الجامع لمسائل المدونةصفحات 879-918

كتاب المكاتب الأول

صفحات 879-918

ويحتمل أن يكون كفَّر عن يمينٍ سلفت له، فما الفرق.
قيل: يحتمل أن يكون الفرق أن الكفارة تسقط اليمين حقيقة، فقوىَ عنده أن الاستثناء لا يُحل اليمين حقيقة، للاحتمال الذي قدمناه، والله أعلم.
ومن المدونة: وإن حلف ألا يطأ بعهد الله، أو بميثاقه، أو كفالته، أو ذمته أو قدرته، أو عظمته، أو جلاله، فهذه كلها أيمان، فما حلف به من ذلك فهو به مولٍ نفس الإيلاء، والأجل فيه أربعة أشهرٍ من يوم حلف للحر، وشهران للعبد، كانت زوجة أحدهما حرةً أو أمةً، مسلمة أو كتابية، وإنما ينظر في الأجل للرجال لأن الطلاق على الرجال والعدة على النساء.
وإن قال لها: أشهد ألا أقربك، أو أعزم على نفسي، أو أقسم، فلا يكون بذلك مولياً إلا أن يريد بالله.
قال مالك: وقوله: أشهد، ولعمري، ليسا بيمين.
وإن قال لها: إن وطئتك فهو يهودي أو نصراني أو زانٍ، لم يكن مولياً، وليست هذه أيماناً.
وإن حلف ليغيظها أو ليموءنها، / فترك الوطء أربعة أشهرٍ فليس بمول.
وإن قال لها: والله لا أطؤك، فلما مضت أربعة أشهرٍ وُقِف فقال: أردت ألا أطأها بقدمي، قيل له: فإن وطئت صدقك، وأنت في الكفارة أعلم، إن شئت فكفَّر إذا وطئت وإن شئت فدع.

وكذلك إن قال: أردت ألاَّ أطأها في هذه الدار، قيل له: فأخرجها وجامعها إن كنت صادقاً، ثم لا كفارة عليك، ولا يترك من غير أن يجامعها، فإن بيَّن فقال: والله لا أطؤك في هذه سنةَّ، وهو فيه ساكن مع امرأته، فليس بمولٍ، ولكن يؤمر بالخروج منها ليجامعها إذا طلبت ذلك المرأة، لأني أخاف أن يكون مضاراً، إلا أن تدعه المرأة.
قال سحنون: فأما إن قال: لا أطؤك حتى أخرج من هذا البلد أو المصر، فهو مولٍ يضرب له الأجل، كقوله: حتى أقضى فلاناً حقه.
قال ابن القاسم وغيره: فإن قال لها: والله لا أطؤك في هذا المِصر أو في هذه البلدة، فهو مول.
قال غيره: وكأنه قال: والله لا أطؤك حتى أخرج منها، فإن كان خروجه يتكلف، فيه المؤونة والكلفة فهو مول.
قال ابن القاسم: وإن قال لها: إن وطئتك فكل مملوكٍ أملكه فيما يستقبل حر، أو قال: كل مملوكٍ أملكه من ذي قبل فهو صدقة، فليس بمولٍ، لأن مالكاً قال: لو حلف بهذا لم يكن عليه أن يتصدق بثلث ما يفيد، ولو قال: كل مملوكٍ أشتريه فهو حرَّ، لم يعتق عليه ما يشتري.
قال ابن القاسم: وإن حصَّ بلداً لم يكن مولياً حتى يملك من تلك البلدة مالاً أو عبداً، فيكون مولياً حينئذ.
وقال غيره: هو مولٍ قبل الملك، إذ يلزمه بالوطء عقد يمينٍ فيما يملك من رأسٍ أو مالٍ، وقاله ابن القاسم أيضاً.

وإن قال لها: إن جامعتك فعليَّ صوم هذا الشهر، فليس بمولٍ إلا أنه إن جامعها فيه صام بقينه، وإن لم يطأها فيه حتى انسلخ فلا شيء عليه، كمن حلف بعتق عبده إن جامع امرأته، فباع عبده أو مات ثم جامعها لم يكن مولياً.
قال الشيخ: وكذلك إن قال: إن جامعتك فعليَّ صوم هذين الشهرين، أو الثلاثة، أو الأربع فليس بمولٍ إن كان حراً حتى يزيد على الأربعة، وكأنه قال: لا أجامعك حتى تنسلخ هذه الأربعة أشهر، فلا شيء عليه حتى يزيد على ذلك.
وإن قال: إن جامعتك فعليَّ صوم رمضان، كان مولياً، لأنه غير معين، وكأنه في المعين ضرب لوطئها أجلاً، فلا يكون مولياً حتى يكون الأجل الأكثر من أربعة أشهرٍ من يوم يمينه، إلا أن يعين شهراً بعد أربعة أشهرٍ فإنه يكون مولياً، كقوله وهو في أول المحرم: إن وطئتك فعليَّ صوم جمادى الأولى، فكأنه قال: لا أطؤك حتى ينسلخ جمادى الأول، والأصل في هذا أن ينظر، فإن مضى أجل الإيلاء ولا يمين له تمنعه من الجماع فليس بمولٍٍ، وإن مضى الأجل واليمين بقاية عليه فهو مولٍ.
ومن كتاب ابن المواز: وإن قال: إن قربتك فعلىَّ صوم هذا الشهر، أو شهرٍ بينه وبين آخره أربعة أشهر، فليس بمولٍ حتى يكون بينه وبين آخره أكثر من أربعة أشهر، وهو نحر ما بينَّا، وبالله التوفيق.
ومن المدونة: وإن قال: والله لا أطؤك في هذه السنة إلا يوماً واحداً، لم يلزمه إيلاء إلا أن يطأ وقد بقي منها أكثر من أربعة أشهر، وقد اختلف فيها بالمدينة.

