا نخرج زكاة الفطر على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صاعًا من طعام أو صاعًا من شعير أو صاعاً من تمر أو صاعًا من أقط أو صاعًا من زبيب"، فقيل: إن الطعام المذكور عني به
البر، قال ابن المواز: وكان الصحابة يسمون القمح الطعام، ألا تري إلى قول سعد أبن أبي وقاص لوكيله حين فني علف دابته: خذ من طعام أهلك فابتع به شعيرًا، ولا تأخذ إلا مثله، يريد: مثلاً بمثل، فهذا يدلك أن الطعام المذكور وإنما عني به القمح.
قيل: فما روي ابن وهب أن في كتاب عمرو بن حزم أن تؤدي زكاة الفطر مدين من حنطة، أو صاعًا من تمر، وذكر أشهب أن عمر بن الخطاب كتب إلى الأجناد: " أدوا صاعًا من شعير أو صاعًا من تمر أو مدين من حنطة"، قال: وسئل مالك عن ذلك فأنكر ما روي من
الحديث في نصف صاع ولم يصح عنده، قال: ويدل أن ذلك لا يجزي على القيمة أن ما ذكر في الحديث الصحيح بعضه أعلى قيمة من بعض، والكيل متفق، والحنطة أفضل ذلك، فلا ينبغي أن ينقص مخرج البر من صاع لارتفاع قيمته، أو لا تري أن ذلك متساوي في جميع الكفارات، فكذلك هذا.
وذهب أبو حنيفة أن زكاة الفطر غير واجبة وتؤدي نصف صاع من بر، وصاعًا
مما عداه، وكذلك ذهب ابن حبيب إلى أن تؤدي من البر مدين لهذه الأحاديث كقول أهل العراق والحجة عليهم ما ذكرنا.
فصل: [3]
وجعلها الرسول - صلى الله عليه وسلم - على الحر والعبد والصغير والكبير من حاضر وباد وغيره من المسلمين.
[فصل 4 - في وجوبها على الفقراء]
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ويؤدي زكاة الفطر من يحل له أخذها، قال أبو محمد: واختلف قول مالك فيه.
قال ابن حبيب: وإن أعطي منها قدر قوته يوم الفطر فليس عليه أن يخرجه، وإن كان فيه فضل عن قوت يومه ذلك فليخرج من ذلك الفضل، وإن لم يدخل عليه شيء إلا في غد يوم الفطر فلا شيء عليه، لأن يوم الفطر قد زال، وليس من أهلها.
وقال ابن وهب عن مالك في المجموعة: إن كان له قوت شهر أو خمسة عشر يومًا فهي عليه.
ومن المدونة قال مالك: ويؤديها المحتاج إن وجدها، فإن لم يجد ووجد من يسلفه فليستلف ويؤدي، قال ابن القاسم: فإن لم يجد من يسلفه ولم يكن عنده شيء حتى مضي لذلك أعوم ثم أيسر لم يلزمه قضاؤها لماضي السنين.
وقال ابن المواز: ليس عليه أن يتسلف.
قال مالك: وإن أخرها الواجد سنين فعليه قضاؤها لماضي السنين.
م: وسئل أبو عمران: ما الفرق بين تأخير زكاة الفطر وتأخير الأضحية حتى ذهبت أيامها، وذلك كله حق في المال؟ فقال: الأجماع أن لا يضحي بعد انقضاء أيام النحر، والقرب إنما تكون حسب ما رتبته الشريعة، وأما زكاة الفطر فإنها تجب بحلول يوم الفطر أو ليلته، كوجوب زكاة الأموال بحلول الحول، فإن أخرها ضمنها؛ لأن الصدقة تنفع المساكين متى تصدق بها عليهم.
م ولقوله عز وجل: (وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ) فخض الأيام المعلومات بها فلا ذبح في غيرها، ولا حق فيها
للمساكين فيصل إليهم نفعها متى أخرجت، وزكاة الفطر مخصوص بها المساكين كزكاة الأموال، فمتي أخرجت إليهم نفعتهم، وقد اختلف قول مالك هل هي داخلة في قوله تعالي: (وَآتَوُا الزَّكَاةَ) فقياسها على زكاة الأموال أولى.
[فصل 5 - في وقت إخراجها]
قال ابن القاسم: واستحب مالك أن تؤدي زكاة الفطر بعد الفجر من يوم الفطر قبل الغدو إلى المصلي.
م: لقوله الله تعالي: (قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى).
