الجامع لمسائل المدونةصفحات 346-379

بالاستشراك أن عهدتهما فيما يقضي به على البائع الأول وهذا عهدته على من أشركه، وقاله كله أصبغ.
[الفصل 6 - في الرجل يسأل المشتري الشركة بعد وجوب البيع].
ومن كتاب ابن المواز والواضحة قال مالك في الرجل يريد شراء سلعة للتجارة فيقف به الآخر لايتكلم فلما وجب البيع طلب الدخول معه فأبى.
قال: يجبر على الشركة إن كان شراؤه للبيع.
وقاله ابن القاسم وأشهب، إلا من اشترى لمنزله أو ليخرج بها إلى بلد كذا فلا يشرك فيها الآخر، وكذلك في العتبية.
قال مالك: وإنما رأيت ذلك خوفًا أن يفسد الناس بعضهم على بعض إذا لم يقض لهم بهذا فيأتي منه باب فساد وذلك من الرفق بالناس.
قال ابن حبيب: وإنما يرى ذلك مالك لتجار أهل تلك السلعة وأهل سوقها إن كان مشتريها من أهل التجارة أو من غيرهم إذا اشتراها للتجارة، وإنما يختلف ذلك في المشرك، فإن كان من أهل التجارة وجبت له الشركة، وإن لم يكن من أهلها لم تجب له إلا برضى المشتري استشرك بعد تمام الشراء أو قبله، وروى أن عمر قضى بمثل ذلك.
[الفصل 7 - في المشتري يسأل الشركة عند المبايعة فيسكت، أو يأبى] قال أصبغ: وإذا سئل الشركة عند المبايعة فسكت، فلما تم البيع أبى من ذلك

واحتج بسكوته، فلا حجة له بذلك، ولمن شاء الدخول معه إذا كان من أهل تلك التجارة.
ابن حبيب: ولو قال لهم لما سألوه: لا أفعل.
فسكتوا، فلما تم البيع أرادوا الدخول معه فليس لهم ذلك إذا قال: لم أشتر إلا لنفسي، ولا حجة لهم إن قالوا: إنما سكتنا عن السوم خيفة ارتفاع قيمة السلعة، وقالوا: لما كان لنا أن نشترك بعد الصفقة، ولا يضرنا إباؤه بعدها، فكذلك قوله: لا.
قبل الصفقة، فلا ينفعهم ذلك؛ لأنه قد أنذرهم بالمنع قبل الصفقة، ولو شاءوا اشتروا.
قال: ولو حضروا وسكتوا فلما تم البيع تبين له فيها نقصان، فأراد أن يدخلهم معه فليس له ذلك، ولو سألوه الشركة وهو يسوم فسكت، أو قال: نعم.
لزمتهم إن امتنعوا، وكانت المصيبة منه ومنهم.
قال: وهذا في كل شيء يشتري من طعام أو إدام أو حيوان أو رقيق أو غيره إذا اشتراه للتجارة، فأما إن ابتاع طعامًا لأكله أو ثوبًا يلبسه هو أو عياله أو خادمًا تخدمه فليس لأحد أن يدخل معه في ذلك والقول قوله أنه لذلك أراده مع يمينه كان من أهل تلك التجارة أو من غيرهم إلا أن يستدل على خلاف قوله.
قال أصبغ في العتبية: إلا أن يستدل على كذبه لكثرة تلك السلعة وأن مثلها لا يشترى إلا للتجارة فلا يصدق ويدخلون معه وإن لم يتبين كذبه صدق ولم يذكر اليمين.
قال أصبغ: ولا يدخل بزاز مع زيات ولا أهل سلعة على سلعة ولو كان محتكرًا لهذه السلعة ويتجر بها رأيت أن يدخل في هذه السلع حيث وجد من يشتريها في أسواقها ولو لقي سلعته في بعض الأزقة والدور فابتاعها بمحضر رجل من أهلها فلا شركة له معه ولا شركة في السلع إلا في مواضعها لا فيما اشتراه الرجل في حانوته أو بيته أو داره.

قال: ومن وقف يسوم سلعة للتجارة فوقف به من هو من أهلها فقال اشركني فسكت عنه المساوم ثم مضى عنه طالب الشركة، ثم طالبه بعد البيع فلا يقضى له عليه إن أبى ويحلف ما اشترى عليه ولا رضى بما سأل ولو أراد المشتري أن يلزمه الشركة فأبى قال تلزمه الشركة إذا شاء المشتري لأنه طلبه.
[الفصل 8 - العهدة فيما يشترك فيه غير المشتري] قال مالك في كتاب محمد في العهدة فيما يشترك فيه: أما فيما يقضي له بالشركة فيه فعهدتهما على البائع، وأما إن أشركه بعد تمام البيع، فإن كان بحضرة ذلك، ولم يفترقا، فأشركه أو ولاه فعهدته على البائع الأول، ولا شيء على المشتري من عيب ولا استحقاق، اشترط ذلك أو لم يشترطه.
وأما إن باعه ذلك بيعًا بحضرة البيع فالعهدة على البائع الثاني إلا أن يشترطها على الأول فيلزم إلا أن يتفاوت وقت البيع الأول فلا يلزم هذا الشرط والعهدة على الثاني.
قال أصبغ: وحد ذلك أن يفترق من الأول افتراقا بينا وانقطاع ما كانا فيه من مذاكرة البيع ثم يبتاع الثاني فلا ينفع ها هنا شرط العهدة على الأول.
وكذلك في العتبية والواضحة من أول المسألة قال: وإذا بعد وافترقا لم يجز أن يشترط على الأول إلا على وجه الحمالة ويرضى بها.

قال ابن المواز: وما ذكرنا من عهدة الاشتراك فإنما هو مما يشتري بعينه فأما ما أسلم فيه فيبيعه المشتري إن جاز بيعه أو يشرك فيه أو يولي ما لا يجوز بيعه فعهدة ذلك أبدا على من هو في ذمته.
[الفصل 9 - في رجل يأتي بحمام ذكر والآخر بأنثى على أن ما أفرخا بينهما، وفي آخر يأتي ببيض لرجل ويطلب منه أن يجعله تحت دجاجته، فما كان من فراخ فبينهما] ومن العتبية والموازنة قال ابن القاسم عن مالك: وإن جاء رجل بحمام ذكر والآخر أنثى على أن ما أفرخا فبينهما فلا بأس به وأرجو أن يكون خفيفًا والفراخ بينهما لأنهما يتعاونان في الحضانة.
قال في العتبية: وإن جاء رجل ببيض إلى رجل فقال: اجعله تحت دجاجتك فما كان من فراخ فبيني وبينك، فالفراخ في هذا كله لصاحب الدجاجة وعليه لصاحب البيض مثله، وهو كمن جاء بقمح إلى رجل فقال له: ازرعه في أرضك بيننا، فإنما له مثله والزرع إنما يكون لصاحب الأرض.
[الفصل 10 - في عبد نصفه حر ويريد سيده أن يخرج به إلى بلد آخر] قال أشهب: قال مالك في عبد نصفه حر فأراد سيده أن يخرج به إلى بلد آخر: فذلك له إن كان مأمونًا، وإن لم يكن مأمونًا فليس له ذلك، وما هو بالبين، ونفقته إذا قضى له بالخروح على السيد، وكذلك كراؤه حتى يقر قراره بالموضع الذي يكون له فيه عمل، فإن كان سفرهم في موضع ليس فيه كسب فالنفقة على السيد حتى يقدم؛ لأنه