ومن كتاب ابن المواز: ومن حلف ألا يطأ امرأته في هذه السنة إلا مرة، فقال ابن القاسم: إن وطئها وقد بقي من السنة أكثر من أربعة أشهرٍ صار مولياً.
وقال أيضاً: إن مضى / من السنة أربعة أشهرٍ ولم يطأ وقف، فإما فاء وإما طُلِّق عليه، وهو أحب إلى ابن القاسم وأصبغ إلينا.
فإن فاء فهو فيما يستقبل مولياً لا شك فيه، ويوقف ثانيةً لأربعة أشهرٍ أخرى وقاله أشهب.
قال: فإن لم ترفعه حتى بقي من السنة أربعة أشهر يريد ولم يطأ بعد - فلا حجة لها إلا أن يكون وطئ قبل ذلك فيكون مولياً.
قال ابن القاسم: ولو قال: إلا مرتين، لم يكن مولياً، لأنه إن شاء تركها أربعة أشهرٍ ثم وطئها ثم تركها أربعة أشهرٍ ثم وطئها، فلا يبقى من السنة إلا أربعة أشهر.
وقال أصبغ: هو مول.
قال محمد: غلط أصبغ: وهو مول، لأنها يمين على كل حال، ولأن الوطئين إن عجَّلهما بقى باقي السنة أو أكثرها لا يقدر على الوطء، ولو شاء أن يعجِّلهما عجَّلهما فهو يؤخرهما لذلك.
وإن قال: إذا وطئتك، أو إذا وطئتك كذا وكذا فأنت طالق ألبتة، فذلك سواء، هو مولٍ تطلق عليه إذا مضت عليه أربعة أشهرٍ من يوم حلف، وقاله أصبغ

ومن المدونة: قال مالك: وإن حلف ألا يطأها حتى تفطم ولدها فليس بمولٍ، لأن هذا ليس على وجه الإضرار، وإنما أراد صلاح ولده، وقاله علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
ومن كتاب ابن المواز: ومن حلف إلا يطأ امرأته التي ترضع سنتين وقال: أردت تمام الرضاع، فليس بمولٍ إلا أن يموت الصبي وقد بقي من السنتين أكثر من أربعة أشهر، فيلزمه الإيلاء من يومه.
قال الشيخ: واعترض بعض أصحابنا قوله: من يومه، وقال: إنما حمل عليه أولاً أنه غير مضار، فإذا مات الولد ولم يطأ تبين أنه إنما أراد الضرر، فينبغي أن يكون أجله من يوم حلف.
قال الشيخ: وليس بصواب، لأنه يحتمل أن يكون اليوم أراد الضرر بامتناعه، إذ لا عذر له، ويحتمل أن يكون أراده من الأول، وما يكون أولا يكون لا حكم له، فحمل أنه اليوم أراد الضرر بلا شك فيه.
ابن المواز: ولو حلف بطلاقها لأتزوجن عليك إذا استغنى ولدك عنك، وذلك في الحولين، فليكلف عن وطئها، ولا وقت في ذلك إلا أن ينويه.
قال محمد: لا يكف عن الوطء إلا بعد الحولين، وبعد الحولين يكون مولياً إن رافعته.

وفي كتاب ابن سحنون: إذا حلف بطلاقها ألبتة ألا يطأها حتى تفطم ولدها فليس بمولٍ، وإن مات ولده فليس بمولٍ، وإن مات قبل الفطام فله وطؤها، ولا يحنث إن كانت نيته في ذلك صلاح ولده، وإن كانت نيته إلاَّ يمسها حولين كاملين فهو مول، وتطلق عليه إذا أوقفه السلطان بعد أربعة أشهر، لأنه لا يقدر أن يمسها، ولا يفيء، لأن في يمينه بالبتة، وإن هي لم توقفه حتى مضت الحولين فقد خرج من يمينه.
ومن المدونة: وإن حلف ألا يطأها سنةً فمضت السنة قبل أن يوقف فلا إيلاء عليه.
وإن حلف ألاَّ يطأها ثمانية أشهرٍ فوقف لأربعة أشهرٍ فأبي أن يفيء فطلق عليه ثم ارتجع، فإن انقضت عدتها وقد بقي من الأشهر الأخرى فليس برجعة، وإن انقضت الأربعة أشهر قبل تمام العدة، ولم يمس فرجعته ثابتة، لأنه ليس ها هنا يمين تمنعه من الجماع.
قال ابن القاسم: وإن قال لها: والله لا أطؤك، ثم قال بعد ذلك بشهر: على حِجَّة إن قربتك، فوقف الأربعة أشهرٍ من اليمين الأولى فطلق عليه ثم ارتجع فلا إيقاف عليه لليمين الثانية، إذ لو حنث بالوطء لزمته اليمينان جميعاً، فكذلك التطليق عليه لليمينين جميعاً، وقاله غيره.

[الباب الثاني]

فيمن حلف بالطلاق ليفعلن هو أو غيره كذا ودخول الإيلاء عليه

[فصل 1 - فيمن حلف بالطلاق ليفعلن هو أو غيره كذا] قال ابن القاسم: ومن حلف بالطلاق ليجلدن / عبده جلداً يجوز له، فباعه قبل أن يجلده ضرب له أجل المولي إن رفعته، فإن حلَّ الأجل قبل أن يملكه بشراءٍ أو غيره فيجلده طلقناها عليه واحدةً، فإن ملكه بانت منه، ثم إن نكحها عاد مولياً ووقف إلا أن يملكها فيضربه فيير.
قال الشيخ: يريد: وإن قامت عليه فضرب له أجل المولي فحل قبل أن يملكه فإنها تطلق عليه ثانية، ثم إن نكحها ثالثةً عاد مولياً وطلقت لتمام الأجل، ثم إن نكحها بعد زوجٍ لم يكن مولياً لزوال العصمة التي حلف بها، ولو أراد أولاً أن يطلقها واحدةً ليزيل يمينه كان ذلك له، ثم إن ارتجعها لم يكن مولياً، كما قال فيمن حلف بطلاق امرأته واحدةً ليتزوجن عليها: فأحب ألاَّ يتزوج عليها، فإنه يطلقها واحدة ويرتجعها فتزول عنه يمينه فكذلك هذا، ولا يرفع يمينه طلقة الإيلاء، لأنه لم يحنِّث نفسه فيما حلف عليه، وإنما طلق عليه بسبب الإيلاء، كما لو حلف بطلاق زوجته ألا يدخل الدار، ثم حلف بطلاقها ألا يكلم زيداً، فكلمه فطلقت عليه، فلا يُزيل ذلك يمينه على دخول الدار إذا ارتجعها.

