[27 - فصل في جناية المعتق إلى أجل] ومن المدونة: وإذا جنى معتق إلى أجل، خيّر سيده، فإما فدى الخدمة وإما أسلمها، فإن فداه خدم العبد إلى الأجل ولم يتبعه بشيء، وإن أسلمها خدم العبد في الجناية فإن أوفاها قبل الأجل رجع إلى سيده، وإن حل الأجل ولم تتم عتق، واتبع ببقية الأرش، وإذا جنى المعتق إلى أجل على سيده فسبيله سبيل المدبر.
[الباب الثامن] في جناية المدبر، والجناية عليه، والقضاء في المدبر يجني أو يستهلك مالاً أن ذلك في خدمته إذ هي التي يملك السيد منه يومئذ، إلا أنه إن كان للمدبر مال دفع في جنايته، إلا أن يكون مديانًا فغرماؤه أحق بماله والجناية في خدمته
[28 - فصل: في جناية المدبر على جماعة]
قال مالك: وإذا جنى المدبر على جماعة أُسلم إليهم فتحاصوا في خدمته، ولو جرح واحدًا فأسلم إليه خدمته ثم جرح آخر تحاص مع الأول في الخدمة هذا بجنايته والأول بما بقي له.
[29 - فصل: في جناية المدبر أو استهلاكه مالاً ولا مال له]
قال مالك وعبد العزيز: إذا جنى المدبر ولا مال له، خيّر سيده بين أن يفدي خدمته بجميع ما جنى، أو استهلك، ولا يتبعه بشيء، وإما أسلم خدمته، فاختدمه المجني عليه فيما يجب له بسبب جنايته، فإن تم قصاصها
وسيده حي، رجع إليه مدبرًا، وإن مات السيد [184/أ] قبل وفائها ولا دين على السيد وكان يخرج من ثلثه، عتق واتبع ببقية الجناية، وإن خرج بعضه اتبع بحصة ذلك، وخيّر الورثة في إسلام مارق منه، أو افتدائه بحصته مما بقي من الجناية، وقال نحوه المشيخة السبعة، وعمر بن عبد العزيز رضي الله عنهم.
قال محمد: وإنما خير الورثة فيه وقد كان السيد أسلمه؛ لأنه إنما أسلم خدمته فلما صار بعضه رقيقًا خيروا فيه.
قيل: فإذا استوفى الجريح ديته من خدمته ثم كان ما بقي من خدمته لسيده، ولو مات المدبر قبل وفاء الجناية لم يضمن له السيد ما بقي، فكما كان لا يضمن له فلم كان أحق منه بفضل الخدمة؟
قال: لو كنت لم أجعل للمجروح غير الخدمة كان ما قلت، ولكن
جعلت له تضمين المدبر، وإتباعه بما يبقى له مع ما يضمن له الورثة من ذلك فيما رق منه.
[30 - فصل: في جناية المدبر وعلى سيده دين]
قال مالك وعبد العزيز: وإذا مات سيده وقد كان أسلمه في الجناية فأدرك سيده دين يوفه، والجناية والدين يغترقانه، فالمجني عليه أحق برقبته، يكون له رقًا لا تدبير فيه إلا أن يفديه أهل الدين ببقية الجناية، وإن كان لا يغترقانه، بيع منه للجناية والدين، ثم عتق ثلث ما بقي.
قال ابن القاسم: وإذا جنى المدبر في حياة سيده وعلى سيده دين يغترق قيمة المدبر أو لا يغترقه، فأهل الجناية أحق بخدمته، إلا أن يدفع لهم الغرماء الأرش ويأخذوه فيؤآجروه حتى يستوفوا دينهم، فإن لم يأخذه الغرماء وأسلم للمجني عليه يختدمه، ثم مات السيد وعليه دين،
وفي رقبة المدبر كفاف الدين والجناية وفضلة، بيع منه لذلك، وبُدئ بالبيع للجناية ثم للدين ثم عتق ثلث ما بقي، وإن كان لا فضل في قيمته عنهما أو قيمته أقل منهما، قيل للغرماء: أهل الجناية أحق به منكم إلا أن تزيدوا على قيمة الجناية، فتأخذوه ويحط عنه الميت بقدر الذي زدتم فذلك لكم.
م: مثل أن تكون الجناية عشرة دنانير والدّين عشرة، وقيمة العبد عشرون فأقل، فإنه لا يباع منه للأرش والدين بل يكون جميعه لأهل الجناية إلا أن يفتكه [184/ب] أهل الدين كما ذكرنا، فإن كان في قيمته فضل عن عشرين ولو درهمًا، فإنه يباع منه للجناية والدين، ثم عتق ثلث ما بقي؛ لأن ها هنا يحصل فيه جزء من الحرية ولا يتوصل إلى ذلك إلا بعد أخذ أهل الجناية وأهل الدين ما لهم، ويعلم ما بقي، فيعتق ثلثه.
قال محمد: إن فداه الغرماء بدية الجناية فقط، بيع لهم، فإن عجز ثمنه عما فدوه به، لم يكن لهم غيره، وبقي دينهم على حاله، وإن كان في ثمنه فضل على ما فدوه به حسب ذلك الفضل عليهم من دينهم، فإن باعوه بمثل ما فدوه به وبالدين ويفضل، استوفوا من ذلك الأرش والدين، وكان ما بقي لورثة الميت.