أخرجه من موضع عمله وكسبه.
وروى البرقي عن أشهب أنه قال الذي يأخذ بقلبي أنه ليس له أن يخرج به وإن كان مأمونًا، ولا يزوجه إلا يإذنه.
م/: سواب كالعبدين الشريكين.
[الفصل 11 - فيمن أراد أن يحمل متاعه في سفينة يملك بعضها ومنعه شريكه إلا بكراء] قال سحنون في رجلين لهما سفينة فيريد أحدهما أن يحمل فيها متاعه، وليس لصاحبه شيء يحمله ويريد الذي ليس له ما يحمل منعه إلا بكراء ويقول الآخر أنا أحمل في نصيبي قال: فله أن يحمل في نصيبه ولا يقضى لشريكه بكراء فإما أن يحمل مثل ما حمل صاحبه من الشحنة والمتاع وإلا بيع المركب عليهما.
[الفصل 12 - في قوم حملوا طعاما في سفينة مخلوطًا ثم أراد أحدهم أن يبيع حصته في الطريق] قال أشهب عن مالك في قوم يحملون الطعام في سفينة مخلوطا فيريد أحدهم البيع في الطريق فليس له ذلك إلا برضا أصحابه؛ لأنه ربما فسد أسفل الطعام أو يمطروا بعد ذلك فيفسد الطعام فلا يأخذ أحد منهم حتى يبلغوا فيقتسمون الفاسد والجيد إلا أن يسلموا إليه حقه فذلك لهم ثم لا تباعة لهم عليه إذا وجدوا ذلك فاسدًا.
ابن المواز قال مالك في قوم حملوا طعامهم في سفينة فأحب أول من يمر بمنزله أن يأخذ طعامه فله ذلك، ثم إن غرقت السفينة بعد ذلك فلا تباعة لهم على الأول أذنوا له في

ذلك أم لا، إلا أن ينقص المكيل فلهم الرجوع عليه بحصته من النقص.
فصل [13 - في الزيتون والجلجلان والفجل يأتي كل رجل من الشركاء بكمية معلومة منه فيخلط ثم يعصر] ابن المواز قال مالك في الزيتون يأتي هذا بإردب وهذا بأكثر حتى تمتلئ الاستقالة فيعصر قال: إنما يكره ذلك؛ لأن بعضه أكثر إخراجاً من بعض، فأما لحاجة الناس إلى ذلك فأرجو أن يكون خفيفاً، ولابد للناس من مصالحهم.
قال في العتبية: وكذلك في عصر الجلجلان والفجل.
قال سحنون: لا خير فيه.
[مسألة: في شريكين تخاصما في مال فادعى أحدهما ضياعه فكتب إقراره ثم ادعى دفعه لصاحبه] وروى عيسى عن ابن القاسم في شريكين تخاصما إلى قاض فسأل أحدهما صاحبه عن المال فقال: ضاع مني.
فكتب إقراره، ثم قال: قد دفعت إليه.
فقال: اكتبوا إقراره.
فقال حينئذ: إنما دفعته إليه من مالي بعد الضياع.
فقال: لا يصدق.
وأراه ضامناً.

[مسألة: في شركاء في سلعة باعها أحدهم وقبض ثمنها فطلبه شركاؤه حصتهم من الثمن فقال: دعوني أتسوق ثم أعطيكم، ثم جاء يدعي أنه سرق منه] وقال في شركاء في سلعة ولي أحدهم بيعها وقبض ثمنها، فقال له شركاؤه: أعطنا حقنا منها.
فقال: نعم هو في كمي أتسوق به ثم أعطيكم.
فذهب ثم أتى، فقال: قد قطعت من كمي.
قال: يضمن إذا سألوه فلم يعطهم.
قيل له: لما أردنا خصومته قال: أسلفوني دينارين أتجر بهما، وأقضيكم من ربحهما، وأخروني حولاً، وأقر لكما، واكتبوا علي بذلك كتاباً، ففعلنا، فأردنا الآن خصومته، هل يؤخذ بهذا الإقرار؟ قال: لا؛ لأنه يقول إنما أقررت على أن تسلفوني وهذا لا يحل، فإن أصبتم بينة حين سألتموه حبسه عنكم، ثم جاء يدعي أنه تسوق به فقطع منه فهو ضامن.

[الباب الثامن]

بقية القول في مسائل المزارعة من غير المدونة

[الفصل -1 - فيما إذا اشترك رجلان فأخرج أحدهما الأرض وثلثي البذر والآخر ثلث البذر وعليه العمل] ومن كتاب ابن سحنون: قال سحنون ونحوه عن ابن حبيب: وإذا اشترك رجلان فأخرج أحدهما الأرض وثلثي الزريعة، وأخرج الآخر ثلث الزريعة والعمل، على أن يكون الزرع بينهما نصفين.
ابن حبيب: أو على الثلث والثلثين، فذلك جائز كله إذا كافأ عمله كراء الأرض، وما فضل به رب الأرض من الزريعة؛ لأن زيادة الزريعة بإجارة عمل العامل.
قالا: فإن جعل العامل ثلثي الزريعة وصاحب الأرض ثلثها على أن الزرع بينهما نصفين لم يجز.
قال ابن حبيب: إلا على الثلث والثلثين.
قالا: لأن زيادة الزريعة هاهنا بكراء الأرض، فإذا وقع على ما لا يجوز فالزرع بينهما على الثلث والثلثين، ويترادان الفضل والأكرية.
قالا: وإن أخرج أحدهما ثلثي الأرض وثلث البذر وأخرج الآخر ثلث الأرض وثلثي البذر والعمل والزرع بينهما نصفين لم يجز.
قال سحنون: وكأنه أكرى سدس أرضه بسدس بذر صاحبه، فإذا نزل فلكل واحد بقدر ماله من البذر، ويتراجعان في فضل الأكرية، فإن عرف كل واحد منهما زريعته على

حدة كان له ما أنبتت.
ويتراجعان في الأكرية.
قال بعض فقهاء القرويين: وهذا على مذهب ابن غانم.
وينبغي على مذهب ابن القاسم أن يكون الزرع بينهما نصفين؛ لأن صاحب ثلثي الأرض قد عمل نصف العمل في مقابلة نصف الأرض فاستوجب نصف الزرع، ويكون له كراء سدس أرضه؛ لانفراده، وعليه سدس الزريعة لصاحبه، وصاحب ثلث الأرض وثلثي الزريعة قد أخرج نصف العمل فيضيف إليه من بذره ما يكافئه، فيصير له نصف عمل ونصف بذر فيستوجب به نصف الزرع، وبقي له سدس بذر لا عمل معه، فيرجع على صاحبه به فاعلم ذلك.
[الفصل -2 - فيما إذا اشترك ثلاثة فأخرج أحدهم الأرض ونصف البذر والثاني نصف البذر فقط والثالث البقر والعمل على أن الزرع بينهم أثلاثاً] قال سحنون: وإذا اشترك ثلاثة فأخرج أحدهم الأرض ونصف البذر، والآخر نصف البذر فقطـ، والثالث البقر والعمل على أن الزرع بينهم أثلاثاً لم يجز.
فإذا نزل فالزرع على مذهب ابن القاسم بين العامل وبين رب الأرض، ويغرما لمخرج نصف البذر مكيلة بذره، وعلى مذهب سحنون أن الزرع لصاحبي الزريعة، وعليهما كراء الأرض والعمل.
وقال ابن حبيب: قد أخطأوا، ويصير الزرع بينهم أثلاثاً.

