الجامع لمسائل المدونةصفحات 876-915

كتابً الوصايا الثالث

صفحات 876-915

[الباب الأول] جامع القول في الوصيًة على الضرر

[المسألة الأولى: فيمن قال غلة داري في المساكين وأنا أتولى غلتها وأفرقها ما دُمت حياً, ردِّها ورثتي بعد موتي, فهي وصية تباع ويتصدق بثمنها] قال الله سبحانه وتعالى في الموصي: ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ﴾.
فلا تجوز الوصية على الضرر.
قال ابن القاسم: ومن قال وهو صحيح: غلة داري في المساكين, وأنا أتولى غلتها وأُفرقها ما دُمت حياً, فإن ردها ورثتي بعد موتي, فهي وصية في ثلثي, تُباع ويُتصدق بثمنها, فذلك نافذ كما قال.
قال محمد: وقد اختلف في هذا, فقال ابن القاسم: ذلك جائز نافذ.
وقال أشهب: لا يجوز.
وقول ابن القاسم: أبين؛ لأنه ليس فيها وصية لوارث, ولا ضرر به.
قال ابن القاسم فيه وفي المدونة: ولو قال: هي على ورثتي, وأنا

ألي قسمتها, فإن رد ذلك ورثتي بعد موتي بيعت وتُصدق بثمنها من ثلثي على المساكين, لم يجز ذلك, وكانت [141/أ].
محمد: وقاله أشهب.
[المسألة الثانية: فيمن أوصي بغلامه لبعض ورثته وشرط إن لم ينفذوا ذلك له فالغلام حر] قال ابن القاسم: وقد قال بعض من أثق به من أهل العلم: فيمن أوصى بغلامه لبعض ورثته, وقال: فإن لم ينفذوا ذلك له فهو حُر, فلم ينفذوه, فلا حرية له وهو ميراث, وقاله مالك.
ولو قال: هو حر أو سبيل الله إلا أن يشاء ورثتي أن ينفذوه لابني, فذلك نافذ على ما أوصى به.
محمد: وقال أشهب: ذلك سواء, بدأ بالوصية للابن, أو بدأ بالخدمة, فلا يجوز, وهو من الضرر.
وقال ابن وهب كقول ابن القاسم.
قال أصبغ: وهو رأيي على إتباع العلماء.
[المسألة الثالثة: فيمن أوصى بثلثه لوراث وشرط إن لم يجزه باقي الورثة فهو في السبيل] ومن المدونة قال مالك: ومن أوصى بثلثه لوارث, وقال: فإن لم يجزه باقي الورثة فهو في السبيل, فلا يجوز ذلك للوارث ولا في السبيل, ويرد ميراثاً؛ لأنه مضار بالورثة إذا منعوه مالهم منعه.
قال محمد: وقال ذلك أصبغ, وهو قول جميع المدنيين,

وقاله ابن كنانة وابن نافع وابن وهب قال: وقال ابن القاسم: ذلك إذا بدأ بالوارث, ولو بدأ بالأجنبي أو السبيل وقال: إلا أن يجيزوه لابني فلان, كان ذلك جائزاً حيث جعله, إلا أن ينفذوه الورثة لوارث كما قال؛ لأنه لا يُتهم في ذلك على الضرر إذا بدأ بغير الوارث, ولم يكن أصل ما بني عليه لوارث, فافهم هذا, فإنه أحسن ما سمعت وأصوب إن شاء الله, وهو رأيي.
قال أصبع: وأنا أقوله استحساناً واتباعاً, وقال غير ابن القاسم من أهل المدينة, وفيه بعض المغمز, وأما القياس, فهو مثل الأول.
[المسالة الرابعة فيمن قال داري أو فرسي في السبيل إلا أن يشاء الورثة أن ينفذوا ذلك لابني فلان] ومن المدونة: قال مالك: ومن قال داري أو فرسي في السبيل إلا أن يشاء الورثة أن ينفذوا ذلك لابني فلان.
فذلك جائز, وينفذ في السبيل إن لم يُنفذ لابنه؛ وليس لهم أن يردوه.
[المسألة الخامسة: فيمن أوصى بغلامه لابنه, وكيف إن قال: غلامي يخدم ابني حتى يبلغ ثم هو حر] محمد: قال مالك: فيمن أوصى بغلامه لابنه, فإن لم يُجز ذلك الورثة فهو حُر, فإنه ميراث ولا حرية له, ولو قال: غلامي يخدم ابني حتى يبلغ, ثم هو حر؛ فإن لم يُجز الورثة فثُلثي صدقة على فلان.
قال: فالغلام حر إلى ألجل إن خرج من الثلث, ويخدم جميع ورثته على مواريثهم إلى بلوغ من ذكر, فيعتق.
قال محمد: وإنما وقع الضرر هاهنا بالوصية بالخدمة, وأما الحرية فقائمة جائزة لوقتها.

قال محمد: وإن لم يسعه الثلث, خير الورثة بين إجازة ذلك أو عجلوا عتق محمل الثلث منه بتلاً.
قال محمد: وهو قول أصحاب مالك أجمع, وهو مذهبهم.
[المسألة السادسة: فيمن أوصت في جارية لها أن تخدم ابنها حتى يبلغ, ثم هي حرة] وقال: فيمن أوصت في جارية لها أن تخدم ابنها حتى يبلغ, ثم هي حرة, فقيل لها: إن هذا لا يجوز, فقلت: إن كان ذلك لا يجوز فثلثي يُحج به عني.
قال مالك: تكون خدمة الجارية بين جميع الورثة على فرائضهم حتى يبلغ ابنها فتعتق.
[المسألة السابعة: فيمن أوصى بوصية فخاف ألا يجيزها القاضي فشرط إن ردها أن تباع ويتصدق بثمنها] قال أشهب: فيمن أوصى بوصية من غلة داره أو عبده, فخاف أن لا يُجيزها القاضي, فشرط إن ردها القاضي فقد أوصيت أن تُباع ويُتصدق بها.
قال: أما إذا أوصى لمن تجوز وصيته له فذلك نافذ, ولا شيء للمساكين.
قال غيره: وإن قال: عبدي لفلان.
وهو أكثر من الثلث, فإن لم تُجزه الورثة فهو حر, فذلك جائز وهو حر.
قال أبو محمد: يريد ما حمل الثلث منه.

[الباب الثاني] فيمن أوصى بوصيتين, أو بوصية بعد وصية من جنس أو جنسين, أو أوصى لرجل بشيء ثم أوصى به لغيره, وما يُعد منه رجوعا.

[(1) فصل: فيمن أوصى بوصيتين لرجل واحد المسألة الأولى: فيمن أوصى لرجل بثلاثين ديناراً, ثم أوصى له بالثلث] قال ابن القاسم: ومن أوصى لرجل بثلاثين ديناراً, ثم أوصى له تارة أخرى بالثلث, فليضرب مع أهل الوصايا بالأكثر عند مالك.
قال سحنون في المجموعة: معناه أن ماله كله عين, وكذلك قال ابن المواز [141/ب] وقاله أصبغ.
قال: وإن كان ماله عيناً وعرضاً ضرب معهم بثلث العرض, وبالأكثر من ثلث العين أو التسمية.
قال عنه ابن حبيب: وإن كان ماله كله عرضاً ضرب مع أهل الوصايا بالثلث وبالتسمية, وإن لم تكن معه وصايا فإنما له بالثلث, إلا أن يُجيز الورثة فيُعطى الوصيتين.
[المسألة الثانية: فيمن أوصى لرجل بدار, ثم أوصى له بعشرة آدر] ومن المدونة: قلت: فمن أوصى لرجل بدار, ثم أوصى له بعشرة آدر وللميت عشرون داراً, قال: فله أكثر الوصيتين - عشرة آدر- فيكون له من جميع الدور نصفها بالسهم إن حمله الثلث, أو ما حمل منه, إلا إن يُجيز ذلك الورثة.

وقال مالك: فيمن أوصى لرجل بمبذر عشرين مُدياً من أرضه, فإن كانت الأرض مبذر مئة, فله خمسها بالسهم, وقع له أقل من مبذر عشرين لكرم الأرض أو أكثر لرداءتها.
قال ابن القاسم: والدور عندي بهذه المنزلة.
قال: وإن كانت الدور في بلدان شتى أُعطي نصف كل ناحية بالسهم.
[المسألة الثالثة: من أوصى لرجل بدنانير ثم أوصى له مرة أخرى بدنانير] قال مالك: من أوصى لرجل بدنانير ثم أوصى له مرة أخرى بدنانير, فله أكثر الوصيتين كانت الأولى أو الآخرة, وإن أوصى له بدنانير, ثم أوصى له مرة أخرى بغير الدنانير فله الوصيتان جميعاً, وإن أوصى له بعشرة أرادب حنطة, ثم أوصى له بخمسة عشر إردب حنطة, فله أكثر الوصيتين بمنزلة الدنانير, وكذلك إن أوصى له بعشرة شياه, ثم أوصى له بعشرين شياه, فله الأكثر بمنزلة الدنانير, ثم يُنظر إلى عدد الغنم, فإن كانت مئة, فله خمسها بالسهم, وقع له في ذلك أكثر من عشرين أو أقل؛ وكذلك قال مالك: فيمن قال: لفلان عشرون شاة من غنمي وهي مئة شاة, فله خمسها بالسهم, ويدخل في ذلك الخمس ما دخل, وكذلك إن قال: لفلان عبدان من عبيدي, ثم قال له عشرة أعبد من عبيدي, فله أكثر الوصيتين مثل الغنم, وإذا أوصى لرجل بوصيتين من نوع واحد أخذ الموصى له أكثر الوصيتين, كانت الأولى أو الثانية ولا يجمعان له.