محمد: وإنما هذا في العبد فأما المدبر فيعتق منه ثلث الفضل، ويرق ثلثاه، وإن أحب الغرماء أن يفدوه بدية الجناية وبزيادة شيء يحطونه من دينهم على أن يكون العبد لهم ملكًا إن زاد فلهم وإن نقص فعليهم، فذلك لهم.
محمد: وإن أحب الورثة أن يفدوه بدية الجناية على أن يباع في دين أبيهم فقط، فما فضل عتق ثلثه ورق ثلثاه لهم، فذلك لهم، ولا يحسب لهم
شيء مما فدوه به؛ لأن الورثة في هذا بمنزلة الميت في فدائه.
قال محمد: والدّين هو الذي يرد المدبر إلى البيع، ولولا الدين لم يبع للجناية وإن كانت أضعاف قيمته، فإذا بيع منه للدين كان صاحب الجناية أولى بما يباع منه حتى لا يبقى من دية جنايته شيء، ثم يقضى بعد ذلك دين سيده ثم يعتق منه ثلث ما بقي ويرق ثلثاه للورثة.
م: يريد لأنه لو كان يغترق الدين نصفه فبيع لهم من المدبر نصفه لقام عليهم فيه أهل الجناية؛ لأن جنايتهم أقوى، لتعلقها بالرقبة، فيأخذون منهم ثمن ما بيع منه، فإذا أخذوه منهم قام أهل الدين على ما بقي من المدبر فبيع لهم أيضًا، إذ لا يعتق منه شيء وعلى سيده دين، فإذا بيع لهم ثانية قام عليهم أيضًا أهل الجناية فيأخذون ثمن ذلك حتى يستوفوا
جنايته، فإن فضل شيء كان لأهل الدين، فلما كان الأمر كذلك بدأ بالبيع للجناية ثم للدين ثم عتق ثلث ما بقي، [185/أ] وعلى نحو هذا قاس أشهب مسألة: من أعتق عبده وعليه دين يغترق نصفه ثم استحدث دينًا بعد العتق يغترق ما بقي منه؛ فإنه إذا بيع للدين المتقدم نصفه قام عليهم الغرماء الآخرون فحاصوهم فيه فيأخذون نصف ما بأيديهم، فإذا أخذوه رجع الأولون على النصف المعتق فأخذوا منه مقدار ما أُخذ منهم، فيرجع عليه الآخرون بنصف ما فضلوهم به، ثم يرجع هؤلاء على المعتق بمثل ما أخذ منهم، هكذا حتى يرد عتق جميع العبد، وخالفه ابن القاسم في هذا.
قال محمد: ولو أسقط الغرماء دينهم على الميت كان كمن لم يكن عليه دين، ويعتق ثلث المدبر أو ما حمل الثلث منه، ويتبع من الجناية بقدر ما عتق منه، ويخير الورثة فيما رق منه، وقاله ابن القاسم وهو أحب إلينا وقد اختلف فيه:
فقيل: إن المجروح أحق برقبته؛ لأن ذلك وجب له بعد موت السيد، فلا يزيله إسقاط الدين، وقد قال أشهب فيمن أعتق في مرضه أو بعد موته
رقيقه وعليه دين يحيط بهم، ولا مال له غيرهم، فترك أهل الدين دينهم، وأجازوا له العتق: إنه لا يجوز على الورثة إلا عتق ثلثهم بالسهم كمن مات ولا دين عليه، وهذا موافق لجواب ابن القاسم في المدبر.
[31 - فصل: في جناية المدبر وله مال وعليه دين]
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإذا جنى المدبر وله مال وعليه دين فغرماؤه أحق بماله، فإن لم يكن له مال، كان دينه في ذمته، وجنايته في خدمته، والعبد إذا جنى وعليه دين فإن دينه أولى بماله، وجنايته أولى برقبته، يقال لسيده: ادفع أو افد، وإذا مات سيد المدبر وعليه دين يغترق قيمة المدبر، وعلى المدبر دين، فليبع في دين سيده، ويكون دينه في ذمته يتبع به، أو في مال إن كان له مال، ولغرماء السيد أن يؤآجروا المدبر في دينهم في حياة سيده إن أعدم السيد.
وفي كتاب المدبر طرف من هذا.
[32 - فصل: الفرق بين جناية العبد والمدبر على سيدهما]
قال ابن القاسم: وإذا جنى العبد على سيده فلا شيء عليه، وأما المدبر يجني عليه سيده: فإن عبد الحكم بن أعين أخبرني عن مالك أنه قال: يختدمه السيد بجنايته، فإن مات السيد ولم يتمها عتق في ثلثه واتبع ببقية الجناية، وإن عتق بعضه في الثلث اتبع بحصة ما عتق منه من بقيتها وسقط ما بقي ورق باقيه للورثة.
[185/ب] وقال غيره: لا يختدمه السيد بجنايته إذ له عظم رقبته، وإذ لو فداه من أجنبي لم يتبعه بما فداه، ولا اختدمه فيه، ولو أسلمه لأتبعه المجروح بما يبقى إن عتق في الثلث.
