وأما على مذهب أشهب: فإنه جعل في بيع الخيار كأنه مضى يوم اختار المشتري إنفاذه، فصار بائع الخيار قد وجبت له الشفعة في بيع البتل قبل أن يبيع؛ لأنه يرى أن من وجبت له شفعة قبل أن يبيع أن بيعه لا يسقط شفعته، وهو مذهب ابن الماجشون.
قال ابن الماجشون: إن اختار المشتري- وله الخيار- تنفيذ البيع كانت الشفعة لبائع الخيار في بيع البتل؛ لأنه كأنه باع بعد أن وجبت له الشفعة، فإن ترك البائع بالخيار الأخذ بالشفعة، فالشفعة لمشتري البتل فيما بيع بالخيار؛ لأن بيع الخيار إنما يثبت يوم الخيار، وقال مثله أشهب.
وفي غير كتاب ابن حبيب قال أشهب: الشفعة لمبتاع البتل في البيع بالخيار.
قال ابن المواز: والذي هو أحب إلينا أن تكون الشفعة للبائع الأول الذي باع على الخيار نفذ بيع شقصه أو رده؛ لأنه لم يزل شريكاً في أيام الخيار حتى باع صاحبه ووجبت له الشفعة قبل وجوب بيع الخيار، وقاله أصبغ ولم يعجبه قول ابن القاسم.
قال ابن المواز: وكذلك لو باع أحد الشريكين بيع بتل فلم يأخذ شريكه بالشفعة حتى باع هو أيضاً نصيبه من الذي اشترى من شريكه أو من غيره ولم يبق له في
الدار شركة ولا حق فالشفعة له ثابتة، ولا يبطلها بيعه لمصابته كان بذلك عالماً أو جاهلاً؛ لأن الشفعة قضاء من رسول الله صلى الله عليه وسلم وحق وجب له.
[فصل 2 - الشفعة فيمن باع شقصه وهو لا يعلم]
قال ابن القاسم: وإن باع شقصه وهو لا يعلم فالشفعة له ويكتب عهدته على المبتاع.
وقال أشهب في المجموعة: اختلف فيه قول مالك رحمه الله، وأحب إلي أن لا شفعة له بعد بيعه.
قال ابن ميسر: لا شفعة له إلا أن تبقى له بقية أخرى؛ لأن الشفعة إنما تدخل عليه من الضرر من تضييق الواسع وخراب العامر فهذا ليس له شيء يدخل فيه الضرر.
قال غيره: ولو باع السلطان على غائب بعض شقصه في دين عليه ثم قدم فلا شفعة له فيه، كما لو باعه هو نفسه.
قال أبو محمد: ويتبين لي لو أن رجلاً باع شقصاً له في دار، ثم أن المشتري منه باع ذلك الشقص من رجل آخر أن لبائعه الأول فيه الشفعة ولا حجة عليه فيه، وليس له أخذه بالشفعة من المشتري منه؛ لأنه ولي بيعه.
م: والذي قاله أبو محمد قد قاله محمد وهو بين.
[الباب السادس]
في الشفعة في الكراء وفي المساقاة
[فصل 1 - الشفعة في الكراء]
ومن كتاب كراء الدور قال ابن القاسم: وإن أكرى رجلان دارا بينهما فلأحدهما أن يكري حصته منها.
قال مالك: ولا شفعة فيه لشريكه بخلاف البيع.
قال ابن المواز: اختلف قول مالك في الشفعة في الكراء واختلف فيه أصحابه.
فروى ابن القاسم القولين.
وروى ابن وهب: أن لا شفعة في الكراء وإنما الشفعة في البيع، وقاله المغيرة وعبد الملك.
وقال أشهب: إن في ذلك الشفعة، وقد بلغني ذلك عن مالك ابن حبيب.
وقاله مطرف وابن الماجشون وابن القاسم وأصبغ، وبه أقول.
قال ابن المواز: وهو أحب إلى؛ لأنه مما يخرج إلى القسمة التي معها تضييق الواسع وتغيير البناء، ولمثل هذا وجبت الشفعة.
وقال أشهب: فإن أحب أن يسلم الشريك شفعته ويقاسمه السكنى فذلك له،
فإن طلب قسمة الدار مع شريكه في الأصل فذلك له، فإن وقع نصيب المكري على غير استوى، فالمكتري مخير في التماسك أو الرد، وذلك إذا وقع له أقل من نصف الدار في الانتفاع لا في القيمة، وإن لم يقع له أقل فلا حجة له.
قال: وكذلك رجلان اكتريا داراً فأكرى أحدهما نصيبه فلصاحبه الشفعة وعهدته على المكتري من صاحبه، ثم عهدتهما على رب الدار.
قال: وإن اكتريا داراً ثم استقال أحدهما رب الدار فأقاله، فلشريكه الشفعة على رب الدار المستقيل.
[قال] ابن المواز: بل يأخذ من المكتري الذي أقال؛ كالإقالة في الشراء.
[فصل 2 - الشفعة في المساقاة]
قال: وإذا أكرى رجلان أرضهما أو ساقيا نخلهما من رجلين، فأكرى أحدهما أو كلاهما الأرض من رجل أو ساقيهما أو أحدهما النخل من سواهما، فليس لصاحبي الأصل أو أحدهما شفعة في كراء ولا سقى؛ إذ لا شركة بينهما وبين المتكاريين في بئر ولا في كراء وقد سلما ذلك إليهما، وإنما لهما رقبة ذلك فهو كالمقسوم بينهما.
ولو أن أحد المكتريين أو المساقيين ساقاً أو أكرى حصته فلشريكه الشفعة دون صاحبي الأصل، فإن سلم شفعته فصاحب الأصل أحق بالمساقاة لشركتهما في الثمرة ولا شركة لهما في الكراء.
