الجامع لمسائل المدونةصفحات 235-274

كتاب السلم الثاني

صفحات 235-274

من الجامع لمسائل المدونة والمختلطة

[الباب الأول]

في فساد السلم والحكم فيه إن نزل بعد ذلك

[فصل 1 - ما يجب للمسلم في السلم الفاسد بدل رأس ماله] ومما يبين الرسول عليه السلام في السلف قوله «سلفوا في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم» (ونهى عن الكالئ بالكالئ) وهو الدين بالدين فوجب تعجيل النقد في المضمون، فكل من أسلم في غير كيل معلوم أو أسلم إلى أجل غير معلوم أو أخر النقد فيه بشرط فالسلم فاسد.
قال ابن القاسم: ومن أسلم في حنطة سلماً فاسداً فله أن يأخذ برأس ماله تمراً أو طعاماً غير الحنطة إذا قبض ذلك كله ولم يؤخره.
وقال مالك فيمن أسلم في طعام أو غيره سلماً فاسداً فإنما له رأس ماله.
قال ابن القاسم: ويجوز له أن يأخذ به من البائع ما شاء من طعام أو غيره سوى الصنف الذي أسلم في إذا لم يؤخره.

م: واختلف هل يأخذ برأس ماله شعيراً أو سلتاً والسلم في الحنطة؟ فحكى عن أبي العباس الإبياني: أن ذلك لا يجوز؛ لأن ذلك كله صنف واحد في الزكاة والبيوع.
وقال ابن أبي زمنين: أن ذلك جائز.
قال: وكذلك لو أخذ سمراء من محمولة.
م والأول أحوط، وهذا أقيس لأنه لم يأخذ نفس ما عاقده عليه وهو غيره لا ش فيه، وإنما لا ينبغي أن يأخذ سمراء من سمراء أو محمولة من محمولة، ويحملان على أنهما لا يتفاسخا وبقيا على العقد الأول.
م وظاهر الكتاب يدل أن له أن يأخذ شعيراً أو سلتاً؛ لأنه شرط أن له أن يأخذ منه غير الحنطة التي أسلم فيها، وكذلك لو أخذ سمراء من محمولة؛ لأنها غير ما أسلم فيه، ولا يجبر على أخذها في السلم الصحيح؛ لأن له شرطه.
قال بعض القرويين: وإن أخذ من حنطة فولاً أو عدماً، فإن كان السلم حراماً جاز وإن كان مختلفاً فيه لم يجز إلا بعد فسخه بحكم أو بإشهاد خوفاً أن يكون من باب بيع الطعام بالطعام قبل قبضه لمذهب من أجاز ذلك.

م وقد اختلف هل يجزئ الفسخ بالتراضي والإشهاد عليه دون حاكم يحكم بذلك؟ والصواب أن لا يجزئ إلا بحكم فيحكم بما رآه صواباً من فسخ أو إجازة؛ لئلا يدخلا في بيع الطعام قبل قبضه، فأخذ غير ما أسلم فيه.
قال ابن المواز: وإن كان رأس المال ذهباً فلا يأخذ به فضة ولا يأخذ برأس ماله إلا ما يجوز له أن يسلمه فيه إلى أجل.
ووقع في المستخرجة ما يدل أنه يجوز أن يأخذ دراهم من دنانير واختلف في ذلك القرويون، فذكر عن ابن الكاتب أنه أجاز ذلك، قال: وهو كالدين يصارفه به.
واحتج بمسألة كتاب الصلح إذا باع عبداً بدنانير ففات بعد قبض الثمن، واطلع المبتاع على عيب به، أنه إن شاء أن يأخذ بقيمة العيب ورقاً.

وقال غيره: لا تشبه هذه المسألة مسألة العيب؛ لأن سبب العيب من واحد، فلا يتهمان أن يعقدا على هذا، وإنما التهمة فيما يفعلانه جميعاً كالإقالة أو البيع الفاسد والرد بالعيب يشبه انهدام الدار.
قال ابن حبيب: ولو فسخه السلطان بينهما جاز أن يأخذ برأس ماله مثل ما أسلم فيه نقداً.
م ويجوز حينئذ أن يأخذ دراهم من دنانير لارتفاع التهمة بفسخ السلطان، فصار رأس المال ديناً على الذي عليه السلم فجاز أن يأخذ به المشتري ما تراضيا عليه مما يجوز له شراؤه بالنقد.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ويجوز [أن يصالحه على] أن يؤخره برأس المال أو يأخذ نصفه ويحط ما بقي.
م يريد وذلك بعد أن يثبت الفسخ بحكم أو يتراضيا به وهو مما لا اختلاف في فسخ، وأما المختلف فيه فلا يجوز ذلك إلا أن يفسخ بحكم لئلا يدخله بيع الطعام قبل قبضه.