م: اعلم أنه إذا أعتق بعضه على قول ابن القاسم واتبع بما يخص الجزء العتيق من الجناية أنه متى أدّى من ذلك شيئًا دخل فيه الجزء الرقيق
فيعتق منه مقدار ثلث ما أدى، وجعل على ما عتق منه الآن أيضًا قدر ما يقع عليه من بقية الأرش، ويكون ما يؤدي كمال طارئ يدخل فيه المدبر؛ لأنه يدخل فيما علمه السيد وفيما لم يعلمه، فكلما أدّى شيئًا عتق منه مقدار ثلث ما أدى، وجعل على ذلك الجزء ما يخصه من بقية الجناية، هكذا كلما أدّى شيئًا عتق منه ما يخص ثلث ما أدّى وجعل عليه ما يخص ذلك وهي مسألة دور فاعرفها.
[33 - فصل: في جناية المدبر على سيده وعلى أجنبي، ومتى يبطل التدبير]
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإذا جنى المدبر على سيده وعلى أجنبي؛ اختدماه بقدر جنايتهما.
قال سحنون: وهذه مثل الأولى.
محمد: إذا جرح المدبر سيده فليختدمه في جرحه في العمد والخطأ ويقاصه بذلك، وإن كان له مال ولا دين عليه، أخذه وحبسه في جرحه، فإن وفى رجع كما كان في خدمة التدبير، وإن لم يف اختدمه فيما بقي، ولو قتل سيده عمدًا، قُتل به، فإن استحيي بطل تدبيره، ورق للورثة، ولو قتله خطأ عتق في ثلث ماله دون ثلث الدية، وأخذ منه الدية، قال: فإن لم يكن له مال اتبع بها دينًا، أو بما عجز ماله عنها، وإن لم يحمله الثلث عتق منه ما حمل ورق ما بقي واتبع بحصة ما عتق منه من الدية إلا أن يكون له مال فيؤخذ منه مكانه ما لزمه من ذلك.
[34 - فصل: اشتراك المدبر مع غيره في الجناية]
ومن المدونة قال مالك: ولو أن مدبرًا ورجلاً قتلا قتيلاً خطأ، كان نصف ديته على عاقلة الرجل، ونصف الدية على المدبر في خدمته،
وإذا قتل مدبر رجلاً عمدًا فعفا أولياؤه على أخذ خدمته فذلك لهم إلا أن يفديها السيد بجميع الدية، وليس لهم أن يعفوا على رقه وإن رضي السيد.
[35 - فصل: فيما إذا جنى المدبر ثم أعتقه سيده ثم استحدث السيد دينًا]
وإذا جنى المدبر ثم أعتقه سيده، فإن أراد حمل الجناية لزمه، وإلا حلف ما أراد حملها، ثم ردت خدمته، وخير السيد بين أن يسلمه مدبرًا، أو يفديه حرًا، فإن أسلمه وكان للمدبر [186/أ] مال أُديت منه الجناية وعتق، وإن لم يكن له مال، اختدمه المجروح، وإن لم يكن في ماله وفاء بالجناية، أُخذ منه وخدم المجروح، فإن استوفى عقل جرحه والسيد حي خرج المدبر حرًا، وإن مات السيد قبل وفاء ذلك، سقط عتق البتل، ورجع إلى عتق التدبير في ثلث سيده؛ لأن التدبير ثابت، وإنما يسقط عتق البتل؛ لأنه لم يرجع إلى ملك سيده الذي أعتقه، وإنما رجع إلى ملك ورثته حتى صار ممنوعًا من ماله، فإن حمله ثلث سيده عتق واتبع ببقية الجناية وإن لم يدع السيد غيره عتق ثلثه واتبع بثلث باقي الأرش ورق باقيه للمجروح، وإن كان قيمة ذلك مثل ما قابله من بقية الأرش، ولا خيار فيه للورثة؛ لأن صاحبهم قد تبرأ منه لما أسلمه.
قال سحنون: إنما لم يخير الورثة فيما رق منه؛ لأن السيد أعتقه وتبرأ من رقه وأسلم الخدمة التي كانت فيه، فلم يكن لهم فيه خيار كما لم يكن لوليهم الميت.
قال ابن القاسم: فإن لم يحلف السيد أنه ما أراد حمل الجناية عتق، وكانت الجناية على السيد، وإن لم يكن له مار ردّ عتقه وأسلم إلى المجروح يختدمه.
قال محمد: إذا لم يكن للسيد مال لم استحلفه ولم يكن بد من إسلامه إلى المجروح يختدمه.
قال في المدونة: فإن أدى في حياة سيده عتق، ولم يلحقه دين استحدثه السيد بعد عتقه، وإن لم يوفها حتى مات السيد وقد استحدث بعد عتقه دينًا يغترق المدبر، لم ينظر إلى ذلك، وعتق في ثلث السيد واتبع ببقية الجناية، وإن لم يترك غيره عتق ثلثه، واتبع ببقية الأرش، ثم إن كان له مال أو مُعِين في فداء ثلثيه بثلثي باقي الجناية، عتق، وإلا رقّ ثلثاه لأهل الجناية إلا
أن يكون في ثمن ثلثيه فضل عن ثلثي باقي الجناية، فيباع من ثلثيه بقدر ثلثي باقي الجناية ويعتق ما بقي.
قال أبو محمد: وفي غير رواية يحيى وأحمد وقيل: إن كانت قيمة ثلثي الرقبة أقل من قيمة باقي الأرش، لم يقبل منه معونة من يعينه بمال ورق ثلثاه لأهل الجناية.
