أمكنه.
قال مالك: وتجزيء النعل الواحدة في التقليد، والنعلان أحب لينا.
قال مالك: ويفعل حبل القلائد فتلاً، وأحب إلينا أن يكون مما تنبت الأرض، وإنما يفعل لئلا ينقطع، وقالت عائشة رضي الله عنها: كنت أفتل لرسول الله صلى الله عليه وسلم قلائد هديه.
قال مالك: ولا تجلل بالمخلق، فأما غير ذلك من الألوان فخفيف، والبياض أحب إلينا.
قال ابن حبيب: وذلك يقدر السعة، فمنهم من يجلل بالوشي، وبالحير، وبالمشطب، والقباطي، والأنماط، وبالملاحف وبالأزر.
ابن المواز: قال مالك: وأحب إلينا شق الجلال عن الأسمنة إن كان قليل الثمن كالدرهمين ونحوها؛ لأنه يحبسه عن أن يسقط وأن لا تشق المرتفعة استبقاء لها.
قال أبو الحسن ابن القابسي: يشق في الجلال عن موضع الإشعار، ويظهر على الجل من الدم، وإن كان الجل رفيعا ترك شقه فهو أنفع للفقراء.
قال ابن المواز: وذكر ابن نافع أن ابن عمر كان يعقد أطراف الجلال على أنابها من البول ثم ينزعها قبل أن يصيبها الدم فيتصدق بها.
قال ابن المبارك: كان ابن عمر يجللها بذي الحليفة فإذا أمسى ليله نزعه، فإذا قرب من الحرم جللها، وإذا خرج إلى منى جللها، فإذا كان حين النحر نزعه.
[الباب: الرابع]
في إحرام المغمى عليه، ورفض الإحرام، ولباس المحرم وإدهانه ومالا يغطيه من بدنه.
ونهى الرسول صلى الله عليه وسلم المحرم عن لباس العمائم، ومخيط الثياب، والبرانس، والسراويلات، والخفاف، وما مسه ورس أو زعفران، وأرخص لمن لم يجد نعلين قطع الخفين أسفل من الكعبين ولبسهما.
وقال صلى الله عليه وسلم: "رفع القلم عن ثلاثة فذكر: المغمى عليه حتى يفيق".
[فصل 1 - في إحرام المغمى عليه، ووقوفه بعرفة]
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ومن أتى الميقات مغمى عليه فأحرم عنه أصحابه بحجة أو عمرة أو قران وتمادوا، فإن أفاق فأحرم بمثل ما أحرموا به عنه أو بغيره، ثم أدرك فوقف بعرفة مع الناس أو بعدهم قبل طلوع الفجر من ليلة النحر أجزأه حجه،
وأرجو أن لا يكون عليه دم لترك الميقات، وأن يكون معذورا، وليس ما أحرم عنه أصحابه بشيء، وإنما الإحرام ما أحرم هو به إن نواه، فإن لم يفق حتى طلع الفجر من ليلة النحر وقد وقف به أصحابه لم يجزئه حجه.
م: لأن الإحرام هو الاعتقاد بالقلب للدخول في الحج أو العمرة، والاعتقادات والنيات لا ينوب فيها أحد عن أحد، والمغمى عليه لا تصح منه نية ولا تنعقد عليه عبادة؛ لأنه غير مخاطب بها في حال إغمائه، ولا خلاف في ذلك.
قال في الثاني: ولو أحرم بالحج، ثم أغمي عليه فوقف به أصحاب بعرفة أو المزدلفة مغمى عليه أجرأه، ولا دم عليه.
ابن المواز: وقال أشهب: لا يجزئه ويفوته الحج إن لم يفق فيقف قبل طلوع الفجر.
م: فوجه قول ابن القاسم: فلأنه قد أحرم بالحج وانعقد عليه ودخل فيه ومضى منه صدر فهو كالصائم يغمى عليه يعد الفجر وقد مضى صدر من النهار.
ووجه قول أشهب: أن الوقوف بعرفة ركن قائم بنفسه، فإذا أغمي عليه قبله فلم يفق حتى طلع الفجر فهو كمن أغمي عليه في الصوم قبل الفجر فلم يفق إلا بعدها.
وهذا أقيس.
وفي الثاني: إيعاب هذا.
فصل: [3 - في رفض الإحرام]
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإذا نوى الحاج أو المعتمر رفض إحرامه فلا شيء عليه وهو على إحرامه، وما رأيت مالكا ولا غيره يعرف الرفض.
فصل [3 - ما يلبس المحرم من الثياب]
قال مالك: ولا بأس أن يحرم في ثوب / غير جديد وإن لم يغسله، وعندي ثوب قد أحرمت فيه حججا ما غسلته.
قال ابن حبيب: ويستحب أن يحرم في ثوبين أبيضين يأتزر بأحدهما ويرتدي بالآخر.
قال الأبهري، وغيره: وإنما ذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "خير ثيابكم البياض، فليلبسها أحياؤكم، وكفنوا فيها موتاكم".
ومن المدونة: وكره مالك للرجال والنساء أن يحرموا في الثوب المعصفر المقدم؛ لأنه ينتفض، وكرهه للرجال في غير الإحرام، ولا بأس أن يخدم الرجل في
البركانات، والطيالسة الكحلية، وفي عصب اليمن، وجميع ألوان الثياب إلا المعصفر المفدم الذي ينتفض، وما صبع بالورث والزعفران للنهي عن ذلك، فكرهه مالك، ولم يكره شيئا من الصبغ غيره، وكذلك إن غسل الذي صبغ بورس أو زعفران فقد كرهه أيضاً إلا أن يذهب لونه كله، فلا بأس به، وإذا لم يخرج لونه، ولم يجد غيره صبغة بالمشق وأحرم فيه، وأما المعصفر إذا غسل وبقي فيه أثر لونه فجائز للمحرم؛ لأنه يصير مورداً.