فصل [2 - اشتراط الأجل المعلوم في البيع والسلم] ومن المدونة: قال ابن القاسم: وكلما اشتريت من الثياب والحيوان أو غير ذلك موصوفاً فلا يجوز لك موصوفاً فلا يجوز لك أن تجعله مضموناً إلى غير أجل، كما أمر الرسول صلى الله عليه وسلم، وسواء كان رأس المال عيناً أو عرضاً.
قال: ومن أسلم في طعام ولم يضرب لرأس المال أجلاً، فافترقا قبل أن يقبضه البائع، فهو حرام إلا أن يكون على النقد فلا بأس به.
م: حمل أمرهما أنهما أرادا التأخير لما ظهر من فعلهما ففسخه حماية، وكذلك أصله في المبهمات أنه يحملهم فيها على الفساد، حتى يشترطون الحلال.
قال في الأكرية فيمن اكترى داراً بثوب بعينه ولم يشترط نقده فتشاحا في ذلك، وسنة البلد عندهم في الكراء ليس على النقد، أن الكراء لا يجوز

وإن عجل الثوب إلا أن يشترطا النقد في العقد.
وقال ابن حبيب: الكراء جائز وهو على النقد حتى يشترطا تأخيره تصريحاً، فكذلك مسألتنا.
م ينبغي على أصل ابن حبيب أن يكون السلم جائزاً ويقضى عليه بالنقد حتى يشترطا تأخيره تصريحاً.
م وقال بعض أصحابنا: وينبغي على أصل ابن القاسم أن لا يفسد السلم بإبهام النقد، وإنما أفسده لأنهما قصدا التأخير وهذا بخلاف عقد الكراء؛ لأن عقد السلم يوجب النقد وعقد الكراء لا يوجبه، فإذا أبهم الأمر حمل كل واحد منهما على موجبه.
[فصل 3 - تأخير النقد المشترط في العقد إلى يوم أو يومين ونحوهما] ومن المدونة قال: ابن القاسم: وإذا وقع البيع على النقد فقبض رأس المال بعد يوم أو يومين ونحو ذلك جاز.
قال في كتاب الخيار: أو ثلاثة أيام، فذلك جائز، ولا يجوز أكثر من ذلك إلا أن يتأخر من غير شرط فيجوز ما لم يحل الأجل فإذا حل فلا يجوز.

[قال] ابن المواز: ثم رجع ابن القاسم فأجازه؛ إذ ليس بشرط وقاله أشهب.
قال ابن حبيب عن ابن الماجشون: إن تأخر رأس المال كثيراً أو حتى حل الأجل -يريد في العين- فإن كان ذلك بامتناع من المشتري أو التواني، فالذي عليه السلم بالخيار في أخذ ثمنه ودفع ما عليه أو فسخ السلم، وإن كان بترك من الذي عليه السالم لأخذه أو توان منه، فالسلم ثابت؛ لأن نفع تعجيل الثمن للبائع ولذلك زاد في السعر.
وقال أشهب: سواء كان ذلك بهرب أو غير هرب فهو جائز ما لم يكن بشرط.
[فصل 4 - تأخير رأس مال السلم إذا كان غير نقد يوماً أو يومين ونحوهما] وفي المدونة: قال ابن القاسم: وإن أسلمت عبداً بعينه في طعام إلى أجل سنة فلم يقبضه إلا بعد شهر أو شهرين أو إلى الأجل فالبيع نافذ ما لم يكن بشرط.
قال مالك: وإن كان رأس مال السلم عرضاً أو طعاماً أو حيواناً بعينه فتأخر قبضه يوماً أو يومين ثم قبضه بعد ذلك فلا بأس به، وإن تأخر

قبضه الأيام الكثيرة أو الشهر أو إلى الأجل فإن كان بشرط فسد البيع، وإن لم يكن بشرط أو كان هرباً من أحدهما بالبيع نافذ مع كراهية مالك لهما في ذلك التأخير البعيد بغير شرط.
م قال بعض أصحابنا: هذه المسألة على ثلاثة أوجه: [1] إن كان رأس المال رقيقاً أو حيواناً فتأخر قبضه الأيام الكثيرة أو إلى الأجل فالبيع نافذ بغير كراهية؛ لأن ضمانه لو هلك من مشتريه، لأنه مما لا يغاب عليه.
[2] وإن كان عيناً فتأخر كثيراً أو إلى الأجل فسد البيع؛ لأنه لا يتعين، فأشبه ما في الذمة فضارع الدين بالدين.
قال بعض القرويين: وهذا إذا كان الثوب غائباً فإن كان حاضراً حين العقد لا نبغي أن يكون كالعبد، لا كراهية في تأخيره، والطعام أثقل منه، إذ لا يعرف بعينه والعين أشد من الطعام؛ لأن الطعام يشترى لعينه والعين لا يراد لعينه فهو كغير العين فتأخيره يكون ديناً بدين.

قال ابن القاسم في باب اختلاف المتبايعين: وإذا ادعى المسلم إليه أن رأس المال تأخر شهراً أو قال: شرطنا أن يدفعه بعد شهر أو شهرين، وقال الآخر: بل نقدتك عند عقد البيع فالقول قول مدعي الصحة.
قال ابن أبي زمنين: كان بعض مشايخنا يقول: إذا كان رأس المال عيناً فتأخر من غير شرط فالسلم مفسوخ ويحتج لقوله في هذه المسألة إذا قال لم أقبض رأس المال إلا بعد شهر أو شهرين وقوله هذا جيد؛ لأن العين في الذمم، ويدخله الدين بالدين ويحتج أيضاً بقوله في السلم الثالث: إذا أخر النقد حتى حل الأجل أن ذلك لا يجوز لأنه الدين بالدين.
وقال بعض أصحابنا: وينبغي على قوله في غير المدونة أن السلم يجوز إلى ثلاثة أيام ونحو ذلك أن لا يجوز تأخير رأس مال المسلم اليومين والثلاثة لأنه يحصل ديناً بدين وبينا القول في تأخير رأس مال السلم على اختلاف