قال: ولو لم يكري صاحبا الأصل جميعاً ولكن أكرى أحدهما أو ساقا فلشريكه الشفعة في الكراء والمساقاة، فإن سلم ذلك ثم ساقا المساقي غيره أو غيره أو أكرى المكتري من غيره فإن له أيضاً الشفعة.
قال: ولو كان الأصل لواحد فأكرى النصف مشاعاً أو ساقا النصف مشاعاً، ثم أكرى المكتري من غيره أو ساقا المساقي من غيره، فلرب الأرض الشفعة مثل ما لو باع ذلك مشاعاً ثم باعه مشتريه من آخر مشاعاً.
قال: ولو أكراه شيئاً بعينه منها مقسوماً أو ساقاه كذلك، فلا شفعة لرب الأصل فيما أكرى وله الشفعة فيما ساقا لشركته في الثمرة.
قال: ولو أكرى من رجلين نصف أرضه أو ساقهما نصف نخله فساقا أحدهما صاحبه أو أكرى مصابته من رجل فشريكه أولى بالشفعة من صاحب الأصل، فإن سلم فذلك لصاحب الأصل؛ كما لو باعها ذلك مشاعاً ثم باع أحدهما حصته فشريكه المبتاع معه أشفع، فإن سلم فصاحب الأصل الشريك لهما شفيع في ذلك، وهذا على أصل أشهب الذي جعل المشتريين كورثة الوارث.
وأما ابن القاسم فيرى للبائع منهم أن يدخل مع الشريك الذي لم يبع.
وقد بينا ذلك في أول الكتاب.
قال ابن المواز في باب آخر: ولو أن نخلاً بين شريكين فساقا أحدهما حصته.
فقال أشهب: لا شفعة في ذلك لشريكه.
قال ابن المواز: وأظن ابن القاسم يرى في ذلك الشفعة، وجدته في كتبي ولا أدري ممن سمعته.
[الباب السابع]
في الشقص ينكح به أو يخالع به أو يصالح به عن دم عمد أو خطأ أو قذف
[فصل 1 - الشفعة في النكاح والمخالعة]
قال ابن القاسم: ومن نكح أو خالع أو صالح من دم عمد على شقص ففيه الشفعة بقيمته يوم العقد؛ إذ لا ثمن معلوم لعوضه.
يريد: ولا يجوز الاستشفاع في ذلك إلا بعد المعرفة بقيمته.
وقال الشافعي: فيه الشفعة بمهر المثل.
ودليلنا أن النكاح لما كان طريقة المكارم والمواصلة دون محض المعاوضة فيتزوج الإنسان بعشرة أمثال مهر المثل لرغبته في الزوجة، ويتزوج آخر بعشر مهر المثل للرغية في الزوج، فلم يصح للبضع قيمة متقررة، فكان الرجوع إلى قيمة الشقص الذي تراضوا به أولى، وقد يكون مهر المثل ألفاً فسامحته الزوجة فأخذت منه شقصاً قيمته مائة، فلو ألزمنا الشفيع أن يأخذ الشقص بألف كنا قد حفنا عليه وأعطينا للمرأة أكثر مما عاوضته به وقد يكون أيضاً قيمة الشقص ألفاً ومهر مثلها مائة، فلو
جعلنا للشفيع أخذ الشقص بمائة وهو يساوي ألفاً كنا قد حفنا على المرأة وأذهبنا بفضل الزوج عليها، فكان الأعدل في ذلك قيمة الشقص.
وكذلك الحجة في الخلع وفي الصلح عن دم العمد؛ إذ لا قيمة معلومة لذلك، فكان الأعدل أن يرجع إلى قيمة الشقص، وبالله التوفيق.
[فصل 2 - بم تؤخذ الشفعة فيمن أجذ الشقص من دم الخطأ]
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإن أخذ الشقص عن دم خطأ ففيه الشفعة بالدية، فإن كانت العاقلة أهل إبل أخذه بقيمة الإبل، وإن كانت أهل ذهب أو ورق أخذه بذهب أو ورق، ينحم ذلك على الشفيع كالتنحيم على العاقلة، الدية في ثلاثة أعوام وثلثها في عام وثلثاها في عامين.
والنصف قال مالك مرة: يؤخذ في سنتين، وقال- أيضاً- يجتهد فيه الإمام على قدر ما يرى، إن رأى أن يجعله في سنتين أو في سنة ونصف فعل.
قال ابن القاسم: وفي سنتين أحب إلي؛ لما جاء أن الدية تقطع في ثلاث سنين أو أربع.
[قال] ابن المواز: وأما أشهب فقال: يؤخذ في أول سنة ثلث الدية وفي السنة الثانية السدس.
قال ابن المواز: قال ابن عبدوس: قال سحنون: لا يجوز أن يأخذ في الدية شقصاً ولا غيره حتى يمضي فيه قضية من حاكم يقطعها على العاقلة في سنتين أو غير ذلك؛ لأن ذلك إلى اجتهاد الحاكم فهو مجهول، فلا يباع بشيء حتى يعرف بالحكم في قول ابن القاسم.
وقال في المصالح عن جميع الدية على شقص: إن كان أعطى ذلك والعاقلة أهل ذهب أو ورق فالصلح جائز، ويرجعه ابن القاسم عليهم بالأقل من قيمته أو الدية إن كان صلحه عليهم وإن كانوا أهل إبل.
فإن كان القاتل يعطي الشقص ولا يرجع بذلك على العاقلة فهو جائز، وإن كان إنما صالح عنهم ليرجع عليهم لم يجز الصلح؛ لأنهم مخيرون، ويرجع هذا إلى مسألة ابن القاسم في الكفيل يصالح عن الغريم.
وقد كان سحنون يقول في هذا الأصل بقول عبد الملك: إن الدين له حكم العرض، فإذا اشترى الشقص بالدية وهي ديته، فإن كانت دنانير أو دراهم قومت بالعرض على أن تؤخذ في ثلاث سنين، ثم يقوم العرض بعين.