قال ابن القاسم: ولم يكن مالك يرى بالمشق والمورد بأساً.
قال ابن القاسم: ولا بأس بالإحرام في الثياب الهروية إن كان صبغها بغير الزعفران، وإن كانت بالزعفران فلا يصلح.
قال مالك: ولا يحرم في ثوب علق فيه ريح المسك حتى يذهب ريحه بغسل أو نشر، وإن أحرم فيه قبل أن يذهب ريحه فلا فدية عليه.
قال أشهب: إلا أن يكثر فيصير كالطيب.
م: وإنما كرهت هذه الثياب التي ذكرنا؛ لأنها تدعو المحرم إلى النساء والنكاح الذي يفسد الإحرام كما كره لبس ذلك والتطيب للمعتدة؛ لأنه داعية إلى النكاح.
قال مالك: وأكره للرجل الحلال أن يلبس الثوب الخز لموضوع الحرير، وكره لبس الحرير والذهب للصبيان الذكور كما كرهه للرجال.
قال ابن القاسم:
وأرجو أن يكون الخز للصبيان خفيفا.
فصل [4 - إذا لم يجد المحرم نعلين جاز له لبس الخفين]
قال مالك: وإذا لم يجد المحرم نعلين وهو ملي جاز له لبس الخفين إذا قطعهما أسفل الكعبين كما جاء في الحديث، ولا فدية عليه.
قال مالك: وإذا وجد نعلين فليشترهما وإن زيد عليه في الثمن يسيراً.
م: يريد: فإن لم يشترهما حينئذ ولب خفين قطعهما أسفل من الكعبين فليفتد؛ لأنه كالواجد للنعلين.
قال مالك: وأما ما تفاحش من الثمن فما عليه أن يشتريهما، وأرجو أن يكون في سعة.
وقال ابن حبيب: إنما أرخص في قطع الخفين في قلة النعال، فأما اليوم فقد كثرت ولا تعدم، فلا رخصة في ذلك اليوم، ومن فعله افتدى.
وقال ابن الماجشون.
م: والصواب أن لا فدية عليه؛ لأن له لبس الخفين وقطعهما أسفل من الكعبين إذا لم يجد النعلين كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم.
وقول ابن حبيب هذا خلاف لمالك.
فصل [5 - في الإدهان قبل الإحرام]
ومن المدونة: قال مالك: ويدهن الرجل عند الإحرام وبعد حلاقه رأسه بالزيت وشبهه وبالبان السمح وهو غير المطيب، وأما كل شيء يبقى ريحه فلا يعجبني، ولا يدهن بشيء من ذلك بعد الإحرام، فإن فعل افتدى.
قال ابن المواز: قال مالك: ولا بأس أن تمتشط المرأة قبل إحرامها بالحناء وبما لا
طيب فيه، ثم يحرم، ولا تجعل في رأسها زاوقا، فإن فعلت افتدت وإن جعلته قبل الإحرام.
م: لأنه يقتل القمل.
قال في المجموعة: ولا يجعل الرجل في رأسه عند الإحرام قبل أن يحرم خلاً للأقرحة وأخاف أن يقتل القمل.
قيل: به إليه ضرورة أفيجعله ويفتدي؟ قال: لا يجعله وليصير حتى يحل أحب إلينا.
قال مالك: ولا بأس أن يقص شاربه ويقلم أظفاره ويتنور عندما يريد أن يحرم، وأما شعر رأسه فأحب إلي أن يعفى ويوفر للشعث.
قال في كتاب ابن المواز: ولا بأس أن يلبده قبل أن يحرم /، وفعله النبي صلى الله عليه وسلم قبل الإحرام خرج إلى مكة.
والتلبيد: أن يأخذ غاسولاً وصمغاً فيجعله في الشعر ويضفره فليلصق فيقتل قمله، ولا يشعث.
ومن لبد، أو عقص، أو ضفر، أو ربط شعره قبل أن يحرم من الرجال فلابد له من الحلاق، ومن فعل ذلك من النساء فليس عليها إلا التقصير.
قال في المجموعة: وللرجل أن يكتحل قبل أن يحرم.
قال ابن المواز: وإن كان في عنقه كتاب فلينزعه قبل أن يحرم، فإن اضطر إليه فليتركه ويفتدي.
وإذا انتفض على المرحمة شعر رأسها فلا بأس أن تعقده.
فصل [6 - إحرام الرجل في وجهه ورأسه، وإحرام المرأة في وجهها ويديها].
ومن المدونة: قال مالك: وإحرام الرجل في وجهه ورأسه، فإن غطى وجهه ورأسه حتى طال ذلك افتدى.
قال بعض البغداديين: ولا خلاف في الرأس.
والأصل فيه: نهيه صلى الله عليه وسلم للمحرم عن لباس العمائم والبرانس واتصل العمل بذلك.
قال: وأما الوجه: فقال ابن القاسم: لا فدية عليه.
ومن أصحابنا من يقول: يتخرج على روايتين.
وقال الشافعي: ليس عليه كشف وجهه.
ودليلنا قوله صلى الله عليه وسلم: "المحرم أشعث أغبر"، فجعل من وصفه ذلك، فاقتضى نفي ما أخرجه من هذا المعنى، والوجه أخص بذلك من سائر الأعضاء، وقياسا على المرأة، وإن كان ذلك على المرأة واجباً فالرجل أحرى.