أبو محمد: والذي ذكر ابن المواز على أصل مذهب ابن القاسم أن الزرع لمن ولي العمل إذا سلمت الأرض إليه، ويؤدي مثل البذر لمخرجه، وكراء الأرض لربها.
قال بعض فقهاء القرويين: وما ذكره سحنون أن الزرع بين العامل وبين رب الأرض كلام فيه اعتراض وذلك أن ابن القاسم لم يجعل للمنفرد بالعمل وحده شيئاً؛ إذ لو أخرج رجل الأرض والبذر، والآخر العمل لم يكن لمتولي العمل إلا أجره مثله، فوجدنا هاهنا لواحد أرضاً ونصف البذر لا يستوجب به شيئاً على الانفراد، وللآخر نصف زريعة لا يستوجب بها شيئاً على الانفراد، وللآخر عمل لا يستوجب به شيئاً على الانفراد، وإنما خص رب الأرض بنصف الزرع لما اجتمع له نصف الأرض ونصف البذر، وبقي له نصف أرض، وللآخر نصف بذر، وللآخر عمل.
فلو قيل: إن النصف الباقي يقسم بينهم أثلاثاً لتساويهم فيما أخرجوه لأشبه ذلك.
فأما قول أبي محمد أنه لصاحب العمل على مذهب ابن القاسم فلم يجد لابن القاسم أن من انفرد بالعمل وحده دون أن يضم معه شيء آخر أن له الزرع، وإنما جعل من له العمل أولى بالزرع إن انضاف إلى ذلك أرض أو بذر.
وأما مذهب ابن حبيب أن ذلك بينهم أثلاثاً فعلى أصله؛ لأنهم سلموا من كراء الأرض بالطعام؛ لأن رب الأرض لم يشترط من الزرع إلا قدر ما أخرج من البذر.

فصل [3 - فيمن أعطى أرضه آخر ليزرعها ببذره وبقره وعمله فما خرج فبينهما نصفين] قال سحنون عن أبيه في أرض بين رجلين دفعها أحدهما إلى آخر يزرعها ببذره وبقره وعمله فما خرج فبينهما نصفين فلا يجوز، وكأنه أعطاه نصفه من الأرض معاملة بجزء مما تنبته.
وقال ابن عبدوس: ذلك جائز لأنه معين له بالعمل متطوع بالبذر.
قال ابن سحنون عن أبيه: وإذا كان على أن يزرعها المدفوعة إليه ببذر الدافع ومن عند الآخر العمل فما خرج فثلثه للعامل وما بقي وهو الثلثان للدافع فإن كان قيمة البذر الثلثان وقيمة العمل الثلث يريد أن قيمة ثلثي البذر مثل قيمة ثلثي العمل فذلك جائز.
قال ابن عبدوس: هذا خطأ؛ لأنه كراء الأرض بالطعام؛ لأن العامل له ثلث الزرع بثلث الأرض وأكرى سدس الأرض وثلث العمل بثلث البذر الذي من عند شريكه.
صوابه قال ابن سحنون عن أبيه: لو كان البذر بينهما نصفين على أن يزرعه أحدهما ببقره وعمله على أن للعامل من ذلك الثلثين أو النصف، وللآخر ما بقي، فهذا فاسد؛ لأن الذي ولي العمل وله الثلثان أكرى بقره وعمله بثلث ما أخرجت أرض شريكه، وإن كان ما أخرج بينهما نصفين لم يجز أيضاً إذا لم يعتدلا.
قال ابن عبدوس: إذا اشترط العامل الثلثين فذلك جائز، وكان الذي لم يعمل أعطى سدس البذر وسدس الأرض بثلث عمل العامل وذلك جائز، ولو كان ما قال سحنون يدخل لكان إذا أخرج أحدهما أرضاً وبذراً والآخر عملاً لم ينبغ أن يجوز على علة قوله، وهو قد أجاز هذا.
قال بعض فقهاء القرويين: وقول ابن حبيب في هذه المسألة نحو ما قال سحنون إذا قصد أنه أجيز بنصف ما يخرج لم يجز ذلك، فإن قصد أنه قبض ما استؤجر به من البذر

ومنافع الأرض جاز ذلك، وقد قدمنا من قول ابن حبيب قبل هذا ما يبين هذا، والله الموفق.
فصل [4 - فيمن أخرج بذراً ودفعه إلى آخر وقال: ازرعه لي في أرضك فما خرج فهو لك] قال ابن سحنون عن أبيه: ولو أخرج رجل بذراً فقال لرجل: ازرعه لي في أرضك فما خرج فهو لك.
فهذا فاسد، وما خرج فلرب البذر، وعليه كراء الأرض.
وقال ابن عبدوس: هذا جائز، وهو معروف صنعه به، ومالك إنما يراعي ما يصح في العاقبة وإن أخطأ في اللفظ.
م/ صوابه.
قال سحنون: ولو قال له: ابذره في أرضك لنفسك فما خرج فهو لي.
فهو فاسد، والزرع لرب الأرض، وكأنه وهبه البذر ثم استثنى الواهب ما أخرج.
م/: إن بقي التبن للعامل وكان ما خرج من الحب خاصة لرب البذر فهو فاسد، وإن كان التبن وجميع ما خرج للذي دفع البذر فذلك جائز على قول ابن عبدوس؛ لأن الذي صح من الفعل أن العامل تطوع له فزرعه في أرضه وحصده له ودرسه، فهو معروف صنعه له.
وقوله: ابذره في أرضك لنفسك لغو لا حكم له.
قال ابن سحنون: ولو قال رب البذر: لم ارد أن أهبه لك حلف ورجع عليه بمثله كما لو وهبه رمكة على أن ما تنتج للواهب فقبضها على ذلك فإن ما تنتج للموهوب، واستثناء الواهب باطل.
وإن أعطيته أرضك وبذرك وبقرك على أن يزرع فالزرع بينكما نصفين لم يجز وهو أجير، والزرع لرب البذر، ولو قال: قد جعلت النصف من أرضي وبقري وبذري كراء لنصف عملك لم يجز.
فإن نزل هذا كان الزرع بينهما نصفين،

