الجامع لمسائل المدونةصفحات 554-593

عليَّ فأخذت الرهن وقيمة نصف دينك لرجع عليك الغرماء، فيما أخذت في الحصاص فيأخذون ثلاثة؛ لأنهم يقولون له قد بان أن ما كان يجب لك الحصاص معنا في العشرة بعشرة، فحصتك منها ثلاثة وثلث، وأنت أخذت خمسة فرد علينا دينارين إلا ثلثا، فجميع ما يحصل لك لو لم تسلم الرهن ثلاثة عشر وثلث، وقد أخذت لما أسلمته في المحاصة عشرة، فخذ مني ما نقصك ثلاثة وثلثا، فبطل اعتلال محمد بهذا التشبيه أن يصح له ثلاثة أرباع حقه.
م ولكن الحجة له في ذلك أن يقول للعدل أنت قد حصل منك الإسلام ولزمك لي الضمان، وبإسلامك أبرأت ذمة الراهن، وصرت كغريم داينته، فإن شئت فاغرم لي قيمة رهني وادخل معنا في الحصاص فيما بيده، أو أحاصص انا واغرم لي ما نقصني ولا تحاسبني على أنك لو لم تسلم الرهن، وأنت قد أسلمته وذلك يختلف فيما يصير لي فتظلمني، فإن قيل فليس له تضمين العدل إلا ما نقصه إسلام رهنه، وهو الذي أدخل عليه الضرر فيه، ولا له أن يبدأ به؟ قيل له قد قال محمد أول كلامه إذا تعدى العدل، فدفع الرهن إلى الراهن ففلس الراهن، كان الموضوع على يديه الرهن ضامنًا، وكذلك في المدونة وقاله ابن القاسم/ في المستخرجة أن للمرتهن أن يضمن الأمين قيمة الرهن إذا كان له مال، ويكون الأمين مع الغرماء في الرهن وفي غيره من مال الراهن أسوة.

م وهذا نص قولنا.
قال عيسى وإن لم يكن للأمين مال، كان المرتهن في الرهن أسوة الغرماء، ورواها أصبغ، وقال: إن لم يكن للأمين مال كان المرتهن أحق بالرهن، وهذا إذا لم يعلم المرتهن بالرد، فإذا علم فتركه فلا رد له.
فهذا نص بين واتفاق أن له أن يبدأ بالعدل فيضمنه ثم يرجعوا كلهم فيتحاصون فيما بيد الراهن، فعلى هذا يحاسبه إن بدأ بالحصاص، وأيضًا فإن من حجة المرتهن أن يقول له أنت لو لم تسلم الرهن لم يكن في المحاصة للغريم منه شيء أو كان له جميعه، ولما أسلمته لم يحصل لي إلا نصفه، فقد أتلفت علي نصفه فادفع لي نصف قيمته خمسة فيحصل لي ثلاثة أرباع حقي، هذا هو الحق، والصواب إن شاء الله.
ولأن المرتهن يقول: لو كان الرهن بيدي ففلس الراهن، لم يكن عليّ أن أحاصص غرماءه وأبيع من الرهن ما نقص من ديني، بل أبيع جميع الرهن وأقبض منه ديني كالكفيل إذا فلس المكفول به أن ليس على الطالب المحاصة والرجوع على الكفيل بما نقص من دينه، بل له إغرام الكفيل جميع دينه، ويحاص الكفيل غرماء المكفول، فلما أتلف العدل الرهن الذي هو كالكفيل، صار عليه حكمه، فلم يجب على المرتهن أن يحاص غرماء الراهن، ويرجع على العدل بما نقصه إسلامه، بل له إغرامه قيمة الرهن، ويرجع فيحاص بذلك الكفيل، وبالله التوفيق.
[فصل 3 - في موت العدل وبيده الرهن] ومن المدونة: وإذا مات العدل وبيده رهن فليس له أن يوصي عند موته بوضعه عند غيره، وذلك إلى المتراهنين، وبالله التوفيق.

الباب الثامن]

في المأمور يبيع الرهن ويتلف الثمن أو يدفعه للمرتهن فينكر قبضه أو يبيعه بغير العين، وفي استحقاق الرهن بعد بيعه واختلاف المتراهنين

[الفصل 1 - في المأمور يبيع الرهن بأمر السلطان فيبيعه ثم يضيع الثمن] قال ابن القاسم: وإذا أمر السلطان رجلاً ببيع الرهن ليقضي للمرتهن حقه، فباعه ثم ضاع الثمن لم يضمنه المأمور، وصدق في ضياعه، وإن اتهم حلف، وكان الثمن من الذي له الدين، كقول مالك في ضياع ثمن ما باعه السلطان لغرماء المفلس أنه من الغرماء.
[قال] ابن المواز: وروى عنه أشهب أنه من ربه حتى يصل إلى غرمائه.
م وحكي عن بعض القرويين أنه قال: إنما يكون ضياع الثمن من الذي له الدين على قول ابن القاسم إذا ثبت بيع المأمور للرهن ببينة وإن لم يثبت بيعه إلا بقوله، فإن الراهن لا يبرأ من الثمن؛ لأن صاحب الدين لم يأتمنه على هذا البيع، وذكر أن غيره يخالفه ويقول ذلك سواء، وضمان الرهن من المرتهن.
م وهذا هو الصواب، وعليه يدل ظاهر الكتاب؛ ولأنه قد جعله السلطان أمينًا له على بيعه، فوجب سقوط ضمانه وقبول قوله.
ولو ضاع الرهن قبل بيعه، لكان على قول ابن القاسم من ربه وعلى قول ابن الماجشون من الذي ليس له الدين، وهذا كاختلافهم في ضياع مال المفلس الموقوف للغرماء.

[فصل 2 - في المأمور يبيع الرهن ويدفع ثمنه للمرتهن وينكر المرتهن] ومن المدونة: وإن قال المأمور: بعت الرهن بمئة وقضيتها المرتهن، وقال المرتهن: ما أخذت منه شيئًا صدق المرتهن.
م ولو كان المرتهن هو الذي أمره ببيعه لصدق المأمور، مع يمينه في دفعه إلى المرتهن؛ لأن الموكل على البيع مصدق في دفع الثمن إلى الآمر.
[فصل 3 - إذا قال العدل بعت الرهن بمئة ودفعتها للمرتهن وقال المرتهن بل بخمسين] قال ابن القاسم: ولو قال المرتهن إنما باعه بخمسين وقضانيها، وقال الأمين بل بعته بمئة وقضيتها للمرتهن ضمن المأمور الخمسين الباقية بإقراره أنه باع بمئة كالمأمور يدفع مئة دينار إلى رجل يدعي دفعها إليه، وقال الرجل: لم أقبض إلا خمسين فالمأمور ضامن بخمسين.
وقال أشهب في غير المدونة: ولا يضمن المأمور الخمسين الباقية للمرتهن؛ لأنه أقر أنه بخمسين باع ولكن يضمنها للراهن- يريد ولا يكون المرتهن أحق بها في قيام الغرماء-.