قوله في أجل السلم، ومثله لأبي القاسم بن الكاتب وهو بين.
قال في كتاب كراء الرواحل والدواب: وإن اكترى بهذه المعينات من عروض ونحوه وشرط عليه ألا ينقده إلا بعد يومين أو ثلاثة لم يعجبني ذلك إلا لعذر من ركوب دابة أو لبس ثوب أو توثق حتى يُشهد، وفذلك جائز، وإن لم يكن لشيء من ذلك كرهته ولا أفسخ به البيع، فكذلك هذا.
ومن السلم الثاني قال: وإن أسلمت إلى رجل مائة درهم في طعام، نقدته منها خمسين درهماً، وأخرك بخمسين إلى أجل، أو كان لك عنده خمسون، ونقدته خمسين لم يجز وفسخ البيع؛ لأنه الدين بالدين وفسخ الدين في الدين، ولا يجوز من ذلك حصة النقد؛ لأن الصفقة إذا بطل بعضها بطلت كلها.
قال مالك: ومن أسلم عبداً في طعام بعينه إلى أجل بعيد لم يجز وبطل البيع إذ قد يهلك الطعام قبل الأجل، فيرد العبد بعد النفع به باطلاً إلا

أن يكون الأجل إلى يومين فلا بأس به، وإن كان الطعام مضموناً فلا خير فيه إلا أن يتباعد الأجل مثل خمسة عشر يوماً ونحوها فلا بأس به.
وقد تقدم في كتاب السلم الأول أن من أسلم في حنطة ونقد وضرب الأجل ولم يذكر جيدة ولا رديئة أنه فاسد.

[الباب الثاني]

في مجهلة رأس المال ومجهلة المكيال في البيع وبيع الجزاف

[فصل 1 - في مجهلة رأس المال] ونهى الرسول عليه السلام عن الغرر في البيع وقال -صلى الله عليه وسلم-: «من استأجر أجيراً فليعلمه أجره».
قال مالك: ومن اشترى داراً على أن ينفق على البائع حياته لم يجز.
م: لأن أجل حياته مجهول فهو غرر.
قال مالك: فإن نزل وقبضها المبتاع واستغلها كانت الغلة له بضمانه وترد الدار إلى البائع ويرجع عليه بقيمة من أنفق.
قال ابن القاسم: إلا أن تفوت الدار بهدم أو بناء فيغرم قيمتها يوم قبضها.

م يريد ويرجع عليه المبتاع بقيمة ما أنفق فيتقاصان فمن كان له فضل قبل صاحبه أخذه، وأجاز ذلك أشهب.
قال أبو إسحاق: ومعنى ذلك عنده أنه التزم نفقة عمره بعد أن علم ما مضى من عمره وما بقي على التعمير الذي علماه، فصار كأنها نفقة سنين معلومة عاش أو مات، وهي مأخوذة على كل حال، ولو كان هذا المعنى هو الذي أراده المتعاقدان ما منع من ذلك مالك، وإنما تكلم مالك على أنه إن مات سقطت النفقة، فإذا كان هكذا وأنفق، استرجع ما أنفق عليه، وانظر لو أنفق عليه أكثر من النفقة التي تشبه، مثل أن يسرف في النفقة لا نبغي ألا يرجع عليه إلا بالقدر الذي كان يلزمه في تعاقدهما أن ينفقه؛ لأن الزائد معروف طاع به.
فإن قيل: إنما دفعه لمكان البيع فأشبه ما لو قال له هذا لمكان البيع، فاستحق المبيع أنه يرجع فيما دفع.
قيل: ما أنكرت أن يرجع فيه إذا كان قائماً، فإن أكله أو ضاع لم

يرجع به كمن أثاب من صدقة ظناً أن ذلك يلزمه، فلا يرجع إلا في قيامها مع يمينه أنه ظن أن ذلك يلزمه لما أكلها الذي أكلها على غير معاوضة، لتمكين دافعها وهو المالك، ومع أنه في ذلك السؤال أنه بيّن له.
فقال: هذا لمكان ما بعتني، فيلزمه على ذلك، وفي هذا السؤال إنما أنفق عليه وأكل ولم يقل له شيئاً.
واختلف في المفلس هو يكون أحق بالدار من الغرماء حتى يستوفي ما أنفق أم لا، لأنه لم يرض أن ينفق إلا على أن تكون الدار له؟ قال: ولو كان إنما أسكنه إياها على أن ينفق عليه حياته فهو كراء فاسد، فيرجع عليه بقيمة ما أنفق عليه، وعليه كراء ما سكن ويتقاصان في ذلك أيضاً.

قال بعض أصحابنا: وإنما يرجع عليه بقيمة ما أنفق إذا كان لا يحصي النفقة أو كان في جملة عياله، وأما لو دفع إليه مكيله معلومة من الطعام أو دنانير أو دراهم معلومة لرجع عليه بمثل ذلك.
م واختلف إن أنفق عليه سرفاً هل يرجع عليه بالسرف؟ فقال بعض أصحابنا: يرجع عليه؛ لأن الزائد على النفقة الوسط كهبة من أجل البيع إذا انتقض البيع وجب الرجوع فيها، وقال غيره: لا يرجع إلا بنفقة وسط، كمن أنفق على يتيم وله مال؛ فإنما يرجع عليه بالوسط، فكذلك هذا.
م والأول أقيس واولى لما قدمنا.
فصل [2 - في مجهلة المكيال في السلم] ومن المدونة: قال ابن القاسم: ومن أسلم في طعام موصوف إلى أجل معلوم ونقد وشرط قبضه بمكيال عنده أو عند رجل أو بقصعة أو بقدح أو بقصعة، ليس بمكيال الناس أن ذلك لا يجوز، فكذلك السلم فيه [بتلك المنزلة] أو أشد.
قال مالك: وإنما يجوز هذا بموضع ليس فيه مكيال معروف كالأعراف يشتري منهم العلف والتبن والخبط.