ومن المجموعة وكتاب ابن حبيب قال عبد الملك: إذا أوصى له بدنانير ثم أوصى له في وصية أخرى بأكثر من ذلك أو أقل, أعطيناه أكثر الوصيتين؛ لأنه لما لم يتبين أنه رجع عن الأولى واحتمل أن يكون نسيها أعطيناه أكثرهما, وأما إن كانت وصية واحدة فسمى له في أولها عشرة, ثم سمى له في آخرها عشرة أخرى فأقل, فله المالان جميعاً, فأما إن سمى له في آخرها أكثر من عشرة, فله الأخيرة فقط, ويحمل كأنه تقلل الأولى فزاده, فقال: له عشرون, منها العشرة الأولى, ولا يحسن في المسألة الأولى أن يقول له عشرة منها العشرة الأولى.
ولو قال: لزيد عشرة, ولفلان كذا, ولفلان كذا, ولزيد عشرون, فإنما له عشرون, وكانت واو النسق على ما قارنها من ذكر غيره.
ولو قال: لزيد عشرة, وانظروا فلاناً, فإنه فعل بنا كذا, أو ظلم فلانا, ولزيد عشرون, فهذا لا يحسن أن ينسق إلا على الأول, وكأنه قال: لزيد عشرة ولزيد عشرون فله ثلاثون, ولو قال: لزيد عشرة, لزيد عشرون لم يكن له إلا عشرون.
قال عنه ابن حبيب: ى وكذلك ما يكال أو يوزن, في بدايته بالأكثر أو بالأقل فهو كالدنانير, وكذلك العين كله - الدنانير والدراهم- لأنه صنف واحد- بدأ بالذهب أو الفضة- ويعتبر بالأكثر والأقل بالصرف.
وقاله مطرف- في ذلك كله - وروياه عن مالك.

[المسألة الرابعة: فيمن أوصى لرجل بوصيتين في كتابين منفصلين] قال ابن الماجشون: ولو كانا في كتابين أخذ أكثر الوصيتين لا يُراعى فيها شيء.
وقال مطرف: كانتا في كتاب أو كتابين, يراعى الأقل إذا بدأ به أو بالأكثر, فإن كانتا عروضاً وعروضاً أو عروضاً وعيناً, فله الوصيتان جميعاً, تفاضل ذلك أم لا, كانا في كتابين أو في كتاب واحد, وساوى ابن القاسم بين كتاب وكتابين كانت الوصيتان عيناً أو ما يكال أو يوزن, فله الأكثر منهما, كانت الأولى أو الأخيرة, وجعل الدنانير والدراهم صنفين في هذا, وله الوصيتان, وقاله أصبغ.
وقال ابن حبيب بقول مطرف وابن الماجشون.
وقال أشهب في المجموعة - ورواه عن مالك-: إن كل ما كان من صنف واحد, فله أكثر [142/أ] الوصيتين, كانت الأولى أو الأخيرة.
قال أشهب: كان ذلك مما يكال أو يوزن أم لا, كان حيواناً أو عروضاً أو غيرهما ما لم يكن ذلك شيئاً بعينه.
وكذلك قال ابن القاسم, وذكر عنه مثل ما في المدونة.
وكذلك ذكر محمد عن أشهب عن مالك: نحو ما تقدم, أنه إذا أوصى بشيء بعد شيء في كتاب واحد أو في كتاب بعد كتاب, ولم يذكر الأولى, فما كان من نوع واحد من دنانير, أو دراهم أو طعام يُكال أو يوزن, فله أكثرهما, وإن كانت أشياء مختلفة دنانير وعبداً ودابة, أخذ الجميع وحوصص له به.
محمد: وكذلك دنانير ودراهم وسبائك فضة أو قمح وشعير, فله ذلك كله.

وذكر يحيى بن يحيى عن ابن القاسم في العتبية مثله.
وكذلك روى عنه سحنون وأصبغ: إذا أوصى لرجل بدنانير ودراهم, أو بصيحاني وبرني في وصية واحدة أو وصيتين, فله الصنفان جميعاً.
[(1) فائدة في اختصار المسألة] واختصار ذلك كله أنه لا خلاف إذا كانتا جنسين: أن له الوصيتين, كانت بكتاب أو بكتابين.
وإن كانتا نوعاً واحداً: فقيل: له أكثر الوصيتين كانتا بكتاب أو بكتابين, وقيل: ينظر, فإن بدأ بالأقل, فله أكثر الوصيتين, وان بدأ بالأكثر أو كانتا متساويين, فله الوصيتان, وقيل: إنما هذا إذا كانتا بكتاب واحد, و'ن كانتا بكتابين فله أكثر الوصيتين.
والأول أصوبهما, وبالله التوفيق.
[المسألة الخامسة: فيمن أوصى بثلثه لفلان وفلان وفلان, ثم قال: وأعطوا فلانا مئة دينار لأحد الثلاثة] قال أصبغ: عن ابن القاسم: فإن أوصى بثلثه لفلان وفلان وفلان, ثم قال: وأعطوا فلانا مئة دينا لأحد الثلاثة, فإنه يضرب بأكثر الوصيتين من المئة ومن ثلث الثلث.
قال أصبغ: وفيها شيء, ولها تفسير.
وإنما يعني أصبغ, والله أعلم أن هذا الجواب إنما يصح إذا كان ماله كله عيناً دنانير, وأما إن كان ماله عينا وعروضاً, فله تُسع العروض والأكثر من تُسع

العين أو التسمية يضرب بجميع ذلك كله مع أهل الوصايا.
وقد تقدم له مثل هذا من كتاب محمد في أول مسألة من هذا الباب.
قال عيسى عن ابن القاسم: وإذا أوصى لرجل بعشرة دنانير, ولآخر بعشرين, ولآخر بثلاثين, ثم أوصى لهم بعد ذلك بالثلث, فإنهم يُعطون التسمية, ثم يقتسمون ما بقي من الثلث أثلاثاُ.
وقال أيضاً: يقتسمونه بقدر ما بأيديهم.
[(2)] فصل [فيمن أوصى بوصية بعد وصية من جنس أو جنسين] قال ابن القاسم عن مالك: فيمن أوصى لرجل بمئة مبدأة, ولقوم بوصايا, ثم قال بعد ذلك: ولصاحب المئة ألف دينار, قال: يحاص المئة بالألف, فإن وقع له أكثر من مئة أخذه فقط, وإن وقع له أقل من مئة أخذ المئة المبدأة.
قلت لابن القاسم: فإن قال: زيدوا لصاحب المئة المبدأة ألفاً؟ قال: يأخذ المئة المبدأة ويحاص أهل الوصايا بالألف في بقية الثلث, فيأخذ الوصيتين جميعاً.
قال أشهب عن مالك: ولو أوصى لرجل بثلاثمئة وبمسكن, وقال: يُبدأ بذلك على أهل الوصايا, ثم أقام ثمان سنين, ثم أوصى لفلان كذا ولفلان كذا, ولفلان يعني الأول ألف دينار, وذكر وصايا لقوم ثم قال: وزدت فلاناً مع ألف مئة دينار, فإنه يُبدأ الأول بالمسكن, ثم يحاص أهل الوصايا بالألف وبالمئة التي لم يبدأ بها, فإن صار له أكثر من ثلاثمئة فذلك له؛ لأن له الأكثر,

فإن صار له أقل من ثلاثمئة أُتم له ثلاث مئة مبدأة.
وكذلك في كتاب ابن المواز عن مالك.
[(3)] فصل [فيمن أوصى لرجل بشيء ثم أوصى به لغيره] ومن المدونة: ومن أوصى لرجل بشيء بعينة من دار أو ثوب أو عبد, ثم أوصى بذلك لرجل آخر فهو بينهما.
ابن عبدوس: وقاله ابن القاسم وأشهب, وهو قول مالك.
قال أشهب: لأنه قد أوصى لهما به, فتساويا وليس ما يُبدأ به في اللفظ يوجب التبدئة, وإن رد أحدهما نصفه, فذلك النصف للورثة.
قال [142/ب] ابن القاسم وأشهب: وإن أوصى بعبد لوارث, ثم أوصى به لأجنبي فهو بينهما, ويرجع نصيب الوارث ميراثاُ, إلا أن يجيز له الورثة.
قال في المدونة: ولو أوصى لرجل بثلث ماله, ثم أوصى لرجل آخر بجميع ماله كان الثلث بينهما على أربعة أسهم, ولم تكن وصيته للآخر بجميع ماله نقضاً للوصية الأولى.
[المسألة الأولى: فيمن أوصى بثلثه في سبيل الله ثم قال يُقسم ثلثي أثلاثاً] قال يحيى بن يحيى عن ابن القاسم في العتبية: فيمن أوصى بثلثه في سبيل الله ثم قال: بعد يوم أو يومين يُقسم ثلثي أثلاثاً فثًلث في المساكين, وثلث في الرقاب, وثلث يُحج به عني.
قال ابن القاسم: يُقسم ثلثه نصفين, فنصفه في