ومن المدونة: وقال ابن دينار: ساعة باعه طلقت عليه.
قاله ابن دينار: ومن حلف بحرية غلامه ليضربه، فباعه قبل الضرب نقضت البيع وأعتقه عليه، إذ لا أنقض صفقة مسلمٍ إلا إلى عتقٍ ناجزٍ.
[فصل 2 - في دخول الإيلاء عليه] قال ابن القاسم: ومن دخل عليه الإيلاء لضررٍ أو غيره ولم يحلف على ترك الوطء مثل أن يقول: إن لم يفعل، أو لأفعلن كذا فأنت طالق، فهو على حنثٍ ولا يطأ، فإن رفعته ضرب له الأجل من يوم ترفعه.
قال غيره: وهذا إذا تبين للسلطان ضرره بها، فأما إن لم يمكنه فعل ما حلف عليه لم يُحَلْ بينه وبينها، ولا يضرب له أجل، فإذا أمكنه فعل ذلك حيل بينهما، وضرب له أجل المولي إن رفعته كالحلف بالطلاق ليحجن ولم يوقِّت سنة بعينها، وهو في أول السنة، أو لأخرجن إلى بلد كذا ولا يمكنه الآن خروج لخوف طريقٍ أو نحوه، ولا يستطيع الحج في أول السنة، فهذا لا يحال بينه وبين امرأته، فإذا أمكنه الخروج أو جاء وقت الحج فتركه إلى وقتٍ إن خرج لم يدركه منع حينئذٍ من الوطء وضرب له أجل المولي من يومئذٍ إن رفعته.
قال الشيخ: يريد وكذلك إن رفعته في إبَّان الخروج الذي يدرك فيه الحج فإنه يمنع من الوطء أيضاً، ويضرب له أجل المولي، وقاله ابن نافع بعد هذا، وهو تفسير، والله أعلم.
قال: فإن فعل ما يبرُّ به من الحج إن كان يدركه، أو الخروج إلى البلد قبل الأجل بَرَّ، وإن حل الأجل ولم يفعل ما أمكنه من ذلك طلق عليه، فإن ارتجع وفعل

الحج، أو الخروج إلى البلد قبل انقضاء العدة ثبتت رجعته، لأنه فيئته ها هنا فعله، وأما في نفس الإيلاء فالوطء فيئته.
وقال ابن نافع عن مالكٍ في الحالف بالطلاق ليحجن، ولم يسمِّ العام الذي يحج فيه: إن له الوطء ما بينه وبين أول حجة، فإذا جاء إبان الخروج الذي يدرك فيه الحج من بلده، فحينئذ لا يمسها حتى يحج.
وقال ابن القاسم في المستخرجة: لا يطأ حتى يحج، وإن كان بينه وبين ذلك زمان فليحرم ويخرج، وإن رضيت امرأته أن تقيم بلا مسيس فليحج متى شاء وإن رفعت أمرها إلى السلطان وطلبت المسيس، قيل له: أحرم وإن كان ذلك في الحرم، فإن أبى أن يحِرم ضرب له أجل المولي، فإن أحرم في ذلك الأجل لم يطلق عليه، وإن حل أجل الإيلاء ولم يحرم طلق عليه، وذكر سحنون في كتاب ابنه هذه الرواية / وذكر رواية ابن نافع وقال بها.
قال الشيخ: ولو سمَّى العام الذي يحج فيه لم يكن مولياً، لأنه لا يمنع من الوطء، لأنه ضرب لفعله أجلاً، فهو على برَّ بالتأجيل.
ابن المواز: وكل من حلف على فعلٍ أو خروج إلى بلدٍ، وذلك لا يمكنه حينئذٍ لم يكن على حنثٍ حتى يأتيه وقت يمكنه، فمن يومئذٍ يكون على حنث، وكذلك إن لم يكن لخروجه وقت إلا أن منعه فساد طريقٍ أو غلاء كراءٍ، فهو عذر، وكذلك يمينه ليكلمن فلاناً وهو غائب، فلا يوقف حتى يقدم فلان وإن طالت غيبته، وإن مات في غيبته ما كان عليه شيء، وإن كان حاضراً وطال مقامه بما يمكنه الفعل فلم يفعل حتى مات فلان فقد حنث، والحالف على خروج لو أمكنه فمنعه من الوطء لم يرجع إليه، وإن جاء بعد ذلك وقت لا يمكنه لفوات

ما كان أمكنه، فإن وطئ جهلاً لم ينفعه ذلك، ويضرب له أجل المولي إن طلبت ذلك، فإذا حلَّ طلقت عليه، والحالف ليحجن إذا جاء إمكان الخروج للحج منع الوطء حينئذ، ثم إذا فات وقت الخروج فرفعت أمرها ضرب له أجل الإيلاء ثم طلق عليه لحلوله، لأنه لا يقدر على الفيئة، ولا يحج وسط السنة، ورواه عبد الملك عن مالك، وهو أحب ما فيه إلي.
وقال ابن القاسم: إذا أمكنه الخروج فلم يخرج حتى فاته طلق عليه.
وقال أشهب: وقال: يمنع وقت إمكان الخروج، فإن فاته الخروج رجع إلى الوطء حتى يأتي وقت الخروج أيضاً.
وقال عبد المكل: لا يمنع حتى يفوته الوقت ويعلم أنه لو خرج لم يلحق، فيمنع حينئذٍ ويكون مولياً إن رفعته، وروايته عن مالكٍ أحب إلينا.
قلت: فإن تأخر ضرب الأجل بتأخير رفعها حتى صار يمكنه الخروج ثانية؟ قال: يضرب له الأجل حينئذ، لأنه ممن منع الوطء مرة، فإن لم يتم حجه قبل الأربعة أشهرٍ طلق عليه.
والحالف: لأ أطؤك حتى أخرج إلى الحج، هو من يوم حلف مولٍ، والأجل من يوم يمينه، ويطلق عليه لحلوله إن لم يخرج.
ابن القاسم: وإن حلف بالطلاق ليحجنَّ فُلان، لم يمنع منها حتى يأتي إبَّان الحج، فإما حجَّ أو طُلق عليه.
ابن المواز: إذا زال وقت الخروج طلق عليه، بخلاف الخالف على نفسه ليحجَّن، فيذهب إبَّانه، فهذا مولٍ.
وقال عنه عيسى في العتبية: والقائل: إن لم يحج فلان، كالقائل: إن لم أحج أنا، ويضرب له أجل الإيلاء، وأما إن قال: إن حج فلان، أو فعل كذا، فلا شيء عليه في رواية محمد وعيسى حتى يفعل فيحنث.