وقد قال أشهب مثله في الكراهة إلا أنه يقول إن نزل لم أفسخه.
وقال غيره: إنما يجوز أن يشترط قبض ذلك في السلم وفي الشراء بالمكيال الذي جعله الوالي للناس في الأسواق، وهو الجاري بينهم يوم السلم ويوم الشراء، فأما مكيال قد ترك ولا يعرف قدره من المكيال الجاري في الناس فلا يجوز ويفسخ.
فصل [3 - في بيع الجزاف] وبيع الجزاف جائز فيما يباع على الوزن أو الكيل، خلا المسكوكة من ذهب أو فضة أو فلوس في بلد تجوز فيه، فأما ذهب وفضة غير مسكوكين نقداً أو مصوغاً أو آلية منهما أو من نحاس، فالجزاف جائز فيه.
قال في المختصر: ولا خير في أن تباع الدراهم المعدودة جزافاً.

م والأصل في هذا أن كل شيء عُدل به عن بابه الذي عرف فيه إلى أمر لم يعرف فيه دخله الخطر.
قال ابن القاسم: ومن أسلم نقار فضة أو تبراً مكسوراً جزافاً لا يعلم وزنه في سلعة موصوفة إلى أجل، جاز ذلك؛ لأن التبر هاهنا بمنزلة السلعة، ولا يجوز أن يسلم فيها دنانير أو دراهم جزافاً، عفا عددها أم لا، إذا لم يعرفا وزنها، وذلك قمار ومخاطرة.
يريد إلا ببلد يجوز فيها عدداً، فليس في بيعها عدداً مخاطرة لأنه أمر قد عرفوه.
قال: ولا بأس يبيع التبر المكسور من الذهب والفضة جزافاً، والحلي من الذهب والفضة جزافاً، إن كان ذهباً بيع بفضة وبجميع السلع، وإن كان فضة بيع بذهب وبجميع السلع.
قال: ومن أسلم في حنطة دراهم يعرفان وزنها مع دنانير لا يعرفان وزنها لم يجز، لا حصة الدراهم ولا غير ذلك وفسخ ويرد البائع الثمن وهو مصدق في وزن ما قبض مع يمينه إن اختلفا فيه، فإن نكل حلف المبتاع وأخذ ما ادعى.

ومن كتاب محمد: وما عرف البائع كيلَة مما بيع جزافاً فالمبتاع مخير في حبسه أو رده.
قال مالك: ولو قال البائع: إني أعرف كيله، فيقول المبتاع: رضيت أخذه جزافاً بكذا وكذا، فلا يجوز ذلك.
قال عبد الوهاب: لأنهما قصدا بهذا العقد الخطر والغرر؛ لأن بيع الجزاف ضرب من الغرر أجيز للرفق ولخوف المشقة، فإذا كان البائع يعرف قدر المبيع فقد صار للمشتري طريق إلى معرفة ذلك من غير مشقة، فإذا رضي بأن لا يعلمه فكأنه قد رضي بالتغرير، وأن يعاوض على ما لا يعلمه مع القدرة على علمه بغير مشقة.
قال: وكأن القاضي رحمه الله قال لي أن هذا الممتنع في المذهب؛ لأنه قال: إذا باعه ولم يعلمه كان ذلك عيباً يكون للمشتري معه الخيار، ثم قال: إذا رضي المشتري بأن لا يعلمه فإن البيع لا يصح بهذا، فهذا يناقض ما قاله من أنه يكون عيباً، لأن البائع لو أوقف المشتري على العيب فرضيه لجاز.
قال عبد الوهاب: وهذا الذي قاله فيه نظر، والمسألة صحيحة غير ممتنعو، ووجه ذلك أن يقال: أنه ليس ممتنعاً أن يقع العقد على صفة يكون للمشتري

الخيار إذا لم يعلم بها، ثم لو علم بها في حال العقد لم يجز أن يعقد على اشتراطه، لافتراق الحال في الأمرين؛ لأنه يكون إذا رضي غرراً أو مؤدياً إلى وجه يوجب المنع، ولا يكون كلك إلا لم يعلم به، يشهد لذلك ما قاله سحنون أنه لو باع أمة فخرجت مغنية لكان له الخيار، والبيع صحيح، وإن اشترط في بعض العقد أنها مغنية لم يجز، وكذلك لا باع سلعة لا يملكها تعدياً، ولم يبين ذلك للمشتري، فإن البيع موقوف على إجازة المالك، ولو أعلمه أنه غاصب فدخل المشتري على ذلك لم يجز.
فعلم بهذا أن البيع لا يمتنع أن يصح العقد على صفة لو شرطها المشتري لم يصح ويثبت الخيار له، والله أعلم.