م ولو قال لا ندري بكم باع الرهن إلا أنه لم يدفع إليّ إلا الخمسين، فاحلف وأغرم الأمين الخمسين الأخرى، لكان المرتهن أحق بها من غرماء الراهن.
[فصل 4 - في تعدي المأمور وبيعه السلعة بما لا تباع به] ومن المدونة: قال ابن القاسم: ولو باع المأمور الرهن بحنطة أو شعير أو بعرض لم يجز، ثم إن ضاع ما قبض فيه ضمنه المأمور بتعديه، ولو باع بالعين لم يضمنه.
[قال] ابن المواز: وقال أشهب: إن باعه بمثل ما عليه ولم يكن في ثمنه فضل فذلك جائز وإن باعه بخلاف ما عليه لم يجز.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وكذلك الوكيل على بيع سلعة يبيعها بغير العين، فإنه ضامن، وإذا باع السلطان الرهن ودفع ثمنه إلى المرتهن ثم استحق الرهن وقد فات عند المبتاع أو غاب المبتاع فلم يوجد، فللمستحق إجارة البيع وأخذ الثمن من المرتهن ويرجع المرتهن بحقه على الراهن، وقد قاله مالك فيمن باع سلعة فاستحقها صاحبها وقد دارت في أيدي رجال أنه يأخذ الثمن من أيهم شاء.
فصل [5 - في اختلاف الراهن والمرتهن في حلول الأجلٍ] قال ابن القاسم: وإذا قال الراهن لم يحل الأجل، وقال المرتهن قد حل، صُدق الراهن؛ لأن المرتهن مقر بأجل يُدعي حلوله، وهذا إذا أتى بما لا يستنكر، وادعى أجلاً يشبه وإلا لم يصدق.

وقال أشهب في غير المدونة: القول قول المرتهن في الأجل، كما يصدق إن قال حال.
قال ابن القاسم: وقد قال مالك فيمن ابتاع سلعة ففاتت عنده فادعى أنه ابتاعها بثمن إلى أجل، وقال البائع بل بثمن حال أن المبتاع إن ادعى أجلاً قريبًا لا يستنكر صدق، وإن ادعى أجلاً بعيدًا لم يصدق.
وقال ابن القاسم لا يصدق المبتاع في الأجل ويؤخذ بما أقر به من المال حالاً إلا أن يقر بأكثر مما ادعاه البائع فلا يكون للبائع إلا ما ادعى، وقد تقدم إيعاب هذا في السلم الثاني.

[الباب التاسع]

في رجوع الرهن إلى الراهن بإجارة أو بوديعة أو عارية أو غيرها وبقية القول في حيازة الرهن

[فصل 1 - في الرهن يرجع إلى الراهن بوديعة أو إجارة] قال تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: 283] فعم فلزم بهذا استدامة القبض وهو شرط في صحته، فمتى عاد إلى الراهن بوجه ما بطل كالابتداء.
قال ابن القاسم: ومن ارتهن رهنًا فقبضه ثم أودعه للراهن أو آجره منه أو أعاره إياه أو رده إليه بأي وجه ما حتى يكون الراهن هو الحائز، فقد خرج من الرهن.
[قال] ابن المواز: قال ابن القاسم وأشهب: ثم إن قام المرتهن برده قضى له بذلك إلا أن يدخله فوت من تحبيس أو عتق أو تدبير أو بيع أو قام غرماؤه.
قال ابن القاسم فيه وفي المدونة: إلا في العارية فليس للمرتهن إن أعاره إياه رده في الرهن إلا أن يعيره على ذلك، فإن أعاره على ذلك ثم لم يرتجعه حتى قام الغرماء على الراهن أو مات كان أسوة الغرماء.

[قال] ابن المواز: وقال أشهب: العارية وغيرها سواء له رده، ما لم يفت بما ذكرناه.
[فصل 2 - فيمن ارتهن أرضًا فأذن للراهن بزراعتها ونحوها] ومن المدونة: قال ابن القاسم وإن ارتهنت أرضًا فزرعها الراهن بإذنك وهي بيدك خرجت من الرهن، وكذلك لو رهنك دارًا فسكنها أو عبدًا ثم اختدمه، فإنه يخرج من الرهن ولو أكراها الراهن بإذنك، كان ذلك خروجًا من الرهن وإسلامًا من المرتهن.
قال في كتاب حريم البئر: وكذلك لو أذن المرتهن للراهن أن يسكن أو يكري، فقد خرجت الدار من الرهن وإن لم يسكن أو يكري، وقال أشهب: بل حتى يكريها.
قال ابن القاسم: وكذلك لو ارتهن بئرًا أو عينًا فإذن لربها أن يسقي بها زرعه لخرجت من الرهن، وإذا أجر المرتهن الرهن أو أعاره بإذن الراهن، وولي المرتهن ذلك ولم يسلمه للراهن لم يكن ذلك خروجًا من الرهن، وهو على حاله، فإن ضاع هذا الرهن عند المستأجر وهو مما يغاب عليه، فضياعه من الراهن لإذنه فيه، وهو بمنزلة الراهن على يدي عدل.
قال ابن المواز: ولا يكري المرتهن إلا بإذن الراهن إلا أن يكون على ذلك رهنه.

قال أشهب: أو شرط أن كراءه رهن مع رقبته فله أن يكريه بغير إذنه، وروى ابن عبد الحكم أن له أن يكريه دون صاحبه.
فصل [3 - في المرتهن لا يقبض الرهن حتى يموت الراهن أو يفلس] ومن المدونة، قال مالك: وإذا لم يقبض المرتهن الرهن حتى مات الراهن أو فلس، كان أسوة الغرماء في الرهن وغيره.
[فصل 4 - في الرهن بين الزوج وزوجته] قال ابن المواز: وقيل لمالك فيمن تسلف من امرأته ورهنها جارية، قال: أحب إلي أن يجعلها على يدي غيرها.
وقال لي أصبغ: حوزها حوز وكل ما في بيتها إلا رقبة البيت، ولا يكون سكناها فيه حوزًا له.
وقاله ابن القاسم وكذلك الصدقة لا يكون سكناها فيه حوزًا له.
م قال بعض الفقهاء: لا فرق بين الدار والخادم والقش؛ فإذ جاز أن يكون هبته للخادم حوزًا لها، مع أن عليه إخدامها، جاز أن يكون هبته للدار حوزًا لها، وإن كان عليه سكناها.

م وإنما قال ذلك أصبغ في خادم لا يخدمها أو قش لا يستخدمانه فهذا الذي يكون بخلاف الدار، وإلا فقد قال: إذا كانت الخادم تخدمها، فقد خرجت من الرهن لكونها تخدمها.
من العتبية من سماع ابن القاسم قال مالك: ومن تسلف من امرأته سلعًا وأرهنها خادمًا تخدمها قال: أحب إلي أن لو جعلاها بيد غيرها.
قال أصبغ عن ابن القاسم: إذا رهنها خادمًا له ببقية صداقها قبل البناء فحازتها شهرًا ثم بنى بها الزوج، فكانت الخادم تخدمها، فعدى عليها الزوج فسرقها وباعها قال: بيعه نافذ وقد خرجت من الرهن بكونها تخدمها، ولا تنتفع بمتقدم حيازتها؛ لأنها قد ردتها.
فانظر كل من ابتدئ في الرهن فلا يكون بذلك حوزًا، فهذا إذا فعل بعد حوزه، فدخله فوت، فقد انفسخ الحوز، وذلك مخالف للصدقة والهبة، وأصل هذا من قول مالك أن من حبس حبسًا، فحيز ذلك عليه سنينًا ثم سكن ذلك المحبس بكراء أو غيره، فلا يبطل ذلك حبسه فكذلك الصدقة ولو كان رهنًا فقبضه وحازه، ثم رده إلى صاحبه لبطل بعودته إلى يده.
وإذا وهب أحد الزوجين لصاحبه أو تصدق عليه بخادم فدفعها إليه فكانت في البيت تخدمها، فذلك حيازة تامة بخلاف الرهن.