سبيل الله, ونصفه يقسم أثلاثاً على ما نص في وصيته [المسألة الثانية: فيمن له ثلاثة آدر فأوصى بثلثهن لرجل فاستًحق داران] ومن المدونة: ومن له ثلاثة آدر فأوصى بثلثهن لرجل فاستحق منها داران, أو أوصى له بثلث داره, فاستُحق ثلثها لم يُنظر إلى ما استحق وإنما يكون للموصى له ثلث ما بقي.
قلت: فلو قال العبد: الذي أوصيت به لزيد هو وصية لعمرو, قال: أرى هذا نقضاً للوصية الأولى وهو للثاني, وقد قال مالك: إذا كان في الوصية الآخرة ما ينقص الأولى فالآخرة تنقض الأولى.
وإن أوصى بعتق عبد بعينه, ثم أوصى به لرجل فهو كله للرجل, ولو أوصى به أولاً للرجل, ثم أوصى به للعتق كان حراً ولا يكون للموصى له به قليل ولا كثير, والوصية الآخرة في هذا تنقض الأولى؛ إذ لا يُشترك في العتق.
وقال أشهب: الحرية أولى به, قدمها أو أخرها, قال ربيعة: ومن أوصى بوصية بعد وصية أن الآخرة تجوز مع الأولى إذا لم يكن في الآخرة نقض الأولى.
[المسألة الثالثة: فيمن أوصى بعبده لفلان, ثم أوصى ببيعه] محمد: قال أشهب: ومن أوصى بعبده لفلان, ثم أوصى ببيعه, أو قال: بيعوه من فلان, وسمى ثمناً أو لم يسم فهو رجوع, والوصية الآخرة, ويباع من الذي سمى ويحط ثلث ثمنه إن لم يُسم, وإن سمى ثمناً لم يُحط منه شيء,

فإن قبله, فذلك له, وإلا عاد ميراثاً, ولو قال: عبدي لفلان, وبيعوه من فلان فليبيع منه ثلثي ثمنه, ويُعطي للأول, وإن ترك الموصى له بابتياعه شراءه, فالثلث الذي أوصى به للورثة دون الموصى له به, ويكون للموصى له بالعبد ثلثاً ثمنه.
قال ابن القاسم: ومن أوصى بعبده لفلان, وفي وصيه له أخرى أن يُباع من فلان غيره, ولا مال له غيره, فإن ثلث العبد يكون بينهما أرباعاً: للموصى له بالعبد ثلاثة أرباعه, وللموصى له ببيعه ربع الثلث.
قال ابن عبدوس: وقاله أشهب.
وقال سحنون: فيمن أوصى أن تباع داره من فلان بمئة, وأوصى بعد ذلك أن تُباع تلك الدار من آخر بخمسين, فإن حملها الثلث, بيع نصفها من هذا بخمسين ونصفها من هذا بخمسة وعشرين, وإن لم يحملها الثلث خير الورثة, فإما أجازوا لهم, أو برئوا لهم من ثلث الميت في داره, فيكون بينهما نصفين.
قال: ولا أرى للمريض أن يوصي ببيع داره بعد موته وليس له غيرها, وإن لم يُحاب؛ لأنهم يملكون بموته الثلثين, وإنما له ذلك في حياته.
قال أشهب: وإذا قال في وصية: غلة عبدي لفلان, ثم قال: ببعد ذلك خدمته لفلان آخر, فليس برجوع, والغلة والخدمة سواء, فإن حمله الثلث اختدماه أو استغلاه جميعاً يكون بينهما بالسواء, وإن لم يحمله الثلث خير الورثة في أن يُجيزوا ذلك, أو يسلموا إليهما ثلث الميت.

[المسألة الرابعة: فيمن قال: عبدي يخدم فلاناً سنتين ثم هو حر, ثم قال: يخدم فلاناً سنة] قال ابن القاسم: وإن قال: عبدي يخدم فلاناً سنتين ثم هو حُر, ثم قال: يخدم فلاناً سنة, فإنهما يتحاصان في خدمته سنتين, فلصاحب السنة خدمة ثلثي السنة, ثم هو حر, ثم قال: يخدم فلاناً سنتين فليتحاصا في خدمة سنة, لهذا ثلثاها, وللآخر ثلثها, ثم هو حر.
[(4)] فصل [فيما يعد رجوعاً في الوصايا] [المسألة الأولى: فيمن أوصى لرجل بدين له على رجل ثم اقتضاه فأنفقه] ومن المجموعة والعتبية [143/أ] قال ابن القاسم: فيمن أوصى لرجل بدين له على رجل, ثم اقتضاه في مرضه فأنفقه أو استودعه, فهو رجوع ولا شيء له.
[المسألة الثانية: فيمن أوصى بزرع ثم حصده, أو بثمرة ثم جذها وكيف إن كان عبداً فرهنه] وقال في المجموعة: وإن أوصى له بزرع ثم حصده, أو ثمرة ثم جذها, أو بصوف ثم جزه, فليس برجوع, إلا أن يدرس القمح ويكتاله ويُدخله بيته, فهذا رجوع, وإن أوصى له بعبده ثم رهنه, فليس برجوع, ولينفذ من رأس المال وكذلك لو آجره فالعبد للموصى له, قاله مالك: [المسألة الثالثة: فيمن أوصى بشيء ثم أدخل فيه صنعه لم تغيره عن حاله] ومنه ومن كتاب ابن المواز قال ابن القاسم وأشهب: وإن أوصى له بثوب فصبغه, فالثوب بصبغه للموصى له,

وكذلك لو غسله أو كانت داراً فحصصها, أو زاد فيها بناء, أو أوصى له بسويق فلته؛ لأنه لم يغير الاسم عن حاله.
قال أشهب: ولو أوصى لع بعرصة فبناها داراً, فذلك رجوع, ولو أوصى له بدار فهدمها حتى صارت عرصة فليس برجوع عنها؛ لأنه موصى له بعرصة وبناء, فأزال البنيان وأبقى العرصة.
قال في كتاب محمد: ولا وصية له في النقض الذي نقض, قال: وأما الموصى بعرصة فبناها داراً, فإنه لا يقع عليها بعد البناء اسم عرصة, وقاله سحنون في العتبية.
قال ابن عبدوس: قال ابن القاسم: إذا هدم الدار فالعرصة والنقض للموصى له.
قال عنه أبو زيد واصبغ في العتبية: إذا أوصى له بعرصة ثم بناها فهما شريكان فيها بقدر قيمة البناء من العرصة, وقاله أصبغ وكذلك لو أوصى له بثوب فصبغه, أو بسويق فلته كانا فيه شريكين بقدره من قدر الصبغ واللتات.
[المسألة الرابعة: فيمن أوصى بشيء ثم أدخل عليه صنعه غيرته عن حاله] ومن المجموعة, ونحوه في كتاب محمد قال ابن القاسم: ولو أوصى له بغزل ثم حاكه ثوباً أو برداء فقطعه قميصاً فهو رجوع, قاله أشهب.

قال أشهب: ولو أوصى له بقميص ثم قطعه قباء أو بجبة فردها قميصاً أو ببطانة, ثم بطن بها ثوباً أو بظهارة, ثم ظهر بها ثوباً أو بقطن, ثم حشا به أو غزله, أو بغزل ثم نسجه, أو بفضة ثم صاغها خاتماً, أو بشاة ثم ذبحها, ثم مات.
فهذا كله رجوع وتبطل الوصية؛ لأنه لا يقع عليه الاسم الذي أوصى به.
قال أشهب: وإن أوصى له بعبد أو بثوب باعه, فإن مات قبل أن يشتريه فقد رجع ولا وصية له, وإن اشتراه عادت الوصية فيه بحالها إن مات كان للموصى له, وإذا أوصى له بعبد في غير ملكه أن يُشتري له, ثم صار ذلك العبد إلى الموصى بميراث أو صدقة أو هبة, ثم مات, فالوصية فيه نافذة.
ومن العتبية قال أصبغ عن ابن وهب: فيمن أوصى لرجل بمزود جديدة ثم لته بسمن أو عسل, فليس برجوع؛ كما لو أوصى بعبد ثم علّمه الكتاب.
قال أصبغ: ويكون شريكاً فيها بقدرها من قدر اللتات, وكذلك الثوب يصبغه والقاعة يبنيها.
[المسألة الخامسة: فيمن أعتقت أمتها في مرضيها, فقيل لها لا يجوز منها إلا الثلث فقالت اعتقوا ثلثها.] قال ابن حبيب: عن أصبغ: في امرأة أعتقت أمتها في مرضها, فقال لها: من يجهل: لا يجوز منها إلا الثلث.
قالت: فإذا لا يجوز فأعتقوا ثلثها.
قال: هذا رجوع فلا يعتق إلا ثلث الأمة؛ لأنها قد صدقت من قال لها ذلك, ولو قالت: فإن كان لا يجوز ذلك فأعتقوا ثلثها, فهذه تعتق كلها في الثلث