[الباب الثالث]

ذكر موضع القضاء في السلم والقضاء قبل الأجل وتصديق البائع فيه في الكيل وتوكيله على قبضه فيدعي ضياعه

[فصل 1 - ذكر موضع القضاء في السلم] قال ابن القاسم: ومن أسلم في طعام على أن يقبضه بمصر لم يجز حتى يسمي أي موضع من مصل، لأن مصر ما بين البحر إلى أسوان.
م بخلاف أن يكترى دابة من موضع إلى مصر، فذلك جائز ومنزله بالفسطاط؛ لأنه العرف عندهم ولا عرف لهم في القضاء.
قال ابن القاسم: ولو قال على أن تقبضه في الفسطاط جاز، وإن تشاحا في موضع يُقبضه الطعام من الفسطاط، قال مالك: فليقبضه ذلك في سوق الطعام.
قال ابن القاسم: وكذلك جميع السلع إذا كان لها سوق معروف فاختلفا، فإنما يوفيه ذلك في سوقها، فإن لم يكن لها سوق فحيث ما أعطاه

بالفسطاط لزم المشتري قبضها فيه.
وقال سحنون: يوفيه بداره كان لها سوق أو لم يكن.
قال أبو إسحاق: وهذا المحكوم به اليوم؛ لأن الناس اعتادوا ذلك.
قال ابن المواز: ولا يفسد السلم إذا لم يذكر موضع القضاء، ويلزمه أن يقضيه السلم بموضع التبايع في السوق تلك السلعة.
ومن المدونة: قال مالك: وإن أسلمت في طعام على أن تقبضه في الفسطاط لم يجز أن تقبضه بغيرها، وتأخذ كراء المسافة؛ لأن البلدان بمنزلة الآجال.
قال ابن القاسم: وكأنك بعته قبل قبضه أو أسقطت عنه الضمان على مال تعجلته، فإن فعلت ذلك رددت الكراء عليه، ومثل الطعام بموضع قبضته إن فات وابتعته بطعامك بالفسطاط.
قال مالك: وإن أسلمت إليه على أن يوفيكه بالفسطاط وعلى أن

يحمله إلى القلزم جاز: قال مالك: وإذا كان لك على رجل طعام من سلم وأتاك به قبل الأجل لم تجبر على أخذه، وإن كان من قرض جبرت على أخذه.
فصل [2 - تصديق البائع في قدر سلعته كيلاً أو وزناً أو عدداً] ومن الواضحة: وقد استثقل القاسم بن محمد وغيره بيع الطعام على التصديق، وأجازه كثير من التابعين قال مالك: وإنما كرهوه إذا بيع بالتأخير، والذريعة فيه أبين.
م يريد كأنه أخذه على أن عليه نقصانه، والكيل له نقصان وزيادة، فكره ذلك للذريعة إلى الربا أن يدان على هذا، قاله مالك.

قال: ولا يجوز بيع الطعام كيلاً أو جزافاً بشيء من الطعام على التصديق مما يجوز فيه التفاضل أو لا يجوز؛ لأنه طعام بطعام غير ناجز؛ لأنه يختبر كيله بعد التفرق.
قال مالك وسحنون: لا يجوم التصديق في تبادل الطعامين أو الذهبين أو الفضتين، ولا في الصرف.
والعلة في ذلك كما ذكره ابن حبيب أنهم لم يتناجزوا، ولأنه يختبر ذلك بعد التفرق.
قال ابن حبيب ومن ابتاع طعاماً على التصديق فلا يبعه على الكيل ولا على التصديق قبل أن يكيله هو أو يغيب عليه، ويدخله بيعه قبل قبضه، إذ لا يتم فيه البيع الا بكيله أو الغيبة عليه، وقاله مالك وابن كنانة وأجازه ابن القاسم وابن الماجشون.

وكره مالك في العتبية لمن ابتاع زقاً فيه سمن بقمح جزافاً وزعم أن الزق فيه عشرة أقساط، أن يأخذه بقول صاحبه، وقاله المخزومي، وبه أخذ سحنون وأجازه ابن القاسم.
م وذكر لنا عن بعض فقهائنا القرويين أنه سمع أبا محمد وأب الحسن رحمهما الله يقولان: لا بأس أن يسلف ديناراً في طعام ويصدقه المسلم إليه في وزنه بخلاف التصديق على الوزن في الصرف، والتصديق في كيل الطعام إذا بيع بثمن مؤجل أو كان قرضاً، قالا: لأن السلم وقع بوزن معلوم بخلاف ما لو أسلمه ولا يعلمان وزنه؛ لأن هذا قد تخاطر فيه، والأول لا مخاطرة فيه.
قال بعض أصحابنا: وكره ذلك بعض أصحابنا القرويين؛ لأنه يدخله علة منع جواز التصديق في البيع بثمن إلى أجل، لأنه قد يجد نقصاً فيغتفره لما يرجو من التأخير بالسلم.

ولأبي القاسم بين الكاتب في الذي أخذ من غريمه الطعام على التصديق: يحتمل الا يجوز تصديقه قبل حلول الأجل لما يدخل ذلك من أنه إنما صدقه من أجل تعجيله له قبل أجله، فيدخله سلف جر منفعة وهو بمعنى ضع وتعجل.
ومن المدونة: قال مالك رحمه الله: إذا قبضت من رجل طعاماً من بيع، أو سلم وصدقته في كيله جاز ذلك، وليس لك رجوع بما تدعي من نقص إن كذبك إلا أن تقيم بينة أنها لم تفارقك من حين قبضته حتى وجدت فيه النقص، فإن كان الذي وجدت فيه بمحضرهم نقصاً أو زيادة، كنقص الليل أو زيادته فذلك لك أو عليك، وإن زاد على المتعارف رجع البائع بما زاد ورجعت عليه أنت بما نقص [طعاماً] إن كان عليه مضموناً، وإن كان بعينه فإنك ترجع بحصة النقصان من الثمن، وإن لم تكن بينه حلف البائع لقد أوفاه جميع ما سمى له إن كان اكتاله هو، ولقد باعه على ما كان فيه من الكيل الذي يذكر فيه، ولا شيء عليه.