ومن المدونة: قال مالك: وإحرام المرأة في وجهها ويديها، والذقن هما فيه سواء لا بأس بتغطيته لهما.
قال غيره: والأصل في ذلك: قوله صلى الله عليه وسلم: "إحرام المرأة في وجهها"، ونهيه النساء عن لبس النقاب في الإحرام.
فإذا ثبت ذلك لم يجز لها تغطية وجهها، إلا أن يكون هناك جمال يخاف فيه الفتنة فيجوز لها أن تسدل الثوب عليه بقدر ما يزول عنها ما يخاف من نظر من ينظر إليها.
وأما اليدان فيلزمهما كشفهما إلى الكوعين، خلافاً لأبي حنيفة، لنهيه صلى الله عليه وسلم ن لبس القفازين؛ لأنه عضو ليس بعورة منها فوجب أن يتعلق به حكم الإحرام في
التغطية أصله الوجه.
ومن المدونة: ويكره للمحرم أن يغطي ما فوق ذقنه، فإن فعل فلا شيء عليه، لما جاء فيه عن عثمان أنه غطى بعض وجهه ما دون عينيه وتطاول.
وفي الثالث: إيعاب هذا.
وقد تقدم أن المحرم يرفع صوته بالتلبية ولا يسرف، ولا يرفع صوته بها في شيء من المساجد إلا المسجد الحرام، ومسجد منى، وترفع المرأة صوتها قدر ما تسمع نفسها.
[الباب: الخامس]
جامع ما جاء في قطع التلبية للحاج والمعتمر
قال مالك: وإذا دخل المحرم المسجد الحرام أول ما يدخل وهو مفرد بالحج أو قارن فلا يلبي، ويقطع التلبية من حين يبتدئ الطواف الأول بالبيت إلى أن يفرغ من سعيه بين الصفا والمروة، وهذا المستحب له.
م: وروي مثل ذلك عن الصحابة.
قال مالك: فإن لبى حول البيت، أو في السعي بين الصفا المروة لم أر ذلك ضيقاً ورأيته في سعة.
قال مالك: وإذا فرغ من سعيه عاد إلى التلبية فلا يقطعها حتى يروح يوم عرفة إلى المسجد.
قال ابن القاسم: يريد: إذا زالت الشمس وراح يريد الصلاة قطع التلبية.
وثبت مالك عن هذا، وعلمنا أنه رأيه؛ لأنه قال: لا يلبي الإمام يوم عرفة على المنبر، ويكبر بين ظهراني خطبته، ولم يؤقت في تكبيره وقتاً، وكان يقول: يقطع التلبية إذا راح إلى الموقف،
وكان يقول: يقطع إذا زاغت الشمس، ثم رجع على ما ذكرنا.
قال ابن القاسم: وإذا قطع التلبية فلا بأس أن يكبر.
قال بعض البغداديين: إنما استحب مالك قطع التلبية بعد الزوال يوم عرفة، خلافاً لأبي حنيفة، والشافعي في أنه يقطع عند رمي الجمرة؛ لأنه ما قلناه إجماع الصحابة، روي عن الخلفاء الأربعة، وابن عمر، وعائشة، وذكر مالك أنه إجماع أهل المدينة؛ ولأن التلبية إجابة للنداء / بالحج الذي دعي إليه، فإذا انتهى فقد أتى بما لزمه ولا معنى لاستدامتها.
ومن المدونة: ومن اعتمر من ميقاته قطع التلبية إذا دخل الحرم، ثم لا يعاودها.
قال ابن القاسم: وكذلك من أتى وقد وفاته الحج أو أحصر بمرض حتى فاته يقطع
التلبية إذا دخل أوائل الحرم؛ لأن عملهم صار عمل العمرة.
قال مالك: ولا يحل المحصر بمرض من إحرامه إلا البيت وإن تطاول ذلك به سنين.
قال: والذي يحرم بعمرة من غير ميقاته مثل الجعرانة والتنعيم يقطع إذا دخل بيوت مكة أو المسجد الحرام، كل ذلك واسع.
وفي رواية الأبهري: يقطع المعتمر من ميقاته إذا دخل أوائل الحرم.
والمعتمر من الجعرانة إذا دخل بيوت مكة؛ لأن مدته أقصر من ذلك.
ومن التنعيم إذا دخل المسجد؛ لأن مدته أقصر منهما، وكل ذلك واسع، وقد روى عن ابن عمر أنه كان يفعل نحو هذا فاستحسنه مالك وأخذ به.
ومن المدونة: وحكم من جامع في حجة فاسدة في قطع التلبية، وغيرها، حكم من لم يفسده.
وأهل مكة في التلبية كغيرهم من الناس.
وقد تقدم أن الحاج والقارن يلبي في المسجد الحرام، وأن مالكا كره أن يلبى في المسجد الحرام، وأن مالكاً كره أن يلبى من لا يريد الحج، ورآه خرفا لمن فعله.
[الباب السادس]
في إفراد الحج، والقران، والتمتع، وإرداف الحج على العمرة.
قد تقدم أن الإفراد أن يحرم بحجة فيقول: لبيك بحجة، والقرآن، أن يقول: لبيك بعمرة وحجة، وتجزئة النية في ذلك كله وإن لم يسم.
قال ابن القاسم: والتمتع: أن يهل بعمرة في أشهر الحج، فإذا حل منها أقام بمكة متمتعاً بالنساء والثياب والطيب وغير ذلك مما يجتنبه المحرم، ثم يحج من عامه، ولذلك سمي متمتعاً.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: والإفراد بالحج أحب إلى مالك من القرآن والتمتع، وأجاز الشاة في دم القرآن على تكره، يقول: إن لم يجد.