لقولها: فإن كان, كأنها قالت: فإن لم يجز ذلك.
[(5)] فصل [فيمن أوصى بشيء ثم باعه وأخلف مكانه المسألة الأولى: فيمن أوصى لرجل بثيابه ثم باع بعضها وأخلف ثياباً] ومن العتبية: قال أشهب عن مالك: فيمن أوصى لرجل بثيابه ثم باع بعضها وأخلف ثياباً أو بمتاع [143/ب] بيته فتنكسر الصفحة ويذهب الشيء ثم يُخلفه, فذلك للموصى له, وكذلك من أوصى لأخيه بسلاحه فيذهب سيفه ودرعه فيشتري سيفاً آخر ودرعاً آخر, فهو للموصى له؛ كما لو أوصى له بحائطه فتنكسر منه النخلات, ويغرس فيه ودياً أو ينبت, أو يزرع فيه زرعاً, فذلك له, وهذا الذي أراد الميت, وأما لو أوصى له بعبد بعينه - محمد: أو أوصى بعتقه - فمات العبد فأخلف غيره فبخلاف ذلك.
لأنه عينه, وإذا لم يعين وأجمل فما وقع عليه ذلك الاسم من تركته فهو للموصى له.
قال مالك: ولو قال: رقيقي أو ثيابي لفلان فمات بعضهم وخلق بعض الثياب فأفاد رقيقاً وثياباً, فللموصى له جميع رقيقه وثيابه إن حمل ذلك الثلث؛ كما أوصى لرجل بسدس ماله, فله سدس ماله على ما هو به يوم يموت وكما لو قال: إذا مت فرقيقي أحرار فيبيعهم ويبتاع غيرهم فالوصية بحالها,

وكذلك لو زاد إليهم غيرهم ومن كتاب ابن المواز: وإذا أوصى في عبد له بالعتق, أو لفلان فمات العبد أو باعه أو وهبه, ثم اشترى عبداً غيره, فإن كان الأول بعينه - سماه- أو قال: هذا.
فلا وصية له في الثاني, وتكون وصايا الميت في ثلث ما بقي بعدهما, فأما لو قال: عبيدي أو رأس أو عشرة من رقيقي أو من إبلي لزيد, فمات بعضهم أو كلهم, ثم أفاد غيرهم من لإبل أو عبيد, فالوصية ترجع فيما أفاد كما كانت محمد: وأما قوله: حائطي لزيد فتنكسر منه نخلات فغرس مكانهن أو زاد أو زرع فذلك له؛ لأنه حائطه بعينه باق؛ فأما لو ذهب الحائط واشترى آخر فلا شيء للموصى له إذا عينه أو قصد تعينه, وإن لم يقل هذا الحائط بعينه ولكن وصفه بصفة, ثم هلك الحائط أو باعه واستحدث مثله في صفته فاختلف فيه فابن القاسم: يقول تسقط الوصية وروى هو وأشهب ذلك عن مالك في التي قالت: ثوبي الخز لفلانة, فذهب ثوبها وأخلفت مثله, أنه لا شيء للموصى لها فيه.
وخالف ذلك أشهب: فيمن أوصى برقيقه فساهم, ووصف سلاحه وثيابه بصفة ذلك وجنسه, ثم استهلك بعض ذلك واستفاد مثله, ثم هلك, قال: فلا يكون ذلك للموصى له, إلا أن يوافقه في الاسم؛ مثل أن يقول: عبدي نُجيح النوبي [حر] وقميصي المروي الكذا لزيد, وسيفي الهندي في السبيل, إن الوصية تقع في الثاني الذي هو الأول في الاسم والصفة

قال أشهب: فإن قيل: إنه إن حلف بحريته إن فعل كذا, فباعه واشترى مثله اسماً وصفةً, ثم فعل ذلك أنه لا يحنث, قيل له: ذلك يختلف؛ لأن الوصية يرجع فيها ولا يرجع في اليمين.
ولو حلف بعتق رقيقه فحنث, فغنما يلزمه فيمن عنده يوم حلف, وإذا أوصى برقيقه ثم بدلهم, أو زاد أو نقص, فإنما للموصى له من يكون عنده يوم مات لا يوم أوصى, قاله مالك, وكذلك وصيته في جزء من المال, ولم يأخذ محمد بقول أشهب حين جعل المبهم والموصوف بالاسم والصفة سواء, ومسألة مالك: في التي أوصت بثوبها الخز ترد هذا.
[المسألة الثانية: فيمن أوصى إن غلامي النوبي حر, فباعه ثم ابتاع مثله] قال ابن القاسم في الذي أوصى: إن غلامي النوبي أو الصقلي حر, فباعه ثم ابتاع مثله, فلا يعتق إلا أن يشتريه بعينه.
وقاله أصبغ.
قال محمد: وليس قوله: عبدي أو ثلاثة أعبدي كقوله عبيدي؛ لأن قوله عبدي أو ثلاثة أعبدي تعيين لهم لا يعدوهم العتق, وقوله: عبيدي.
غير تعيين, فالعتق فيمن عنده يوم يموت زاد فيهم أو نقص قبل ذلك.
وقال أشهب: إذا أوصى فقال: غلامي نُجيح الصقلي حر [144/أ] فباعه واشترى من اسمه نُجيح وهو نوبي, فلا وصيه فيه حتى يوافقه في الاسم والجنس, ولو قال: غلامي نُجيح حر ولم يصفه فاشترى من اسمه مبارك فسماه نجيحاً لعتق.

قال محمد: وقد أخبرتك أنه إنما يُنظر إلى المعين فيكون بخلاف المبهم, ولو قال: غلامي نًجيح حر, فسماه مباركاً لم تزل الوصية عنه؛ لأنه عبد بعينه.
وقال أشهب: ولو اشترى آخر فسماه باسم الذي غير اسمه لم يعتق إلا الأول [المسألة الثالثة: فيمن أوصى بأن عبده حر, ولم يسميه, وليس له غيره, ثم اشترى غيره, ثم مات] قال أشهب: ولو قال في وصيته: عبدي حر, ولم يسمه, وليس له غيره, ثم اشترى غيره, ثم مات, فالاستحسان أن يعتق الأول, وبه أقول: لأنه إياه أراد, والقياس أن يعتق نصفهما بالسهم, وقال محمد: لا يعتق إلا الأول.
قال أشهب: ولو أن له عبدين, فقال: أحدهما حر, فمات أحدهما واشتري آخر فهما حران, وقال محمد: لا يعتق عندي إلا الباقي من العبدين؛ كمن قال عبدي حر لا كمن قال: عبيدي.
قال محمد: والصواب عندنا - وهو قول مالك وابن القاسم- إن من قال: عبدي حر أو عبداي حران أو ثلاثة أعبدي أحرار أنه تعيين لا ينصرف العتق إلى غيرهم؛ كمسألة مالك في الثواب الخز, ورواها أشهب وأما إن قال: عبدي حر وله عبيد فهو؛ كمن أعتق أحد عبيده, وليس كمن له غيرهم.
والصواب من ذلك كله ما ذهب إليه محمد مع موافقته قول مالك وابن القاسم.

[(6)] فصل [فيمن وطئ جارية أوصى بها فلان هل يعد ذلك رجوعاً منه] منه ومن المجموعة قال ابن القاسم: ومن أوصى لرجل بجارية, فله وطؤها, وليس ذلك برجوع وقاله عنه أصبغ وأبو زيد في العتبية.
قال عنه أبو زيد: فإن أُوقفت الأمة بعد موته خيفة أن تكون حاملاً منه فقتلها رجل, فقيمتها للسيد الميت؛ إذ قد تكون حاملاً منه, ولا شيء للموصى له في قيمتها.
وذكره عنه ابن عبدوس, وقال: انظر في هذا, هي إنما فيها القيمة, والقيمة تدخل في المال, وتدخل فيها الوصايا لو لم يوص برقبتها, فلما أوصى بها فالموصى له أحق بقيمتها؛ لأن حكمها حكم الأمة حتى يتبين حملها, وكذلك أمة لعبده كان يطؤها, فأعتقه سيده, ثم أعتقها العبد فحكمها حكم الأمة حتى تضع.
وقال أصبغ عن ابن القاسم في العتبية: ولا يطأ المبتلة للعتق, أو لرجل في المرض وإن كانت من الثلث؛ لأنه لو صح نفذ عليه ذلك, والله أعلم.