يريد به: من أخرج زكاة الفطر ثم غدي ذاكرًا لله إلى المصلي فصلي.
قال ابن المواز: وروي أشهب أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أمر بأدائها قبل الغدو إلى المصلي، وقال عليه الصلاة والسلام: "أغنوهم عن الطلب في هذا اليوم"، وذلك ليأكل منها
الفقراء قبل غدوهم، كما استحب للإنسان أن يأكل قبل غدوه.
ومن المدونة قال مالك: وإن أداها بعد الصلاة فواسع.
م: لأنه يغنيهم عن الطلب في ذلك اليوم.
قال ابن القاسم: فإن أداها قبل الفطر بيوم أو يومين فلا بأس به، وكان ابن عمر يبعث بها إلى الذي تجمع عنده قبل الفطر بيومين وثلاثة.
وقال سحنون: إن أخرجها قبل الفطر بيومين لم تجزه، وإنما كان ابن عمر يبعث، بها قبل ذلك بيومين يدفعها لمن يلي الصدقة فيخرجها يوم الفطر.
م: ويحتمل أن يكون ابن القاسم إنما أراد بإخراجها قبل الفطر بيومين أي: يدفعها لمن يلي الصدقة كفعل ابن عمر، ومن حمل قوله على ظاهره لزمه أن يقول: يجزئه إخراجها من أول الشهر، وذلك لا يجوز، لأنه أخرجها قبل وجوبها.
[فصل -6 المسافر يخرج صدقة الفطر عن نفسه حيث كان]
ومن المدونة قال مالك ويؤديها المسافر حيث هو، وإن أداها عنه أهله ببلده أجزأه.
[فصل 7 - زكاة الفكر تلزم الرجل عن نفسه وعمن تلزمه نفقته من المسلمين]
قال مالك: ويؤديها الرجل عن كل من يحكم عليه بنفقته من الأحرار والعبيد من المسلمين خلافًا لداود في قوله: لا تلزمه إلا عن نفسه.
ودليلنا قوله صلي الله عليه وسلم "أدوا زكاة الفطر عمن تمونون".
ومن المدونة قال مالك: إلا المكاتب فإن نفقته، على نفسه، وعلى السيد زكاة الفطر عنه.
قال ابن المواز: لأن المكاتب عبد له خارجه بشيء معلوم جعله عليه، وعلى أن عليه نفقة نفسه، وكان ذلك كله مالاً لسيدة قبل أن يشترطه.
م: يريد: فسيده المنفق عليه إذا شرط عليه أن ينفق من مال هو له، إذا العبد وماله لسيده، وكما لو خارج عبداً له بشيء يؤديه كل شهر أو كل سنة، وعلى أن علي العبد نفقة نفسه، فإن السيد يؤدي عنه زكاة الفطر.
قال ابن حبيب: ولم يختلف/ في ذلك عنه أهل المدينة.
م: وقال أهل العراق: يؤديها المكاتب عن نفسه كالنفقة، وقال عبد الوهاب: وفي المكاتب روايتان: فإذا قلنا إنها تلزم السيد فللرق، وإذا قلنا لا تلزمه فلأنها تابعة
للنفقة، وإشارته إلى الروايتين لأصحابنا.
[فصل 8 - في زكاة الفطر عن العبد المعتقد بعضه]
ومن المدونة قال مالك: ومن له نصف عبد وباقية حر فليؤد الذي له نصفه نصف صدقة الفطر عن نصفه، وليس على العبد أن يؤدي النصف الآخر عما عتق منه؛ لأنه لا زكاة عليه في ماله.
قال ابن المواز: وقاله أشهب، قال: وهو القياس، وأما الاستحسان وهو أحب إلي أن يؤدي السيد عن جميعه صدقة الفطر تامة.
وقال عبد الملك: على السيد جميع ذلك، وكذلك في كتاب ابن سحنون، ورواه عن مالك، قال: لأنه وارثه وهو حابسه عن أحكام الحرية ولم يعرف سحنون هذه الرواية وقال مثل ما في المدونة.
وقال ابن حبيب عن أشهب: يؤدي من له فيه الرق بقدر ملكه ويؤدي العبد بقدر ما عتق منه، وهو القياس، ويقول عبد الملك أقول استحسانًا.