وقال مالك في امرأة ارتهنت من زوجها خادمًا، فكانت معها في البيت تخدمها، أن ذلك ليس برهن حتى يخرجها، وقاله أصبغ، قال: هي صحيحة جيدة.
م والفرق بين الرهن والصدقة إذا رجعت بعد الحوز إلى الراهن أو المتصدق أن الرهن بعد الحوز باق على ملك الراهن وإنما فيه وثيقة للمرتهن بحوزه، فمتى عاد إلى يديه بطل حق المرتهن لبطلان حوزه، وثبت ذلك للراهن بحوزه بطلان حوزه وملكه.
وأما الصدقة فالبحوز انتقل ملك المتصدق عنها، وصحت ملكًا للمتصدق عليه لا حق فيها للمتصدق كالإستبراء، فمتى رجعت إلى يد المتصدق بعد صحة حوزه، وبعد طول مدة لا يتهمان على إظهار الحوز فيها، لم يضر ذلك الصدقة لصحة انتقال الملك كما لو رجعت إليه من يد مشتر.
والفرق أيضًا بين رهن أحد الزوجين للآخر خادمًا وهي تخدمها أو صدقته عليه بها؛ لأن عمدة صحة الرهن، إنما هو الحوز وقد شاركه في ذلك الراهن، فصار الراهن حائزًا مالكًا والمرتهن حائزًا فقط، فغلب حوز الراهن لزيادة مزية الملك، وفي الصدقة يصير المتصدق عليه حائزًا مالكًا، والمتصدق حائزًا فقط، فغلب أمر الحائز المالك في الوجهين، وهذا بين وبالله التوفيق.

قال عبد الملك بن الحسن عن ابن وهب في المرأة ترتهن من زوجها خادمة في حق لها قبله، ثم أراد طلبها بأجرة خدمتها، قال: إن كانت تعمل لها خاصة من غزل أو صنعة فعليها الأجرة لها، وأما خدمة البيت معها فلا شيء له عليها فيه، وقال أشهب: لا أجرة له، وقال غيره في كتاب ابن عبدوس أما خدمتها قبل البناء فتحاسب به، وأما إذا رهنها إياها بعد البناء فكانت تخدمها في البيت، فلا يكون رهنًا ولا تحاسب بخدمتها.
فصل [5 - فيمن اكترى دارًا أو عبدًا سنة ثم ارتهنه قبل انتهائها] ومن كتاب ابن المواز قال ابن القاسم عن مالك: ومن اكترى دارًا أو عبدًا سنة وأخذ حائطًا مساقاة، ثم ارتهن شيئًا من ذلك قبل تمام السنة، فلا يكون محازًا للرهن؛ لأنه محاز قبل ذلك بوجه آخر.
قيل له فما الفرق بين هذا وبين من رهن فضلة الرهن، وقد تقدم فيه حوز الأول، قال: هذا محوز عن صاحبه، والأول هو باسم صاحبه في المساقاة والكراء والإجارة.
قال ابن المواز: هذا محاز له والرهن محاز عنه فهما وجهان مفترقان.
م والقياس أنهما سواء.

قال أبو محمد: ومن غير كتاب ابن المواز قاله ابن الماجشون: من ارتهن رهنًا إلى مدة ثم اكتراه ثم فلس ربه، فالمرتهن أحق به، ولو اكتراه أولاً إلى مدة ثم ارتهنه قبل المدة ثم فلس ربه لم يكن هذا أحق به؛ لأنه لم يحزه بالرهن، وحوز الكراء كان أملك به، نحو ما في كتاب محمد.
وقال سحنون في المجموعة: مذهب ابن القاسم أنه يجوز للرجل أن يرتهن ما هو في يديه بإجارة أو سقاء، ويكون ذلك حوزًا للمرتهن، مثل الذي يخدم العبد ثم يتصدق به على آخر بعد ذلك فيكون حوز المخدم حوزًا للمتصدق عليه.
[فصل 6 - فيمن ارتهن رهنًا وحازه سنة أو سنتين ثم أقام غيره البينة أنه ارتهنه قبله] ومن العتبية من سماع عيسى: ومن ارتهن رهنًا وحازه سنة أو سنتين، ثم أتى غيره فأقام البينة أنه ارتهنه قبله وحازه وقال: لم أعلم برهنه لهذا، قال: يبدأ الأول ويكون ما فضل لهذا الآخر دون الغرماء.
قيل قد بيعت الدار للثاني بأمر السلطان، قال: يمضي البيع ويبدأ بدين الأول، لأن حيازته سبقت، ويكون ما فضل لهذا الآخر.

[فصل 7 - فيمن ارتهن دارًا فأكراها من رجل بإذن الراهن ثم أكراها المكتري من الراهن] قال أبو زيد عن ابن القاسم: فيمن ارتهن دارًا فأكراها من رجل بإذن الراهن، ثم أكراها المكتري من الراهن فإن كان المكتري من ناحية رب الدار فالكراء لازم، وقد فسد الرهن، وإن كان أجنبيًا وصح ذلك، فذلك جائز ولا يفسد الرهن.
م قال بعض الفقهاء: لما تقدم صحة حوزه للرهن ثم غلب على رده إلى يد صاحبه لم ينتقض الحوز، كالعبد إذا أبق بعد أن حيز الرهن فأخذه الراهن.
[فصل 8 - في الحائط الرهن بيد أمين طلب ربه أن يأخذه مساقاة من الأمين] قال ابن القاسم عن مالك في الحائط الرهن بيد أمين طلب ربه أن يأخذه مساقاة من الأمين، قال: هذا يوهن الرهن وكأن لم يره رهنًا، قيل أفيساقيه من الذي له الدين؟ قال: لا بأس بذلك، وقاله ابن القاسم، وقال: فإن أراد الأمين أن يأخذه مساقاة لم يكن له ذلك إلا بإذن المتراهنين.

[فصل 9 - في موت الراهن وقد أكرى المرتهن الرهن الذي حازه في حياة الراهن من بعض ورثته وحكم وضع الرهن على يد ابن صاحب الرهن ونحوه] ومن كتاب ابن المواز: قال ابن الماجشون: وإذا مات الراهن وقد أكرى المرتهن الرهن الذي حازه في حياة الراهن من بعض ورثته، فلا يخرج بذلك من الرهن، وهو أولى به من الغرماء، قال ابن المواز: صواب؛ لأنه ليس للابن فيه ميراث؛ لأنه قد غرق في الدين ولو كان ذلك والأب حي، لكان اكترى ابنه له لضعف حوزه، ويبطله.
وقد روى ابن القاسم عن مالك أنه قال: لا يوضع الرهن على يد ابن صاحب الرهن- يريد إذا كان في عياله- ولا امرأته، وذلك يوهن الرهن ويضعفه.
قال ابن القاسم في المجموعة: فإن وضع على أيديهما، فسخ ذلك، وأما الأخ فذلك رهن تام.
قال سحنون في العتبية: وهذا في الابن الصغير، فأما الكبير البائن عنه، فذلك جائز.
[قال] ابن حبيب وكذلك قال ابن الماجشون في الابن البائن عنه أو الابنة البائنة عنه أو زوجته البائنة عنه في دارها إذا قبضوه دونه، فهو كله حوز للرهن، وإن كانوا في ولايته فليس بحوز.