[الباب الثلث] فيمن أوصى بمثل نصيب أحد بنيه, أو أحد ورثته أو بجزء من ماله, وجامع القول في الوصايا المبهمات

, [(1) فصل: فيمن أوصى بمثل نصيب أحد بنيه أو أحد ورثته المسألة الأولى: إذا أوصى لرجل بمثل نصيب أحد ورثته] قال مالك: ومن أوصى لرجل بمثل نصيب أحد ورثته وترك رجالاً ونساءً, فليقسم المال على عدد ذممهم الذكر والأنثى فيه سواء, ثم يؤخذ حظ واحد منهم فيُعطى للموصى له, ثم يُقسم ما بقي بين ورثته إن كانوا ولده, للذكر مثل حظ الأنثيين.
قال ابن القاسم: وإن قال لفلان مثل نصيب أحد بنيه, فإن كانوا ثلاثة فله الثلث.
قال ابن المواز: أما إذا قال لفلان مثل نصيب أحد ورثتي وهم رجال, ونساء وزوجات وأم, فقال مالك: ينظر إلى عدد جميع من يرثه, فإن كانوا عشرة أُعطي العًشر مما ترك وإن كانوا تسعة أُطي التُسع, ثم يُقسم ما بقي على فرائض الله تعالى.
قال محمد: وإذا أوصى بمثل [144/ب] نصيب أحد ولده نُظر إلى حق من يرثه مع الولد من أم أو زوجة أو غيرهما, فيُعزل حتى يُعرف حق الولد خاصة, ثم يُنظر إلى عدد الولد, فإن كانوا ثمانية وكلهم ذكور أو ذكور وإناث كان للموصى له ثُمن ما يصير للولد خاصة, وإن كانوا ثلاثة كان له الثلث من

ذلك, وإن كانا اثنين كان له نصف ما يصير لهما, وإن كان واحداً كان له مثل ما يصير له إن حمل ذلك الثلث, ثم يُضم ما بقي إلى ما عُزل لمن كان يرث الميت مع الولد, فيُقسم كل ذلك ثانية على فرائض الله تعالى, وإن كان ولده كلهم إناثاً كان لهن الثلثان, ثم يُنظر إلى عددهن, فإن كن أربعاً أُعطي للموصى له ربع الثلثين, وإن كن ثلاثاً أعطي ثلث الثلثين, وإن كن اثنتين أُعطي نصف الثلثين, وإن كانت واحدة أعطي مصابها, وهو نصف المال إن أجاز ذلك الورثة, وإن لم يجيزوا كان له ثلث المال, ثم يُضم ما بقي من سائر مال الميت فيقسم على الفرائض على البنات وسائر الورثة من العصبة وغيرهم.
قال أصبغ: وهذا كله قول مالك ومذهبه, وقول ابن القاسم وأشهب, قال ابن عبد الحكم: وهو أصح من قول أهل الفرائض.
يريد أن أهل الفرائض يقولون: إذا أوصى بمثل نصيب أحد ولده وهم ثلاثة أُعطي الموصى له الربع, وإن كانوا أربعة أعطي الخمس, يزيدون: سهما على عددهم, وحجتهم في ذلك: أن الموصي إنما أراد أن يُعطي الموصى له مثل ما يُعطى أحد ولده سواء لا يفضلهم, وأنت إذا كانوا ثلاثة وأعطيته الثلث فقد فضلته عليهم, وإن أعطيته الربع فقد ساواهم, وأعطي مثل ما صار لكل واحد منهم, وحجة مالك: أن الموصى إنما أوصى له بنصيب أحد ولده, وقد علمت أن نصيب أحد ولده الثلث في هذا؛ فكأنه إنما أوصى له بالثلث, وهذا أصوب.
[المسألة الثانية: إذا أوصى فقال فلا وارث مع ولدي أو له سهم كسهم ولدي] وقال ابن حبيب عن مالك: إذا أوصى لرجل بمثل نصيب أحد بنيه مثل

ما تقدم من كتاب محمد.
وأما إن قال: فلان وارث مع ولدي, أو من عدد ولدي أو ألحقوه بولدي, أو ألحقوه بميراثي, أو ورثوه في مالي, ففي هذا كله إن كان البنون ثلاثة فهو كابن رابع معهم, وإن كان ولده ثلاثة ذكور وابنتين, والموصى له ذكر فهو كرابع للذكور, وإن كان أنثى, فهو ثالث مع الإناث فتكون وصيته تُسع المال.
ومن العتبية قال عيسى عن ابن القاسم: إذا قال: له سهم كسهم ولدي.
وله ولد واحد, فإما أعطاه جميع المال, وإلا فالثلث, وإذا قال: من عدد ولدي.
فإن كان الموصى له ذكراً, فله سهم ذكر, وإن كان أنثى, فله سهم أنثى ويخلط مع الولد في العدد, فإن كان معهم أهل الفرائض أخرجت فرائضهم, ثم بقي بين جميع الورثة, ولو قال: هو وارث مع ورثتي.
فلتعد الجماجم, فإن كانوا ثلاثة فهو رابعهم, ثم على هذا الحساب قال ابن حبيب عن أصبغ: فيمن ترك ورثة مختلفين من زوجة وأم وإخوة لعلات فقال: لفلان سهم مثل سهم أحد ورثني, فانظر إلى عددهم, فيُعطى نصيباُ منه, ولو قال: وارث مع ورثتي زدته على عددهم, ثم أخذ نصيباً منه من جملة العدد, ولو قال: مثل سهم أحد ولدي وهم ذكور وإناث, فله سهم من عدد الذكور والإناث بخلاف قوله هو وارث مع ولدي.
محمد: قال أصبغ: إذا أوصى فقال: لفلان مثل سهم أحد ولدي, أو مثل جزأيه, أو كبعض ولدي أو كأحدهم, فهو سواء وهو كوصية بمثل نصيب أحدهم.

ومنه ومن العتبية قال ابن القاسم: وإن أوصى له بمثل نصيب أحد ولده ولا ولد له, وجعل يطلب الولد, فمات ولم يولد له, فلا شيء للموصى له, وقد قال مالك: فيمن قال: أكتبوا ما بقي من ثلثي لفلان حتى أنظر لمن أوصى, فمات ولم يوص, فلا شيء لصاحب باقي الثلث, [المسألة الثالثة: إذا قال في وصيته لفلان نصيب أحد ولدي ولا ولد له] قال أشهب عن مالك: فيمن أوصى لرجل بمثل نصيب رجل من ولده, وهم خمسة, فهلك بعضهم قبل الموصي, فللرجل مثل نصيب أحدهم يوم موت الموصي, وكذلك لو ولد له فمات وعددهم أكثر, فإنما يُنظر إلى عددهم يوم موت الموصي, ولو لم يبق إلا واحد, فهذا يرجع إلى الثلث إن لم يُجز الورثة.
[(2)] فصل [فيمن أوصى بجزء من ماله] قال عيسى: عن ابن القاسم: فيمن أوصى لرجل بجزء من ماله, أو بسهم من ماله, فلينظر من كم تقوم فريضته, فإن كانت من ستة فله السدس, وإن كانت من اثني عشر, فله نصف السدس, وإن كانت من أربعة وعشرين فله سهم منها, وإن كان ورثته ولده, فإن ترك ذكراً وأنثى فله الثلث, وإن ترك ابنين وابنتين فله السدس؛ لأن ستة أسهم أدنى ما تقوم منه هذه الفريضة, فإن لم يترك إلا ابنته ومن لا تحوز الميراث وليس معه غيره فإن له سهماً من ثمانية؛ لأنه أقل سهم سماه الله عز وجل لأهل الفرائض.
ومن كتاب ابن المواز قال ابن عبد الحكم: إن أوصى له بجزء من ماله

أو بسهمٍ من سهام ماله فقد اختُلفَ فيه: فقيل: له الثمنُ؛ لأنه أقلُّ سهم ذكره الله عز وجل في الفرائض.
وقيل: يُعطَى سهماً مما تنقسم عليه الفريضةُ, قَلتِ السهامُ أو كَثُرَت.
وقيل: يُعطَى سهماً من سهام فريضته إن كانت تنقسمُ على ستةٍ فأقل, ما لم يجاوز الثلُث فيرد إلى الثلُث إن لم يُجز الورثةُ, فأما إن انقسمت على أكثرَ من ستةٍ فلا يُنقَضُ منَ السدس؛ لأن ستةً أصل ما تُقَوَّمُ منه الفرائضُ.
م: وهذا أضعفُها.
قال ابن المواز: والذي هو أحبُّ إليّ -وعليه جُلُّ أصحاب مالك واختاره ابنُ عبد الحكم- أن له سهماً مما تنقسم عليه فريضتُه قلَّتِ السهامُ أو كثُرَت.
وقال أشهبُ: إذا أوصىَ له بسهمٍ من ماله فله سهمٌ مما تنقسمُ عليه فريضتُه كما قال مالكُ: فيمَن أوصى أن يُعتق من عبده دينارٌ, فليُنظر إلى مبلغ قيمته فيُعتق منها دينارٌ ويكون حراً فيه, وإن لم يكن للموصى بالسهم إلا ولدٌ واحدٌ, فللموصَى له جميعُ المال إن أجاز ذلك الولد, وإلا فالثُلث؛ كمن أوصى لرجل برأسٍ من رقيقه فلم يدَع إلا رأساً واحداً أو ماتوا إلا واحداً, فهو له إن حملَه الثلُث, وإن لم يدَع غير بنتٍ أو أختٍ أو مَن لا يَحُوزُ المالَ ولا معها مَن يُعرف بعينه ولا يُعرف عددُه, فإنَّ له الثمن استحساناً, وذلك بعد الإيَاسِ من معرفة خبره, ولو