قال سحنون: وإنما أعتقت ثلثه وعلى السيد [186/ب] دين يغترقه استحدثه بعد عتقه؛ لأن الذي ردّ من أجله عتقه هو الجناية التي قبل العتق فلا حجة لأهل الدين؛ لأنه أعتق قبل دينهم، ويقال لأهل الجناية قد كان يعتق في ثلثه لو لم يكن أعتقه فلا يضره ما أحدث من العتق.
م: ولأن هذا الدين لما لم يرد عتقه لأنه مستحدث بعد العتق كان كمن لا دين على سيده، فلا حجة لأهل الجناية في عتق ثلثه.
وفي كتاب ابن المواز: إنما لا يضره الدين المستحدث متى رجع وسيده حي، فإن لم يرجع حتى مات سيده فقد سقط عتق البتل، وعتق بالتدبير فيكون الدين المستحدث أولى به، وتكون الجناية أولى به من الدين إلا أن يكون فيه فضل عن الدين وعن الجرح؛ فيعتق من تلك الفضلة ثلثها، ويرق سائرها.
ومن المدونة قال: وإن كان دين السيد قبل العتق وقبل الجناية، كان كمدبر لم يعجل له عتق سواء.
[36 - فصل: في العبد بين رجلين يجني وقد دبّر أحدهما نصيبه]
قال: ولو أن عبدًا بين رجلين، دبر أحدهما نصيبه فرضي شريكه وتماسك وهو جاز، فإن جنى خُيِّر من دَبَّر في إسلام خدمة نصف العبد أو
دفع نصف الجناية، وخير المتمسك في إسلام نصف الرقبة أو دفع نصف الجناية.
[37 - فصل: فيما استهلكه العبد والمدبر من الأموال وما جنياه]
قال: وما جنى العبد أو استهلك من الأموال فهو في رقبته، وأما المدبر يجني أو يستهلك مالاً، فذلك سواء، وهو في خدمته إلا أن يكون للمدبر مال فيدفع في جنايته، فإن كان فيه وفاء بجنايته رجع إلى سيده، وإن لم يف بذلك، أو لم يكن له شيء، خير سيده، فإما فدى خدمته لجميع ما جنى أو استهلك، أو لما عجز عنه ماله من ذلك، أو يدفع إليهم خدمته فيتحاصون فيها، فإن مات السيد، والثلث يحمله، عتق، وأتبعوه بما بقي لهم، وإن لم يترك غيره، عتق ثلثه، وأتبعوه بثلث ما بقي لهم، وخير الورثة في فداء مارق منه أو إسلامه.
[38 - فصل: في الجناية على المدبّر]
قال مالك: وما جُني على المدبر، فعقله لسيده، وليس كماله، ومهر المدبرة كمالها، وهي أحق به بعد موت السيد من ورثته، إذ به استحلت، ولو اغتصبت [187/أ] المدبرة نفسها، فما نقصها للسيد.
[39 - فصل: في جناية مدبر الذمي، وجنايته بعد إسلامه]
وإذا جنى مدبر الذمي والمدبر ذمي، خُير بين إسلامه عبدًا، إذ لا أمنعه بيعه، كما لو أعتق عبدًا فلم نخرجه من يده، كان له بيعه، وإن فادى المدبر بقي على تدبيره، ولو أسلم مدبره ثم جنى، خير في إسلام خدمته أو افتدائها، فيؤآجر له ولا يختدمه؛ لأن مدبر الذمي إذا أسلم ألزمته فيه التدبير، وأجبرته عليه، وصار حكم بين مسلم وذمي، ولا يعتق عليه.
ولو حلف ذمي بعتق رقيقه فأسلم ثم حنث لم يعتقوا عليه، ولو حلف بعتقهم، وفيهم مسلمون، فحنث عتقوا عليه، إذ لو أعتق النصراني عبده المسلم لزمه ذلك.
وإذا أسلم مدبر الذمي ثم قتل أو جرح كان عقله لسيده الذمي؛ لأن العبد إذا مات كان ماله لسيده وإن كان على غير دينه.
[40 - فصل: في جناية المدبر الصغير] قال ابن المواز: وإذا جنى المدبر وهو صغير لا عمل عنده ولا كسب له، فلا شيء عليه ولا على سيده حتى يبلغ العمل ويطيقه، وإن مات هذا المدبر قبل بلوغ ذلك، سقط حق المجروح، وكذلك المدبرة التي لا عمل عندها ولا صنعة.
[الباب العاشر]
في جناية أم الولد، وولدها، والجناية عليهم
[41 - فصل: فيما يلزم السيد بجناية أم ولده] قال مالك رحمه لله: أحسن ما سمعت في جناية أم الولد أن يلزم السيد الأقل من أرش جنايتها أو من قيمتها أمة يوم الحكم، زادت قيمتها أو نقصت، فذلك عوض من إسلامها لما لم يكن سبيل إلى إسلامها، فجعلت قيمتها موضع رقبتها، وخيّر سيدها في إسلام قيمتها أو فداه بدية الجناية، كما كان له الخيار في الرقبة، ولزم ذلك سيدها لما دخل فيها من فوات إسلامها، وليست بحرة فيلزمها أو عاقلتها، ولا فيها خدمة، فيسلمها وما فيها إلا ما استثنى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فإنه قال: "أيما وليدة ولدت من سيدها فهي له متعة ما عاش لا يبيعها ولا يهبها فإذا مات فهي حرة"، فلم يكن أحد أولى بتحمل ذلك عنها ممن عقد فيها ما منع
إسلامها، قال مالك: وذلك الأمر المجتمع عليه عندنا.