واستحب فيما استيسر من الهدي: قول ابن عمر البقرة دون البعير.
قال ابن المواز: والتمتع، والقرآن، والإفراد، كل ذلك واسع، والإفراد أفضل.
قال عبد الملك: وقد اختلف في حجة الرسول الله صلى الله عليه وسلم وأحق أن يكون أولى ذلك وأصحه الإفراد؛ لأنه أسلم، ولا هدي فيه، ولا يكون الهدي إلا ليجبر به النقص،
والعبادة التي لا نقص فيها أفضل، وقد اختار ذلك الأئمة، وأمتثله أهل الخبرة بالنبي صلى الله عليه وسلم، وجاء أن عائشة أفردت، وذكرت أن النبي صلى الله عليه وسلم أفرد، وهي منه بموضع الخبرة الأكيدة ليلاً ونهاراً وسراً وعلانية، وأفرد أبو بكر سنة تسع، وأفرد عتاب بن أسيد سنة ثمان، وهو أول حج قام للمسلمين، وأفرد عبد الرحمن عام الردة،
وأفرد الصديق السنة الثانية، وأفرد عمر عشر سنين، وأفرد عثمان ثلاث عشرة سنة، واتصل العمل به بالمدينة من الأئمة والولاة ومن علمائهم وعامتهم، فأين المعدل عن هذا؟.
م: فكذلك ذكر ابن حبيب عن عبد الله في جميع هذا، واعتذر فيما وقع من اختلاف الرواية في حجة النبي صلى الله عليه وسلم.
قال أبو جعفر في كتابه: الناسخ والمنسوخ: أحسن ما قيل في ذلك: أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل بعمرة فقال من رآه: تمتع، ثم أهل بحجة، فقال من رآه أفرد، ثم قال: "لبيك بحجة وعمرة"، فقال من سمعه: قرن، فاتفقت الأحاديث.
م: قال عبد الوهاب: الأفراد أفضل، ثم التمتع، ثم القران.
وذهب أو حنيفة إلى أن القران، والتمتع أفضل من الإفراد.
وذهب الشافعي إلى أن التمتع أفضل.
واحتج أبو محمد: عبد الوهاب بنحو ما تقدم لعبد الملك، قال: وإنما قلنا إن التمتع أفضل من القرآن؛ لأنه يأتي بالعملين مفردين على تمامهما.
وروى أشهب عن مالك في المجموعة أنه قال: أما من قدم مراهقا للحج فالإفراد أحب إلي، وأما من قدم وبينه وبين الحج طول زمان يشتد عليه فيه الإحرام ويخاف على صاحبه قلة الصبر فالتمتع أحب إلي، وأما من أتى موافياً ولم يشأ الإفراد فالقران له أحب إلي من التمتع.
فصل [1 - في إرداف العمرة على الحج، أو إرداف حج على حج].
ومن المدونة: وكره مالك لمن أحرم بالحج أن يضيف إليه عمرة أو حجة، فإن أردف ذلك أول دخوله مكة أو بعرفة أو في أيام التشريق فقد أساء وليتمادوا على حجه، ولا يلزمه شيء مما أردف ولا قضاؤه ولا دم قران.
م: وإنما لم ترتدف عمرة على حج، ولا حج على حج؛ لأنه لا يستفيد بهذا الإرداف زيادة فعل على ما كان لزمه بالإحرام الأول، فهو بخلاف من أردف حجا على عمرة؛ لأنه بهذا الإرداف ألزم نفسه زيادة عمل الحج على عمل العمرة، وهذا الإرداف جائز، وفعله السلف، ويكون بذلك قارناً.
فصار القران على وجهين: إما أن يبتدي في الإحرام بالعمرة والحج معاً في حال واحد ينوي بقلبه أنه دخل فيهما مقدما للعمرة في نيته، أو يكون إنما ابتدأ الإحرام بالعمرة، ثم أضاف إليها الحج قبل طوافه، فيكون أيضاً قارناً.
[فصل 3 - في وقت إرداف الحج على العمرة]
ومن المدونة: قال مالك: ومن أحرم بعمرة فله أن يضيف إليها الحج، ويصير قارناً ما لم يطف بالبيت، فإذا طاف ولم يركع كره له أن يردف الحج، فإن فعل لزمه صار قارناً، وعليه دم القران، ويتم طوافه بالركوع ولا يسعى.
ابن المواز: وقال أشهب، وابن عبد الحكم: لو طاف ولو شوطاً أتم عمرته، ولم يلزمه الحج الذي أردفه إلا أن يشاء.
م: فوجه رواية ابن القاسم عن مالك: فلأن الطواف ما لم يكمل بالركوع لم يتقرر حكمه، ولم يأت بركن من أركان العمرة على كماله، فلم يمنعه ذلك من إضافة الحج إليها، كالذي أحرم بها ولم يطف.
ووجه قول أشهب: هو أن شروعه في الطواف يقتضي تمامه على ما دخل فيه، فليس له نقله إلى غيره؛ ولأن في ذلك نقصاً لما أوجبه على نفسه مما لزمه إكماله، وذلك غير جائز، ويفارق الطواف الإحرام: أن الإحرام ابتداءً يراد لما بعده، وإذا لم يشرع في مقصوده وسع له أن يقصِر إرادته على ما هو أكمل مما كان عقده على نفسه.
ومن المدونة: قال مالك: وإن أردف الحج بعد أن طاف وركع ولم يسع أو سعى بعض السعي وهو من أهل مكة أو غيرها كره له ذلك، فإن فعل فليمضِ على سعيه، ثم يحل، ثم يستأنف الحج.
قال يحي بن عمر: إن شاء.