زيدَ على الثمن بقدر ما يُرى من حاجته رأيته حسناً؛ لما بلغني عن علي بن أبي طالب وابن مسعود وعبيده أنهم أجازوا لمن لا وارث له أن يوصي بماله كُلَّه وكأنه أنفذ الثلثين فيما ينبغي أن يفعلَ فيه بعده.
قال أشهبُ: لأنَّ الثلثَ له وإن كان ليس بقولنا إلا أني قويت به عَلَى الاستحسَان.
[(3) فصل: جامع القول في الوصايا المبهمات] [الـ] فصل [الأول: فيمَن قال: اكتُبُوا ما بَقيَ من ثلثي لفلان, فإني أريدُ أنْ أوصي غداً فمات] ومن العتبية قال ابن القاسم: قال مالك: فيمَن قال: اكتُبُوا ما بَقيَ من ثُلُثي لفلان, فإني أريدُ أن أوصيَ غداً فمات قبل أن يُوصىَ فلا شيءَ لفلانٍ.
قال ابن القاسم: لأنه لا يدري أن لو أوصى أيبقى له شيء أم لا؟ وقال أشهبُ: له الثلُث كلُّه.
قال عيسى عن ابن القاسم: فيمن أوصى لرجلٍ بعشرة دنانيرَ, ثم قال: أنا أريد أن أوصيَ غداً ولكن اشهَدوا أنَّ ما بَقيَ من ثُلُثي لفلان, ثم مات قبل أن يوصيَ لفلان, فلا شيء له.
[الـ] فصل [الثاني فيمَن أوصىَ لفلان بمئة دينار, ولآخر بمئتين, ثم قال لثالث: ولك مثله.
ولا يدري أيهما أراد] ومنَ المجموعة والعتبية وكتاب محمد قال مالكُ: فيمَن أوصىَ لفلانٍ بمئة [145/ب] دينارٍ, ولآخر بمئتين, ثم قال لثالثٍ: ولك مثله.
ولا يدري أيهما

أراد قال: لو أعطي نصفَ ما سمَّى لكُلَّ واحدٍ لكان صواباً, قال: وإن كانوا ثلاثةَ أُعطىَ ثلُث نصيب كُلّ واحد, فإن ضاقَ الثلُثُ حاصَصَ بذلك أهلَ الوصايا, وإن قال: لفلان وفلان وفلان خمسُمئة دينارٍ, ثم قال: ولفلان مثلُه أُعطي ثلُث الخمسمئة دينار, وإن لم يسع الثلث حاصَصَ بذلك.
قال ابن القاسم: وإن قال: لفلان مئةٌ, ولفلان مئتان.
قيل له: ففلان.
قال: هو شريكٌ معهما.
قال: تُجمَعُ الثلاثمئة فيُعطَى ثلُثَها, ثم يُقسمُ ما بقيَ على الرجلين على الثلُث والثلثين.
قال ابن المواز: وإن كانوا ثلاثة فهو رابعٌ, وإن كانوا أربعةً فهو خامسٌ.
وكذلك عنه في العتبية في أول المسألة: إن له ثلُث الثلاثمئةٍ, ويَقسم الرجلان المئتين على الثلث والثلثين.
قال: وقد قال ابنُ القاسم في غير هذا الكتاب: يكون له نصفُ وصية كُل واحد منهما مما أوصى لهما به ليس من بقية الثلُث.
وقال: فيمن أوصى لأربعةٍ بوصايا مختلفةٍ لواحد بعشرةٍ, ولآخَرَ

بعشرينَ, ولآخَرَ بثلاثينَ, ولآخَرَ بأربعينَ, فكُلِّم في آخَرَ, فقال: والله ما بقيَ شيءٌ, ولكنه شريكٌ معهم, ثم مات, فقال: يُعطَى نصف وصية كل واحد مما أوصى لهم به ليس من بقية الثلُث.
قيل له: فإن قال: هو شريك معهم بالسوية.
قال: يُعطى رُبُعَ كُل وصيةٍ, وإن كانوا خمسةً فخُمُسها.
[الـ] فصل [الثالث: فيمن أوصى لفلان بمئة ولم يُسَمَّ شيئا ولا يُدرَى ما أراد] ومن كتاب محمد, والمجموعة والعتبية قال ابنُ القاسم: فيمن أوصى لفلان بمئة ولم يُسَمِّ شيئاً ولا يُدرَى ما أراد, فإن كانت بَلَدُه الغَالبَ فيها الدنانيرُ, فله الدنانيرَ, وإن كان الغالب فيها الدراهمُ, فله الدرهمُ, وإن كان فيها هذا وهذا فله الدراهمُ, وهي الأقلُّ حتى يُوقنَ أنه الأكثرَ, أو يكون لوصيته وجهٌ يُستدَلُ به؛ مثلُ أن يقولَ: لفلان مئةُ دينارٍ, ولفلانٍ عشرةٌ, ولفلان مئة, ولا يذكر ما هي, فله مئةُ دينارٍ, وكذلك إن تقدم ذكرُ الدراهم فله الدراهمَ وإن كانت بلدَ دنانيرَ إذا كان للكلام بساطَّ يدلُّ عليه.
[الـ] فصل [الرابع: فيمن أوصى بشاة من ماله] قال محمد: وإذا أوصى بشاةٍ من ماله, فإن كان له غنمٌ فهو شريكٌ بواحدة في عددها ضأنها ومعزها, ذكورها وإناثها, صغارها وكبارها, فإن هلكت كلُّها فلا شيء له, وإن لم يكن له غنمٌ فله من ماله قيمةُ شاةٍ من وسط الغنم إن حملها الثلثُ أو ما حمل الثلثُ منها, ولو قال: من غنمي, فمات وليس له غنمٌ, فلا شيء له,

وإن لم يترك إلا شاةً كبيرةً أو صغيرة, فهي إن خرجَت من ثُلُثه أو ما خرج منها.
قال أشهبُ: وإن أوصى له بتيس من غنمه, فلينظر إلى كل ما يقع عليه اسم تيس, وإلى عدد ذلكَ فيكونُ فيها شريكاً بواحدة, وأما إن قال: شاةٌ من غنمه فالتُّيُوسُ والمعزُ والضأنُ, والصغيرُ والكبيرُ يدخل في العدد.
ولو قال: كبشاً لم يدخُل في ذلك إلا كبارُ ذكور الضأن, ولو قال: نعجة لم يدخل إلا كبارُ إناث الضأن, ولو قال: بقرة من بقري دخل فيها ذكور البقر وإناثُها.
م: يريد؛ لأنَّ ذلك اسمٌ يقع على الجميع عندهم, وأما ببلدنا فلا يقع ذلك إلا على الإناث.
قال: وإن قل: ثَوْرٌ, لم يكن إلا في ذكور الكبار, وإن قال: عجل, لم يكن إلا في ذكور العجول.
[الـ] فصل [الخامس: فيَمن أوصى بصدقة عشرينَ ديناراً فقيل له: زدُ فقال: زيدُوا وَزيدُوا] قال ابنُ كنانةَ في المجموعة: فيمن أوصى بصدقةٍ عشرينَ ديناراً فقيل له: زد فإن لك مالاً, فقال: زيدُوا وَزيدُوا, فقال: لو زادوا على العشرينَ مثلَ ثلُثها لكان حسناً.
ابنُ حبيب قال أصبَغُ: فيمَن أوصى بوصيةً فكُلمَ أن يَزيدَ فقال: زيدُوا ثم مات ولم يسمِّ ما يَزيدُون؟ قال: قد قيل: يُزاد مثلُ ثُلُث وصيته [146/أ] ولا أراهُ.
ولكن يُزاد بقدر المال وقدر الوصية بالاجتهاد من الإمام مع مشورة أهل العلم.

[الـ] فصل [السادس: فيمَن أوصى بثلثه لثلاثة نفر, ثم قال لفلان عشرةً ولفلان عشرونَ وسكتتَ عن الثالث] ومنَ العتبية قال مالكٌ: ومَن أوصىَ بثُلُثه لثلاثة نفر, ثم قال لفلان عشرةٌ ولفلان عشرونَ وسكَتَ عن الثالث, فللذي عنه ثُلثُ الثلُثِ, ويُعطَى للموصىَ لَهُ بعشرةٍ عشرةً, للآخر عشروُنَ, ثم يُقَسمُ ما بَقيَ منَ الثلُث على العشرة والعشرينَ بالحصص.
م: ولو قال قائلٌ: يُعطَى للموصىَ له بعشرةٍ عشرةً, وللآخَر عشروُنَ, وباقي الثلث للذي لم يُسمِّ شيئاً لكانَ له وجه, وكأنه قالَ: ثُلُثي لهؤلاء الثلاثَة, لفلاَن منه عشرة, ولفلان منه عشرونَ, فيُفهَمُ أن الباقيَ للثالث, والله أعلم.
[الـ] فصل [السابع: فيمن أوصى فقال: لفلان عشرة دنانيرَ, ولفلان وفلان عشرة] ومن كتاب ابن المواز -وأراه لأشهبَ-: فيمن أوصى فقال: لفلان عشرة دنانيرَ, ولفلان عشرة, قال: فللأول سبعةٌ ونصفٌ, وللثالث سبعةٌ ونصفٌ وللأوسط خمسةٌ.
م: ووجه ذلك: أن الأوسطَ يُحتمل أن يكون مضافاً إلى الأول, ويحتمل أن يكون مضافاً إلى الثاني ففي كلا الوجهين لا يكون له إلا خمسةٌ فيعطيه كلُّ واحد من عشرته دينارين ونصفاً للاحتمال.
م: وظاهرُ قول الموصي: أنَّ للأول عشرةً, وللثاني والثالث عشرةٌ: خمسة خمسة؛ لأنه لما قالَ: للأول عشرةُ دنانيرَ فقد أفرده بها, ثم قال: ولفلان وفلان عشرة فقد أشركهما فيها خاصة, والله أعلم بما أراد.
قال في كتاب محمد: ولو قال: ثُلُثي لفلان أو فلان أو فلان, فالورثةُ مُخَيَّرُونَ في دفع الثُلثِ إلى مَن شاءوا منهم, أو قسموه بين اثنين أو ثلاثة, أو