وقال عبد الملك: يؤخذ ذلك بالعرض الذي قوم به الدين.
قال سحنون: وإن كانت الدية إبلاً قومت بالنقد على أن تؤخذ في ثلاث سنين ثم يأخذ الشفيع بذلك أو يدع، يريد: وينقد.
م: وكذلك ظاهر المدونة أن يأخذ بقيمة الإبل نقداً ولم يجعل ذلك مثل الدين إذا أخذ منه شقصاً أنه يأخذه يمثل الدين إلى الأجل فكان يجب أن يأخذ بمثل الإبل إلى الأجل؛ لأنها ثمن الشقص وهي موصوفة.
وأراه: إنما فرق بين ذلك؛ لأن صفات الإنسان غير محصلة، فهي بخلاف أن لو كانت ثمناً للشقص؛ إذ لا يصح بيع الشقص إلا بأن تكون الإبل موصوفة معلومة الصفة.
فإن قيل: فقد، قال: يأخذ بقيمة الإبل.
وهل يقوم إلى ما يوصف؟
قيل: لعله رأى أن الغرر في الصفة أخف من أخذ عين الإبل.
[فصل 3 - فيمن صالح من موضحة عمد وموضحة خطأ على شقص]
ومن كتاب الصلح وكتاب الشفعة: قال ابن القاسم: ومن صالح من موضحة عمد وموضحة خطأ على شقص جاز، وفيه الشفعة بدية موضحة الخطأ وبنصف قيمة الشقص؛ لأنا قسمنا الشقص على الموضحتين فإحداهما معقولة والأخرى مجهولة.
[قال] ابن عبدوس: وهو قول أشهب.
وقال المخزومي: الصلح جائز وتحمل دية الخطأ وهي خمسون على قيمة الشقص فإن يكن قيمة الخمسون ثلث الجميع استشفع بخمسين دينار وبثلثي قيمة الشقص، فهكذا يحسب فيما قل أو كثر من الأجزاء.
قال ابن عبدوس: ونحوه عن ابن الماجشون.
وقاله سحنون في مسألة من خالعت على آبق وزادها الزوج دنانير.
م: وقد شرحتها في كتاب الخلع.
[قال] ابن المواز: قال ابن نافع: لا يكون لموضحة العمد إلا ما فضل عن قيمة الشقص، فيأخذ بقيمة الشقص أبداً إلا أن ينقص عن خمسين فلا ينقص منها، وبهذا أخذ ابن المواز، وأعاب قول ابن القاسم.
م: فوجه قول ابن القاسم أنا علمنا أن المصالح بالشقص إنما دفعه عوضاً من الموضحتين، فكان أعدل الأشياء أن يجعل لكل موضحة نصف الشقص، ولو جعلنا لموضحة الخطأ ما قابلها من قيمة الشقص وما فضل للعمد أمكن أن تستغرق موضحة الخطأ الشقص أو تزيد، فتبقى موضحة العمد لا عوض لها وهو إنما دفع الشقص عنهما، وهذا كمن باع سلعة بسلعتين أن قيمة السلعة مفضوضة على قدر قيمة السلعتين، وإن كانت قيمة كل واحدة من السلعتين أكثر من قيمة المنفردة فكذلك الموضحتان.
ووجه قول المخزومي: أن الشقص لو صالح به من موضحة عمد فقط كان للشفيع الأخذ بقيمة الشقص، فصارت قيمة الشقص كأنها ديية موضحة العمد ولو دفعه أيضاً
عن موضحة الخطأ كان قيمة الشفعة بخمسين دية موضحة الخطأ، فلما دفعه عنهما ضرب في قيمته بموضحة الخطأ بديتها خمسين وبموضحة العمد بقيمة الشقص؛ لأن كل واحدة لو انفردت كان كذلك يضرب لها.
وهذا- أيضاً- كمن أوصى بمعلوم ومجهول فإن جميع ذلك في الثلث يضرب فيه للمعلوم بقدره وللمجهول بالثلث.
ولو قلنا في الشقص المصالح به عن الموضحتين: أن نصفه للخطأ ونصفه للعمد لوجب أن يقول فيمن أوصى بمائة دينار وبوقيد مسجد: أن نصف الثلث لصاحب المائة ونصفه للمسجد متى كان أقل من مائتين.
ووجه قول ابن نافع: أنه لما كان عوض الشقص معلوماً ومجهولاً، والمجهول لا دية له إلا ما اصطلحوا عليه، جعلنا ما قابل المعلوم من قيمة الشقص ثمناً للمعلوم وذلك خمسون وما فضل عن ذلك ثمناً للمجهول إذا لم نجد للمجهول مقداراً نرده.
إليه فلم يجز أن ينقص المعلوم من مقداره لمقدار غير متحقق، فإن نقصت قيمة الشقص عن خمسين لم ينقص منها كالمشتري بالثمن الغالي.
والفرق بين هذا وبين الوصايا أن موضحة العمد لما لم يجعل لها عوضاً معلوماً علمنا أنه إنما أراد أن يجعل لها ما فضل عن دية الخطأ المعلومة، فإن لم يكن فضل علمنا أنه أراد إسقاطها والعفو عنها إذ له ذلك، والموصي قد أمر بتنفيذ وصاياه، وأن يعطي كل ذي حق ما يجب له، فوجب علينا النظر فيما يصير للمعلوم والمجهول.
والفرق- أيضاً- بينها وبين من اشترى سلعة بسلعتين أن السلعتين معلومتنا القيمة وموضحة العمد مجهولة، فلا يقاس مجهول على معلوم.
وإن كان إنما صالح من موضحة عمد وموضحة خطأ على شقص؟
فعلى قول عبد الملك: أن المجهولات في الوصايا يضرب لها كلها بالثلث، فالجواب على ما قدمناه في جميع الأقوال لا يختلف.