[قال] ابن المواز: قال أصبغ في حيازة الزوجة والابن ثم قام الغرماء، فإن حيز عن راهنه حتى لا يلي عليه ولا يقضي فيه فهو رهن ثابت.
[فصل 10 - فيمن ساقى حائطه ثم رهنه ورهن ما تقدم له فيه كراء أو سقاء] وفي كتاب محمد ومن ساقى حائطه ثم رهنه، فليجعل المرتهن مع المساقي رجلاً أو يجعلانه على يدي رجل يرضيان به.
وقال مالك: ولا يجعل الحائط الرهن بيد المساقي أو أجير له في الحائط، فإن فعل فليس برهن حتى يجعلاه بيد غير من في الحائط.
م وقد تقدم له قبل هذا، لا يجوز له رهن ما تقدم له فيه كراء ولا سقاء إلا بعد تمام ذلك، ولا يتم فيه حوز لأنه محاز قبل ذلك بوجه آخر، بخلاف حوز فضلة الرهن.
قال عبد الملك في المجموعة: وحوزه عبد الراهن ليس بحوز، كان مأذونًا أو غير مأذون.

[الباب العاشر]

في موت الراهن، ومن دفع رهنًا في صداق ثم طلق أو قضى مئة ثم اختلفا على ما هي، والإقالة في سلم برهن

[فصل 1 - في موت الراهن قبل أجل الدين] قال مالك رحمه الله: وإذا مات الراهن قبل أجل الدين بيع الرهن وقضي المرتهن حقه؛ لأن من مات فقد حلت ديونه.
[فصل 2 - فيمن دفع رهنًا في صداق ثم طلق قبل البناء] قال ابن القاسم: ومن رهن امرأته رهنًا قبل البناء بجميع الصداق جاز؛ لأن عقد النكاح يوجب لها الصداق كله، إلا أن يطلق قبل البناء، فإن طلق قبل البناء لم يكن له أخذ نصف الرهن، والرهن أجمع رهنًا بنصف الصداق، كمن قضى بعض الحق، أو وهب له، فالرهن رهن بما بقي، فإن هلك الرهن وهو مما يغاب عليه ضمن المرتهن جميعه.
وقد اختلف قول مالك في رهن من أحاط الدين بماله، وقد ذكرناه في كتاب المديان.
[فصل 3 - إذا كان لك على رجل مئتان فرهنك بمئة منها ثم قضاك مئة ثم اختلفا على ما هي عليه] وإذا كان لك على رجل مئتان فرهنك بمئة منها رهنًا ثم قضاك مئة، وقال بعد ذلك هي التي فيها الرهن، وقلت أنت هي التي لا رهن فيها، وقامت الغرماء أو

لم يقوموا، فإن المئة يكون نصفها عن المئة الرهن، ونصفها عن المئة الأخرى- يريد بعد التحالف/ إذا ادعيا البيان.
وقال أشهب: القول قول المقتضي؛ لأنه مدعى عليه.
وحكي عن بعض فقهائنا القرويين أنه قال: إنما تصح القسمة على قول ابن القاسم إذا كانت المئتان حالتين، فأما إن كانتا مؤجلتين فالقول قول الدافع للمئة؛ لأنه يقول إنما قصدت تعجيل المئة لأخذ الرهن، فيكون القول قوله بهذا العذر بخلاف مسألة الحمالة، تلك تقسم المئة على الحقين، كانا حالين أو مؤجلين، وقد تقدم هذا في كتاب الحمالة.
[فصل 4 - في من أخذ رهنًا في المسلم فيه ثم تقايلا قبل الأجل أو بعده] [ومن المدونة] وإن أسلمت إلى رجل في طعام إلى أجل وأخذت به منه رهنًا ثم تقايلتما بعد الأجل أو قبله ولم تقبض رأس مالك لمكان الرهن الذي في يديك لم تجز الإقالة إلا أن تقبض رأس مالك قبل أن تفترقا وإلا دخله بيع الطعام قبل قبضه.

[الباب الحادي عشر]

في جناية العبد الرهن والجناية عليه

[الفصل 1 - في جناية العبد الرهن] [ومن المدونة] قال مالك رحمه الله: ومن ارتهن عبدًا فجنى العبد جناية، خير السيد أولاً، فإن فداه كان على رهنه، وإن أسلمه خير المرتهن أيضًا، فإن أسلمه كان لأهل الجناية بماله قل أو كثر، وبقي دين المرتهن بحاله- وليس للمرتهن أن يؤدي من مال العبد الجناية، ويبقى رهنًا إلا أن يشاء سيده- فإن فداه المرتهن لم يكن للسيد أخذه حتى يدفع ما فداه به مع الدين وإلا كان ما فداه به في رقبته دون ماله مبدأ على الدين ولا يباع حتى يحل أجل الدين.
قال بعض شيوخنا القرويين: ونفقته حتى يحل الأجل على سيده، الذي كان ينفق عليه قبل ذلك؛ لأنه رجع إلى [أصل] ما كان عليه.
[ومن المدونة] قال مالك رحمه الله: فإن سويت رقبته أقل مما فداه به لم يتبع السيد بما بقي من ذلك؛ لأنه فداه بغير أمره، واتبعه الأول، وإن كان فيه فضل كان ما فضل من رقبته في الدين ولا يكون ماله رهنًا بأرش ولا دين إذا لم يشترط في الدين أولاً.
قال ابن المواز: روي هذا عن مالك وري عنه: أن ماله يدخل في الرهن بالأرش لا بالدين.

م كما لو أسلمه في الأرش كان للمسلم إليه بماله، فإن حل الأجل وللسيد غرماء، فإنه يباع بما له، فإن كان ماله زاد قيمته مثل نصف ثمنه هذا الذي بيع به، بدئ نصفه بالجناية، وكان فضل نصف ما بقي للمرتهن في دينه وهو ما يخص رقبته، والنصف للغرماء يدخل فيه المرتهن أيضًا بما بقي له من الدين إن بقي له شيء.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإن فداه المرتهن بما فداه به بإذن الراهن، اتبعه المرتهن بما فداه به وبالدين جميعًا.
م وبيان هذه المسألة في كتاب ابن المواز.
وقال في العبد الرهن يجرح، فسيده مخير بين أن يفديه ويبقى رهنًا أو يسلمه، فإن أسلمه خير المرتهن فيه في ثلاثة أوجه: إما أسلمه واتبع غريمه بدينه إلى أجله، وإن شاء إفتكه بزيادة درهم فأكثر على دية الجناية، ويكون له بتلاً، ويسقط من دينه ذلك الدرهم، ويتبع غريمه بدينه إلا الدرهم الذي زاد فيه إلى أجله، وإن شاء افتكه بديه جرحه فقط، ليكون بيدك رهنًا بما افتككته به، ثم لا يأخذه سيده حتى لا يدفع إليك ما افتككته به ودينك الأول، فإن أبى بعته، فإن استوفيت من ثمنه ما افتككته به ثم دينك الأول إن كان فيه ذلك، فإن فضل بعد ذلك شيء كان لسيده، وإن كان ثمنه قدر الجناية وبعض دينك، اتبعت الغريم بباقي دينك، ولو كان للعبد مال، فطلب المرتهن أن يؤدي منه الأرش ويبقى رهنًا، قال مالك: فليس له