فضلوا بعضهم على بعض, فإن لم يقبل أحدهم فيكون ما دُفعَ إليه لصاحبيه مَن شاء الورثة منهما, ولا يرجع ميراثاً إلا أن يُعرض جميع الثلُث على كل واحد منهم فيأباه, فليَرجع ميرَاثاً.
[الـ] فصل [الثامن: فيمَن أوصىَ بعتق خيَار رقيقه] ومن كتاب محمد والمجموعة قال ابن القاسم: فيمَن أوصىَ بعتق خيَارٍ رقيقة, فَليَعتق أعلاهم ثمناً, ثم الذي يليه ويقاربُه في الثمن حتى يُوعَبَ الثلثُ.
قال أصبَغُ: إلا أن يُرَى أنه أراد الخيارَ في الدين والصلاَح بسببٍ يَدُلُّ عليه أو بساط, فَيُحمَلُ على ذلك, وإلا فأعلاهُم ثمناً.
قال ابنُ القاسم: فإن وسَعَهُم كلهم الثلثُ أُعتق المرتفعون, ولا يُعتق الوخش -مثلُ ثمن خمسةَ عشرَ- هذا إن كانوا متباينين جداً في الثمن فيُعرَفُ بذلك أنه أراد المرتفعين منهم, وأما إن تقاربت أثمانهم فَليُبدأ أهل الصلاح منهم.
وإن قال: أعتقُوا قدماءَ رقيقي, عتق الأولُ فالأول حتى ينفذ الثلثُ, فإن وَسعَهُم الثلثُ كلهم نُظر إلى الذي يُظنُّ أنه أراد في قدم الكسب وحدوثه فيُبدأ بالقدماء ولا شيءَ للمحدثينَ, وإن اشتراهم جملةً واحدةً عتق ثُلُثهم بالسهم.
وقاله أصبَغُ.
قال ابن القاسم في العتبية: في الذي قال: أعتقُوا قدماء رقيقي وله عبيدٌ منذ عَشر سنينَ, ومنذ خمس سنينَ, ومنذ سنةٍ, فإن حملهم الثلثُ عتقوا كُلهم, وإن لم يحملهم الثلُث تحاصوا وعتق منهم محملُ الثلُث, وإن كان له عبيد منذ أقل من سنة فليسوا بقدماءَ.

قال سحنون: ومَن أوصى بعتق بعض عبيده, فَليَعتق ما لا يُشَكُّ أنه بعضهم وهو عبدُّ, ولا يكون بعض نصفَ عبيده, ومَن قال: بعضُ رقيقي أحرارٌ, أو قال: حُرٌ, فأما قولُه فهو واحدٌ من اثنين فأكثرَ, وأما قولُه أحرارٌ فهم اثنان من ثلاثة فأكثر.
[الـ] فصل [التاسع: فيمن له ثلاثة أفراس فأوصى لرجل بفرس منها ولم يعيُنه, وقال خَيروُا فلاناً بين الباقيين] قال ابن القاسم في العتبية: فيمن له ثلاثةُ أفراس أو ثلاثةُ أعبُد, فأوصى لرجل بفرس منها أو عبد ولم يعيَّنه, وقال [146/ب] خَيِّروُا فلاناً بين الباقيين, فيأخذ ما شاء, والثالثُ لفلان, فليُعطَ الأولُ ثُلُثَها يُعطى وسطاً منها يكونُ قيمَتُه ثُلُثها.
قال أصبَغُ: يعني: يجمع له ثُلث قيمة كل واحدٍ في فرس منها بالسهم, فإن زادت القيمةُ عليه أتم له من غيره ما بقيَ له, ثم يُخَيَّرُ صاحبُ الخيار في خَير ما بقيَ حتى يكمل له فرساً إن كان فيها كسرٌ من فرس, ثم يكون للآخَرِ ما بقيَ جبيراً كان أو كسيراً.
ومثلُه في المجموعة عن ابن القاسم.
وقال فيها أشهبُ [وهو] في كتاب محمد: يُعطَى

لصاحب الفرس المبهم ثلثُ قيمتهم يأخذُه بالسهم, فإن جاءهُ أقلُّ من فرس, فليس له غيره, ويُخَيِّرُ المُخَيرُ في الباقيين فيأخذ أحدَهما, ويأخذ الأخرَ الباقي, ويأخذُ الورثةُ ما فضل منَ الفرس الأول, فإن وَقَعَ سهمٌ صاحب الفرس المبهم في اثنين أخَذَ ذلك, وأخذَ ذو الخيار الفرسَ الثالثَ, كما لو وقع سهم الأول في واحدٍ, وماتَ واحدٌ, لكان لذي الخيار الثالث, فإن وقع للأول فرس ونصف أخَذَ ذو الخيار الفَرَسَ الباقي وأخذَ الثالثُ النصفَ.
قال محمد: فإن قال المُخَيرُ: يأخذُ نصفَ هذا ونصفَ الثالث.
فقال أصبَغُ: ذلك له.
ولم يعجبني.
م: والقياسُ ما قال أشهبُ: وأنا أستحسنُ إذا اختلفت قيمتُهُم وكَانَ أوسطُهم ثلثَ قيمتهم أن يُعطاه صاحب المبهم بلا سهم, ويخير المخيرُ في الباقيين, ويُدفع الباقي للثالث, كذلك أراد الميتُ أن يأخذ كل واحد منهم فرساً, وإن اختلفت قيمتُهم ولم يكن أحدُهم ثلثَ قيمتهم, فكما قال أشهبُ.
قال ابن القاسم في جميع هذه الكتب: فإن سمَّى للأول فرساً بعينه فَنُسيَ فله ثُلُث كل فرس ثم يأخذ المخيرُ ثُلُثَي المرتفع وثلثَ الوسَط, ويأخذ الآخَرُ ثُلُثي الدنيء, وثُلُثَ الوسَط.
وقاله سحنون.

محمد: ولو قال لفلانٍ: خَيرُها, ولفلان أوسطُها, ولفلان أدنَاها, فهلك أحدُها, فلم يعلم ما هو خيرُها أو الوسطُ أو الدونُ, فللموصَى له بخيرها ثلثا المرتفع منَ الباقينَ, وللموصىَ له بالأدنى ثلُثا أدناها, ولصاحب الوسط ثلُثُ كل واحدٍ.
[الـ] فصل [العاشر: فيمن أوصت بجميع ما في بيتها لمولاتها فهل تدخل فيه ثياب ظهرها] ومن كتاب محمد والمجموعة والعتبية روى أشهبُ عن مالك: في التي أوصت بجميع ما في بيتها لمولاتها, أو قالت: ما في بيني لها.
فقالت المولاةُ: نأخذ ثيابَ ظهرها.
وقال الورثةُ: لم تُرد الثيابَ, فقال مالكُ: مَن يرثُها؟ فقيل كلالَةً.
قال وكم ثيابُها؟ قيل: أمرٌ يسيرٌ.
قال: إذا لم تكن ثيابُها الثيابَ الرفيعَة التي يُضنُّ بها عن مثلها, ولم تَقُل متاع بيتي إنما قالت ما في بيتي.
رأيتُ ذلك لها, وما أرادت إلا أن تكون ثيابُها لمولاتها, وما ثيابُها من متاع البيت؟ ولكنها تُورَثُ كلالةً, وكأنها أرادت أن تكافئ مولاتها بثيابها.
قيل: فالتي ماتَت فيها تدخلُ في ذلك؟ قال نعم.
قيل: فما كانَ لها الثياب مرهونةً؟ قال: إنما قالت ما في بيتي: فأما أن تكون لها ثيابٌ عند أختها أو مرهونةً فلا.
[الـ] فصل [الحادي عشر: فيمَن قال: ادفعوا هذا الخيشَ لفلان, فوجدوه مملوءاً طعاماً] ومن هذه الكتب قال ابن القاسم: فيمَن قال: ادفَعُوا هذا الخَيشَ أو المسح الشعر لفلان, فوجدوه مملوءاً طعاماً فليأخذه بطعامه, ولو قال: أعطوه الخريطَة الحمراءَ وهي مملوءةٌ دنانيرَ, فله الخريطةُ بما فيها,

وكذلك إن قال: أَعطُوهُ زقً فوُجِد مملوءاً عسلاً, فهو له بم فيه من عَسَل, [147/أ] ولو كان مملوءاً دراهمَ لم يأخذه إلا فارغاً.
قال ابن القاسم في كتاب التفليس: إلا أن يكون عُرفَ أنَّ فيه دراهمَ فهو له بما فيه.
قال ابنُ القاسم: وإن تصدقَ بثُلُثِ داره في مَرَضه وفيها طوبٌ وخشبٌ أعدَّهُ للبناء, وطلب المعطىَ ثلثَ ذلك, ومنعه الورثةُ.
قال: لا شيءَ له في الطوبِ والخشب.
وروى عنه أبو زيد: فيمن أوصى بثُلُثه في السبيل إلا العراص, وفي العراص خشب وطوب مُلقىً لبنائها, فإن كان شيئاً نقضه منها فلا يُباعُ منه شيءٌ, وإن كان إنما جاء به لبنائها, فذلك يُباعُ ويُخرَجُ ثلُثُه.