وعلى قول من قال في الوصايا يضرب لكل مجهول بالثلث، فينبغي على قياس قول ابن القاسم في هذه أن يأخذ الشفيع بخمسين دينار وبثلثي قيمة الشقص؛ لأنه قسم الشقص على المواضح، فوقع لكل موضحة ثلث الشقص.
وعلى قياس المخزومي يحمل الخمسين دية موضحة على قيمة الشقص مرتين، فإن كانت الخمسون خمس الجميع استشفع بخمسين ديناراً وبأربعة أخماس قيمة الشقص.
وأما على قول ابن نافع: فلا يتغير في كلا المذهبين.
وقيل أن قول ابن القاسم لا يختلف أيضاً.
والأصح ما قدمناه، وبالله التوفيق.
قال يحيى بن عمر: ولو صالحه منهما بشقص وبعشرة دنانير، فالعشرة مأخوذة من موضحة الخطأ خاصة ويأخذ الشقص بأربعين دينار وبخمسة أتساع قيمة الشقص.
يريد: في قول ابن القاسم.
قال: ولو صالح منهما على شقص وعرض قيمته عشرون ديناراً فالعرض مقسوم على الموضحتين؛ إذ ليس من جنس ما يجب في الخطأ فلم يختص بإحداهما دون الأخرى وليأخذ الشفيع الشقص بأربعين ديناراً وبنصف قيمة الشقص.
قال أبو محمد: ولو قيل: إن مجرى كلام ابن القاسم أن يقسم أيضاً ما أخذ من عين مع الشقص على الموضحتين كما فعل في العرض لكان صواباً، وذلك أن يقسم الشقص والعشرة على الموضحتين فيقع لكل موضحة نصف الشقص وخمسة دنانير
فيأخذ الشقص بخمسة وأربعين بقية الدية موضحة الخطأ وبنصف قيمة الشقص عن موضحة العمد؛ لأنه أخذ من موضحة العمد خمسة دنانير ونصف شقص وقيمتها مجهولة، فوجب أن يأخذ النصف الآخر بنصف قيمة الشقص.
م: وفي هذا القول نظر؛ إذ لو دفع ثمانية وتسعين ديناراً مع الشقص لقلت: يأخذ بدينار بقية دية من موضحة الخطأ وبنصف قيمة الشقص، ولو دفع مائة دينار مع الشقص فيجب على هذا أن يقول: يأخذ بنصف قيمة الشقص فيكون ذلك ليس بمستقيم.
ويظهر لي أن كلام يحيى بجعل العين كله للخطأ أصوب، ويضرب للعمد بخمسين مع ما بقى من دية الخطأ ويأخذ بخمسين العمد حصتها من قيمة الشقص، فيأخذ بذلك مع ما بقي من دية الخطأ، فإن استغرق العين دية الخطأ أخذ الشقص بقيمته، وكذلك إذا زاد العين على دية الخطأ أخذ الشقص بقيمته.
م: وقول أصبغ في العرض المأخوذ مع الشقص أصوب من قول يحيى.
قال أصبغ: إذا صالح منهما على شقص وعبد، وقيمة العبد كقيمة الشقص فقد أخذ العبد بنصف الموضحتين وبقي للشقص نصفهما، فيأخذه بنصف موضحة الخطأ وبنصف قيمة الشقص ما بلغ، وإن كان العبد من ذلك الثلث أو الربع أو الثلثين فما بقي للشقص فهو للموضحتين.
قال أصبغ: ولو كان المجروح أعطى عبداً وأخذ شقصاً؟
فقال: تقوم موضحة العمد بالإجتهاد وينظر ما قيمة العبد وإلى عقل موضحة الخطأ فيأخذ بذلك كله.
قال أبو محمد: يريد أصبغ إن كانت قيمة العبد بالإجتهاد قدر الثلث من الجميع أخذ الشقص بخمسين للخطأ وبقيمة العبد وبثلث قيمة الشقص.
م: ويحتمل أن يكون إنما أراد أصبغ أن تقوم موضحة الخطأ فيصير ذلك عيناً كله، فيأخذ بذلك الشفيع أو يترك.
والذي يجري على قياس قول ابن القاسم أن تعلم قيمة العبد، فإن قيل: خمسون أضافها إلى دية موضحة الخطأ فتصير مائة فيأخذ بها وبنصف قيمة
الشقص؛ لأنه دفع الشقص عن معلوم، وذلك قيمة العبد ودية موضحة الخطأ، وعن مجهول وهي دية موضحة العمد فقسم ذلك بينهما.
م: ويحتمل- أيضاً- أن تجعل دية موضحة العمد كأنها خمسون ودية موضحة الخطأ خمسون، وينظر إلى قيمة العبد فإن كانت خمسين استشفع بمائة وبثلث قيمة الشقص، وإن كانت قيمة العبد مائة استشفع بمائة وخمسين ويربع قيمة الشقص، كما فعل ابن القاسم إذا لم يدفع المجروح شيئاً جعل دية موضحة العمد والخطأ سواء؛ لأنه جعل للعمد نصف قيمة الشقص.
قال ابن المواز: ولو دفع الجارح في الموضحتين عبداً وأخذ من المجروح شقصاً، فإن زادت قيمة العبد على قيمة الشقص ودية موضحة الخطأ شيئاً فالزيادة للعمد، وإن لم تزد لم يكن للعمد شيء.
م: مثل أن تكون قيمة العبد مائة وخمسة وعشرين وقيمة الشقص خمسين، فصار خمس العبد للعمد وخمساه للخطأ وخمساه للشقص، فيأخذ الشفيع بخمسي قيمة العبد.
قال: وإن كان قيمة العبد مائة أو أقل، علم أن العمد لم يؤخذ له شيء ولم يأخذ الشفيع إلا بنصف قيمة الشقص خمسين، وإن كانت قيمته مائة أخذه بثلثي قيمة العبد.