م: فوجه أن السيد يؤدي عن نصفه ولا شيء علي العبد فلأن أحكام الرق أغلب عليه بدلالة منع شهادته وميراثه ونقصان طلاقه وحده وسقوط الحج عنه، فكذلك الزكاة ساقطة عنه، ويؤدي السيد بقدر ملكه فيه، كما يلزمه أداء الجميع في ملك جميعه، ونصفها إذ كان بينه وبين غيره، وكما لو كان هذا العبد بينه وبين عبد غيره للزم السيد الحر الأداء عن نصفه، ولم يلزم العبد أن يؤدي عن حصته شيئًا، فكذلك هذا.
ووجه القول بأن السيد يؤدي جميع الزكاة عنه: لأنه محبوس عليه بالرق كالذي يستغرقه الرق، ولأنه وارثه.
ووجه القول بأن علي العبد بقدر ما فيه من الحرية: اعتباراً بالعبد بين الشريكين، ولأنهما يتقاسمان في الخدمة والمنافع، فكذلك هذا في الفطرة، ولأن الفطرة تابعة للنفقة، ونفقته بينهما، فكذلك الفطرة.
م: وبالأول أقول.
[فصل 9 - في زكاة الفطر عن العبد بين شريكين]
ومن المدونة قال مالك: وإذا كان عبد بين رجلي أدي كل واحد منهما نصف صدقة الفطر عنه، وإن كان لأحدهما سدسه وبقيته للآخر فسدس الزكاة على الذي له سدسه وخمسة أسداسها على شريكه.
وقاله عبد الملك في كتاب ابن سحنون، وروي عن مالك خلافه أن على كل
واحد عنه زكاة كاملة، ولم يعرفها سحنون.
م: وقال أبو حنيفة: لا شيء على ساداته.
ودليلنا قوله - صلى الله عليه وسلم -: "صدقة الفطر على كل حر وعبد" فعم، وقال: "أدوا صدقة الفطر عمن تمونون"، ولأنه حق يتبع النفقة فكانت عليهم كالنفقة.
قال ابن المواز عن عبد الملك: ولو كان العبد بين حر وعبد فإن على الحر نصف زكاته فقط، قال عنه ابن حبيب: وقاله مالك.
[فصل 10 - في زكاة الفطر عند العبد الموصي بخدمته لرجل وبرقبته لآخر]
ومن المدونة: قال ابن القاسم: والفطرة على الموصي بخدمته لرجل وبرقبته لآخر على صاحب الرقبة إن قبل الوصية كمن أخدم عبده رجلاً أمدًا فصدقه الفطر عنه على سيده الذي أخدمه.
وقال عنه ابن المواز: إن ذلك على المخدم كالنفقة في الوجهين جميعًا.
قال: وقال أشهب: ليس على المخدم شيء، وهي على مالك رقبته في الوجهين
جميعًا كقول ابن القاسم في المدونة، قال أشهب: وليس للمخدم في الرقبة حق وهو مثل من أجر عبده وشرط على من أستأجره نفقته فإن زكاة الفطر عنه على سيدة، لأن المستأجر والمخدم لا يملكون منه إلا خدمة أفعن الخدمة يزكون؟
قال ابن المواز: ويقول أشهب أقول؛ لأنه بمنزله من أخدم عبده شهرًا بطعامه، أو قاطع عبده في الشهر على أن عليه طعامه، وقال ابن عبد الحكم بقول ابن القاسم، واحتجا بخادم الزوجة أن فطرتها على الزوج/ الذي عليه نفقتها ولا شيء على مالكه رقبتها).
وليس في ذلك حجة؛ لأن خادم الزوجة إنما يؤديها عن الزوجة لوجوب نفقتها، إذا لو لم يكن لها خادم لكلف الزوج أن يخدمها خادمًا وينفق عليها ويزكي عنها؛ لأن ذلك من مؤن الزوجة ويجبر الزوج عليها، ولو قالت الزوجة: أنا أنفق على نفسي وخادمي وأبي ذلك الزوج وقال: أنا أنفق كان ذلك له، ولو تزوجها على ذلك ما جاز، ولو أبي صاحب رقبة المخدم أن ينفق إلا هو ويمنع المخدم من النفقة كان ذلك للسيد مثل الإجارة سواء، ولو أخدمه على أن لا نفقة للمخدم كان ذلك للسيد، فهذا فرق ما بينهما.
[فصل 11 - زكاة الفطر عند العبد الأعمي والمجنون والأبق]
وم المدونة: قال مالك: ومن له عبد أعمي أو مجنون أو مجذوم فليؤد عنه زكاة
الفطر ولا يعتق عليه لما أصابه من البلاء.