[الباب الرابع] فيمن أوصى لولد ولده, أو لأخوَاله وأولادهم, أو لمواليه, أو لولد فلان أو لبني فلان, أو لقبيلة كذا, أو لقرابته, أو لجيرانه, وجامع ما يشبهه.

[(1) فصل: فيمن أوصى لولد ولده أو لأخواله وأولادهم أو لمواليه وكيف إن مات بعضهم وولد غيرهم] قال مالكُ: ومَن أوصى لولد ولده بثلثه, فذلك جائزٌ إذا كانوا غير ورثة, قلت: فإن مات بعضُهم وولد غيرهم بعد موت الموصى قبل قسمة المال.
قال: فذلك لَمن حضر القسمَ؛ وقد قال مالكُ: فيمن أوصى لأخواله وأولادهم أو لمواليه بثُلُثه فمات منهم بعد موته نفرٌ ووُلد لآخَرينَ منهم, وذلك قبل قسمة المال, فإنما يكون الثلُثُ لمن أدرك القسم منهم؛ فكذلك مسألتُك.
قال ابن القاسم: وإن قال ثُلُثي لهؤلاء النفر وهم عشرةٌ فمات أحدهم بعد موت الموصي قبل قسمة المال, فنصيبُ هذا الميت لورثته, وهذا خلاف الأول؛ لأن الأول إنما قال: لولد ولدي, أو لأخوالي وأولادهم, أو لبني عمي, أو لبني فلان, فهذا لم يُسمَّ قوماً بأعيانهم, فإنما ذلك لمن حَضَر القسم, وإذا ذكر قوماً بأعيانهم فمات بعضُهم بعد موت الموصي ورثَ نصيبه وارثوه.
قلتُ: فإن قال: ثُلث مالي لولدِ فلان وهم عشرةٌ ذكورُ وإناثٌ؟ قال: الذي سمعتُ من مالك أنه أوصى بحبس داره أو ثمرة حائطه على ولد رجلٍ, أو على ولد ولده, أو على بني فلان, فإنه يُؤثَرُ أهل الحاجة منهم في السكنى والغلة, قال ابن القاسم: وأما الوصايا, فإني أراها بينهم بالسوية.
قال سحنون: وهذه المسألةُ أحسنُ من المسألة التي قال فيمن أوصى لأخواله وأولادهم.

وقد روى ابنُ وهب في الأخوال مثلَ رواية ابن القاسم.
إلا أن قول عبد الرحمن في هذه المسألة أحسنُ, وكذلك يقولُ غيره, وليس وصيتُه لأخواله بشيء ناجز يقتسمونه بينهم كوصيته لهم بغَلةٍ موقوفةٍ محبسة عليهم؛ لأن الحبس إنما قسمَتُهُ إذا حضرت الغلة كل عام, وإنما أُريد بذلك مجهولُ مَن يأتي, فأما وصيتُه لأخواله أو ولد فلان بشيءٍ ناجزٍ يقسم مكانَه وهم معروفُون لقلتهم وأنه يحاطُ بهم فكالوصية لقوم مُسَمين بأعيانهم, وإذا كانت الوصيةُ لقوم مجهولين لا يُعرَفُ عدُدُهم لكثرتهم مثلُ قوله: لبني تميم أو لبني زهرة أو للمساكين, فهذا لم يرد قوماً بأعيانهم؛ لأنَّ ذلك لا يُحصَى ولا يُعرَفُ, وإنما يكون لَمن خَضَرَ القسم.
م: ألزم سحنون ابنَ القاسم التناقض بقوله: وأما الوصايا فإنها تُقسم عليهم بالسواء.
م: وليس ذلك تناقضاً ولا خلافاً لما تقدم, وإنما تكلم في هذه المسألة على الفراق [147/ب] بين الحبس والوصَايا, فقال: الحبسُ يُؤثَر فيه أهل الحاجة -ذلك سنته- والوصَايا يساوَى بينهم فيها إذا حضرت القسمةُ؛ لأنهم استَوَوْاَ في الوصية, وهو شَيء ناجزٌ يقسم بينهم, ولم يتكلم في هذه المسألة, هل يُحرَمُ مَن مات ويُعطَى لمَن وُلد! ومذهب ابن القاسم جيد مع موافقته لمالك رحمهما الله؛ وذلك أن قولَه: ثُلُثي لولد فلانٍ ليس بتعيين للولد, فما وقعَ عليه ذلك الاسمُ يوم القسم فله الوصيةُ؛ كقوله رقيقي أحرارٌ أو عبيدي أحرارٌ, فمات بعضُهم واشترى غيرهم إن جميعَ مَن تُركَ منَ العبيد أحرارٌ إذا حملهم الثلُث؛ لأنه لم يعيَّن, فراعيتُ قولَ الموصي يوم موته, فما وقع عليه اسمُ عبدٍ أعتَقه, وكذلك ما وقع عليه اسمُ ولدٍ, أو خالٍ يوم موتِ الموصي, فله الوصيةُ.

وأما إذا عينَ فلا تعدو الوصيةُ المعينَ, والتعيين كقوله ثُلُثي لولد فلان هؤلاء أو يُسَمهم بأسمائهم, ويكون لفلان ولدان أو ثلاثةٌ, فيقولُ: ثُلُثي لوَلَدَي فلان, أو الثلاثة أولاد فلان, فإذا سمى أو أشار إليهم أو قصد قصداً يُعلم أنه أراد التعيين فلا تعدوهم الوصيةُ إلى غيرهم, وكذلك العتق.
وقد روى أشهبُ عن مالك في العتبية: في امرأة أوصت في مرضها لولد فلانة, لكل واحد بعشرةِ دنانيرَ, فوُلد لها قبل موتها ولدٌ ومات ولدٌ آخَرُ, فلا شيءَ لمن مَاتَ منهم وأما مَن وُلد فيُعطَى مع مَن يُعطَى.
وكذلك في كتاب ابن المواز: وكذلك إن أوصت لهم وهي تَعرفُ عددهم.
قال: وقال أشهبُ: إذا أوصى بثُلُثه لبني فلان وهم أربعةٌ فَعَرَفَ عدتهم أولا يَعرِفُهَا, فمات بعضُهم قبل موت الموصي, ووُلدَ آخروُن فالثلث لمن بَقيَ وللمولود ولا شيء لمن مَاتَ, ولو سماهم لم يكن للمولود شيءٌ, وترد حصة الميت منهم إلى ورثة الموصي.
م: يريد: لأنه مات قبل موت الموصي.
قال ابن المواز: وكل مَن أوصى لقوم بأعيانهم تَعَمدهم, وعُلم أنه قصدهم بأعيانهم, ولم يكن حبساً, فالقسمُ بينهم بالسوية, ولا يُحرمُ مَن ماتَ بعد موت الموصي, ولا شيءَ لمن وُلِدَ, وهذا قولُ مالكٍ الذي عليه أصحابهُ أجمَعُ.

ومنَ المجموعة ذكر رواة ابن القاسم: في الموصى لولد فلان, أو لولد ولده, أو لمواليه, أن ذلك لمن حضر القسم لا يحرمَ من وُلد ولا شيءَ لمن مات, وكذلك لأخواله وأولادهم.
قال: وقال أشهبُ: إذا أوصى لولد ولد رجلٍ أو لمواليه وهم عشرةٌ معروفُون, فمَن مات منهم قبل القسم, فنصبيه لورثته, ولا شيء لمن وُلد, بخلاف مَن أوصى للمساكين أو لابن السبيل أو الأرامل أو لبني تميم.
قال مثلَه عبدُ الملك.
وقال: إذا كانوا معروفين, فيُحمل أمرُه على أنه أراد أعيَانَهم.
وقاله سحنون.
م: وهذا مثلُ ما تقدم لسحنون في المدونة, وهو خلافٌ لما قدمناه لمالك وابنِ القاسم.
[(2)] فصل [فيمن أوصى بثلثه لموالي فلان, فمات بعضُهم وأعتق فلان آخرين قبل أن يُقسم المال, وفي الوصية لبني فلان أو قبيلة كذا] ومن المدونة قال ابن القاسم: ومَن قال: ثُلُثُ مالي لموالي فلان, فمات بعضهم أعتق فلان آخرينَ قبل أن يُقسم المال فذلك لمن حَضَرَ القَسم؛ كالوصية لولد الولد, وإن أوصى بثُلُثه لبني تميم أو قَيسٍ جازت وصيتُه وقُسمت على الاجتهاد؛ لأنا نعلم أنه لم يرد أن يَعُم قيساً كلهم, ولا شيء فيها للموالي, ولقد نزلت أن رَجُلاً

جارٍ التحميل