م: وهذا على قياس قول ابن نافع، وأما على قياس قول ابن القاسم فينظر إلى قيمة الشقص، فإن كانت خمسين صار المجروح دفع دية موضحة الخطأ خمسين وموضحة عمد بمثل ذلك لتساويهما عنده وشقصاً بخمسين، وأخذ في جملة ذلك عبداً فيجب أن يؤخذ الشقص بثلث قيمة العبد لا تبالي ما يسوى العبد.
وعلى مذهب المخزومي: ينظر إلى قيمة العبد فإن كانت مائة كان مدفوعاً عن موضحة العمد خاصة، ثم تحمل عليه موضحة الخطأ وقيمة الشقص وهي خمسون، فيصير الجميع مائتين، والذي ناب الشقص ربع قيمة العبد، فيأخذه الشفيع بذلك.
قال ابن المواز: ولو أخذ من موضحة خطأ شقصاً ودفع خمسين ديناراً فليأخذ
الشفيع بمائة، وإن كانت موضحة عمد فقط فأدى المجروح عشرة دنانير وأخذ شقصاً فلينظر إلى قيمته فإن كانت خمسين فعلى الشفيع عشرة وأربعة أخماس قيمة الشقص، وإن كانت قيمته ستين فعشرة وخمسة أسداس قيمة الشقص.
م: وذلك راجع إلى أن يأخذ بقيمة الشقص ما لم ينقص عن عشرة فلا ينقص منهل وهو على قياس قول ابن نافع.
قال ابن المواز: ولو نكح بشقص ومعه عرض أو مال فالشفعة فيه بقيمة الشقص ما بلغ، ولو كانت قيمته ربع ما دفع معه أو ثمنه لم يأخذ الشفيع إلا بقيمته.
وكذلك لو خالعت به امرأة زوجها أو صالحت به من دم عمد ومع الشقص غيره من عرض أو عين لم يأخذ الشفيع إلا بقيمته، وقاله عبد الملك.
وفي كتاب محمد زيادات كثيرة من هذا الصنف يطول ذكرها.
[فصل 4 - فيمن صالح من قذف على شقص أو مال]
ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن صالح من قذف على شقص أو مال لم يجز، ورد ولا شفعة فيه؛ لأن الحدود التي هي لله لا عفو فيها إذا بلغت الإمام، فلا يجوز الصلح فيها على مال قبل أن تبلغ الإمام، وإنما للمقذوف العفو ما لم يبلغ الإمام، فإذا بلغه أقيم الحد.
قال أبو محمد: قال أبو بكر: الذي أقول به أنه يجوز العفو عنه وإن بلغ الإمام وإن لم يرد ستراً، وهو قول مالك الأول؛ لأنه إذا كان له أن يقوم به كان له تركه والعفو عنه، وإن يصالح عليه بما أحب فيجوز ذلك.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وكذلك من قتل قتيلاً في حرابة فأخذ قبل أن يتوب لم يجز فيه عفو الأولياء وإن بلغوا الإمام ولا صلحهم على مال وذلك مردود.
[الباب الثامن]
في الشفعة في الشقص يؤخذ من كراء أو إجارة أو صلح
[فصل 1 - الشفعة في الشقص يؤخذ كراء أو إجارة]
قال مالك: ومن اكترى إبلاً إلى مكة بشقص ففيه الشفعة بمثل كراء الإبل إلى مكة، ولو اكترى به داراً فبقيمة كرائها، ولو أجر فبقيمة الإجارة.
وقال أشهب في المجموعة: يأخذ بمثل كراء الإبل إلى مكة من مثل صاحبها إن كان مضموناً فمضمون وإن كانت بأعيانها فبأعيانها.
وقاله عبد الملك في الإجارة بمثل أجرة من استؤجر بها.
قال ابن المواز عن ابن القاسم: وإن أخذ الشفيع بذلك ثم مات الأجير وانهدم المسكن، أو هلكت الدابة بعد أن مضى نصف العمل ونصف السكنى والركوب فليرجع بنصف قيمة شقصه؛ لأن أخذ الشفيع فوت.
وقال أشهب في المجموعة: إذا ماتت الإبل في نصف الطريق فيرجع عليه المتكاري بنصف قيمة الشقص رجع المكري على الشفيع بما رجع به رب الشقص عليه ويقاصه من نصف ما أخذ منه من قيمة كراء إبله، إلا أن تكون قيمة
كرائها أكثر من قيمة الشقص فيكون الشفيع هو الراجع عليه بنصف كراء إبله ويدع له من ذلك نصف الشقص، ونحوه عن عبد الملك.
م: وهذا على أصل عبد الملك فيمن اشترى شقصاً بعبد فأخذ الشفيع بقيمته ثم استحق العبد، وقد تقدم القول فيه.
[فصل 2 - فيمن تكفل بنفس رجل فغاب فصالح الطالب الكفيل على شقص]
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ومن تكفل بنفس رجل فغاب فصالح الطالب الكفيل على شقص، فجائز إن عرفا مبلغ الدين وفيه الشفعة بمثل الدين ويرجع الكفيل على المطلوب بالأقل من المال الذي عليه أو من قيمة الشقص، وإن لم يعرف كم الدين فلا يصلح الصلح فيه.
قال أشهب في المجموعة: وإن صالحت وأنت لا تدري ما يثبت الذي تكلفت له إلا أنه قد سماه لك، فللشفيع أن يحلفه أن دينه كذا وكذا، ثم يأخذ الشفيع بذلك إن شاء، فإن أخذ به ثم جاء الغريم فلم يستحق قبله من دعواه شيئاً لم يرجع الكفيل عليه بشيء ورجع على المتحمل له بالثمن الذي أخذ من الشفيع؛ لأنه الذي رضي أن يبيع به شقصه، وهذا إن كان صلحاً بغير إقرار، وإن كان بإقرار منك لم ترجع عليه بشيء، والشفعة في جميع ذلك إنما أخذها به، ثبت الحق أو لم يثبت أو
ثبت بعضه، وإن كان إنما تحمل بالوجه وليس من المال في شيء فصالحه على شقص فللشفيع الشفعة بالأقل من قيمة الشقص أو مما على الغريم.