ذلك إلا بإذن سيده، فإن أبى أسلمه بماله، وإن كان أضعاف الجناية ثم خير المرتهن في الوجوه التي ذكرنا، فإن افتككته فماله رهن لك بالجناية، وحدها ورقبته رهن بالجناية والدين، ولا يكون ماله رهنًا بالدين؛ لأنك لم تشترطه أولاً، ويبقى المال بيده كما كان قبل أن يجني حتى يتصرف فيه بالمصلحة، ويأكل ويكتسي.
وقد اختلف قول مالك في ماله إذا افتدى المرتهن العبد فقال: لا يكون ماله رهنًا بجناية ولا دين، ويقال لك إن شئت أخذت العبد بدون ماله بدية جرحك وبدينك الأول، ويرجع مال العبد لسيده وإلا فدعه، وبهذا أخذ ابن القاسم وابن الحكم، والقول الآخر به يأخذ أصحاب مالك ونحن وهو الصواب؛ لأنه إنما فداه منه ما كان بالجناية مرهونًا، فقد كان ماله مع رقبته صار رهنًا بجنايته، وهذا بين، فإن كان على السيد دين لغرماء غيره، فليدخلون معه فيما زاد مال العبد في ثمنه بعد الجناية، ينظر، فإن زاد المال نصف ثمنه نظر ما فضل بعد ثمن الجرح، فيكون نصفه للمال ونصفه للرقبة فما كان للرقبة كان للمرتهن وما كان للمال دخل فيه جميع الغرماء، ودخل معهم فيه المرتهن بما بقي له إن بقي له شيء، وكذلك إن زاد المال فيه الثلث أو الربع حسب على هذا.
م وتفسيره أن يجعل ثمن العبد بلا مال خمسين وبالمال مئة، فثمنه للمال نصفه وللرقبة نصفه، ويجعل للجناية أربعين، فيبدأ بها من ثمنه، فيفضل من الثمن ستون،

فنصفها ثلاثون للرقبة، ويكون المرتهن أولى بها، ويبقى ثلاثون حصة المال للغرماء، ويحاصهم فيها المرتهن بما بقي له من دينه إن بقي له شيء، وإن كان ثمنه بالمال خمسة وسبعين، فقد زاد المال ثلث ثمنه، فيأخذ المرتهن منها للجناية أربعين فيبقى خمسة وثلاثون، فثلثيها للرقبة وهو ثلاثة وعشرون وثلث، فيأخذها المرتهن وثلثها إحدى عشر وثلثان حصة المال، يدخلون عليه فيه الغرماء ثم على هذا ونحوه يحسب.
قال ابن المواز: إلا أن يفتديه مرتهنه من الجناية بإذن سيده، فقد روى ابن القاسم عن مالك أنه يتبع سيده بالجناية وبالدين الأول، ويكون ذلك في رقبة العبد، وقاله ابن القاسم وأشهب.
قال أشهب: ولكن لا يكون العبد رهنًا بما افتداه به بأمره، ولا يبدأ مرتهنه بما فداه من دية جنايته إلا أن يشترط ذلك له، يقول له: افده وهو رهن لك بما تفديه به، فيكون رهنًا بهمًا جميعًا، لا يبدأ أحدهما قبل صاحبه.
قال ابن المواز: وهذا أحب إلينا أن لا يكون بما افتداه به رهنًا؛ لأنه سلف منه لسيده إلا أن يشترط ذلك على سيده، ولو افتداه بغير أمره كان ذلك في رقبة العبد كما ذكرنا.
م قال بعض الفقهاء: إذا فداه بإذن سيده، فهو سلف ولا يكون أحق به في القياس على مذهب ابن القاسم.
وفي ظاهر كتاب محمد عن ابن القاسم أنه يكون

أحق به، قال: فإن افتكه بإذن ربه فأرى أن في رقبته الدين وما افتكه به.
وحكي عن أشهب أنه قال: لا يكون أحق بما افتداه به، وهذا خلاف المعروف من مذهبه؛ لأن أشهب يقول: في من أمرته أن يشتري لي سلعة، وينقد عني أنه يحل محل البائع، وله حبس ما اشترى كما كان للبائع حتى يدفع إليه الثمن.
وابن القاسم يجعله سلفًا لا يكون أحق به، قاله في مسألة اللؤلؤ الذي أمره أن يشتريه وينقد عنه، فالعبد ها هنا لما افتكه من المجني عليه حل محله على مذهب أشهب، فيكون أحق به، ولا يكون أحق به على مذهب ابن القاسم، كما قال في مسألة اللؤلؤ.
م فخالف كل واحد منهما أصله.
[فصل 2 - في إقرار الراهن أن جناية العبد وهو عند المرتهن] ومن المدونة: قال ابن القاسم: ولو أقر الراهن أن العبد جنى جناية أو استهلك مالاً وهو عند المرتهن، ولم تقم بذلك بينة، فإن كان الراهن معدمًا لم يصدق، وإن كان مليئًا قيل له أتفديه أو تسلمه؟ فإن فداه بقي رهنًا على حاله، وإن أسلمه لم يكن له ذلك حتى يحل الأجل، فإذا حل ودى الدين ودفع العبد بجنايته التي أقر

بها، فإن فلس قبل الأجل فالمرتهن أحق به من أهل الجناية؛ وليس ذلك كثبوت الجناية ببينة.
م ولو كان أقر أنه جنى قبل أن يرهنه ثم رهنه، فإن رضي بافتدائه بقي رهنًا، وإن قال لا أفتديه ولم أرض بتحمل الجناية، وحلف أنه ما رضي أن يتحمل الجناية، أجبر على إسلامه وتعجيل الدين، كمن أعتق أو أقر به لغيره والدين مما يجوز له تعجيله.
ولو كان الدين عرضًا من بيع ولم يرض من هي له أن يتعجلها ما جاز إقراره على المرتهن كما لو كان معسرًا والدين مما له تعجيله، ويكون المجني عليهم مخيرين، فإن شاؤا أغرموه قيمته يوم رهنه؛ لأنه متعد عليهم، وإن شاؤا صبروا عليه حتى يحل الأجل فيباع، فيتبعوه بثمنه، وانظر إذا عتق العبد والدين عروض من بيع، فقال المرتهن لا أرضى بتعجيله، هل يغرم الراهن قيمته ويوقف رهنًا أو يأتي برهن مثله، أو يبقى رهنًا بحاله، ولا يجوز عتقه لحق المرتهن، وإن كان عبد الملك قد قال في الرهن يستحق، وقد غره أن للراهن أن يأتي برهن مثله، ولا ينقض البيع.
[فصل 3 - فيمن ارتهن عبدين فقتل أحدهما الآخر] وإذا ارتهنت عبدين فقتل أحدهما الآخر، فالباقي رهن بجميع الدين؛ لأن مصيبة العبد المقتول من ربه.