قال عبد الوهاب: وإنما قال ذلك: لأنه لما تم طوافه بالركوع حصل له ركن كامل كم العمرة فلزمه تمامها بالسعي على حسب ما عقد على نفسه له نقل ذلك إلى غيره، فهو بخلاف ما لم يركع؛ لأن الركوع باتصاله للطواف ومنع تراخيه عنه كأنه جزء منه، وليس كذلك السعي؛ لأن له حكم نفسه في الوجوب؛ لأنه ركن، فهو مساوٍ للطواف غير تابع له.
[فصل 3 - المحرم بالعمرة إذا أحرم بالحج بعد سعيها صح إحرامه، ويحرم عليه الحلق، ويلزمه هدي لتأخير حلاق العمرة]
قال مالك: وإن أردف الحج بعد تمام سعيه قبل أن يحلق لزمه الحج ولم يكن قارناً، ويؤخر حلاق رأسه، ولا يطف بالبيت ولا يسعى حتى يرجع من منى، إلا أن شاء أن يطوف تطوعاً، ولا يسع، ولا دم قران عليه، وعليه دم تأخير الحلاق في عمرته كان مكياً أو غير مكي؛ لأنه لما أحرم بالحج لم يقدر على الحِلاق، ولا دم عليه/ لتمتعه إلا أن يحلَّ من عمرته في أشهر الحج فيلزمه الدم إن كان غير مكي، وإن كان مكياً لم يلزمه غير دم تأخير الحلاق فقط.
م: فصار إرداف الحج على العمرة عند ابن القاسم على أربعة أوجه: فوجهان أحدهما جائز، والثاني مكروه، ويكون فيهما قارناً، وهو أن يردف الحج قبل الطواف، فهذا جائز، أو يردفه بعد الطواف وقبل الركوع، فهذا مكروه، وهو فيهما قارن.
ووجهان أحدهما جائز، والثاني مكروه، وهو قارن، وهو أن يردفه
بعد الطواف والسعي، فهذا جائز، أو يردفه بعد الطواف والركوع وقبل السعي، فهذا مكروه، وهو فيهما غير قارن، وعليه دم تأخير الحلاق.
م: قال بعض أصحابنا: فإن تعدى هذا لزمه تأخير الحلاق فحلق، فظهر لي أنه لا يسقط عنه دم تأخير الحلاق؛ لأنه نقص لزمه، كمن تعدى ميقاته، ثم أحرم بالحج فلزمه دم التعدي، فلا يسقطه عنه رجوعه إلى الميقات.
ويلزمه مع دم تأخير الحلاق الفدية؛ لأنه محرم حلق رأسه.
وقال بعض أصحابنا: يتخرج هذا على روايتين؛ كقولهم فيمن قام في صلاته من اثنين قبل أن يجلس فلما استوى قائماً رجع فجلس، فقال ابن القاسم: يسجد بعد السلام، وقال أشهب: قبل السلام، فعلى قول أشهب الذي رأى أن النقص ترتب عليه يجب أن لا يسقط عنه دم تأخير الحلاق، وعلى قول ابن القاسم الذي يرى أن ما جرى من فعله زيادة يجب أن يسقط عنه دم تأخير الحلاق، وإنما يجب عليه الفدية.
ومن المدونة: قال مالك: ويُقلّد هدى تأخير الحلاق ويشعر ويقف به بعرفة من هدي تمتعه، فإن لم يقف به بعرفة لم يجزه إن اشتراه من الحم إلا أن يخرجه إلى الحل فيسوقه منه إلى مكة، ويصير منحره بمكة.
وليس على من حلق أذى أن يقف بهديه بعرفة؛ لأنه نُسك.
[فصل 4 - في الإحرام بالعمرة أو القران من داخل الحرم]
قال مالك: ولا يحرم أحد بالعمرة أو يقرن من داخل الحرم.
قال أبو بكر الأبهري: وإنما لم يصلح أن يبدأ بالعمرة من داخل الحرم؛ لأن الطوف الذي هو في الإحرام سبيله أن يجمع له الحل والحرم، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم، وقاله ابن عباس.
فأما الإحرام بالحج فإنه يجوز من مكة من قِبَل أن الحج لابد فيه من الجمع بين الحل والحرم؛ لأنه لابد له من الخروج إلى عرفة لا يصح حجه إلا بذلك، وعرفة هي في الحل، فلذلك جاز أن يحرم بالحج من الحرم.
قال سحنون: وكذلك إن قرن من اخل الحرم ليس عليه أن يخرج إلى الحل؛ لأنه خارج إلى عرفة، وعرفة في الحل، فقد جمع في إحرامه هذا بين حل وحرم.
م: ووجه قول مالك: أنه لا يقرن من داخل الحرم: لأنه محرم مع حجة بعمرة فوجب أن يكون من الحل، أصله إذا انفردت العمرة؛ ولأن تقدير القران دخول الحج على العمرة، وأن يكون المبدأ بها فغلب حكمها عند فعل الإحرام.
م: وقول سحنون أقيس.
قال: في كتاب ابن المواز: وإذا أحرم بعمرة من الحرم فلم يذكر إلا في طوافه فليتم طوافه ويخرج إلى الحل ويدخل منه.
محمد: يريد: ويبتدي.
وإن لم يذكر حتى أتم عمرته وحلق فليس ذلك بإحلال، ولابد أن يخرج إلى الحل ويدخل منه ويأتنف عمل العمرة ثانية ويمر الموس على رأسه، ولا شيء عليه في حلاقه الأول.