قال ابن حبيب: قال أصبغ في الطالب يصالح المدعي عليه من دعواه وهو منكر على شقص من دار: أنه لا شفعة فيه؛ لأنه كالهبة.
[فصل 3 - فيمن تكفل بنفس رجل ولم يذكر ما عليه]
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ومن تكفل بنفس رجل ولم يذكر ما عليه جاز، فإن غاب المطلوب قيل للطالب: اثبت حقك ببينة وخذ من الكفيل، فإن لم يقم بينة وادعى أن له على المطلوب ألف درهم فله أن يحلف الكفيل على علمه، فإن نكل حلف الطالب واستحق.
يريد: ولا يرجع الكفيل على المطلوب بما غرم من سبب نكوله، إلا أن يقر له المطلوب وللكفيل أن يحلفه، فإن نكل غرم.
[فصل 4 - فيمن ابتاع داراً فاستحق رجل منها شقصاً]
قال ابن القاسم: ومن ابتاع داراً فاستحق رجل منها شقصاً فاصطلحوا على أن يأخذ المستحق بالشفعة بيتاً من الدار يصيبه من الثمن بعد تقويم جميع الدار فذلك جائز.
[فصل 5 - فيمن ادعى شقصاً بيد رجل فصالحه منه على مال]
قال في باب بعد هذا: ومن ادعى شقصاً في دار بيد رجل فصالحه منه على مال، فإن جهلاه جميعاً، قال سحنون: أو عرفاه جميعاً جاز ذلك، وإن عرف المدعي دعواه منها وحده فليسمه، وإن لم يسمه بطل الصلح ولا شفعة فيه.
وقد قال مالك في الزوجة إذا صالحت الورثة على ميراثها: فإن عرفت هي وجميع الورثة مبلغ التركة جاز الصلح وإن لم يعرفوه لم يجز.
قال ابن المواز: ومن ادعى حقاً في دار رجل غابت عنه معرفته والمدعى عليه ينكر فصالحه منه بدنانير فلا شفعة في ذلك.
[فصل 6 - فيمن ادعى جزء دار بيد رجل فأنكر]
ومن المدونة: وإن ادعيت سدس بيد رجل فأنكر، فصالحك منه على شقص دفعه إليك من دار له أخرى، فالشفعة في الشقص الذي لا دعوى فيه بقيمة المدعى فيه؛ لأن قابضه مقر أنه إنما اشتراه ودفع في ثمنه السدس المدعى فيه ولا
شفعة في السدس المدعى فيه الشقص؛ لأن قابضه يقول: إنما أخذت حقي وافتديته بما دفعت فيه ولم أشتره.
قال أبو محمد: ولو كان الصلح على إقرار كانت الشفعة في الشقص ولو صالحه منه على عرض أو دراهم فإن كان على إقرار ففيه الشفعة بقيمة العرض أو مثل الدراهم، وإن كان على إنكار فلا شفعة فيه.
ومن ادعيت عليه أنه قتل دابتك فصالحك على شقص، ففيه الشفعة بقيمة الدابة والقول قولك في قيمتها ولا تكلف صفتها.
وإن ادعيت ما لا يشبه صدق الشفيع فيما يشبه، كقول مالك فيمن اشترى شقصاً بعرض وفات العرض ثم قام الشفيع: أن القول فيه قول المشتري.
والصلح من القذف والحدود على شقص لا يجوز بلغت السلطان أو لم تبلغه.
قال بعض الفقهاء: إذا لم تبلغ السلطان لا يجوز العفو فيها على مال، وذلك حق له إن شاء قام به وإن شاء تركه، وإذا عفا عنه لزمه ذلك، فأشبه الجراح إلا أن يكون على مذهب أشهب الذي يقول: إن العافي في القذف له أن يقوم بعد أن عفا، وأنه على هذا حق لله تعالى كالزنى والسرقة الذي لا يجوز في ذلك العفو، وأما بعد بلوغه السلطان فلا عفو فيه، فيصير حينئذ كالزنى والسرقة.
ومسألة من اشترى داراً فهدمها وبناها ثم استحق رجل نصفها واستشفع، قد تقدمت في باب ما يحدث بالشقص من هدم أو بناء.
[الباب التاسع]
في شفعة المفاوض والمقارض والعبد ومن فيه علقة رق وشفعة ذات الزوج وميراث الشفعة
[فصل 1 - في شفعة المفاوض والمقارض]
قال مالك: وليس لأحد المتفاوضين فيما باع الآخر شفعة؛ لأن بيع أحدهما يلزم صاحبه.
قيل: فإن تفاوضا في الدور؟
قال: ما أعرف المفاوضة في الدور، فإن نزل فلا شفعة للآخر.
قال: وإذا اشترى المفاوض من المال شقصاً هو شفيعه وفيه فضل فله الشفعة ولا يمنعه رب المال، ولو كان رب المال هو الشفيع فله القيام أيضاً؛ لأن مالكاً قال فيمن اشترى شقصاً هو شفيعه مع آخر: أن المبتاع يضرب فيه بالشفعة بقدر نصيبه قبل الشراء، ولا يضرب بما اشترى.
قال أشهب في المجموعة: وعهدة كل واحد من المفاوض أو رب المال على البائع.
قال مالك: وليس لرب المال أن يبع شيئاً مما في يد العامل بغير أمره.