ويتراجعان الفضل في الأكرية؛ لأن هذا قبض نصف البذر خاصة في إجازته.
م/: انظر لم هذا؟ وما الفرق بين هذه المسألة وبين التي قبلها؟ وهل هو إذا أعطاه أرضه وبقره وبذره على أن يتولى الآخر العمل، والزرع بينهما نصفان، إلا أعطاه نصف أرضه وبقره وبذره بنصف عمله، ولو لم تكن المسألتان جائزتين إذا ساوى عمله كراء الأرض والبقر والبذر، ومالك إنما ينظر إلى الفعل لا إلى القول، وما الفرق بين ذلك وبين الذي أخرج الأرض وثلثي الزريعة وأخرج الآخر ثلث الزريعة والعمل؟ فقد أجازوه إذا كان عمله مساوياً لكراء الأرض والبقر وما فضله من الزريعة، وكذلك يجب أن يكون إذا أخرج العامل عشر الزريعة أو أقل من ذلك وتكافئوا فيما أخرجوه أن يجوز وكذلك يجب إذا كافأ عمله كراء الأرض والبقر.
وقد قال بعد هذا إذا أخرج أحدهما الأرض والبذر وأخرج الآخر البقر والعمل أنه جائز إذا تساوى ذلك فهذا مثله.
م/: وأراهم والله أعلم أنهم جعلوا إذا لم يخرج العامل إلا عمل يده فقط أنه أجير وإن كافأ عمله ما أخرج صاحبه، وإن أخرج العامل شيئاً من المال إما بقراً أو بعض الزريعة وإن قل وكافأ ذلك وعمل يده ما أخرج الآخر فإنهما شريكان والقياس أن يكون ذلك كله سواء، ولكنهم أهل للصواب وبالله التوفيق.

فصل [5 - في رجلين اشتركا فأخرج أحدهما الأرض فقط، والعمل والبذر على الآخر على أن له نصفه على رب الأرض] قال ابن حبيب: ولو اشتركا فأخرج أحدهما الأرض، والعمل على الآخر وجميع البذر، على أن له نصفه على رب الأرض لم يجز بشرط السلف.
فإن وقع فالزرع بينهما نصفين؛ لأنهما ضمنا الزريعة وتكافأ في العمل وكراء الأرض، ويرجع مخرج الزريعة بنصفها معجلاً على الآخر.
ونحوه روى عيسى عن ابن القاسم في العتبية.
وقال ابن سحنون عن أبيه: الزرع لمسلف الزريعة، وعليه كراء الأرض قبض رب الارض حصته من الزريعة أم لا، إذا وقعت الشركة على شرط السلف، إلا أن يكون أسلفه من غير شرط بعد صحة العقد.
قال بعض فقهاء القرويين: جعل ابن حبيب المتسلف قابضاً للسلف مع كون الذي أسلفه عليه فجعل الزرع بينهما.
وجعل سحنون المتسلف لا يكون قابضاً للسلف مع كون الذي أسلفه عليه فلذلك جعل الزرع للذي أسلف.
قال ابن حبيب: ولو اختلفا فقال العال: بذرت مدياً.
وقال رب الأرض: ما بذرت إلا نصف مدي.
فالعامل مصدق مع يمينه إلا أن يأتي بما لا يشبه فيصدق الآخر فيما يشبه، فإن لم يأت بما يشبه نظر قدر محمل الأرض من البذر فيؤدي نصفه.
ولو أسلفه بعد صحة العقد من غير شرط ولا عادة جرياً عليها جاز ذلك.

فصل [6 - في الشريكين في الزرع يحرثان الأرض ثم يغيب أحدهما عند البذر ويخاف شريكه فوات أوان الحرث فيخرج جميع البذر من عنده] ومن العتبية روى أبو زيد عن ابن القاسم في الشريكين في الزرع يحرثان الأرض، ثم غاب أحدهما عند الزريعة، وخاف شريكه الفوات، فأخرج جميع الزريعة من عنده فزرعها، فقال ابن القاسم: لا يكون لصاحبه شرك في الزرع، وإنما له كراء مثل نصف الأرض محروثة والزرع لزارعه.
قيل له: فإن أحضر رجالاً فقسم الأرض بمحضرهم وحرث في نصيبه.
فقال: لا ينفعه وعليه نصف كراء ما زرع إلا أن يقسم ذلك بأمر السلطان.
وكذلك في كتاب ابن المواز من أول المسألة وزاد: ولو زرعها الحاضر من غير قسم ليكون بينهما فقدم الغائب فرضي فذلك جائز؛ لأن لهما زرعها الحاضر من غير قسم يكون بينهما، ولو زرعها لنفسه لم يجز أن يعطيه نصيبه من البذر ليكون الزرع بينهما، ولا يجوز أن يشتريه إلا بعد بدو صلاحه بغير الطعام.
قال: ولو اكتريا أرضاً ليزرعها بينهما، فغاب أحدهما فزرع صاحبه نصفها وطاب الزرع فهو له خاصة، وعليهما كراء ما تعطل منها.
قال أصبغ: وعلى الزارع نصف قيمة المزروع منها إن كان ذلك أكثر.
يريد من الثمن.
وما تعطل فهو عليهما وكراؤها كلها عليهما.

فصل [6 - في شريكين في أرض أعطى أحدهما صاحبه مالاً ليشتري به ما نابه من البذر فيزرع ثم يدعي أنه نسي وزرع من عنده] قال سحنون عن ابن القاسم في رجلين بينهما أرض فاشتركا وأعطى أحدهما للآخر دنانير فقال: اشتر بها ما وقع علي من البذر فيزرع ثم يدعي أنه نسي ولم يشتر شيئاً وإنما زرع من عنده.
قال: الزرع بينهما ولا يصدق.
قال: وإن صدقه صاحبه الآمر أنه لم يشتر فهو مخير إن شاء أعطاه المكيلة وكان شريكه وإن شاء أخذ دنانيره ولا شيء له في الزرع.
وقال يحيى بن عمر إن صدقه أنه لم يشتر شيئاً أو قامت بذلك بينة ثم زرع من عنده فالزرع لباذره ولا يجوز للآخر الرضا بأخذ نصفه ويؤدي الزريعة، وهذا حرام، وليأخذ دنانيره، وما يجب له من كراء الأرض والبقر والعبيد.
وهذه المسألة في كتاب ابن سحنون عن ابن القاسم كما في العتبية.
وقد قال غيره: إن صدقه وقد تم الزرع فهو للذي زرعه، وللآخر كراء أرضه.