[فصل: فيما أهلكته أو أفسدته أم الولد أو ولدها وإخراج قيمتها]
قال مالك: وكذلك ما أهلكت [187/ب] أو أفسدت بيدها أو يد ابنها، أو بحفر حفرته حيث لا ينبغي لها، أو اغتصبت أو اختلست؛ لأن هذا كله من العبيد جناية، وعلى السيد فيه الأقل كما ذكرنا، وإن كان ذلك أكثر من قيمتها لم يتبع السيد بما ناف على قيمتها، ولا هي إن عتقت؛ لأنها لو كانت أمة فأسلمت لم يكن عليها فضل الجناية، وإخراج قيمتها بأمر قاض أو بغير أمره سواء، ويحاص أهل جنايتها بذلك غرماء سيدها في ماله في الفلس وفي الموت، وتقوم أمة بغير مالها، وقاله مالك وأشهب.
وقيل: تقوم بمالها، وقاله المغيرة، وعبد الملك.
قال مالك: ولا يقوم ولدها معها وإن ولدته بعد الجناية، إذ لا تسلم أمة بولدها، يوم الحكم يستحقها المجني عليه، وقد زايلها الولد قبله، وأما إن أسلم السيد عبده أو أمته بجرح أصابه واحد منهما، فليس عليه أكثر من ذلك.
[43 - فصل: في الولد تجني على رجل بعد آخر، وكذا المدبر]
ومن قتلت أم ولده رجلاً خطأ فلم ينظر فيه حتى قتلت آخر خطأ، وقيمتها أقل من ذلك، فإنه يدفع قيمتها، تكون بين أوليائهما نصفين، ولو حكم في الأول بالأقل ثم جنت على ثاني، وجب للثاني الأقل أيضًا ثانية يوم يحكم به، وكذلك يفديها كلما جنت إلا أن يتأخر الحكم حتى يجتمع لها جنايات، كل جناية مثل قيمتها وأكثر، فلا يغرم إلا قيمة واحدة يتحاصون فيها بقدر جناية كل واحد منهم، كالعبد يجني فيفديه السيد، ثم يجني، فعليه أن يفديه أيضًا أو يسلمه، وإن اجتمعت له جنايات قبل أن يفديه، خير السيد بين أن يدفع قيمة ما جنى، لكل واحد منهم أو يسلمه
فيتحاصون فيه بقدر جناياتهم، وقيمة أم الولد مثل رقبة العبد.
قال محمد: وخالفنا في هذا أبو حنيفة وقال: إذا أسلم سيدها قيمتها مرة واحدة، فليس عليه فيما جنت في المستقبل شيء أبدًا إلا أن تزيد قيمتها، قال: ويرجع الآخر على الأول الذي أخذ قيمتها فيدخل معه فيها، وهذا عظيم من القول، وباطل من الفتيا أن يأخذ سيدها ما جني عليها، ويؤدي غيره جنايتها، وزعم أن ما أدى من [188/أ] قيمتها أولاً كإسلامها، وليس كما قال؛ لأن الأمة إذا أسلمها لم يبق له فيها نفع، وهذه منافعه فيها قائمة، وإن ما أعطى من قيمتها كأرش فدى به عبده فيصير العبد عبدًا له على حالهن فكذلك أم الولد تبقى له على حالها.
ومن المدونة قال مالك: وأما المدبر يجني فَيُسْلِم خدمته، ثم يجني عليه آخر فإنه يحاص الأول في الخدمة، ولا يخير السيد ها هنا، ولا من أسلم إليه، بخلاف العبد.
[44 - فصل: في جناية أم الولد على رجلين أحدهما أقل من قيمتها والآخر أكثر أو أحدهما حاضر عند القيام والآخر غائب]
وإن جنت أم الولد على رجل أقل من قيمتها ثم جنت على آخر أكثر من قيمتها، فعلى سيدها قيمتها لهما فيقتسمانها بقدر جناية كل واحد منهما.
ولو جنت على رجل، ثم جنت على آخر، فقام أحدهما والآخر غائب، فله الأقل من أرشه أو مما ينوبه في الحصاص مع الغائب من قيمتها الآن، ثم إن قدم الغائب فله الأقل من أرش جرحه أو حصته من قيمتها يوم تقوم.
قال محمد: وإن علم السيد بأحدهما فدفع إليه الأقل من دية جرحه أو من قيمة الأمة، ثم أتي الثاني، فليدفع إليه سيدها الأقل من دية جرحه أو
ما يصير له مع الأول في قيمتها الآن لو تحاصا ثم يرجع على الأول فيترك له الأقل من دية جرحه، وأما ما ينوبه في الحصاص مع الغائب من قيمتها يوم قام الأول.
قال محمد وسحنون، واللفظ لسحنون في أم الولد تجني على رجلين موضحة موضحة، فقام أحدهما وأسلم إليه السيد قيمتها، ولم يعلم الآخر وكانت قيمتها يومئذ مثل أرش الموضحة سواء، فلم يقم الثاني حتى جرحت ثالثًا موضحة أيضًا، ثم قام هو والثاني: فإنه يرجع السيد على الأول بخمسة وعشرين؛ لأنه إنما كان له يوم قام نصف الجناية، ثم ينظر إلى قيمتها اليوم، فإن كانت ستين دينارًا قيل للثالث: قد جنى عليك نصفها المفتك وهو فارغ والنصف الآخر وهو مرتهن بجناية الثاني، فنصف موضحتك في النصف الفارغ، فيفتكه السيد منك بخمسة وعشرين؛ لأن نصف جنايتك أقل من نصف قيمتها الآن، والنصف الثاني بينك وبين الثاني على ما بقي لك وله، والذي بقي لك نصف جنايتك، وللثاني جميع [188/ب] جنايته،
فيقتسمان نصف قيمتها على الثلث والثلثين، فلك ثلثه عشرة وله ثلثاه عشرون.