ومن المدونة: قال ابن القاسم عن مالك: ومن قال لرجل: امرأته طالق إن لم تهب لي ديناراً، أو قال لامرأته النصرانية: أنت طالق إن لم تسلمٍ، حيل بينه وبينها، ولم يدخل عليه في هذا إيلاء، ولكن يتلوَّم له الإمام على قدر ما يرى أنه أراد بيمينه، فإن أسلمت، أو وهب له الأجنبي الدينار وإلا طلقت عليه.
ابن المواز: ولا يكون الاجتهاد في التلوم فيما زاد على أجل الإيلاء، بل من الناس من يرى أن وجه يمينه شهر، أو أكثر من ذلك، أو أقل على قدر ما يرى أنه أراده.
ومن المدونة: وإنما يدخل الإيلاء في هذا على من حلف ليفعلن هو نفسه فعلاً يجوز له، وأما أن يحلف على معصيةٍ كقوله: أنت طالق لأقتلنَّ فلاناً، أو لأشربنَّ خمراً، فلا يتلوَّم في هذا ويطلق عليه السلطان مكانه، ويعتق عليه إن كان عتقاً.
ربيعة: وكذلك قوله: لأضربنَّ فلاناً، إلا أن يجب عليه ضربه بحقٍ، فيدخل عليه الإيلاء.
قال ابن شهاب: وإن حلف ليفعلن ما يجوز له إلى أجل، لم يُحَل بينه وبينها، فإن لم يؤجل ضرب له الأجل فإن فعل ما حلف عليه فبسبيل ذلك، وإلا فُرِّق بينه وبين امرأته / صاغراً قَمِبئاً.
قال ربيعة: وإن حلف بطلاق امرأته ليخرجنَّ إلى إفريقية، أو ليتزوجن عليها، فإنه يوقف عن وطئها، ويضرب له الأجل.

[الباب الثالث]

فيمن آلى من أجنبية أو صغيرة أو مطلقة أو أربع نسوة أو حلف بعتق عبده ألا يطأ امرأته أو بطلاق امرأة له أخرى

[فصل 1 - فيمن آلى من أجنبية] قال مالك: ومن قال لأجنبية: والله لا أطؤك، وأنت علي كظهر أمي، ثم نكحها لزمه الإيلاء، ولم يلزمه الظهار، إلا أن يريد بقوله إن تزوجتك، فيلزمه الظهار.
فإن قال لها: إن تزوجتك فأنت طالق، ووالله لا أقربك، فإن نكحها طلقت عليه، ثم إن نكحها ثانيةً لزمه الإيلاء.
وإن قال لها: إن تزوجتك فوطئتك فأنت طالق، كان مولياً يوم التزويج، فإن وطئها طلقت وسقط عنه الإيلاء، ويصير إذا تزوجها كمن قال لزوجته: إن وطئتك فأنت طالق، وقد تقدم الجواب فيها.
ولا يجوز لرجلٍ أن يطأ أُمَّ جاريةٍ له قد وطئها بملك اليمين.
فصل [2 - فيمن آلى من صغيرة] ومن آلى من صغيرةٍ لا يوطأ مثلها لم يؤجل حتى تبلغ حدَّ الوطء، فمن يومئذٍ يضرب له الأجل.

فصل [3 - فيمن آلى من رجعية] ومن طلق امرأته طلقةً يملك فيها الرجعة، ثم آلى منها، فهو مولٍ، فإن مضت أربعة أشهرٍ قبل انقضاء العدة وقف، فإما فاء وإلا طُلِّق عليه.
فصل [4 - فيمن آلى من أربع نسوة] ومن قال لنسائه الأربع: والله لا أقرب واحدةً منكن، ولا نية له لواحدةٍ بعينها، فيمينه على جميعهن، فإن ماتت إحداهن أو طلقها ألبتة كان إيلائه فيمن بقي، فإن وطئ منهن واحدة حنث في جميعهن ويكفِّر، ثم لا كفارة عليه فيمن وطئ من البواقي، لأنه لما وطئ من البواقي، لأنه لما وطئ حنث ولزمته الكفارة بوطئها، وسقطت عنه اليمين، فإذا وطئ أخرى فإنما يطأ بغير يمين.
فصل [5 - فيمن حلف بعتق عبده ألا يطأ امرأته] ومن قال لزوجته: إن وطئتك فعبدي ميمون حر، فباعه فله أن يطأها، فإن اشتراه عاد مولياً، ولا يحنث إلا بالوطء وهو في ملكه.
وإن بيع في تفليسٍ ثم اشتراه فقد قيل: لا تعود عليه اليمين، وقال ابن القاسم: تعود عليه.

قال الشيخ: كمسألة من حلف بحرية عبده ألا يكلم فلاناً ففلس فباعه عليه الإمام، ثم اشتراه ثم كلمه، فقال ابن القاسم: يحنث، وقال أشهب: لا يحنث، فهي هذه بعينها.
قال ها هنا: فأما إن رد الغرماء عتقه فبيع لهم ثم اشتراه فلم يختلف مالك وأصحابه أنه لا شيء عليه، وإن رجع إليه العبد بميراثٍ فلا شيء عليه.
فصل [6 - فيمن حلف بطلاق إحدى امرأتيه ألا يطأ الأخرى] ومن قال: زينب طالق إن وطئت عزَّة، فطلق زينب واحدةً، فإن انقضت عدتها فله وطء عزَّة، ثم إن تزوج زينب بعد زوجٍٍ زينب بعد زوجٍ أو قبل زوجٍٍ عاد مولياً في عزَّة، فإن وطئ عزِّة بعد ذلك أوطئها في عدة زينب من طلاق واحدةٍ حنث، ووقع على زينب طلقتان الآن تمام الثلاث.
ولو طلق زينب ثلاثاً ثم نكحها بعد زوجٍ لم يعد عليه في عزَّة إيلاء، لزوال طلاق ذلك الملك، فلو طلق عزَّة ثلاثاً ثم تزوجها بعد زوج، وزينب عنده عاد مولياً ما بقي من طلاق زينب شيء، كمن آلى أو ظاهر ثم تزوجها بعد زوجٍ فلذلك يعود عليه أبداً حتى يكفر أو يفيء - يعني ظهاراً مجرداً بلا يمين حلف بها -.