قال أبو محمد: وهذه أراها لأشهب، وهي في أمهات أشهب نصاً، إلا أن في كتابه: أن عليه الفدية في حلقه الأول، هكذا رأيت في أمهات يحيى بن عمر، وغيرها، وهو الصواب، وأراها وقعت في كتاب ابن المواز غلطاً.
ومن المدونة: قال مال: وإذا أحرم مكي بعمرة من مكة ثم أضاف إليها حجة لزماه وصار قارناً ويخرج إلى الحل؛ لأن الحرم ليس بميقات للمعتمرين، وليس عليه دم
القرآن؛ لأنه مكي.
قال: وهو إن أحرم بحجة ما بعدما سعى بين الصفا والمروة لعمرته وقد كان خرج إلى الحلّ فليس بقارن؛ لأنه أردف الحج بعد تمام عمرته، وعليه دم تأخير الحلاق والملكي وغيره في هذا سواء.
قال أبو محمد: قوله: وقد كان خرج إلى الحل معناه: أنه خرج إليه بعدما أحرم بالعمرة وقبل أن يطوف لها ويسعى، وأما إن لم يخرج إلى الحل حتى فرغ من سعيه وأحرم بالحج فهاهنا يلزمه الحج، ويصير قارناً، ويخرج إلى الحل.
م:/ لأنه لما أردف الحج قبل خروجه إلى الحل لعمرته فقد أردفه قبل تمامها فصار قارناً؛ لأن سنة العمرة أن يجمع فيها بين الحل والحرم ثم يطوف ويركع ويسعى.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ولو دخل مكي بعمرة فأضاف الحج، ثم أُحْصِر بمرض حتى فاته الحج؛ فإنه يخرج إلى الحلّ، ثم يرجع ثم يطوف ويحل، ويقضي الحج والعمرة قابلاً قارناً.
قال ابن المواز: قال مالك: ولا أحب لأهل مكة أن يقرنوا، وما سمعت مكياً قرن، فإن فعل فلا هدي عليه لقرانه كمتعته.
[الباب السابع]
بقية القول في المتمتع والقارن وما يلزمهما من هدي أو عمل
قال الله سبحانه: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ على قوله ﴿حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ وكان للقارن حكمه بالسنة؛ لأن القارن يطوف ويسعى للحج والعمرة معاً مرة واحدة، فجبر ذلك بالهدي، ودخل مدخلهما في وجوب الهدي: كل من انثلم من حجه شيء.
[فصل 1 - صفة التمتع]
والمتمتع: من اعتمر في أشهر الحج فحلّ من عمرته، ثم حج من عامه قبل الرجوع إلى أفقه أو إلى أفق مثله في البعد من سائر البلدان، إلا أهل مكة وذي طوى وهي منها، كما استثنى الله تعالى.
قال غير ابن القاسم: وذلك أن غير المكي كان حقه أن يأتي بالحج في سفر
وبالعمرة في سفر ثان، فلما تمتع بإسقاط أحد السفرين أوجب الله عليه الهدي، والمكي فلم يسقط سفراً فيلزمه الهدي.
م: وأنكر بعض القرويين اعتلالهم بإسقاط أحد السفرين، وقال: يلزم على قولهم: أن من اعتمر في غير أشهر الحج، ثم حج من عامه أن يكون متمتعاً؛ لأنه أسقط أحد السفرين، وهذا خلاف الإجماع.
قال: وإنما سمي متمتعاً لإحلاله بين حجه وعمرته.
م: وما احتج به هذا القروي لا يلزم؛ لأنه إنما يراعى إسقاط أحد السفرين في أشهر الحج، ولو لزم ذلك في اعتماره في غير أشهر الحج لعكس الجواب عليه، فيقال له: أرأيت لو حل من عمرته في غير أشهر الحج أليس هذا قد حل بين حجه وعمرته؟ فيلزم على قوله أن يكون متمتعاً.
م: فصح إنما المراعاة بإسقاط أحد السفرين في أشهر الحج، ويصح أن يقال: إنما سمي متمتعاً؛ لأنه تمتع بإحلاله بين حجه وعمرته في أشهر الحج؛ لأن المستحب له إذا كان مريداً للحج ودخلت عليه أشهر الحج ألا يدخل بعمرة وأن يفرد كالثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أفرد، فإذا اعتمر وحل من عمرته في أشهر الحج فقد تمتع بذلك الإحلال، وحل له الحلاق ولباس المخيط ووطء النساء والطيب، فإذا حج من عامه لزمه الدم، كما قال الله تعالى، فإذا قال: أنا أحج حجاً لا تمتع فيه وأرجع إلى أفقي أو إلى مثله،
قلنا له: قد سقط عنك دم التمتع، وقد روي ذلك عن عمر، ولا مخالف له من الصحابة، ولأنك أتيت بحج لا تمتع فيهن وهذا كما حنث في مشي إلى مكة، فمشى فعجز فركب في الطريق أنه يرجع ثانية حتى يمشي ما ركب ويهدي، فإن رجع ومشي كل الطريق لم يكن عليه هدي، فكذلك هذا إذا رجع وأتى بحج لا تمتع فيه سقط عنه الدم.
وبالله التوفيق.
وذكر ابن الكاتب في مناسكه في المتمتع إذا مات قبل أن يرمي جمرة العقبة، قال: قال مالك: لا دم عليه.
وقال بعض أصحابنا: عليه الدم.
قال: فوجه قول مالك: أن المحرم حكمه قبل أن يرمي جمرة العقبة باقٍ في كل ما نهي المحرم عنه، وبقي عليه مع ذلك طواف الإفاضة، وهو فرض إجماعاً، فصار بذلك غير مستكمل لحجته، وإنما أوجب الله عز وجل الدم على من تمتع بالعمرة إلى الحج، وحج هذا غير متكامل.