فصل [8 - في المتزارعين يخرج أحدهما صنفاً من البذر والآخر صنفاً آخر] ومن كتاب ابن سحنون عن أبيه: ولا يجوز في المزارعة أن يخرج هذا قمحاً وهذا شعيراً أو سلتاً أو صنفين من القطاني يخرج كل واحد منهما صنفاً، ويعتدلان فيما بعد ذلك، فإن نزل ذلك فلكل واحد ما أنبتت زريعته، ويتراجعان في الأكرية.
وقد قال بعد ذلك: تجوز الشركة بأن يخرج هذا قمحاً وهذا شعيراً في المزارعة، وفي شركة التجارة إذا اعتدلت القيمة بالدنانير والدراهم، وإنما لا يجوز صرف وشركة إذا كان الصرف خارجاً من الشركة، وأما فيها فجائز.
قال بعض فقهاء القرويين ومن لم يجز الشركة بالدراهم والدنانير لم يجز الشركة في المزارعة بالطعامين المختلفين، ولا بالقمح والشعير، وإن اعتدلت قيمتهما؛ لأن التناجز لم يحصل هناك وذلك لبقاء يد كل واحد على طعامه، ويكون لكل واحد ما أنبت طعامه، ولا يكون التمكين قبضاً، كما جعل في الشركة الفاسدة بالعرض إذ لكل واحد ثمن سلعته، ولا يضمن ذلك أحدهما لصاحبه، وإنما يشتركان بأثمان تلك السلعة التي وقعت الشركة بها فاسدة، وإن كان البيع وقع من الذي اشترك ببقاء يد المشترك عليها فلم يلزم أحدهما قيمة نصف سلعة صاحبه.
قال سحنون وابن حبيب: وإذا خرج أحدهما الأرض ومد قمح ونصف مد شعير، ومن عند الآخر مدين من قمح وجميع العمل على أن جميع الزرع بينهما فذلك جائز.
قال سحنون: إذا كان العمل مكافئاً لكراء الارض ولما أخرج ربها من شعير.
ابن حبيب: لأن الشعير ثمن لبعض العمل.
قال: ولو أخرج صاحب العمل من القمح أكثر مما أخرج رب الأرض لم يجز ويدخله قمح بشعير غير يد بيد، وكراء الأرض ببعض

ما يخرج منها، فإن وقع فما أخرج الشعير فلربه، وما أخرج القمح فبينهما بقدر البذر، ويتراجعان في فضل الأكرية، ولو كان رب العمل هو مخرج الشعير واعتدلا في القمح لم يجز، وإن عرف كل واحد ما أنبتت زريعته فهو له، ثم يترادان فضل الأكرية.
فصل [9 - في المتزارعين يخرجان البذر بينهما ويزرعان بذر كل واحد في ناحية قبل خلطه] ومن كتاب ابن سحنون: وإذا صحت الشركة في المزارعة وأخرجا البذر بينهما جميعاً إلا أنهما لم يخلطاه، فزرعا بذر هذا في فدان أو في بعضه، وزريعة الآخر في الناحية الأخرى، ولم يعملا على ذلك، فإن الشركة لا تنعقد، ولكل ما أنبت حبه، ويتراجعان في فضل الأكرية ويتقاصان.
قال: وإنما تتم الشركة إذا خلطا ما أخرجا من الزريعة أو جمعاها في بيت واحد، أو حملاها جميعاً إلى الفدان وبذر كل واحد في طرفه فزرعا واحدة، ثم زرعا الأخرى فهو جائز كما لو جمعاها في بيت، وتصح الشركة.
قال بعض فقهاء القرويين: وعند ابن القاسم خلطا أو لم يخلطا الشركة جائزة.
[فصل 10 - في الشركة تصح وينبت بذر أحد الشريكين ولا ينبت بذر الآخر].
وإذا صحت الشركة في هذا فنبت بذر أحدهما ولم ينبت بذر الآخر فإن غر منه صاحبه وقد علم أنه لا ينبت فعليه مثل نصف بذر صاحبه لصاحبه، والزرع بينهما، ولا عوض له في بذره، وإن لم يعلم أنه لا ينبت ولم يغره فإن على الذي نبت بذره أن يغرم

لصاحبه مثل نصف بذره على أنه لا ينبت، ويأخذ منه مثل نصف بذره الذي نبت، والزرع بينهما على الشركة غره أم لم يغره، ولو علم ذلك في إبان الزراعة، وقد غر هذا صاحبه فأخرج زريعة يعلم أنها لا تنبت فلم تنبت فضمانها منه، وعليه أن يخرج مكيلتها من زريعة تنبت فيزرعها في ذلك القليب، وهما على شركتهما، ولا غرم للآخر على الغار، وإن لم يكن غر ولا علم فليخرجا جميعأً قفيزاً آخر فيزرعاه في القليب إن أحبا وهما على شركتهما.
وقد قال: إذا نبت قفيز أحدهما ولم ينبت قفيز الآخر وهو غار أو غير غار أنه لم تنعقد بينهما شركة ولكل واحد ما أنبت بذره.
فصل [11 - فيمن اشترى بذراً وشرط له البائع أنه ينبت فزرعه المشتري ولم ينبت] ومن كتاب ابن سحنون قال سحنون فيمن اشترى شعيراً يريد أو زريعة ما ليزرعها وشرط له البائع أنه ينبت فإن قامت بينة أنه زرعه بعينه في أرض تربة تنبت فلم ينبت فإذا أثبت أنه غره منه عالماً بأنه لا ينبت رجع عليه بجميع الثمن، وإن لم يغره، وإنما شرط ذلك؛ لأنها كانت عنده في نقائها وجودتها أنها تنبت حلف على ذلك، وليرد المشتري مثلها ويأخذ ثمنه كله.
م/: قال يحيى بن يحيى: سمعت فيمن باع حباً لا ينبت وقد دلس وهو يعلم أن مشتريه يريد بذره أنه يرد الثمن أما إن لم يعلم أنه يريد بذره أو لم يعلم بعيبه فليرد ما بين الصحة والداء.

فصل [12 - في المتزارعين على الصحة يشتري أحدهما بذراً طيباً والآخر بذراً رديئاً فيتجاوز له صاحبه، ثم يتشاحان بعد زراعة ما زرع كل منهما] وروى عيسى عن ابن القاسم في المتزارعين على الصحة يشتري أحدهما قمحاً نقياً طيباً فرضية صاحبه، ثم اشترى صاحبه قمحاً رديئاً فتجاوز صاحبه، فزرع صاحب الطيب بقمحه ثلاثة فدادين، وزرع الآخر بقمحه ثلاثة فدادين، ثم تشاحا.
قال: يؤدي كل واحد منهما إلى صاحبه ثمن نصف زريعته فيستويان.
قال بعض فقهاء القرويين: فإن كان بينهما تفاوت لا يجوز أن يسمح به فكان يجب أن يكون لكل واحد ما أنبت قمحه كشعير وقمح إلا أن التفويت لما كان بإذن صاحبه صار كالقبض فيجب على ذلك في القمح والشعير وفي الشركة الفاسدة بالعروض أن يضمن كل واحد نصف قيمة عرض صاحبه.
م/: انظر وكان ينبغي أن تجوز الشركة؛ لأنها انعقدت على الصحة، فإذا رضي له شريكه بزريعة القمح الدون جاز على مذهب ابن القاسم؛ لأنه يجيز الشركة وإن لم يخلطا، وعلى مذهب سحنون يكون لكل واحد ما أنبتت زريعته، ويتراجعان في فضل إن كان إذا لم يخلطا.