وإن بعث به إليه فليقل في يمينه: لقد بعته على ما كتب به إلي أو قيل لي فيه من الكيل الذي يذكر فيه ولا شيء عليه، وإن نكل حلفت أنت ورجعت عليه بما ذكرنا فإن نكلت فلا شيء لك.
م قال بعض أصحابنا: إنما يحلف المبعوث به إليه إذا بين للمشتري أنه بعث به إليه وإلا فالمشتري يقول إنما رضيت بأمانتك أنت، ولم أظن أنك لم تقف على كيله، فإذا لم يعلمه أنه بعث به إليه حلف المشتري أنه وجده على ما ذكره ورجع على البائع بما يجب له.
من العتبية وكتاب محمد قال ابن القاسم: ومن لقي رجلاً في سفر فابتاع منه دهناً معه، ونقده الثمن وقبض منه الدهن وقال له وزنه كذا وكذا، فإن صدقه فذلك جائز، وإن قال له ربه زنه وأنت مصدق، وما نقص فعليّ، فإن كان يزنه إلى قريب من موضع عقد البيع

مثل الميل ونحوه كان ما يزيده من عصير الدهن الذي باعه.
قال أبو محمد: يرد وهو عنده فجائز، وإن كان يتأخر وزنه أياماً إلى بلد يبلغها أو إلى غاية سفره لم يجز؛ لأنه ضمنه له وضمن له نقصاً لا يدري مبلغه، نقده الثمن أو لم ينقده، قال: فإن كان ما يتم له من الدهن ليس من عصيره ولا من صفته لم يجز وإن وزنه بحضرته وقربه، لأنه التزم نقصاً لا يعلم مبلغه يوفيه من صنف غيره.
وقال في كتاب محمد، وإن لم يقل فما نقص فعلي ولكن قال يحط عنك حسابه، وكان يزنه عن قريب فذلك جائز غير أنه لا ينقده إلا إلى قدر ما لا يشكان فيه.

فصل [3 - في التوكيل على القبض وادعاء الوكيل الضياع] ومن المدونة قال: وإن أسلمت إلى رجل في مدي حنطة فلما حل أجله قلت له: كله لي في غرائرك أو في ناحية بيتك أو في غرائر دفعتها إليه، فقال بعد ذلك: قلد كلته وضاع عندي، قال مالك: ما يعجبني هذا.
-يريد مالك ولا يبيعه بذلك القبض- قال ابن القاسم: وأنا أراه ضامناً للطعام إلا أن تقوم [له] بينة على كيله أو تصدقه أنت في الكيل، فيقبل قوله في الضياع؛ لأنه لما اكتاله صرت أنت قابضاً له.
قال غير واحد من أصحابنا: وإذا قامت بينة على كيله جاز أن يبيعه بذلك القبض، وأما إن صدقه على كيله فلا يبعه بذلك القبض؛ لأنه مهتم فيه فيحتاج في بيعه، وإن كان الضمان يرتفع عنه.

[الباب الرابع]

في القضاء في اختلاف المتبايعين في السلم وغيره

[الفصل 1 - في الاختلاف عند الأجل أو قبله في الكيل أو الوزن] روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا اختلف المتبايعان استحلف البائع» وفي حديث آخر «فالقول ما قال البائع أو يترادّان» فاحتمل ذلك فيما لم يفت، لأن ما فات بيد المبتاع لا سبيل إلى رده.
وقوله عليه السلام (ليترادان) إشارة إلى رد الأعيان فإذا ذهبت العين أو تغيرت خرجت عن ظاهر الحديث والله أعلم، وصار المبتاع مقراً

بثمن يدعي عليه البائع أكثر منه، وكذلك في السلم في المثمون يدعي عليه أكثر منه، فدخل في باب الحديث الآخر أن اليمين على المدعى عليه.
قال مالك: وإذا أسلم رجل إلى جل في طعام مضمون إلى أجل فاختلفا عند الأجل في الكيل والوزن واتفقا في النوع فقال البائع: بعتك ثلاثة أرادب بدينار، وقال المبتاع: بل أربعة أرادب بدينار، فالقول ما قال البائع إن ادعى ما يشبه مع يمينه.
قال ابن القاسم: وإن ادعى ما لا يشبه فالقول قول المشتري فيما يشبه.
م لأن كل مدع ما يشبه فالقول قوله لأنه مدع للعرف،

قال الله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَامُرْ بِالْعُرْفِ﴾ [الأعراف:199] فكل من ادعى العرف كان القول قوله وإن كان العرف فاسداً.
قال ابن المواز عن ابن القاسم: فإن أتيا بما لا يشبه حملا على الوسط من سلم الناس يوم أسلم إليه.
قال ابن المواز: ولو اختلفا في ذلك بقرب مبايعتهما تحالفا وتفاسخا.
م جعل اختلافهما بقرب البيع كاختلافهما في بيع النقد والسلعة قائمة، وبعد حلول الأجل كفوت السلعة.
وقال: إن أتيا ما لا يشبه، حملا على سلم الناس، كقول بائع الجارية بعتكها بحنطة، وقال المبتاع: بل بشعير، أنهما يتحالفان ويتفاسخان إن لم تفت الجارية، فإن فاتت كان على المبتاع قيمتها، فحمله على سلم الناس يشبه إلزامه قيمة الجارية.