[الباب الثاني عشر]

في ارتهان فضلة الرهن بدين ثان للمرتهن أو لغيره

[الفصل 1 - فيمن أراد أخذ زيادة على حقه ويكون الرهن بها] قال ابن القاسم: وإذا أخذت من رجل رهنًا بدين لك عليه ثم استقرضك دراهم أخرى على ذلك الرهن جاز وكان بالدينين رهنًا.
م وقال أبو حنيفة: لا يكون رهنًا إلا بالدين الأول.
ودليلنا: أنه وثيقة بحق، فإذا كان فيه فضل جاز أن يشتغل بحق أخر مع الأول كالضمين؛ ولأنها زيادة في التراهن كالزيادة في الرهن، فإذا جازت في الرهن جازت في التراهن.
[فصل 2 - في ارتهان فضلة الرهن لدائن آخر] قال مالك: وإن ارتهنت ثوبًا قيمته مائة دينار في خمسين دينارًا ثم رهن رب الثوب فضلته لغيرك لم يجز إلا أن يكون ذلك برضاك فيجوز، وتكون حائزًا للمرتهن الثاني إذا رضيت.
قال ابن القاسم: فإن هلك الثوب بيدك بعدما ارتهن الثاني فضلته وهو مما يغاب عليه، ضمنت منه مبلغ دينك وكنت في الباقي أمينًا ويرجع المرتهن الثاني بدينه على

صاحبه؛ لأن فضلة الرهن على يدي عدل وهو المرتهن الأول.
م وإنما يصح أن لا يضمن الأول منه إلا مبلغ دينه إذا كان قد أحضر الثوب وقت ارتهان الثاني فضلته أو علم بالبينة أنه قائم عنده وإلا كان ضمان الجميع منه، إذ قد يكون تلف الثوب قبل ذلك، ووجب عليه ضمانه، وقاله بعض أصحابنا.
[قال] ابن المواز: وقال أشهب: ضمانه كله من الأول كما لو كان بيد الثاني وغيره المبدأ عليه فضاع، لم يضمنه؛ لأنه رهن للأول، وإنما لهذا فضلة إن كانت، وأما لو رهنه لرجلين فكان على يدي أحدهما لم يضمن الذي هو على يديه إلا نصفه.
م وذكر المسألة في كتاب ابن المواز وفي السؤال.
قال ابن القاسم عن مالك: ومن رهن رهنًا وجعله بيد المرتهن ثم رهن فضلته لآخر فلا يجوز ذلك إلا أن يحوزه الآخر غير من هو على يديه؛ لأن الأول إنما حازه لنفسه فلا يكون رهنًا للآخر، قال ابن القاسم: إلا أن يكون برضا الأول فيجوز، ويبدأ الأول ثم للثاني ما فضل.
وقال أصبغ: من رهن رهنًا وجعله بيد غير المرتهن جاز أن يرهن فضله لآخر، شاء الأول أو أبى إذا علم بذلك الموضوع على يديه كائنًا من كان لتتم حيازته لهما، وقيل عن مالك حتى يرضى الأول ويكون حائزًا للثاني، والقياس ما قلت إذ لا ضرر على الأول، إذ هو مبدأ وقاله أشهب، وقال مثله ابن حبيب عن أصبغ، ولم يذكر في السؤال أن الرهن بيد غير المرتهن الأول.

وقال ابن حبيب: إنما استثنى مالك رضا المرتهن الأول؛ لأنه إذا رضي كان حائزًا للثاني فضلة الرهن، وإذا لم يرض لم يكن حائزًا للثاني فضلة الرهن، وكان في الفضلة أسوة الغرماء وبه أقول.
ومن العتبية وكتاب ابن المواز: وروى أشهب عن مالك فيمن ارتهن من رجل رهنًا بدين له عليه إلى ستة أشهر ثم ابتاع الراهن سلعة من رجل آخر بثمن إلى شهر، وأرهنه فضلة رهن الأول، على أن الأول مبدأ عليه، فحل أجل الآخر قبل محل أجل الأول، فقال مالك: أعَلِم الآخر أن حق الأول إلى ستة أشهر؟ فقيل له: لم يعلم، فقال: أرى أن يباع الرهن فيعجل للأول حقه كله قبل محله، ويعطى للثاني ما فضل في دينه.
[قال] ابن المواز: وقاله أشهب قال: وهذا إن بيع بعين أو بما يقضي بمثله، وحق الأول مثله، فأما إن بيع بعرض، فإن كان مثل الذي عليه أو بيع بدنانير وله عليه دراهم أو بيع بطعام مخالف لما عليه، فإنه يوضع له رهنًا إلى حلول حقه.
وقال سحنون في المجموعة: سواء علم الأول أن حق الثاني يحل قبله أو لم يعلم، فإنه إن بيع بمثل حقه فليعجل له حقه، قال في موضع آخر: إلا أن يكون حقه طعامًا من بيع فيأبى أن يتعجله فذلك له.

وقال ابن القاسم في العتبية: إن حل أجل الثاني فلم يكن في الرهن فضل لم يبع إلا إلى الأجل الأول، وإن كان فيه فضل، بيع الآن، عُجِّل للأول حقه، وأخذ الثاني ما فضل.
قال ابن المواز: ومن رهن رهنًا واشترط الراهن فيه مئة دينار مبدأة، فيموت الراهن أو يفلس، هل لغرمائه أن يبرأوا منه بمئة دينار على المرتهن من ثمن الرهن الذي استثناها الراهن لنفسه، فقال مالك: نعم ذلك لهم، وقال ابن القاسم في العتبية: هذا رهن لا يجوز.

[الباب الثالث عشر]

ما جاء في النفقة على الرهن وعلى ما يصلحه، والقضاء أن نفقة الرهن ومؤنته على الراهن لأنه مالك له وغلته له ولأن من له الغلة عليه النفقة كالبيع الفاسد

[فصل 1 - في نفقة الرهن والضالة] قال مالك رحمه الله: وإذا أنفق المرتهن على الرهن بإذن ربه أو بغير أمره، رجع بما أنفق على الراهن.
قال ابن القاسم: ولا يكون ما أنفق في الرهن إذا أنفق بأمر ربه؛ لأن ذلك سلف إلا أن يقول له أنفق على أن نفقتك في الرهن.

  • قال: فإن قال ذلك رأيتها [له] في الرهن- وله حبسه بما أنفق وبما رهنه فيه، إلا أن يقوم الغرماء على الراهن، فلا يكون المرتهن أحق منهم بفضله عن دينه لأجل نفقته، أذن له في ذلك أو لم يأذن، إلا أن يقول له أنفق والرهن بما أنفقت رهن أيضًا.
    م وفي لفظ هذه المسألة تقديم وتأخير، وترتيبها هو قال ابن القاسم: فلا يكون ما أنفق في الرهن إذا أنفق بأمر ربه؛ لأن ذلك سلف، وله حبسه بما أنفق وبما رهنه فيه إلا أن يقوم الغرماء على الراهن فلا يكون المرتهن أحق منهم بفضله عن دينه لأجل نفقته، إذن له في ذلك أو لم يأذن إلا أن يقول له أنفق على أن نفقتك في

الرهن، أو أنفق والرهن بما أنفقت رهن أيضًا، فذلك سواء ويكون رهنًا بالنفقة، لا فرق بين أن يقول له أنفق على أن نفقتك في الرهن أو أنفق والرهن بما أنفقت رهن أيضًا، وهذا بين.
وقاله بعض فقهائنا القرويين، وذكر ابن شلبون كان يفرق بين ذلك على ظاهر الكتاب.
وليس ذلك بشيء، وعبد الحق ساوى بين اللفظين ويحتج بمسألة كتاب الوكالات في مسألة الذي أمره أن يشتري له وينقد عنه ويحبسه حتى يدفع إليه الثمن.
م وقد جرت المسألة في المجموعة وكتاب ابن المواز على نحو ما فسرنا، ولفظها في الكتابين.
قال ابن القاسم: وإذا أنفق المرتهن على الرهن بأمر ربه أو بغير أمره، فهو سلف ولا يكون في الرهن إلا أن يشترط أنه رهن في النفقة إلا أن له حبسه، بما أنفق وبدينه إلا أن يكون على الراهن دين، فلا يكون أولى بما فضل عن دينه إلا أن يشترط أن ذلك رهن في النفقة.
قال في الكتابين وفي المدونة: وليس كالضالة ينفق عليها فيكون أولى من الغرماء بها في نفقته؛ لأن الضالة لا يقدر على صاحبها ولابد له من أن ينفق عليها، والرهن ليس نفقته على المرتهن ولو شاء طلب راهنه بنفقته، فإن غاب رفع ذلك إلى الإمام.
م فإن قال له الإمام أنفق على أن نفقتك فيه، كان كذلك وكان أحق به من الغرماء حتى يستوفي نفقته ثم دينه.