قال: ولا يكون متمتعاً من اعتمر بعد حجه في باقي ذي الحجة لأنه لم يتمتع بالعمرة إلى الحج، وقد اعتمرت عائشة ليلة الحصبة بعد حجها بأمر النبي صلى الله عليه وسلم، ولم
يوجب ذلك عليها شيئاً.
[فصل 3 - صفة القران]
والقارن: من أحرم بعمرة وحجة معاً، أو بعمرة ثم أردف الحج/ قبل أن يطوف ويركع، وطوافه لهما طواف واحد وسعي واحد، فلذلك جبره بالهدي، فكان الإفراد أفضل.
وقال أبو حنيفة: على القارن طوافان وسعيان، وإن أصاب صيداً، أو ما يلزمه به فدية، فجزاءان وفديتان.
ودليلنا: قوله صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها: "يكفيك طوافك بالبيت وسعيك بين الصفا والمروة لحجتك وعمرتك".
وروى إسماعيل بن إسحاق القاضي: "يجزئك"، وهذا نص.
والدليل أن عليه في قتل الصيد جزاءً واحداً: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾، ولم يفرق بين أن يكون قارناً أو مفرداً؛ ولأنهما حُرمتان لو انفردت كل واحدة بقتل الصيد فيها لزمه جزاء، فإذا اجتمعا كفاه فما جزاء واحد، أصله المحرم إذا قتل صيداً في الحرم، وهي حجتنا على أنه لا يلزمه إلا فدية واحدة فيما فيه الفدية وهدي لفساده، خلافاً له في ذلك كله.
ومن المدونة: قال مالك: ومن دخل مكة قارناً فطاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة في غير أشهر الحج ثم حج من عامه فعليه دم القران، ولا يكون طوافه حين دخل مكة لعمرته لكن لهما جميعاً، ولا يحل من واحدة منهما دون الأخرى حتى يتم حجه من عامه؛ لأنه لو جامع فيهما قضى قارناً.
وليس على أهل مكة: القرية بعينها أو أهل ذي طوى إذا قرنوا أو تمتعوا دم قران ولا متعة، أحرموا من الميقات أو غيره، لكنهم يعملون عمل القارن.
قال يحيى: كان مالك، وأصحابه لا يرون على مكي قرن دماً، إلا عبد الملك فإنه يراه عليه.
فوجه قول مالك: أن القارن من أهل مكة لا يلزمه في الأصل سفران فيسقط أحدهما فيلزمه الدم لذلك، وهذا هو الأصل في لزوم الدم للقارن.
ووجه قول عبد الملك: أنه أسقط أحد العملين، وهذا يستوي فيه المكي وغيره، فهو بخلاف المتمتع؛ لأن الدم إنما وجب على المتمتع بإسقاط أحد السفرين، وذلك يختلف فيه المكي وغيره؛ لأن المكي ليس عليه سفران كغير المكي.
ومن المدونة: قال مالك: وأما أهل منى، أو المناهل الذين بين مكة والمواقيت كقديد، وعُسفان، ومر الظهران، وغيرهم من سكان الحرم إذا هم قرنوا من موضع يجوز لهم، أو دخلوا بعمرة من موضع يجوز لهم، فحلوا من عمرتهم في أشهر الحج، ثم أقاموا بمكة حتى حجوا، فعليهم دم المتعة، ودم القران، ومن رجع منهم إلى قراره بعد أن حل من عمرته في أشهر الحج ثم حج من عامه سقط عنه دم المتعة، لرجوعه إلى منزله.
قال عبد الوهاب: وإنما قلنا: إن حاضري المسجد الحرام هم أهل مكة: القرية بعينها دون غيرهم، خلافاً لأبي حنيفة: أنهم من كان دون المواقيت إلى مكة،
وللشافعي: أنهم من كان من الحرم على مسافة لا تُقصر فيها الصلاة، ولغيرهما: أنهم أهل الحرم.
ودليلنا: قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾، وحاضر الشيء لا يحتاج إلى قطع مسافة إليه، فدل أنه مقصور على أهل مكة؛ ولأن كل موضع ليس بمكة لا يوصف أهله بأنهم حاضروا المسجد الحرام كالمدينة والعراق.
م: وذكر ابن حبيب: أنه لا تمتع لأهل القرى المجاورة لمكة مثل: مر ظهران ضجنان ونختلتان، وعرفة، ونحوها مما لا تقصر في مثلها الصلاة، كقول الشافعي.
قال: هكذا روي عن ابن عباس، وهو قول مالك وأصحابه.
قال أبو محمد: والذي تأول ابن حبيب في هذا، ليس بقول مالك، وأصحابه فيما علمت.
ومن المدونة: قال مالك: ولو أقام المكي بمصر أو بالمدينة مدة لتجارة أو غيرها، ولم يوطنها، ثم رجع إلى مكة فقرن لم يكن عليه دم القران.
قال مالك: ومن كان له أهل بمكة، وأهل ببعض الآفاق فقدم مكة متعمراً في أشهر الحج، فهذا من مشتبهات الأمور، وأحوط له أن يهدي.
ابن القاسم: وذلك رأيي.
ابن المواز: وقال أشهب: إن كان إنما يأتي أهله بمكة منتاباً فعليه دم التمتع، وإن كان سكناه بمكة ويأتي أهله التي بغيرها منتاباً فلا هدي عليه كالمكي.