وإن قال: زينب طالق واحدةً إن وطئت عوَّة، فطلق زينب واحدة ثم وطئ عزة في عدتها أو بعد أن نكحها ثانية طلقت زينب طلقة أخرى.
ومسألة من حلف ألا يطأ حتى يموت فلان، أو يقدم أبوه فقد تقدمت في الباب الأول.

[الباب الرابع]

في إيقاف المولي وفيئته / والطلاق عليه

قال سبحانه: ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾، قوله تعالى: ﴿فَإِنْ فَاءُوا﴾ يريد: فإن رجعوا عما حلفوا عليه من ترك الوطء، لأن الفيء في لسان العرب هو الرجوع.
وقوله: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ﴾ يدل [على] أن الفراق لا يقع عليه بتمام الأجل، إذا لو كان الطلاق واقعاً بحلول الأجل ما قال: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ﴾، فلم يقع الفراق بالإيلاء بتمام الأجل حتى يوقفه السلطان، وقاله عمر، وعثمان، وابن عمر، وعائشة، وبضعة عشر من الصحابة، وكثير من التابعين رضي الله عنهم أجمعين.

قال ابن القاسم: وإذا مضت سنة للمولي ولم يقف لم يطلق عليه، فإن وقف عند الأجل فلم يفئ طلق عليه الإمام واحدة، فإن قال: أنا أفيء، لم يعجل عليه بالطلاق واختبره مرةً ومرتين فإن تبين كذبه طلق عليه.
ومن حلف ألا يطأ امرأته إلا في بلد كذا، ومسافتها أقل من أربعة أشهرٍ أو أكثر، أو حتى يكلم فلاناً أو يقضيه حقه فهو مولٍ، فإن وقف بعد الأجل فقال: دعوني أخرج، فإن كانت البلدة قريبة، أو الرجل في موضعٍ قريبٍ مثل ما يختبر بالفيئة فذلك له، وإن بَعُدَ ذلك طلق عليه، ولا يزاد فيما أجل الله في الإيلاء، وقيل له: ارتجع إن أحببت.
وإن جامعها المولي بين فخذيها بعدما أوقفته، أو قبل أن توقفه فلا يفيء إلا بالجماع في الفرج إذا لم يكن له عذر، ولا يفيء بالوطء دون الفرج، إلا أن يكون نوى الفرج فلا تلزمه كفارة، كقول مالك فيمن حلف بعتق أمته إن وطئها فإنه يحنث بالوطء دون الفرج، وتُحمل أيمانهم على الاعتزال حتى يخص بنيته الفرج.
قال في كتاب الرجم: وإن جامع المولي في الدبر حنث، وزال عنه الإيلاء، ولزمته الكفارة.
قيل: أيسقط عنه الإيلاء وهو لم يكفِّر؟ قال: نعم، لأن هذا جماع لا شك فيه، إلا أن يكون نوى الفرج فلا كفارة عليه وهو مول بحاله - وطرحه سحنون ولم يقرأه.
قال فيه: وإن وطئها بين الفخذين فكفَّر زال عنه إيلاؤه، لأنه لو كفَّر قبل أن يطأ لسقط عنه الإيلاء، فكيف إذا كفَّر للإيلاء.

ومن كتاب الإيلاء: قال مالك: وأحسن للمولي أن يكفر لليمين بالله بعد الحنث، فإن كفّر قبل الحنث أجرأه وزال عنه الإيلاء.
وقال أشهب: لا يزول عنه الإيلاء حتى يطأ، وهو أعلم في كفارته، إذ لعله كفر عن يمين بالله سلفت، إلا أن تكون يمينه في شيء يعينه فيزول.
قال ابن القاسم وغيره: وإذا وقف المولي فعجل حنثه زال عنه إيلاؤه، مثل أن يحلف بطلاق امرأته ألا يطأ امرأة له أخرى - محمد: ثلاثاً أو بقية الثلاث-.
قال ابن القاسم: أو بعتق عبدٍ له بعينه، فإن طلق المحلوف بها ثلاثاً أو بقية الثلاث، أو أعتق العبد أو حنث فيها زال الإيلاء عنه، وكذلك إن حل الأجل وهو مريضَّ، أو مسجون، أو غائب، وكانت يمينه بما ذكرنا، أو بصدقة شيء بعينه، أو بالله لم يطلق عليه، ولكن يوقف المريض أو المسجون في موضعه، ويكتب إلى الغائب، فإن كانت بلده مسيرة شهرٍ أو شهرين فيوقف أيضاً في موضعه، وإلا عجَّلوا الكفارة، أو إيقاع ما ذكرنا من المعينات من عتقٍ أو طلاقٍ أو صدقة، وإلا طلق على كل واحد التي آلى منها، فإن قالوا: نحن نفعل، اختبروا مرةً وثانيةً، فإن لم يفعلوا طلِّق عليهم.
وقد قال ابن القاسم في يمينهم بالله: أنهم إن فاؤوا بألسنتهم أجزأهم.
قال سحنون: وهذه الرواية أصح من كل ما كان من هذا الصنف / على غير هذا الوجه، وعليه أكثر الرواة.
قال ابن القاسم: فإذا أمكنهم الوطء فلم يطؤوا طلق عليهم، ولو كفَّروا في تلك الحال المتقدمة ثم أمكنهم الوطء فلم يطؤوا فلا إيلاء عليهم، فإن آلوا بما لا يكفر قبل الحنث أو بما لا ينفعهم تعجيل الحنث فيه قبل الوطء كاليمين إن وطئ