قال: ولا يؤديها عند عبده الآبق إباق إياس فأما من يرتجيه لقربه فهي عليه عنه.
[فصل 13 - زكاة الفطر عن رقيق التجارة وعن عبيد القراض]
قال: ومن كان عنده رقيق للتجارة مسلمين فليؤد عنهم زكاة الفطر وإن لم تبلغ قيمتهم مئتي درهم.
قال: ومن أخذ مالاً قراضًا فاشتري به رقيقًا فزكاة الفطر عنهم على رب المال في رأس ماله، وليس في مال القراض، وأما نفقتهم فمن مال القراض، وقال أشهب إن بيعوا فكان فيهم فضل مثل ثلث الثمن فعلي العامل سدس تلك الزكاة، وإن كان الربع فعليه الثمن إن قارضه على النصف.
وقال ابن أبي زمنين: وعلى مذهب أشهب: تؤخذ الزكاة مما بيد المقارض، فإذا تفاصلاً نظر إلى الربح فيكون ما ذكر، كذلك فسره بعض شيوخنا.
م: والصواب عندي أن يؤديها رب المال، فإذا تفاصلا نظر إلى الربح، والدليل على ذلك: أن الزكاة إنما هي عن رقابهم، والرقبة فلا حق متعين للمقارض فيها، وقد لا يكون له فيها حق أبدًا، وهي اليوم لرب المال فهو الذي يؤدي عنها، وهذا أصلنا في أكثر الأحكام إنما يراعي الحكم يوم وقع لا إلى ما يكون أو لا يكون، وليس لرب المال أن ينقص من مال القراض بعد إشغاله لأمر هو لازم له على الحقيقة، وبالله التوفيق.
وذهب ابن حبيب إلى أن فطرتهم كنفقتهم من جملة القراض، ورأس المال هو العدد الأول، واختار ابن المواز رواية ابن القاسم وقوله: إن فطرتهم على رب المال، قال: لأنه شيء ليس على المال وجب، وقد لزم ذلك قبل أن يجب للعامل شيء، وما يأخذه العامل كالإجازة وتلزمه زكاته في نضوضه وبعد أن يصير له بعد الحول، ألا تراه لو كان العامل لا يدير ورب المال يدير أن رب المال يقوم ما بيد العامل ويزكي كل عام، ولا يزكي العامل إلا ما ينويه بعد المفاصلة لعام واحد، وكذلك في زكاة رقاب غنم القراض على رواية ابن القاسم، وهذا كله نقل أبي محمد.
وقد تقدمت الحجة في زكاة ماشية القراض.
[فصل 13 - زكاة الفطر عن العبد الجاني والمغصوب والمرهون]
ومن المدونة: ومن جنى عبده جناية عمد فيها نفسه فحل عليه الفطر قبل أن يقتل فنفقته وزكاة الفطر عنه على سيده.
قال ابن القصار في العبد المغصوب إن كان يئس منه فهو كالعبد الآبق.
قال مالك: ومن رهن عبده فنفقته وزكاة الفطر عنه على سيده.
[فصل 14 - في وقت وجوب زكاة الفطر]
قال ابن حبيب: اختلف عن مالك متى حد وجوب الفطرة، فروى أشهب عن مالك: أنها تجب بغروب الشمس من ليلة الفطر، وبه قال.
م: وهذا مذهب ابن القاسم في المدونة.
قال ابن حبيب: وروى ابن القاسم وعبد الملك ومطرف عن مالك أن حد ذلك طلوع الفجر من يوم الفطر، وبه قالوا، وبه أقول.
م: وذكر عبد الوهاب هاتين الروايتين عن مالك، قال: وقال جماعة من أصحابنا تجب بطلوع الشمس.
م: فوجه قوله بغروب الشمس: ما روى أنه صلى الله عليه وسلم: ((فرض زكاة الفطر من رمضان""، فأضاف الفطر إلى رمضان، وحقيقته: بغروب الشمس؛ ولأن من ولد بعد غروب الشمس لم يدرك شيئاً من رمضان، فلم يلزم إخراج الفطرة عنه كمن ولد بعد الفجر.
ووجه قوله: أنها تجب بطلوع الفجر: ما روي أنه صلى الله عليه وسلم: ((فرض زكاة الفطر من رمضان))، وإطلاق ذلك لا يفهم منه إلا يوم الفطر؛ ولأنه حق في مال