وذكر ابن سحنون لسحنون أن أبا زيد روى عن ابن القاسم في هذه المسألة: أنه إذا قام الثاني والثالث، فإن السيد يرتجع نصف ما أعطى للأول، ثم يعطي لهذين إن شاء دية جرحيهما كاملاً أو قيمتها الآن فيكون بينهما نصفين، فأنكر سحنون قوله: نصفين، وقوله: دية جرحيهما كاملاً، وقال: هذا خطأ، وأبو زيد رحمه الله لا يقوم بهذه المسألة، ثم ذكر ابن عبدوس أن أشهب قال فيها مثل رواية أبي زيد، فأنكره سحنون، ثم ذكر شرحها مثل ما قدمنا ها هنا لسحنون وابن المواز، وهو الصوب إن شاء الله تعالى.
[45 - فصل: في تأخر الحكم على أم الولد والعبد في جنايتهما إلى أن يُجنى عليهما]
ومن المدونة: ولو جنت أم الولد فلم يحكم عليها حتى جُني عليها، فأخذت له أرشًَا، فعلى سيدها أن يخرج الأقل من أرش الجناية أو من قيمتها معيبة يوم يحكم فيها مع الأرش الذي أخذه فيها، وكذلك العبد يَحني ثم يُجنى عليه قبل أن يحكم فيه بشيء، فسيده مخير بين إسلامه مع مع أخذ في أرشه أو يفديه، وهذا إذا كان ما أخذ في أرشهما أقل من دية ما جنيا، فإن كان فيه وفاء لذلك أو أكثر، فلا خيار للسيد، ويؤدي من ذلك للمجني عليه أرش جرحه، ويبقوا لسيدهم.
[46 - فصل فيما يلزم سيد أم الولد إذا قتلت عمدًا فعفي عنها على أخذ قيمتها، والعفو عن الحر على أن يغرم الدية]
وأم الولد إذا قتلت رجلاً عمدًا، فعفا أولياؤه على أخذ قيمتها من السيد، لم يلزم السيد ذلك إلا أن يشاء، فإن أبى فلهم القتل أو العفو، كالحر يعفا عنه في العمد على غرم الدية فيأبي.
وقال غيره: يلزم السيد في أم الولد غرم الأقل من قيمتها أو من الأرش،
وليست كالحر، ولها حكم العبد.
وقال أشهب: في الحر تلزمه الدية وإن كره، ولا يقتل، كمن فداه من أيدي العدو.
واختلف فيه قول مالك.
ووجه قول ابن القاسم: أن الواجب القصاص لقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة: 178] فالدية لا تكون إلا بالتراضي.
قال ابن القاسم: ولو عفا الولي في العمد على أخذ رقبتها، لم يكن ذلك له، وإن رضي السيد، وكذلك المدبر.
[47 - فصل في موت أم الولد أو سيدها بعد جنايتها وقبل الحكم]
وإن جنت فلم يحكم فيها حتى ماتت، فلا شيء على السيد، كالأمة الجانية تموت قبل الحكم؛ لأن قيمة أم الولد [189/أ] إنما جعلت
مكانها حين لم يستطيع السيد تسليمها، فإذا ماتت فقد صارت لا قيمة لها، وذهب ما كان حقه فيه، كما لو اعورت لم يكن عليه قيمتها إلا عوراء يوم ينظر فيها.
قال ابن القاسم: ولو لم تمت ومات السيد ولا مال له، فلا شيء على أم الولد.
م: لأن ذلك إنما كان لازمًا للسيد فلا يسقطه موته ويوجبه عليها.
قال سحنون: وقال غيره: هذا إذا قاموا على السيد وهو حي.
قال في غير المدونة: إذا قاموا عليه وقوّموا عليه جرحها، ثم مات السيد فلا شيء عليها، وأما إن مات السيد قبل قيامهم، فلا شيء عليه،
وذلك عليها؛ لأنها هي الجانية.
قال سحنون في غير المدونة: وقاله عبد الملك، وروي عن ابن القاسم.
م: ووجه ذلك أن الجناية إنما استحقها المجني عليه يوم الحكم وقد صادفها ذلك وهي حرة، فوجب أن يكون ذلك عليها، إلا أن يكونوا قد قاموا على السيد، وقوّموا الجرح عليه، فيكون ذلك في ماله، ولا يسقطه موته.
والله عز وجل أعلم.
[48 - فصل: في الجناية على أم الولد]
قال ابن القاسم: وما جُني على أم الولد، فعقله لسيدها، وكذلك المدبرة.
قال محمد: وإن جُني على أم الولد فلم يقبض السيد دية ما جُني عليها حتى مات سيدها، فقال ابن القاسم: اختلف قول مالك في ذلك:
فقال أولاً: أن ذلك لورثة السيد مثل غيرها من العبيد يعتق بعد أن وجبت له جناية أن ذلك لسيده.