م وقال بعض شيوخنا: الذي يجري على قول ابن القاسم إذا أتيا بما لا يشبه أن يتحالفا ويتفاسخا.
م كقوله في اختلافهم في موضع القضاء فقد قال: إذا ادعيا غير موضع التبايع وتباعدت المواضع حتى لا يشبه قول واحد منهما تحالفا وتفاسخا، وكذلك قالوا في اختلافهم في الآجال.
وقد اختلف في ذلك قول ابن القاسم في الأسدية فقال مرة: يحملان على الوسط من سلم الناس يومئذ، ثم رجع إلى أنهما يتحالفان ويتفاسخان.
وقول ابن المواز: وإن اختلفا في ذلك بقرب مبايعتهما تحالفا وتفاسخا، إنما يجري ذلك على قول الذي أخذ به ابن القاسم إذا اختلفا والسلعة قائمة وقد قبضها المبتاع أنهما يتحالفان ويتفاسخان، وأما عل رواية ابن وهب فالقول في ذلك قول المسلم إليه إذا قبض النقد وغاب عليه وكذلك إن كان قبل

حلول الأجل بمدة طويلة، كقبضة السلعة المعيبة وهو فوت عنده كفوت السلعة في رواية ابن القاسم.
وقال ابن حبيب: إذا اختلفا قبل الأجل في كيل الطعام صدق البائع إلا أن يأتي بما لا يشبه، فصدق المبتاع فيما يشبه، فإن لم يأت بما يشبه حملا على الوسط من سلم الناس إلى الأجل الذي تقاررا به.
م وظاهر هذا خلاف قول محمد إذ قد يكون اختلافهما بقرب مبايعتهما، وابن حبيب لم يفصل، وأبو محمد بن أبي زيد حمله على أنه وفاق والله أعلم.
[فصل 2 - في اختلاف المتبايعين في صفة المبيع ونوعه] ومن المدونة: قال ابن القاسم: وكذلك كلما تقاررا أن السلم كان فيه من بغل أو حمار أو رقيق أو عرض أو حيوان فاختلفا في الصفة واتفقا في التسمية أن القول قول البائع إذا أتى بما يشبه ويحلف والمبتاع مدع.
قال مالك: وإن اختلفا في النوع فقال هذا: أسلفتك في حنطة وقال هذا: في شعير، أو قال هذا: في فرس أو قال هذا: في حمار، تحالفا وتفاسخا وإن بعد محل الأجل، ورد إلى المبتاع /رأس ماله.

قال ابن القاسم: ومثل اختلافهما في الكيل إذا تصادقا في النوع المسلم فيه، بمنزلة من ابتاع جارية ففاتت عند المبتاع، فقال البائع بعتها بمئة دينار، وقال المبتاع بل بخمسين ديناراً.
قال مالك: المبتاع مصدق مع يمينه إذا أتى بما يشبه أن يكون ثمناً للجارية يوم ابتاعها، فإن تبين كذبه حلف البائع إن ادعى ما يشبه، وإن أتى بما لا يشبه كان على المبتاع قيمتها يوم اشتراها.
قال ابن القاسم: واختلافهما في السلم في الجنس كقول بائع الجارية بعتها بحنطة، وقال المبتاع بل بشعير، فإنهما يتحالفان ويترادان إن لم تفت، فإن فاتت عند المبتاع ودى قيمتها يوم قبضها، لأنه لو باعها أو أعورت أو نقصت ضمنها، فله نماؤها وعليه نقصانها.
م قال أبو محمد: قوله في هذه المسألة يوم قبضها يعني يوم باعها؛ لأنه بيع صحيح.

وقال ابن شبلون: القيمة في اختلافهما في النوع يوم القبض وجعله فاسداً، والصواب قول أبي محمد.
وقال أبو بكر بن عبد الرحمن: إنما قال يوم القبض؛ لأنها جارية فيحتاج فيها إلى المواضعة، فلذلك لم يقل يوم العقد، وقد تكون أيضاً في أول دمها فيكون يوم القبض يوم العقد.
قال أبو محمد: ولا يفسد البيع الدعوى، ولأن كل واحد يدعي أن البيع صحيح.
وإنما صحيح خالفه في قوله.
م وروي عن أبي الحسن القابسي إذا قال بائع الجارية: أسلفتها في مئة إردب حنطة، وقال المبتاع في خمسين وقد فاتت الجارية ولم يشبه ما قال واحد منهما، قال يلزم المبتاع قيمتها -ولا يقال فيها يحملان على سلم الناس يوم التبايع- كما قال: إذا كان رأس المال عيناً؛ لأن الجاري في الناس والغالب في أمورهم أنهم يتبايعون بالأثمان.

[قال] ابن المواز: وقال أشهب: إذا لم يعرف كذب واحد منهما في السلم -يريد أتيا بما يشبه- تحالفا وتفاسخا، اختلفا في الجنس أو في القلة والكثرة أوفي الصفة والنوع واحد، وإن عرف كذب أحدهما صدق الآخر مع يمينه أو يحملان على الوسط من سلم الناس.
قال أبو محمد: قوله: أو يحملان على الوسط: أراه أراد إذا أتيا بما لا يشبه، وقوله: يتحالفان في القلة والكثرة على أصله في اختلافهما في الثمن أنهما يتحالفان وإن فاتت السلعة.
وقال ابن حبيب: إذا اختلفا في الصفة في جيد ووسط أو في سمراء أو بيضاء وقد انتقد البائع وتفرقا، صدق البائع بيمينه ولم يجعل ذلك كاختلافهما في الجنسين.
وقال فضل بن سلمه: إنهما يتحالفان ويتفاسخان وجعل ذلك كاختلافهما في الجنسين.
م قال بعض أصحابنا: وإذا اختلفا في جنسين فوجب أن يتحالفا ويتفاسخا، فحلف البائع ونكل المشتري ورضي أن يأخذ ما كان حلف عليه البائع وهو غير مصدق له.