بعتق عبدٍ بغير عينه، أو يمشي، أو بطلاقٍ فيه رجعة فيها أو في غيرها، فالفيئة لهم بالقول حتى يمكنهم الوطء، فيطؤوا أو يطلق عليهم، وبعض هذا من غير المدونة.
قال مالك في كتاب الظهار: ومن حلف بعتق رقبةٍ غير معينةٍ بأن لا يطأ، فأعتق قبل الوطء إرادة إسقاط الإيلاء عنه أنه يجزئه، وأحب إليَّ أن يفعل بعد الحنث.
قال ابن المواز: قد قال هذا، وقال أيضاً: لا يجزئه ذلك إلا في رقبةٍ معينة.
قال أبو محمد: يريد محمد في الأحكام وزال الإيلاء عنه، وأما فيما بينه وبين الله تعالى فيجزئه أن يكفَّر عنه به قبل الحنث.
ومن الإيلاء: ولا يحنث المريض إذا فاء بلسانه، وإنما يحنث إذا جامع، فإن أوقف المولي وهي حائض، فقال: أنا أفيء، أُمهلِ حتى تطهر.
ومن غير المدونة: وإن قال في الحيض: لا أفيء، فروي عن مالك: أنها تطلق عليه - محمد: ويجبر على الرجعة - وروى عنه أيضاً: أنها لا تطلق عليه حتى تطهر.

قال الشيخ: وذكر عن أبي القاسم بن الكاتب في قول محمد: ويجبر على الرجعة: ما أرى هذا على قول مالك، لأن الجبر على الرجعة فيمن طلق في الحيض إنما العلة فيه تطويل العدة، والمرأة ها هنا في الطالبة له في ذلك، وأيضاً فلو كان يجبر على الرجعة ما أوقفه السلطان، لأنه كيف تطلق عليه طلاقاً لا ينبغي ثم يجبر على الرجع، ولو كان يجبر على الرجعة عند مالك لذكره.
قال الشيخ: وإنما جبره محمد على الرجعة، لأن الطلاق الواقع في الحيض بسببه، إذ قال: لا أفيء، وكأنه قال: لا أفيء إذا طهرت، فوجب إيقاع الطلاق عليه الآن، إذ لا يزاد فيما أجل الله، فلما وقع الطلاق بسببه في الحيض، فكأنه هو أوقعه، فوجب جبره على الرجعة، ويحتمل ألا يخالف ذلك مالك، كما لو جعل طلاقها بيد رجلٍ فطلقها في الحيض، أنه يجبر على الرجعة، والله أعلم.
قال ابن القاسم في المدونة: وإن آلى صحيح ثم مرض فلم يفيء بالكفارة فطلق عليه ثم مات من مرضه ذلك ورثته.
ابن المواز: ومن تظاهر من امرأته ثم آلى منها ثم وقف الأجل فله عذر بالظهار كالعذر بالمرض ونحوه، ولكن لا يقبل منه إن قال: أنا أفيء بالوطء، فإن كانت يمينه يقدر أن يسقطها أو يكفرها أُمِرَ بذلك، فإن فعل بقي مظاهراً، ثم لا يدخل عليه الإيلاء حتى يتبين صدقه، وذلك أن يقدر على الكفارة فلا يقعل ولا يفيء بالمصاب ولا يمكَّن منه، ولا ينفعه إن فعل.

قال الشيخ: لأنه ممنوع من الوطء كما لو لم يطأ، ولكن تلزمه كفارة الظهار، فإن كفر زال عنه الإيلاء، أي له الوطء.
ومن العتبية: قال أصبغ: وإذا حل أجل المولي وقد فقد وكشف عنه الإمام وصار ممن يضرب له أجل الفقد فليأتنف له أجل المفقود، ولا يطلق عليه بالإيلاء، إذ لعله ميت.
وأما إن جُنَّ أو أغمي عليه فليوكل الإمام به من ينظر له، فإن رأى ألا يفيء طلق عليه، وإن رأى له أن يفيء كفَّر عنه إن كانت يمينه تمنعه الوطء، أو يعتق عنه إن كانت يمينه بعتق رقبة، ولو وطئها في حال جنونه كان ذلك له فيئة، ويكفَّر عنه وليه إن كانت يمينه بعتق رقبة في صحته، ويخلي بينه وبين وطئها إلا أن يخاف أذاه.
ولو كانت يمينه بالطلاق أن / لا يطأها إلا في بلد كذا، أو حتى يعزز فلوليه أن يلزمه هذه الطلقة، وله أن يخرج إلى البلد الذي حلف على الوطء به أو يعزو به ثم يرده فيطأ.

[الباب الخامس]

فيمن ترك وطء زوجته، أو آلى وهو خصي أو شيخ أو شاب ثم قطع ذكره

[فصل 1 - فيمن ترك وطء زوجته] قال مالك رحمه الله: ومن ترك وطء زوجته لغير عذرٍ ولا إيلاءٍ لم يترك، فإما وطئ أو طلق وبذلك يقضي - يريد ويتلَّوم له مقدار أجل الإيلاء أو أكثر إذ لو حلف على مقدار أجل الإيلاء لم يطلق عليه، فكيف إذا ترك من غير يمين.
قال مالك: وقد كتب عمر بن عبد العزيز إلى قوم غابوا بخُراسان وخلفوا أهليهم، فكتب إلى أمرائهم: إما أن يقدموا أو يرحَّلوا نساءهم إليهم أو يطلقوا.
قال مالك: وذلك رأي، وأرى أن يقضي به.
قال مالك: ومن تزوج امرأة بكراً أو ثيباً فوطئها مرة، ثم حدث له من أمر الله ما منعه من الوطء، وعلم أنه لم يترك ذلك وهو يقدر عليه، ولا يمين عليه، فلا يفرق بينه وبينها أبداً.

فصل [2 - فيمن آلى وهو خصي، أو شيخ أو شاب ثم قطع ذكره] وإن آلى خصي أو شيخ كبير وقد تقدم له فيها وطء، أو آلى الشاب ثم قطع ذكره لم يوقفوا ولا حجة لنسائهم.
قال في العتبية: ولو قطع ذكر المعترض في الأجل فرِّق بينهما مكانه، وليس كالمولي يقطع ذكره في الأجل، فلا حجة لهذه، لأنه قد تقدم له فيها وطء.