ثم قال: هو لأم الولد؛ لأن لها حرمة ليست لغيرها.
وقوله الأول هو القياس، ولكن استحسنا قوله الذي رجع إليه، واتبعناه فيه، ورأيناه أعجب إليه أن يكون لأم الولد، وكذلك لو لم يمت ولكنه أعتقها قبل أن يأخذ ما جني عليها، فإنه يكون لها، قاله مالك، وهو استحسان.
محمد: وقال أشهب: بل ذلك للسيد
قال مالك: وأما العبد يُجنى عليه فيعتقه سيده بعد علمه بالجراح، أو يهبه، فإن جرحه لسيده وإن لم يستثنه، بخلاف ماله.
[49 - فصل: اغتصاب الحرة أو من فيها علقة رق نفسها]
قال مالك: ومن اغتصب حرة نفسها فعليه صداقها، وإن اغتصب أمة نفسها، أو أم ولد، [189/ب] أو مكاتبة، أو مدبرة، فلم ينقصها ذلك، فلا شيء عليه إلا الحد، وإن نقصها غرم ما نقصها، وكان ذلك للسيد إلا في
المكاتبة، فإن سيدها يأخذه ويقاصها به في آخر نجومها، وإنما يقوّم من ذكرنا ممن فيه عُلقة رق في الجناية عليه قيمة عبد.
[50 - فصل: في جناية أم الولد على سيدها]
وإذا جنت أم الولد على سيدها فلا شيء عليها، وأما المعتق إلى أجل فهو في جنايته على سيده كالمدبر، وقد ذكرناهما.
قال: وليس أم الولد في جنايتها على سيدها كالمدبرة، ألا ترى أن أم الولد إذا جنت على أجنبي لزم سيدها جنايتها، والمدبرة لا يلزم سيدها جنايتها، بل ذلك في خدمتها، وما بقي في ذمتها إن عتقت.
[51 - فصل: في جناية ولد أم الولد]
وإذا ولدت أم الولد ولدًا من غير سيدها بعدما صارت له أم ولد، فجنى ذلك الولد جناية أكثر من قيمته أو أقل، فإن السيد مخيّر بين أن يفديه ويبقى على حاله، أو يسلم خدمته فيُختدم في الأرش، فإن أوفى رجع
إلى سيده، وإن مات السيد قبل أن يوفي عتق وتوبع ببقية الأرش، وهو بخلاف أمه، فيما جنت، وللمجني عليه أن يأخذ خدمة الولد حتى يتم حقه إلا أن يفتكها السيد بدية الجناية.
[52 - فصلك في جناية أم ولد الذمي، والفرق بين جنايتها قبل إسلامها وبعده]
وإذا جنت أم ولد الذمي فله أن يفديها بالأقل من ذلك، وله إسلامها رقًا للمجني عليه، إذ لا أمنعه بيعها، ويحل وطؤها لمن أسلمت إليه أو ابتاعها.
وقال أشهب: لا يفديها إلا بجميع الأرش.
قال ابن حبيب: فإن جنت ثم أسلمت قبل الحكم، فإنه يقال لسيدها: افدها وتعتق عليك، وإلا فأسلمها؛ لأنها كانت مرتهنة بالجناية قبل إسلامها،
فإن أسلمها وفي ثمنها فضل عن جنايتها بيع منها لذلك وعتق ما بقي، وإن كانت كفافا أو أقل من الجناية، رقت للمجني عليه.
قال: ولو أسلمت ثم جنت قبل أن يحكم عليه بعتقها، فإنها تكون حرة، وعلى السيد الأقل من جنايتها أو قيمتها كأم ولد المسلم؛ لأنه لم يكن يقدر على بيعها ولا على إسلامها؛ ولأنها لو ماتت قبل الحكم [190/أ] عليه بعتقها لورثها بالرق، ولو قتلت أخذ قيمتها قيمة أمة، وإن أسلم كان أحق بها، وإن جُني عليها فجنايتها جناية أمة، وأرش ذلك في القياس لسيدها وإن لم يسلم، والاستحسان أن يكون لها إن لم يسلم سيدها.
م: وما ذكره ابن حبيب من تفرقته بين جنايتها قبل الإسلام أو بعده، فعلى طريق الاستحسان، والقياس أن ذلك سواء لأن إسلامها
ليس بعتق لها؛ لأن جميع أحكام أم الولد باق عليها، ولأن الجناية إنما تستحق يوم الحكم فقد صادفها ذلك قبل العتق، فوجب على السيد الأقل من قيمتها أو من الأرش، ولم يكن له أن يسلمها؛ لأنه قد صار لها بالإسلام حكم أم ولد المسلم؛ لأنه حكم بين مسلم وذمي، وهذا هو القياس.
والله أعلم.
وروى محمد بن خالد عن ابن القاسم أنها إذا أسلمت ثم جنت قبل أن تعتق عليه: أنها تتبع بجنايتها دون سيدها.
وكذلك روى عنه يحيى بن يحيى وقال: لأنه لا ينبغي أن تعتق عليه، ويؤدي الجناية عنها لأن عتقها أمر ثابت لازم.
م: ليس ذلك بثابت لأنه لو أسلم هو بقيت له أم ولد، ولو قُتلت كان له قيمتها، فكذلك يجب عليه غرم الأقل من قيمتها أو جنايتها.