وقال أشهب: النفقة على الرهن كالنفقة على الضالة، وهو أولى به من الغرماء حتى يستوفي نفقته، فيكون مبدأ فيه.
قال: وليس نفقتك على الرهن في ذمة صاحبه إن أنفقت بغير أمره ولكنها في الرهن إذا بيع ابتداءًا من ثمنه بالنفقة عليه ثم بدينك.
قال: وليس للراهن أن يمنعك أن تنفق على الرهن؛ لأنه يهلك إن كان حيوانًا أو يخرب إن كان ربعًا.
م وهو القياس وقال بعض القرويين في المرتهن ينفق على الرهن والراهن غائب أنه يطلبه بجميع ما أنفق عليه وإن جاوز ثمنه؛ لأن صاحب الرهن قد تركه، وقد علم أنه يحتاج إلى النفقة فهو كالإذن في ذلك، ولا حجة له.
م لعله يريد إن كان في حين النفقة عليه مليئًا، وأما إن كان عديمًا فلا يلزمه نفقته وينفق عليه المرتهن إن أحب ويكون له ذلك في ثمنه مبدأ، وإلا نظر فيه الإمام، فإن كان بيعه خيرًا له باعه وعجل للمرتهن حقه، والله أعلم.
م والقياس عندي أن لا يتبعه بما جاوز ثمنه؛ لأنه لم يأذن له في النفقة عليه على الحقيقة، ولأن من حجته أن يقول كان ينبغي لك إذا بلغت النفقة مقدار ثمنه أن

تدفعه إلى الأمام، فيبيعه في نفقتك ولا تدخل في ذمتي دينًا لم آذن لك فيه.
[فصل 2 - فيمن تلزمه أجرة إصلاح الرهن] قال ابن القاسم في العتبية ونحوه في كتاب محمد: وليس على المرتهن عمل الحائط الرهن ولا مرمة الدار ولا نفقة العبد وكسوته، اشترط أن الغلة رهن أو لم يشترط، ويلزم ذلك الراهن، وليس له أن يدع الرهن يخرب ويبطل حق المرتهن.
قال في العتبية في رواية يحيى بن يحيى: وإذا تهورت بئر النخل الرهن فإصلاحها على الراهن، يجبر على ذلك إن كان له مال، وإن لم يكن له مال نظر، فإن كان بيع بعض الأصل خيرًا له، بيع منه ما يصلح به البئر، وإن تطوع المرتهن بالنفقة في إصلاحها، فإن رأى أن ذلك خير لرب النخل قبل للمرتهن/ أنفق إن شئت وتكون أولى بالنخل حتى تأخذ ما أنفقت ولا ينظر إلى قيمة النفقة ولا قيمة ما يضع من حجر أو غيره، ولكن يحسب له بما أنفق كالسلف.
ومن المدونة: وقال في باب بعد هذا: ومن ارتهن نخلاً ببئرها أو زرعًا أخضر ببئره، فانهارت البئر فأبى الراهن أن يصلح، فأصلحها المرتهن لخوف هلاك الزرع والنخل فلا رجوع له بما أنفق على الراهن، ولكن يكون له ذلك في الزرع، وفي

رقاب النخل يبدأ فيه بنفقته، فما فضل كان في دينه، فإن فضل بعد ذلك شيء كان لربه.
م وينبغي أن يكون أحق بنفقته وبمقدار دينه من الغرماء كافتدائه العبد الرهن إذا جنى.
قال ابن القاسم: وهذا كالمساقي أو مكتري الأرض للزرع سنين ينفق في مثل ذلك، فليس لهم ما زاد على كراء تلك السنة خاصة في الكراء أو على حظ رب النخل من ثمرة السنة في المساقاة- يريد إذا انهارت البئر بعدما سقى أو زرع- وهذا مذكور في كتاب الأكرية.
قال: وإذا خاف الراهن هلاك الزرع وأبى المرتهن أن ينفق فيه، فأخذ مالاً من أجنبي فأنفقه فيه، فالأجنبي أحق بمبلغ نفقته من ثمن الزرع من المرتهن، وما فضل كان للمرتهن، فإن لم يفضل شيء منه رجع المرتهن بدينه على الراهن.
م وذلك إذا شرط أن نفقته فيه، وحكى نحوه بعض أصحابنا عن بعض شيوخه القرويين أنه قال: إنما يكون الأجنبي أحق بمبلغ نفقته في ثمن الزرع إذا قال له تنفق في هذا الزرع ويكون لك رهنًا، وأما إن لم يقل ذلك وأخبره أنه ينفق عليه فلا يكون أحق بذلك؛ لأنه سلف في ذمة الراهن.

[فصل 3 - فيمن ارتهن أرضًا فأخذ السلطان خراجها] ومن المدونة: وإذا ارتهنت أرضًا فأخذ منك السلطان خراجها لم ترجع به على الراهن إلا أن يكون ذلك الخراج حقًا وإلا فلا.
[فصل 4 - في الرهن يحل بيعه وصاحبه بعيد وفي المرتهن يطلب جعلاً على الكراء] ومن العتبية: قال أبو زيد عن ابن القاسم في الرهن يحل بيعه وصاحبه بعيد من السلطان فلا يجد من يُعنى ببيعه إلا بجعل، قال: الجعل على طالب البيع، وروى عيسى وأصبغ مثله، قال عيسى: وما أرى الجعل إلا على الراهن.
وقال مالك في الدار بيد المرتهن يكريها ويلي قبض كرائها ثم يطلب على ذلك أجرًا، فإن كان مثله يؤاجر نفسه في مثل ذلك فذلك له إن طلبه، وأما من مثله يعين فليس ذلك له.

[الباب الرابع عشر]

ما جاء في رهن الأب والوصي

قال ابن القاسم: وللوصي أن يرهن من مال اليتيم رهنًا فيما يبتاع له من كسوة أو طعام، كما يتسلف لليتيم حتى يبيع له بعض متاعه وذلك لازم لليتيم، وللوصي أن يعطي مال اليتيم مضاربة ولا يعجبني أن يعمل به الوصي بنفسه إلا أن يتجر لليتيم فيه أو يقارض له به غيره، وللوصي أن يسلف الأيتام ويرجع عليهم إن كان لهم يوم السلف عرض أو عقار، ثم يبيع ويستوفي حقه، وإن لم يكن لهم يوم السلف مال، فقال الوصي أنا أسلفه، فإن أفاد مالاً رجعت به عليه، لم يكن له ذلك، والنفقة عليه حينئذ على وجه الحسبة ولا يرجع بشيء إن أفاد اليتيم مالاً، وليس للوصي أن يأخذ عروض اليتيم بما أسلفه رهنًا إلا أن يكون تسلف له من غيره مالاً أنفقه عليه ولا يكون أحق بالرهن من الغرماء؛ لأنه حائز من نفسه لنفسه، وهو الغرماء في ذلك أسوة ولا يدفع أحد الوصيين رهنًا من متاع اليتيم إلا بإذن صاحبه، وإن اختلف نظر الإمام في ذلك، وكذلك البيع والنكاح، وإذا رهن الأب من متاع ابنه الصغير في دين على الأب ولم يستدنه للولد لم يجز الرهن؛ لأنه لا يجوز له أخذ مال ولده من غير حاجة، وإنما يجوز بيع الأب عليه على وجه النظر، وكذلك الوصي، ولا بأس أن يشتري الأب أو الوصي لبعض من يليان عليه من بعض.