فصل [13 - في المتزارعين يكون على أحدهما الأرض والبذر وعلى الآخر البقر والحرث ثم يختلفان في عدد الحرثات] ومن كتاب ابن سحنون قال: وإذا تزارعا على أن الأرض والبذر من عند أحدهما، ومن عند الآخر البقر والحرث فطلب أن يحرثها حرثة، وقال الآخر: بل حرثتين.
فليحملا على سنة البلد، فإن لم تكن سنة وكانوا يفعلون هذا وهذا إلا أن الزرع في حرثتين أغزر ففي قياس قول سحنون ليس عليه إلا حرثة واحدة إلا أن يشترط عليه حرثتين فيجوز ويلزمه.
قال بعض فقهاء القرويين: إذا كانوا يفعلون هذا وهذا فينبغي أن تكون الشركة فاسدة؛ لأنه لا يدري على ما عقداه.
م/ ابن سحنون: ولو عقدا على أنه إن حرث حرثة فله الربع، وإن حرث حرثتين فله النصف لم يجز، ويكون الزرع لرب الأرض والبذر، وعليه للآخر أجر عمله وبقره.
قال سحنون وعيسى: ولو شرطا البذر بينهما نصفين ومن عند أحدهما الأرض ومن عند الآخر العمل على أن يحرث ثلاث حرثات.
قال عيسى: وذلك متكافئ قالا فلم يحرثها إلا حرثتين فلينظر إلى قيمة ما حرث

وإلى قيمة ما ترك فإن كان الذي ترك الثلث رجع عليه رب الأرض بثلث كراء نصف الأرض.
فصل [14 - فيمن أعطى أرضه رجلاً قبل أو أن الزرع بشهر ليقلبها فإذا كان أو أن الزرع كان البذر عليهما والزرع بينهما والعمل على الدخل] قال حسين بن عاصم عن ابن القاسم فيمن أعطى لرجل أرضه حين القلب ليقلبها وينبتها، فإذا كان أوان الزرع كان البذر عليهما، والزرع بينهما، والعمل على الداخل، والحصاد والدراس، ونقل نصيب رب الأرض إليه.
قال: وبين القليب وبين الزرع شهر، فإن كانت الأرض مأمونة جاز ذلك وإلا لم يجز.
م/: اعرف إجارة شرط الحصاد والدراس على العامل.
فإن قلبها ولم يزرع فله نصف قيمة الحرث عن حصة رب الأرض، ويستأني بنصيب الحارث، فإن رويت الأرض لزمه كراء ذلك عن نفسه، وإن عطشت فلا كراء عليه، وله نصف قيمة الحرث على رب الأرض عطشت أو لم تعطش، وإن لم يعثر على ذلك حتى تم الزرع فالزرع بينهما وباقي العمل بينهما وعلى العامل نصف كراء الأرض

بالنقد وله قيمة نصف الحرث والقليب والزراعة وإن كان هذا التعامل بعدما رويت الأرض فذلك كله جائز إن كانت قيمة الحرث والزراعة والحصاد والدراس متساوياً مع كراء الأرض وإن لم يكن متساوياً فالزرع بينهما ويرجع من له الفضل على الآخر بالفضل.
قال سحنون في كتاب ابنه: لا يجوز في شرط العمل بين المتزارعين شرط الحصاد والدراس إذ لا يدري هل يتم ولا كيف يكون.
م/: وهو الصواب لأن شرط ذلك على أحدهما غرر ولا ينحصر لأن ذلك يقل تارة ويكثر أخرى وكذلك شرط البقاء.
وقال ابن حبيب: لا بأس أن يزارع الرجل بأرضه قبل أن تروى وإن لم تكن مأمونة كما يجوز كراؤها بغير نقد فإذا تزارعا في إبان القليب على أن أعطى أحدهما الآخر أرضه يقلبها فإذا جاء إبان القليب ورويت تخارجا الزريعة بينهما نصفين، فإن فات إبان الزرع فلم ترو فهي مصيبة دخلت عليهما لأنهما شريكان وليسا متكاريين فهي كما لو زرعاها ثم عطشت فلا يرجع العامل على صاحب الأرض بشيء بخلاف المتكاريين.
م/: والصواب من ذلك ما قاله سحنون فإنه لا تجوز الشركة في هذا إلا أن تكون مأمونة كما قال ابن القاسم لأن القليب فيها كنقد في غير المأمونة.

فصل [15 - في الأرض تستحق بعد أن اشترك المتزارعان وزرعا] ومن كتاب ابن سحنون قال سحنون: فإذا أخرج أحدهما أرضاً وبذراً، وأخرج الآخر للعمل والبقر، فاستحقت الأرض بعد الزراعة، فإن استحقت في وقت الزراعة رجع المستحق على من كانت الأرض بيده بنصف كرائها، وكأن شريكه حرث له هذا النصف بالنصف الآخر ونصف البذر، فإن كانت قيمة نصف البذر مع كراء نصفها معتدلاً رجع عليه المستحق أيضاً بربع قيمة عمل العامل، وهو الذي أخذ في كراء نصف الأرض، فإن اختلفت قيمة البذر وكراء نصف الأرض كان ذلك على هذا الحساب، وإن كان الذي استحقت من يده عديماً اتبعه بنصف قيمة كراء الأرض، وأتبع شريكه بربع قيمة العمل في قياس قول سحنون، ولو استحقها بعد فوات الزراعة فلا كراء له على واحد منهما، ولو كان بعد أن حرث ولم يزرع فله أخذها ولا شيء للشريك في حرثها.
م/: أما قوله إن فات إبان الزراعة فلا كراء له على واحد منهما فصواب؛ لأن المستحق من يده لو زرعها كلها أو أكراها كلها ثم قام مستحق بعد فوات إبان الزراعة لم يكن له شيء وكذلك إذا أكرى نصفها وزرع نصفها وأما قوله إن قام وقد حرث ولم يزرع فليأخذها ولا شيء للشريك في حرثها فالصواب أن يكون عليه قيمة الحرث لأن المشتري والمكتري منه حرث بوجه شبهة فلا يبطل عمله.
وقال بعض القرويين مثل هذا.

فصل [16 - في المتزارعين يكون على أحدهما العمل فيحرث بعض الأرض ويدع الباقي، أو تعاملا على أن يحرث لرب الأرض ببذره موضعاً من الأرض ويحرث الباقي لنفسه] قال سحنون: وإن أخرج أحدهما الأرض والبذر والآخر البقر والعمل واعتدلا فحرث العامل بعض الأرض واختار كريهما وترك الباقي فإن علم به في الإبان جبر على أن يزرع باقيها وإن فات الإبان نظر فإن حرث نصف الأرض كان على العامل لرب الأرض ربع جميع كراء الأرض.
م/: يريد مما لم يحرث.
قال: وإن حرث الثلثين فإنما عليه السدس ويكونان شريكين في الزرع ولو آجرته يحرث نصف أرض لي بزريعتي على أن يحرث النصف الآخر لنفسه فأقلب العامل وزرع لنفسه كريم الأرض وترك الباقي وفات إبان القليب فليقسم هذا القليب بينهما ويغرم العامل نصف كراء القليب وله على رب الأرض أجر مثله في النصف الذي أخذه.