[فصل 2 - في شفعة العبد ومن فيه علقة رق]
قال: ولأم الولد والمكاتب الشفعة، وللعبد المأذون، فإن لم يكن مأذونا فذلك لسيده إن أحب أخذ العبد أو ترك، وإن سلمها المكاتب لزمه ولا أخذ للسيد، وإن سلمها المأذون فلا قيام لسيده، ولو أراد المأذون أخذها وسلمها السيد، فإن لم يكن العبد مديانا جاز تسليم السيد، وإن كان مديانا وله فيه فضل فلا تسليم للسيد.
قال ابن المواز: وإن سبق المأذون فأخذ أو سلم قبل أن يعلم سيده لزمه ولا قول للسيد بعد ذلك، وكذلك إن سبق السيد من سبق منها فلا كلام للآخر إلا أن يكون على المأذون دين فلا يلزم تسليم سيده.
قال: وإن أخذ المأذون وفيها غبن شديد أو في تسليمها وعلم أن فيه محاباة بينة فليس له ذلك.
قال: وأم الولد والمدبر والمعتق إلى أجل وكل من لسيده انتزاع ماله، مثل العبد المأذون من سبق منهم أو من سيدهم بإسلام أو بأخذ، فذلك نافذ لازم رضي الآخر أو كره.
قال مالك: وأما المكاتب فذلك له دون السيد وله أن ينقض تسليم سيده أو أخذه.
قال أشهب: إلا أن يتبين من المكاتب في أخذه أو تركه محاباة بينة.
يريد: فلسيده نقضه، وإلا فما فعل من ذلك على وجه النظر فجائز.
قال ابن المواز: والمكاتب والمعتق بعضه وأم الولد والمدبر والمعتق إلى أجل والعبد إذا لم يكن لواحد منهم مال يأخذ به الشفعة وطلبوا الأخذ فليس للسيد أخذ ذلك لنفسه؛ لأن الشفعة لغيره وجبت، فأما أن يأخذ ذلك لمن وجبت له بسلف أو هبة فذلك جائز في عبده ومدبره وأم ولده ومعتقه إلى سنين على ما أحبوا أو كرهوا، ولا حجة للمشتري، وليس له ذلك في المكاتب والمعتق بعضه إلا برضاهما.
م: إذ لا يقدر على انتزاع أموالهما.
[فصل 3 - في شفعة الزوجة]
ومن المدونة: قال مالك: ولذات الزوج تسليم شفعتها وإن كان فيه فضل كثير، أو أخذها وإن كان فيها غبن كثير إلا أن يكون الغبن أكثر من ثلثها فلزوجها رده.
قال: ولها الشراء والبيع ولا يمنعها من ذلك زوجها ولا من أن تتجر، وإن حابت في الشراء والبيع فذلك في ثلثها، فإن جاوزه بطل جميعه إن لم يجزه الزوج.
والمغيرة يجيز منه الثلث كوصيتها.
قال مالك: وليس لأحد رد محاباتها إذا لم تكن سفيهة في عقلها ولم يول عليها إلا الزوج.
وفي كتاب الكفالة من هذا.
[فصل 4 - في توريث الشفعة]
قال مالك: وتورث الشفعة عن الميت.
[الباب العاشر]
فيمن أعمر عمرى على عوض أو تصدق بدار على أن ينفق عليه حياته ومسائل من الهبة
[فصل 1 - الشفعة فيمن أعمر عمرى على عوض]
قال مالك: ومن أعمر عمرى على عوض لم يجز، ورد ولا شفعة فيه؛ لأنه كراء فاسد، ويرد المعمر الدار، وإن استغلها رد غلتها وعليه إجازة ما سكن؛ لأن ضمانها من ربها ويأخذ عوضه.
قال ابن المواز: والصواب أن تكون الغلة التي استغلها له، وعليه كراء مثلها في السنين التي سكنها، ويفسخ ما بقي من عمره؛ لأنه كراء إلى أجل مجهول.
وكل من اكترى كراءا فاسدا فسكن فعليه كراء مثله وإن كان ضمانه من ربه.
[فصل 2 - فيمن تصدق بدار على أن ينفق عليه حياته]
ومن المدونة قال مالك: ومن تصدق على رجل بدار على أن ينفق عليه حياته، فهذا بيع فاسد والغلة للمتصدق عليه؛ لأنها في ضمانه ويرجع بما أنفق ويرد الدار، ولو هلكت الدار بيده بغرق أو غيره ضمن قيمتها يوم قبضها.
[فصل 3 - مسائل من الهبة]
وتجوز الهبة غير مقسومة.
قيل: فما وهب للقيط أو تصدق به عليه أيكون الذي هو في حجره قابضا له، ولم يجعله السلطان ناظرا ولا وصيا؟
قال: نعم؛ لأن مالكا قال: من تصدق على غائب بصدقة ودفعها إلى أجنبي ليقبضها للغائب ويجوزها له والغائب غير عالم بالصدقة أن ذلك جائز، والموهوب له الشقص والمتصدق به عليه يقول له الشفيع: أخاف أنك ابتعته منه أو عاوضته فيه سرا وأردتما قطع الشفعة بما أظهرتما فاحلف، فإن كان ممن يتهم أحلفه وإلا لم يحلف.
[الباب الحادي عشر]
جامع مسائل مختلفة مما فيه الشفعة أم لا
[فصل 1 - حكم الشفعة في دور القرى]
قال ابن القاسم: والشفعة في دور القرى كهي في دور المدائن.
وإذا كان حائط بين رجلين فباع أحدهما حظه منه فالشفعة فيه لشريكه، وإن ملكه أحدهما وللآخر فيه حمل خشب فلا شفعة لمن له الحمل.
ومن له علو دار ولآخر سفلها فلا شفعة لأحدهما فيما باع الآخر منها.
[فصل 2 - الشفعة في أرض العنوة وأرض الصلح]
قال مالك: ولا شفعة في أرض العنوة ولا يجوز بيعها.