ومن المدونة: ومن/ دخل مكة في أشهر الحج بعمرة وهو يريد سكناها، ثم حج من عامه فعليه دم المتعة؛ لأنه اعتمر قبل أو يوطئها، وإنما أتى يريد السكنى، وقد
يبدو له، قاله مالك في الموطأ، وقاله أشهب، ولو انتجع لسكنى مكة في غير أشهر الحج، ثم اعتمر في أشهر الحج، ثم حج من عامه فهو كالمكي، ولا دم عليه؛ لأنه اعتمر بعد أن وطئها، فهو بخلاف الذي دخل في أشهر الحج.
ومن المدونة: ومن حل من عمرته من أهل الآفاق قبل أشهر الحج، ثم اعتمر عمرة ثانية من التنعيم في أشهر الحج، ثم حج من عامه فعليه دم المتعة، وهو أبين من الذي قدم للسكنى؛ لأن هذا لم تكن إقامته أولاً لسكنى.
[فصل 3 - المتمتع إذا عاد إلى بلده أو مثل بلده في البعد عن مكة سقط عنه الدم]
ومن حل من عمرته في أشهر الحج وهو من أهل الشام أو مصر فرجع من مكة إلى المدينة، ثم حج من عامه ذلك فعليه دم المتعة؛ لأنه رجع إلى دون أفقه، إلا أن يرجع إلى أفقه الأول، أو إلى أفق مثل أفقه ويتباعد من مكة، ثم يحج من عامه فلا يكون متمتعاً.
قال ابن المواز: مثل أن يكون أفقه في غير الحجاز فرجع إلى مثله في البعد فلا هدي عليه.
م: كان محمداً يشير إلى أنه لو كان أفقه في الحجاز لم يزل عنه التمتع إلا أن
يرجع إلى أفقه بعينه أو يتباعد ويخرج عن الحجاز.
م: ووجه هذا: أنه إذا رجع إلى أفقه بعينه فقد أتى بمثل السفر الأول لا محالة فحصل حجه لا تمتع فيه، وإذا رجع إلى مثله في البعد، فليس هو مثله على الحقيقة، والتمتع إنما هو الترفه بإسقاط أحد السفرين، فإذا كان ما رجع إليه قريباً فكأنه لم يسقط عنه الترفه، ولا هو أتى بمثل السفر الأول حقيقة، فوجب أن لا يسقط عنه دم المتعة، وكأن ابن المواز رأى أن الحجاز كله قريباً.
وهذا استحسان: والقياس: أنه إذا رجع إلى مثل أفقه في البعد أو أبعد منه وإن كان في الحجاز أنه يسقط عنه دم المتعة.
والله أعلم.
قال أبو محمد: إذا كان أفقه يدرك أن يذهب إليه ويعود فيدرك الحج من عامه فلا يسقط عنه التمتع إلا برجوعه إلى أفقه أو إلى مثله في البعد، فأما من كان أفقه بإفريقية فيرجع إلى مصر فهذا عندي يسقط عنه المتمتع؛ لأن موضعه لا يدرك أن يذهب إليه ثم يعود من عامه فيدرك الحج.
قال عبد الوهاب: وإنما قلنا إن المتمتع إذا رجع إلى أفقه أو مثله في البعد، ثم حج من عامه، فليس بمتمتع، خلافاً لما يُحكى عن الحسن؛ لأن ما قلناه مروي عن عمر.
ولا مخالف له؛ ولأنه لم يحصل له تمتع؛ لأنه قد أتى بالسفرين.
وإنما اعتبرنا أن يكون رجوعه إلى أفقه أو مثله في البعد، خلافاً للشافعي في قوله: إنه إذا رجع إلى الميقات فأحرم بالحج لم يكن متمتعاً.
لأن التمتع: الترفه بإسقاط أحد السفرين من بلده، فمتى وجدته مترفهاً بإسقاط أحدهما فهو متمتع، وقد علمنا أن البغدادي إذا حلّ من عمرته في أشهر الحج، ثم رجع إلى ذات عرق ونحوها فأحرم بالحج لم يزل عنه الترفه، إذ لا مشقة في ذلك عليه.
قال: وإنما شرطنا أن ذلك إذا حج من عامه؛ لأن ذلك مبني على أنه جمع بين العمرة والحج في أشهر الحج، وهذا لا يكون إلا في عام واحد؛ لأنه إذا كان في عامين لم يكن معتمراً في أشهر الحج الذي أتي به.
قال: وإنما شرطنا أن يأتي بالعمرة في أشهر الحج؛ لأن أصل الرخصة إنما تعلقت بإيقاع العمرة في أشهر الحج؛ لأن العرب كانت ترى ذلك فجوراً، ولذلك راجعوا النبي صلى الله عليه وسلم لما أمرهم أن يحلوا بعمرة.
وإنما شرطنا أن تقديم العمرة على الحج هو التمتع: لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ فبدا بالعمرة في الفعل.
ومن المدونة قال: ومن اعتمر في رمضان فطاف وسعى بعض السعي، ثم أهل شوال فتم سعيه فيه، ثم حج من عامه كان متمتعاً.
م: يريد: أنه أتم سعيه بعد غروب الشمس من آخر يوم من رمضان؛ لأن تلك الليلة من شوال، وأما/ لو رأى هلال شوال نهاراً فتم سعيه بعد أن رآه نهاراًن فليس بمتمتع؛ لأن ذلك اليوم من رمضان.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ولو فرغ من سعيه في رمضان، ثم أهل شواء قبل أن يحلق، ثم حج من عامه فليس بمتمتع؛ لأن مالكاً قال: من فرغ من سعيه بين الصفا والمروة فليس الثياب قبل أن يُقصِّر فلا شيء عليه.
ومن كتاب ابن المواز: ومن اعتمر في أشهر الحج يريد التمتع وفرغ من عمرته، ثم فاته الحج قبل أن يحرم به فلا تمتع عليه.