[الباب التاسع]

في الدعوى بين المتزارعين

[الفصل 1 - في العامل يدعى أن نصف البذر له ورب الأرض يكذبه في ذلك] ومن العتيبة قال عيسى بن دينار عن ابن القاسم وابن كنانة فيمن أعطى أرضه وبذره وبقره رجلاً يزرعها على أن يأخذ من الزرع زريعته ثم يقتسمان ما بقي، ثم ادعى العامل أن نصف الزريعة له وكذبه رب الأرض فالقول قول الزارع والزرع بينهما نصفين.
يريد ويتراجعان في الفضل في غيره ويحلف الزارع.
قال عبد الملك بن الحسن: سألت ابن وهب إذا أخرج هذا الأرض وهذا العمل، والبذر بينهما، ثم ادعى العامل أنه أسلف صاحبه نصف البذر من عنده.
قال: هو مصدق في الزريعة مع يمينه وقد فسدت الشركة وهذا الحكم فيها.
قال أشهب: إذا قامت بينة لأحدهما أنه الزارع وأن البذر في يديه فليحلف ويرجع بنصف البذر على الآخر.

[الفصل 2 - في العامل يدعى أنه حرث الأرض على أن له نصفها يحرثه لنفسه أو ادعى أنه اكتراها من ربها، ورب الأرض يخالفه في ذلك] قال حسين بن عاصم عن ابن القاسم: ومن أعطى أرضه رجلاً حين القليب مناصفة فحرثها الداخل، فلما كان حين الزرع ورويت، قال ربها: عليك حرثها فخذ نصف الزريعة مني.
وقال الداخل: إنما حرثت نصف الأرض على أن لي نصفها أحرثه لنفسي ويبقى لك نصفها تعمله أنت وأقاسمك إياها، أو قال: تكاريتها كلها منك هذه السنة.
فالقول قول الداخل ويقتسمان القليب إن زعم أنه أخذها مناصفة ويحلف.
قال سحنون: لأنه عمل وجاز بعمله فيقاسمه إن قال مقاسمة أو تكون له إن قال كراء، ولو كانت هذه دعوى رب الأرض، وادعى العامل المعاملة فرب الأرض مصدق ويحلف وقاله كله ابن حبيب.
قال سحنون: ولو اختلفا بعد طيب الزرع فقال العامل: الزرع بيننا وقد تساوينا في الزريعة.
وقال رب الأرض: الزرع لي، وإنما آجرتك.
فإن عرفت الزريعة أنها من عند أحدهما فالقول قوله مع يمينه، وإن لم يعلم مخرجها فالقول قول العامل؛ لأن الغالب في شركة الناس أن العامل يخرج البذر أو نصفه، إن تحرى قولنا أخرج النصف، وإن أخذ بقول غيرنا أخرج الجميع، فهو الغالب من فعلهم.
قال: وكذلك لو كان العامل لا يعرف بملك بقر ولا زرع وإنما يعرف بالإجارة فهو

مثل صاحب الزرع المعروف بالعمل إلا أن يكون هو أجيراً له معروفاً بالإجارة فالقول قول رب الأرض إلا أن يأتي الآخر بما يدل على كذب رب الأرض.
قال سحنون وابن حبيب: ولو اختلفنا بعد القليب وعند الزراعة فقال العامل: تعاملنا على أن علي القليب وحدي فإذا كان حين الزراعة أخرجنا البذر جميعاً وكان العمل بيننا والأرض من عندك وقال رب الأرض تعاملنا على أن عليك أنت العمل كله وعلى الأرض وأما البذر فبيننا فالقول قول من يدعي الاعتدال والصحة في معاملتهما.
قال سحنون: فإن لم يدع أحد منهما الاعتدال فإن لم يكونا زرعاً فلتصح الشركة بينهما بالاعتدال وإن فات الزرع فهو بينهما بقدر البذر ويتراجعان في الأكرية.
قال بعض فقهاء القرويين: ولو اختلفا قبل أن يعملا شيئاً لتحالفا وتفاسخا.
قال ابن حبيب: وإذا اختلفا ولم يتحاكما وأبى رب الأرض من العمل معه كما قلل العامل فعمد العامل بعد أن قلب الأرض كلها فزرع نصفها لنفسه ببذره وأبقى نصفها لرب الأرض ثم تحاكما فإن ما زرع يكون بينهما كما لو زرع الجميع ويترادان الفضل، وينظر فيما تعطل من الأرض، فإن كان رب الأرض يدعي الاعتدال في المعاملة فله على العامل كراء نصف ما تعطل من الأرض كما لو أبطل ذلك بمزارعة جائزة لم يختلفا فيها، وإن كان العامل هو مدعي الاعتدال فلا كراء عليه، وذلك على صاحبه الذي أبى العمل.
وقال سحنون: إذا اختلفا وأبى رب الأرض أن يعمل كما قال العامل فزرع العامل

لنفسه في نصف الأرض فالزرع كله لمن زرعه، ولا شيء عليه من الكراء بعد أن يحلف ما عامله إلا على ما ادعى؛ لأنه قال: عاملتك على أن أقلب الأرض وحدي وعلى أن يكون العمل عند البذر بيننا، وقال رب الأرض: بل على أن العمل كله عليك فكأن العامل قال: اكتريت نصفها منك بنصف القليب.
وقال الآخر: بل على أن تقلب لي نصفها وتزرعه لي فصار العامل مدعى عليه.
فصل [3 - في الوكيل يخطئ فيزرع بذراً غير الذي أمر به] قال ابن المواز: وإذا أمرت وكيلك يزرع لك في أرضك قمحاً فزرع لك شعيراً أو أمرته بسمراء فزرع بيضاء فالزرع للوكيل وعليه كراء الأرض، وإن بذر قمحاً من عنده فإن كان مثل قمحك وشبهه فالزرع لك وذلك جائز.
قال ابن المواز: ومثله روى أصبغ عن ابن القاسم في العتبية، وإن بذر زريعة لابنك أو لزوجتك أو لغيرهما غير النوع الذي أمرته به، فعلى الوكيل مثل الزريعة لربها والزرع له وعليه لك كراء الأرض؛ لأنه لا ينبغي أن يكون رب الأرض مخيراً أن يعطي بذراً أو يأخذ زرعاً.
قال ابن القاسم: وفيه قول آخر لو قال قائل يستأنى بالزرع فإذا درس استوفى منه البذر وكان ما بقي لرب الأرض لأنه له زرعه وقاسمه، ثم قال: فعلى من حصاده وتهذيبه بل القول ما قلت لك أولاً إذا زرعه غير النوع الذي أمره به، فأما إن أخطأ القمح