[53 - فصل: في وطء السيد لأمته بعد جنايتها وحملها منه، والابن يطأ من تركة أبيه أمة وعلى الأب دين، والسيد يبيع أمته بعد جنايتها فتلد للمشتري]
قال ابن القاسم: وإذا جنت أمة ثم وطئها السيد فحملت، فإن لم يعلم بالجناية أدى الأقل من قيمتها يوم حملت أو الأرش، فإن لم يكن معه اتبع به دينًا، وإن علم بالجناية قبل الوطء لزمه جميع الأرش، وإن جاوز قيمتها، فإن لم يكن له مال أسلمت للمجني عليه.
م: يريد بعد الوضع- قال: ولا شيء عليه في الولد، إذ لا تسلم أمة بولدها.
م: وهذا إذا لم يكن فيها فضل عن الأرش، فأما إن كان فيها فضل، بيع منها بقدر الأرش، وكان الباقي بحساب أم ولد.
م: وهذا على قياس قوله: إذا أُعتق عبده بعد علمه أنه قد جنى، وقاله بعض فقهائنا.
قال ابن القاسم: وكذلك الابن يطأ من تركة أبيه أمة فتحمل وعلى الأب دين يغترقها، فإن علم به وبادر الغرماء، لزمه لهم قيمتها، فإن لم يكن له مال، بيعت لهم في دينهم، وإن لم يعلم بدين أبيه [190/ب] اتبع بقيمتها في عدمه، وكانت له أم ولد.
وقال غيره: هذه بخلاف التي وطئ السيد، وعلى السيد إسلامها في عدمه إن لم يعلم بالجناية، إذ لو باعها ولم يعلم بالجناية فأعتقها المبتاع لم يكن ذلك فوتا يبطل حق المجني عليه، ولو باعها الورثة ولم يعلموا بالدين فأعتقها المبتاع، لم يرد العتق، وإنما لهم الثمن إن وجدوه، وإلا اتبعوا به من أخذه.
م: وإنما يلزم الابن جميع الدين إذا وطئها عالمًا كما لزم السيد جميع الأرش إذا وطئها عالمًا؛ لأن الجناية في رقبة الجانية، والدين إنما هو في ذمة الأب، وإنما للغرماء مال، فإذا دفع إليهم الولد قيمتها، فلا كلام لهم إذ
هو كثمنها، وإن دفع إليهم الدين إذ هو أقل من القيمة؛ فلا كلام لهم أيضًا، وهذا بيّن.
وذكر ابن المواز في التي وطئها السيد عن مالك نحو ما تقدم لابن القاسم.
واستحب محمد في إذا وطئها عالمًا بالجناية وكان موسرًا؛ أن يحلف أنه لم يكن ذلك منه رضًا بتحمل الجناية إذا كانت أكثر من قيمتها، فإذا حلف غرم قيمتها فقط، وإن نكل غرم دية الجناية ما بلغت.
م: وإنما لم يحلفه ابن القاسم إذا وطئها عالما بجنايتها أنه لم يرد حمل الجناية كما صنع في العبد المعتق بعد أن جنى؛ لأنه يقول في العبد: أردت أن يتبع بذلك بعد العتق، وفي هذه جناياتها لازمة له بعد الإيلاد، بخلاف المعتق فلا حجة له في ذلك، وإنما الزمناه جميع الأرش؛ لأنه منع بوطئه من اسلامها فكأنه رضي بافتكاكها بالأرش.
قال محمد: فإن لم يعلم بجناية أمته حتى باعها فأولدها المبتاع ثم علم بذلك، قال: فإن دفع البائع إلى المجني عليه دية الجناية بعد البيع ولا شيء للمشتري عليه إلا أن تكون الجناية عمدًا فيرجع على البائع بقيمة العيب، ولا يرجع عليه في الخطأ بشيء، وإن لم يدفع البائع دية الجناية؛ فعلى المشتري أن يفديها بالأقل من دية الجناية أو من قيمتها اليوم، ويرجع على البائع بالثمن إلا ما يقع على المشتري من قيمة الولد.
قال مالك: بعض الثمن على الأم وعلى الولد، كأنه اشتراهما في صفقة واحدة، فيرجع على البائع [191/أ] بما يقع على الأم من الثمن إلا أن يعطي البائع دية الجناية للمجني عليه، وقيمة العيب في العبد للمبتاع فلا يرجع عليه بشيء.
[الباب الحادي عشر]
بقية القول في جناية العبد، والجناية عليه وإقراره بالجناية
[54 - فصل: في القود بين الحر والعبد]
قد تقدم القول في أول الكتاب ألاّ قَوَد بين الأرقاء والأحرار في الجراح كلها، وقضى بذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: "وَعَقْلُ العَبْدِ قِيْمَةُ رَقَبَتِهِ، وَجِرَاحِهِ مَا نَقَصَ مِنْ قِيْمَةِ رَقَبَتِهِ يُقَوَّمُ صَحِيْحًا ثُمَّ يُقَوَّمُ مَجْرُوحًا، فَيَغْرَمُ الْجَارِحُ لِرَبِهِ مَا نَقَصَهُ".
قال مالك: فأما في النَّفس فلا يقتل حر بعبد.
قال ربيعة: إلا في حرابة.
قال مالك: ويقتل العبد بالحر إن شاء ولاة الحر، فإن استحيوه خير سيده فأما أسلمه أو فداه بدية الحر؛ لأنه يعود كالخطأ.