[الباب السادس]

في رجعة المولي وعودة الإيلاء عليه

قال مالك: وإذا طلق السلطان على المولي، وقد بنى فله الرجعة في بقية العدة، ويتوارثان ما لم تنقض العدة، وإن ارتجعها بالقول فواسع أن يخلي بينه وبينها فإن لم يطأ حتى دخلت في أول دم الحيضة الثالثة حلت، ولك تكن تلك الرجعة إلا لمعذورٍ بمرضٍ أو بسجنٍ أو سفرٍ، فرجعته رجعة بالقول، ثم إذا أمكنه الوطء بعد العدة فلم يطأ فرق بينهما، وأجزأتها العدة الأولى إلا أن يكون خلا بها وأقر أنه لم يطأ فلتأتنف العدة، ولا يكون له عليها رجعة في هذه العدة المؤتنفة، لأنه أقر أنه لم يطأ، وإن قال أو لا: وطئتها، وأنكرت، فالقول قوله مع يمينه.
قال مالك: وإذا طُلِّق على المولي قبل البناء فلا رجعة له، قال: وإن طُلِّق عليه وقد بنى، ثم لم يرتجع بالوطء حتى تمت العدة ثم العدة ثم تزوجها بعد ذلك فعاد الإيلاء عليه ولم يطأ، فأوقفته لتمام الأجل من يوم نكاحه الثاني فلم يفيء فطلق عليه فإنه لا رجعة له ها هنا، إذ لا عدة عليها، لأنه لم يبن لها في النكاح الثاني.
قال مالك: وإن طلق على المولي للأجل وهي مستحاض فارتجع ولم يطأ حتى مضت أربعة أشهرٍ ثانيةً ولم تتم العدة، لأن عدتها سنة فلا يوقف ثانية ولكنه إن وطئ في العدة فهي رجعة، وإن لم يطأ حتى تمت العدة لم تكن رجعةً.
وإن آلى من امرأته بعد البناء ثم طلقها واحدةً فحل أجل الإيلاء قبل تمام العدة وقف، فإن طلق عليه الإمام كانت طلقة أخرى، فإن تمت العدة قبل الأجل فقد بانت منه، ثم إن نكحها بعد ذلك عاد مولياً، ووقف لأربعة أشهرٍ من يوم نكحها هذا النكاح الثاني لالتمام الأجل الأول.

قال ابن المواز: وكذلك يمينه: لا راجعتك، فليوقف، فإن ارتجع وإلا طلق عليه طلقةً أخرى، وتثبت على عدتها.
ومن المدونة: قال مالك: والمولي إذا لم يفيء فيطلق عليه فكلما نكحها عاد مولياً، وطلقت عليه بعد الوقوف وإن بعد ثلاث مراتٍ / فأكثر ما لم يطأ أو يكفِّر، كالظهار يعود عليه أبداً أيتَّها ما لم يكفر - يريد ظهاراً مجرداً، أو حنث بظهارٍ لأمرٍ حلف به ولم يحنث.
قال مالك: وإن آلى منها إلى أجلٍ بعيدٍ فطلق عليه لأجل الإيلاء، ثم نكحها بعد ذلك، فإن بقي من أجل يمينه أكثر من أربعة أشهرٍ عاد مولياً، وإن لم يبق منه إلا أربعة أشهرٍ فأدنى لم يكن مولياً.

[الباب السابع]

في إيلاء العبد والكافر

[فصل 1 - في إيلاء العبد] وقد جعل الله تعالى حد العبد نصف حد الحر، والطلاق والإيلاء من معاني الحدود، ويجرَّان إلى ما يوجبها.
قال مالك: وطلاق العبد تطليقتان، إذ لا تنقسم الطلقة، وأجله في الفقد والاعتراض والإيلاء نصف أجل الحر.
قال ابن القاسم: وإذا آلى العبد، ثم عتق وقد بقي من أجل إيلائه شهر فلزوجته إيقافه لتمام أجل العبد، ولا ينتقل إلى أجل الحر كانت هي حرةً أو أمةً ألا ترى أن مالكاً قال في عبدٍ طلق زوجته تطليقةً وهي حرةً أو أمةً ثم عتق بعد ذلك: فإنما يبقى له من طلاقه فيها تطليقةً واحدةً.
ابن المواز: ولو كان إيلاؤه مما يؤتنف فيه ضرب الأجل بالرفع فرفعته بعد عتقه، ضرب له أجل الحر.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإذا آلى العبد من زوجته وهي أمةً فرفعته بعد الشهرين فلم يفيء فطلقها عليه السلطان، ثم عتقت وهي في عدتها لم تنتقل إلى عدة الحرائر، لأن مالكاً قال في الأمة تعتق وهي في العدة من طلاق يملك الزوج فيه الرجعة أم لا: إنها تبني على عدة الأمة ولا تنتقل إلى عد الحرائر، لأن العدة قد لزمتها يوم طلقها زوجها وهي أمة، فلاُ يلتفت إلى العتق في ذلك.

قال ابن القاسم: وإذا آلى العبد من نسائه بعتقٍ أو صدقةٍ كان مولياً، لأنه لو حنث ثم عتق لزمته اليمين، وسئل مالك عن عبدٍ حلف بعتق جاريةٍ إن اشتراها ولم يذكر أن سيده أمره باليمين؟ فقال مالك: لا أحب أن يشتريها وإن لم يأمره سيده باليمين ونهاه عن ذلك.
قال الشيخ: يريد: سواء أمره سيده باليمين أو لم يأمره، إذ لم يأمره بالشراء لأنه يقول: أنت معتدٍ في شرائك، إذ لم آذن لك فيه، فله أن يرد شراءه، ولو أذن له في شرئاها فها هنا إن كان قد أمره باليمين وجب عتقها، وإن كان لم يأمره فله رد عتقها.
فصل [2 - في إيلاء الكافر] ومن المدونة: قال مالك: وإذا حلف الذمي بعتقٍ، أو طلاقٍ، أو بالله، أو بصدقة ما يملكه، أو بغير ذلك من الإيمان ألا يقرب امرأته، ثم أسلم لم يكن مولياً، وسقط عنه بإسلامه هذا كله، ألا ترى أن طلاقه لا يلزمه، فكذلك إيلاؤه، لأن الإيلاء يجرُّ إلى الطلاق.
[كَمُل كتاب الإيلاء بحمد الله وحسن عونه، وصلى الله على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً]

[الكتاب الثاني عشر]

كتاب اللعان

[الباب الأول]

ما يوجب اللعان، وصفته وعلى من يجب

[فصل 1 - في مشروعية اللعان] قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾.
قال ابن شهاب: فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الزوجين فحلفا بعد العصر عند المنبر، وفرَّق بينهما.