الذي أمره به فالزرع لرب الأرض ويغرم مثل البذر، وليس على الوكيل شيء.
قال ابن المواز: والقول الذي قال ابن القاسم يستأنى بالزرع فيأخذ منه مثل البذر هو الصواب، ويخرج منه دراسه وحصاده وكراء الأرض وهذا جوابه في المجالس، وإنما للزارع مثل بذره؛ لأنه إنما بذره للآمر، فما بقي أخرج منه كراء الأرض وأجر الحصاد والتهذيب، وما بقي فلرب الأرض، وما عجز فعلى الذي بذره.
فصل [4 - فيمن أعطى رجلاً مداً من شعير أجرة لبقره ليحرث له مداً آخر في أرضه فتعدى وحرث الشعير كله في أرض نفسه] وروى سحنون في العتبية وفي كتاب ابنه عن ابن القاسم فيمن آجر من رجل بقره بمد شعير على أن يحرث له مداً آخر من شعير في أرض رب الشعير، وأراه موضعاً يحرث له فيه ودفع إليه المدين فتعدى فحرث جميع الشعير في أرض نفسه فإنه يغرم المدين، فإن بطل ما زرع فقد أخذ منه حقه وهو لم يف له بالإجارة، وإن تم زرعه نظر إلى ما يخرج منه فإن خرج منه أكثر من مدين وكانت إجارة مثله مداً أو أقل دفع ذلك إليه.
م/: يعني أنه يدفع إليه الأقل من المد المسمى له في أجره أو أجر مثله مع المد الذي أخذ منه ودفع ما بقي لى رب الزريعة، وإن كانت إجارة مثله أكثر من مد لم يزد على مد في إجارته ورد إليه مداً من المدين الذي أخذ منه أولاً وأخذ ما بقي رب الزريعة وإن لم يصب إلا مداً فقد ضمن فيما أخذ منه ولم يكن له غير ذلك.

م/: المسألة كلها جارية على أصلهم في تعدي المقارض إلا في قوله يأخذ الأقل من أجر مثله أو المسمى.
وهذا مذهب سحنون في هذا الأصل وعلى أصل ربيعة في تعدي المقارض وهو أصل ابن القاسم أن يكون له إذا أصاب أكثر من مدين أن يأخذ في أجرة المد الذي سمي له ومد الزريعة ويدفع الفضل لرب الزريعة وإن أصاب أقل من مدين لم يكن للأجير غير ما وجد كالمتعدي في القراض إن ربح فله قدر شرطه وإن خسر ضمن الوضيعة وكذلك هذا.
فصل [5 - فيمن زرع أو بنى في أرض غيره وادعى أنه فعل ذلك خطأ] ومن العتبية قال أصبغ فيمن زرع أرضاً بقرب أرضه وقال غلطت بها أو كان مكترياً فأصبه ذلك ولا يعرف ذلك إلا بقوله أو بنى في عرصة جاره وقال غلطت فأما الباني في العرصة فلا يعذر ولربها أن يعطيه قيمة البناء منقوضاً أو يأمره بقلعه، وأما في الحرث فيشبه أن يكون غلط فأرى أن يحلف ويقر زرعه ويودي كراء المثل كان في إبان الزراعة أو لم يكن وهو محمول على الخطأ أبدأً حتى يتبين أنه تعمد.
قال سحنون: إذا غلط فزرع أرض جاره أو خرج ليلاً فغلط فزرع أرض غيره أو حرثها فلا شيء له على رب الأرض وغلطه على نفسه، والزرع لرب الأرض وهي مصيبة نزلت بالزارع إلا أن يكونا لم يتحاكما أو لم يعلم حتى تحبب الزرع أو فات إبان الزراعة فيكون الزرع لزراعة وعليه كراء المثل.

[الفصل 6 - فيمن زرع أرض رجل على الدالة] وقال في كتاب ابنه: وكذلك من زرع أرضاً لرجل غائب أو حاضر على الدالة فإن قام عليه في إبان الزراعة فله قلع زرعه وإن قام بعد الإبان فله الكراء وهو كالمتعدي والغاصب.
قال: وإذا قصب الزرع وتقارب طيبه وكان لو قلع انتفع رب الأرض بأرضه وزرعها كتاناً أو غيره فلا يقلع إذا تقارب طيبه، وليس لرب الأرض إلا الكراء، وإن لم يتقارب طيبه فله أن يقلعه.
فصل [7 - في قوم زرعوا فدادين بعضها قريب من بعض فاختلط عليهم عند حصادهم] قال ابن حبيب في القوم يزرعون فدادين بعضها قريب من بعض فاختلط عليهم عند حصادهم: فليحلف كل واحد على ما بذر ثم يقسمون الطعام على قدر ذلك.
قال سحنون: إذا زرع هذا أرضه قمحاً وزرع هذا أرضه شعيراً فطار من بذر كل واحد في أرض جاره فنبت فإن ذلك لمن حصل في أرضه ولا شيء لجاره فيه ولو كان بين الأرضين جسر فنبت فيه حب مما تطاير فذلك بينهما اختلفت زريعتهما أو اتفقت لأن ذلك الموضع من أرضهما.

فصل [8 - في قرية بين قوم مشاعة وأحدهم يقوى على الحرث والعمارة وباقيهم لا يستطيع ذلك] قال سحنون في قرية بين قوم مشاعة وأحدهم له البقر والعبيد يقوى على الحرث وباقيهم لا يقوى فدعوه إلى القسم فأبى وحرث لنفسه، قال: فلشركائه كراء نصيبهم، وكذلك لو حرث فيه، ولو كانت الأرض أرض بعل لا يجوز فيها النقد فجاد زرع الحارث تلك السنة لتوالي الأمطار فيها أكثر من غيرها فللشريك كراء نصيبه على ما جاد فيها الآن أو على ما يرجى فيها.
قال: وإن طولب في القسم وروفع فلد وتغيب حتى حرث فإنما عليه الكراء، وكذلك لو أشهد عليه بطلب القسم أو رفعوه إلى الأمام وقد حرث.
يريد: وقد فات إبان الزراعة فعليه الكراء ويحلف الشريك أنه ما أذن له ولا رضي أن يزرع.
ولو بني بعض الورثة أو غرس وواحد منهم غائب أو حاضر ولم يأذن فإن الأرض تقسم بينهم فإن وقع سهمه فيما غرس أو بني فهو له وإن وقع فيما لم يعمر فله قيمة ما بني أو غرس مقلوعاً، وعليه كراء ما سكن أو زرع من نصيب شركائه، وعليه مكيلة ما اغتل من الشجر.

وقال أبو محمد: وهذا على قول أشهب أنه يقسم قبل أن يتفاضلا، وأما على قول ابن القاسم فإنه يبدأ بالتفاضل فيما عمر قبل القسمة، وأما قوله: وعليه مكيلة الثمر الذي اغتل فأعرف لأصحابنا فيما غرس الغاصب واغتل أن الثمر فيما مضى له، وعليه كراء ما استغل من الأرض قبل هذا.
وبالله التوفيق.
تم كتاب الشركة بحمد الله وحسن عونه وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما

بسم الله الرحمن الرحيم

جارٍ التحميل