وأما أرض الصلح تباع فإن كان على أن خراج الأرض باقي على الذمي البائع فجائز والشفعة فيها إن كان شريكه مسلم، فإن اشترط الخراج على المبتاع المسلم لم يجز؛ إذ بإسلام الذمي ينقطع الخراج عنه وعن الأرض وهذا مجهول وغرر.
قال سحنون: قال أشهب: بيعها جائز وعلى المسلم الجزية إذا شرطها عليه الذمي.
وروى ابن نافع عن مالك: أنه لا يجوز لأهل الذمة بيع أرضهم من نصراني ولا من مسلم إذا كان عليها جزية، وإن كانت الجزية على جماجمهم ولم تكن على أرضهم جزية جاز بيعها من المسلمين والنصارى.
وهذا في كتاب التجارة بأرض الحرب مذكور.
[فصل 3 - فيمن باع أرضا على أن يدفع له المشتري شيئا كل عام]
قال في كتاب الشفعة: ولا ينبغي لرجل أن يبيع من رجل أرضا على أن على المبتاع كل عام شيئا يدفعه.
[فصل 4 - الشفعة فيمن غصب عبدا فابتاع به شقصا]
ومن غصب عبدا فابتاع به شقصا فلا قيام للشفيع ما دام العبد لم يفت، فإن فات فوتا تجب به على الغاصب قيمته، فللشفيع الأخذ بقيمة العبد يوم اشترى به الدار.
[قال] ابن المواز: لأنه لو أعوز عند الغاصب لزمه قيمته صحيحا ولا يكون على الشفيع إلا قيمته على حالة ما كان يسوى يوم اشترى به الشقص.
قال محمد: ولا يأخذ الشفيع حتى يفوت العبد بموت، ولا تفيته العيوب هاهنا؛ لأن رب العبد بالخيار إن شاء أخذ عبده ناقصا إذا لم يفت بموت وينقض بيع الشقص، وإن شاء أجاز ذلك وأخذ ثمنه من بائعه.
قيل: فإن مات العبد، أيجب على الشفيع أن يأخذ بالشفعة قبل أن يعرف قيمة العبد؟
قال: نعم إذا كانا قد عرفا العبد قبل أن يموت، كما لو اشترى رجل شقصا بعبد أو حمار لوجب للشفيع الشفعة قبل معرفة قيمة العبد أو الحمار، وإنما مثل ذلك كما لو اشترى رجل عبدا أو حمارا قبل أن يعرف قيمة ذلك أنه جائز، فأما إذا احتيج إلى أن يعرف قيمة الشقص ليأخذ بها فلا شفعة إلا بعد معرفة قيمته.
م: والقياس أن ذلك سواء، ولا فرق بين أن يأخذ الشقص بقيمته أو بقيمة غيره.
وأما احتجاجه بقوله: كما لو اشترى عبدا أو حمارا قبل أن يعرف قيمته، فذلك غير معتدل؛ لأنه إنما اشترى معلوما بثمن معلوم فلا ينظر إلى قيمته وإنما تشتبه المسألتان أن لو جاز أن يشتري العبد أو الحمار بقيمته، فلما كان ذلك لا يجوز فكذلك لا يجوز
أن يأخذ الشقص بشفعته حتى يعرف قيمته، والله أعلم.
قال سحنون: ليس جواب ابن القاسم في العبد الغصب جوابا، وإنما ينظر فإن كان مشتري العبد عالما بالغصب فاشتراه على ذلك فإنه ينتظر ربه فإن جاء فأجاز البيع وجبت الشفعة، وإن أخذ عبده انفسخ البيع.
وإن لم يعلم مشتريه بالغصب، أو علم بذلك في قيام الشفيع، فإن كان رب العبد قريب الغيبة انتظر حتى يقدم فيجيز أو يفسخ، وإن بعدت غيبته فللمبتاع فسخ البيع ويرجع إليه الشقص.
وإن لم يعلم حتى أخذ الشفيع بالشفعة فقد مضت الشفعة، ويرجع إلى مسألة ابن القاسم إذا أخذ بالشفعة ثم استحق العبد.
[فصل 5 - الشفعة فيمن غصب ألف درهم فابتاع بها شقصا]
ومن المدونة: ولو غصب ألف درهم فابتاع بها شقصا، فالشراء جائز وللشفيع الشفعة مكانه وعلى الغاصب مثلها، وإن وجدها المغصوب منه بعينها بيد البائع
وأقام عليها البينة أخذها ورجع البائع على المبتاع بمثلها والبيع تام.
وإذا ادعى المبتاع أنه بنى وأكذبه الشفيع فالمبتاع مدع، وبالله التوفيق.
[الباب الثاني عشر]
جامع مسائل مختلفة من الشهادات والأقضية والاستحقاق وغيره
[فصل 1 - شهادة القربى]
قال ابن القاسم: ومن لا تجوز شهادته من القرابة لقريبه، فلا يجوز أن يشهد له أن فلانا وكله على شيء، ويجوز أن يشهد عليه أنه وكل غيره.
[فصل 2 - فيم تصح شهادة النساء وتزكيتهن؟]
قال مالك: وما لا تجوز فيه شهادة النساء من عتق أو طلاق أو قتل فلا تجوز شهادتهن على الوكالة فيه.
قال: وتجوز شهادتهن في الأموال وفي الوكالة عليها، وتجوز شهادتهن في الوكالة على أخذ الشفعة أو تسليمها أو على أنه شفيع، أو يشهدن على المبتاع أنه أقر أن فلانا شفيع هذه الدار فذلك جائز؛ لأنه مال، وكل ما جازت فيه شهادتهن جاز أن يشهدن على الوكالة فيه.
قال مالك: ولا تجوز تزكيتهن على كل حال لا للرجال ولا للنساء في شهادة مال ولا غيره.