[الباب الخامس عشر]

جامع مسائل مختلفة من غير الرهن

[ومن المدونة]: قال مالك: ومن زوج أمته وأخذ مهرها قبل البناء فاستهلكه وأعتقها ثم طلقها الزوج قبل البناء ولا مال للسيد، لم يرد عتقها؛ لأن السيد إنما لزمه الدين حين طلق الزوج لا يوم العتق.
وإنما كان يصح هذا الجواب على قول من يراه للزوج إذا طلق فائدة، وأما على قول ابن القاسم أنه شريك للزوجة في نمائه ونقصه، فينبغي أن يرد به العتق؛ لأنه كمال للزوج استهلكه السيد؛ ولأن الزوجة لا تستحقه إلا بعد الدخول ولعله رأى أن الزوج لا قدرة له على رد العتق حين أعتق إذ لا حكم له في الصداق إلا بعد الطلاق، فعد طلاقه بعد ذلك رضا باتباع السيد، وأما مسألة الذي باع له عبده سلعة وقبض الثمن فأتلفه ثم أعتق العبد لو قام يوم العتق لرده، والزوج لو قام حيئنذ لم يرده فافترقا.
قال مالك رحمه الله: وليس للسيد أن يأخذ مهر أمته ويدعها بلا جهاز، ولكن يجهزها به كالحرة.

قال بعض الفقهاء: إن بوأها معه بيتًا وجب عليه تشويرها به، وإن لم يبوءها معه بيتًا لم يجب أن يشورها به.
وقد تقدم هذا في كتاب الصوم، مسألة من قال: لله عليّ أن أصوم شهر متتابعًا، أنه يجزئه به التبييت أول ليلة، ولا يحتاج أن يبيت الصوم كل ليلة.
وفي كتاب الإجارة أن المسلم لا يجوز له أن يؤاجر نفسه في شيء مما حرم الله.
وفي كتاب المديان إذا عزل الورثة دين الغريم واقتسموا ما بقي ثم ضاع ما عزلوا لم يضمنه الغريم ويرجع عليهم فيما قبضوا، ولو عزله القاضي ثم قسم الباقي بين ورثة أو غرماء كان ضياع ذلك من الغريم.

[الباب السادس عشر]

في اشتراط منفعة الرهن وأخذ غلته في دينه

[الفصل 1 - في اشتراط المرتهن منفعة الرهن والحكم فيه إن ضاع] قال مالك رحمه الله: وإذا اشترط المرتهن منفعة الرهن فإن كان الدين من قرض لم يجز ذلك؛ لأنه سلف جر منفعة، وإن كان الدين من بيع، واشترط منفعة الرهن أجلاً مسمى فلا بأس به في الدور والأرضين، وكرهه مالك في الحيوان والثياب وغيرها، إذ لا يدري كيف يرجع إليه.
م وقال ابن القاسم: لا بأس به في الحيوان والثياب وغيرها إذا سمى أجلاً لجواز إجارة هذه الأشياء وهو لا يدري كيف يرجع إليه، وهذا إنما باع سلعته بثمن سماه، ويعمل هذه الدابة ولباس هذا الثوب أجلاً مسمى، فاجتمع بيع وكراء فلا بأس به.
قال ابن المواز: وأجازه أشهب وأصبغ واختلف قول مالك فيه.
م قال بعض الفقهاء: إنما أجازه مالك في الدور لأنها لا تختلف صفتها وقت رجوعها، والثياب والحيوان لا يدري كيف تكون عند انقضاء الإجارة، فصار الرهن غررًا، وهو في أصل البيع، فلم يجز عنده، وعلى هذا لا يجوز رهن الثمرة التي لم

يبد صلاحها، ولا الآبق في أصل عقد البيع، وقد حُكي في كتاب الحمالة أن البيع إذا وقع على حمالة غرر، أنه يفسد عند ابن القاسم ويجوز عند أصبغ، وهذا من ذلك المعنى.
وقد قال في أثر كلام سحنون فيما باع من ذمي سلعة، وارتهن منه خمرًا، فإن هذا لا يفسد البيع، ويرد الخمر إلى الذمي ولو أراد بقاءها بيد النصراني إلى أجل دينه لما يخاف من عدمه فلا أرى له ذلك، فلو غفل عنها حتى تخللت كان أحق بها.
م واختلف فقهاؤنا المتأخرون إذا ضاع هذا الرهن المشترط منفعته وهو مما يغاب عليه، فقيل يضمنه؛ لأنه رهن على حاله وحكم الرهن باق عليه، وقيل لا يضمنه كسائر الأشياء المستأجرة، وقيل ينظر إلى القدر الذي يذهب منه بالإجارة إذا كان ثوبًا، مثل أن يقال إذا استؤجر شهرًا ينقصه الربع فيكون قدر ربعه غير مضمون؛ لأنه مستأجر وثلاثة أرباعه مضمون؛ لأنه مرتهن إذا لم تقم بينة بضياعه، فإن قام بدعوى الضياع حين استأجر سقط عنه ذلك القدر من الإجارة وضمن ثلاثة أرباعه، ونظر ذلك القدر كم هو من الجملة فيرجع بجزء من قيمة الثوب المبيع، وإن لم يقم بدعوى الضياع إلا عند حلول الأجل كان مستوف لجملة ثمن ثوبه ولا يصدق

على مذهب ابن القاسم أن الضياع كان قبل قيامه لأن ابن القاسم يقول: إذا ادعى ضياع الثوب المستأجر حين حل الأجل وأن ضياعه كان قبل ذلك لم يصدق في إسقاط الإجارة ولزمه جميعها إلا أن تقوم له بينة على الضياع أو على التفقد والطلب له، وخالفه في ذلك غيره.
م وهذا هو القياس.
[قال] ابن المواز قال مالك: فإن لم يشترط الانتفاع بالرهن فلا يحل له أن ينتفع بشيء منه وإن كان سلاحًا ونزل به عدو فلا يفعل.
[قال] ابن المواز: ولا ينظر في المصحف ولا كتب العلم إن كانت رهنًا بشرط أو بغير شرط؛ إذ لا يجوز له إجارة ذلك وما سوى ذلك فجائز إذا اشترط ذلك في كل ما تجوز فيه الإجارة إذا كان يعرف وجه النفع به وضرب له أجلاً.
م وأجاز ابن القاسم في كتاب الإجارة إجارة المصحف ليقرأ فيه، فعلى هذا ينبغي أن يجوز اشتراط منفعته في أصل البيع.
وقال في كتاب الرهن: لا بأس برهن المصحف ولا يقرأ فيه وإن لم يشترط في أصل السلف أن يقرأ فيه ثم وسع له رب المصحف أن يقرأ فيه لم يعجبني كان الرهن من بيع أو قرض، وكذلك الثياب والعروض والحيوان لا يجوز له أن يوسع له في الانتفاع به بعد تمام البيع حين يرهنه ذلك ولا بعد ذلك.

جارٍ التحميل