قال بعض الناس: إن كان اختلافهما عند حلول الأجل جاز، لأنه كالمبادلة وإن كان قبل حلول الأجل لم يجز.
م: وإذا لم يجز فينتظر الأجل، فإذا كان عند حلول الأجل، فيؤخذ من البائع ما أقربه، فيشتري منه للمشتري مثل دعواه، فإن نقص لم يكن له غيره، وإن فضل منه شيء تصدق به إذ لا يدعيه واحد منهما.
قال بعض أصحابنا: وإذا كان اختلافهما عند حلول الأجل وكان مما لا يجوز أن يبدل بعضه ببعض مثل حنطة وتمر قال: فيؤخذ من البائع ما حلف عليه، ويشتري منه للمشتري ما ادعاه، فإن كان [فيه] فضل أوقف، فإن ادعاه البائع أخذه، وإلا تصدق به عن من هو له، وإن نكل البائع وحلف المشتري أغرم البائع ما قال المشتري، سواء كان هاهنا من صنف ما قال البائع أو من غير صنفه، لأنه محكوم عليه لنكوله بما قال المشتري لأنه لا قدرة له على الامتناع من دفع ذلك لنكوله.

[فصل 3 - في اختلاف المتبايعين في مقدار المبيع] ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإن كان رأس مال الطعام عرضاً فاختلفا في كثرة الطعام وقلته واتفقا في جنسه وكان اختلافهما بقرب مبايعتهما أو عند حلول الأجل، فإن لم يحل سوق الثوب ولا تغير، تحالفا وتفاسخا لقوله عليه السلام: «إذا اختلف المتبايعان فالقول ما قال البائع أو يترادان» قال: وإن تغير سوق الثوب أو حال فالقول قول الذي عليه السلم؛ لأنه ثمن الثوب صار ديناً عليه.
[فصل 3 - مسائل من اختلاف المتبايعين في السلم وغيره] قال مالك: وإذا اختلف المتبايعان والسلعة قائمة تحالفا وتفاسخا.
م: واختلف إن قبضها المبتاع وبان بها فقال ابن القاسم في كتاب المكاتب: إن أول قولي مالك في المبتاع مصدق مع يمينه، وإن لم يفت السلعة ولم تتغير ف يسوق أو بدن، ورواه عنه ابن وهب.
وقال ابن القاسم: في هذا الكتاب وغيره: إن البائع مصدق بعد أن يتحالفا ويتفاسخ.
وقال أشهب: إنهما يتحالفان ويترادان، وإن فاتت السلعة بيد المبتاع، إلا أنها إذا لم تفت السلعة بحوالة سوق فأعلى ردت السلعة إلى ربها،

وإن فاتت بذلك ردت إلى القيمة يوم قبضها بعد إيمانهما.
قال ابن القاسم: وبلغني عن مالك نحوه، قال: ويلزم المشتري قيمته يوم بيع إذا فات بعد إيمانهما.
م فوجه قول مالك الأول أن المبتاع إذا أسلمت إليه السلعة فقبضها وصارت ملكاً له، وإنما للبائع عليه ثمن، فهو الغارم، فالقول قوله فيه؛ ولأن الأصول موضوعة أن اليمين في جهة أقوى المتداعين سبباً، والمشتري بعد القبض أقوى سبباً، لأنه حائز، ألا ترى أنه إذا تساوت الدعوى في الشيء وتكافأت البينة فيه أن القول قول الحائز.
ووجه قوله يتحالفان ويترادان إذا لم تفت وهو قول أبي حنيفة أنه لما قال في الحديث القول قول البائع أو يترادان فمتى وجدنا إلى رد السلعة سبيلاً ولم يدخلها فوت، وجب ردها بعد التحالف لظاهر الحديث.

قال عبد الوهاب: وقد رُوي أنه عليه السلام قال: «إذا اختلف المتبايعان فالقول ما قال البائع، فإن استهلكت فالقول قول المشتري»، ورُوي: «إن كانت السلعة قائمة تحالفا وتفاسخا وترادا».
ولأنا لو أوجبنا التحالف بعد الفوت لأوجبنا على المشتري القيمة وربما كانت أضعاف ما يدعيه البائع من الثمن فنكون قد ألزمناه ما لم يدع عليه خصمه.
ووجه قول أشهب وهو قول الشافعي أنا لما وجدناها إذا كانت قائمة ترد بعد التحالف.
وجب رد قيمتها في الفوت بعد التحالف كالبيع الفاسد ترد عين السلعة فيه إذا لم تفت، وقيمتها إن فاتت ويتبع في ذلك ظاهر الحديث أن القول قول البائع أو يترادان، ولم يفصل فاتت أو لم تفت.
قال ابن القاسم في كتاب تضمين الصناع: إذا اختلف المتبايعان في قلة الثمن وكثرته، والسعلة بيد البائع، أُحلف البائع أولاً أنه ما باع إلا بكذا، فإن حلف، خير المبتاع في أخذها بذلك أو يحلف أنه ما ابتاع إلا بكذا، فإن حلف ردت.

جارٍ التحميل