فكانت بعد سنة الملاعنين ألا يجتمعا أبداً، وألحق الولد بالأم، وقاله عمر وابن عمر.
قال الشيخ: وأجمع الناس على ذلك، فثبت اللعان بدليل الكتاب والسنة وإجماع / الأمة، وكان ذلك لأن النسب يلحق بالفراش، ولا يمكنه إقامة البيئة أنه ليس منه، ودعت الضرورة إلى نفي نسبٍ ليس منه، فجُعِل له طريقً إلى نفيه باللعان، ولولا ذلك لم يكن له طريقً إلى قطعة عنه، ولفسدت الأنساب، واختلط الصحيح منها بالفاسد، فهذا سببه والله أعلم.
واللعان موضوع لشيئين، لرفع النسب وسقوط الحد بالقذف عن الزوج.
[فصل 2 - فيما يوجب اللعان] ومن المدونة: قال مالك: واللعان يجب بثلاثة أوجه، فوجهان مجمع عليهما، وذلك أن يدعي أنه رآها تزني كالمِروَد في المُكْحُلة ثم لم يطأها بعد ذلك، أو ينفي حملاً يدعي قبله استبراءً.
قال محمد: بحيضة فقط، لأنا نعلم بها براءة الرحم، قاله مالك وأصحابه إلا عبد الملك فقال: ثلاث حيض، ورواه عن مالك.

والوجه الثالث: أن يقذفها بالزنا ولا يدعي رؤية، ولا نفي حملٍ، فأكثر الرواة يقولون إنه يحد ولا يلاعن، وقاله ابن القاسم مرة، وقاله المخزومي وابن دينار، وقالا: إن نفي حملاً ولم يدع استبراءً جلد به الولد.
وقال ابن القاسم مرة أخرى: إنه إن قذف، أو نفى حملاً لا عن ولم يكشف عن شيء، وقاله ابن نافع.
قال الشيخ: وذكر عن أبي عمران رحمه الله أنه قال: إذا نفى حملاً ولم يدع استبراءً فلا يمكن من اللعان.
ولا تكون الحرة أخفض رتبةً من الأمة، لأن الأمة إذا نفى سيدها حملها ولم يدَّع استبراءً لم يتنف الولد بهذا.
قال ابن القاسم في كتاب الرجم: قال مالك: من ادعى رؤيةً وأقر أنه وطئ بعدها حُدَّ ولحق به الولد.
قال الشيخ: واختلف في وصف الرؤية، فقيل: يجب أن يقول: رأيته كالمِروَد في المكحلة، وقيل: تكفي دعواه الرؤية فقط.
قال الشيخ: فوجه الأول: أن لعانه يحصل به المعرَّة على المرأة، ويلزمها الحد ويتنفي عنه الولد، فغلظ في تبيين الصفة ردعاً إن كان غير مُحقٍ، كما غُلِّظ في الشهادة.
ووجه الثانية: قوله تعالى: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ وظاهر هذا أن هذا القدر كافٍ، والفرق بينه وبين الشهود أن به ضرورةً إلى القذف لنفي ولدٍ ليس منه، ولا ضرورة بهم إليه.

ووجه قوله: يلاعن إذا قذف من غير إدعاء رؤية قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ فعم، ولأنه قذف مضاف إلى الزوجة فجاز تخفيفه باللعان كالمضاف إلى الرؤية.
ووجه قوله: بأنه لا يلاعن ويحد، لأن اللعان يُتَخلَّص به عن حد القذف، فوجب أن يحتاج إلى رؤية، أصله الشهادة، ولأن اللعان واقع على أفعالٍ يدعيها، وذلك يتضمن الشهادة، واعتباراً بالشهود.
وإنما قال: إذا اعترف أنه وطئ بعد أن قال: رأيتها تزني، إنه يحد ولا يلاعن لأن اللعان موضوع لرفع النسب، ولا يمكن رفعه مع اعترافه بالوطء، لأن الاعتراف بالوطء يوجب إثباته، ويرفع ما ينفيه وهو اللعان، فلما ارتفع اللعان لم يبق إلا أنه قاذف، فوجب حده، وأكثر هذا التوجيه للقاضي عبد الوهاب.
[فصل 3 - في صفة اللعان] ومن المدونة: قال مالك: ويبدأ الزوج باللعان فيشهد أربع شهادات بالله، يقول في الرؤية: أشهد بالله إني لمن الصادقين لرأيتها تزني - قال أصبغ: كالمرود في المكحلة - ويقول في الخامسة: أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، وتقول المرأة: أشهد بالله لمن الكاذبين ما رآني أزني، أربع مرات، وتقول في الخامسة: أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين.

قال ابن القاسم: ويقول الزوج في نفي الحمل: أشهد بالله لزنيت، وتقول هي: أشهد / بالله ما زنيت.
أصبغ: وإنه لَمِنه.
ابن المواز: وروى عيسى عن ابن القاسم أن يقول في نفي الحمل: أشهد بالله إني لمن الصادقين ما هذا الحمل مني.
أصبغ: وأحب إلي أن يزيد: وَلَزَنيتِ.
قال أبو محمد: قول أصبغ: ولقد زنيت، يُعَارَض فيه، فقد تكون اغتُصِبت.
قال أصبغ: وإن قال في الخامسة مكان "إن كنت من الكاذبين": إن كنت كذبتها، أجزأه، ولو قالت المرأة في الخامسة في مكان "إن كان من الصادقين": إنه لمن الكاذبين، أجزأها، وكذلك لو استحلفها الإمام بذلك، وأحب إلينا مثل لفظ القرآن.
وقيل: إن كان مريضاً بعث إليه الإمام عدلاً، وكذلك المريضة إن لم تقدر أن تخرج.
ابن حبيب: واللعان في المرض كالطلاق فيه، وترثه الزوجة إن مات من مرضه ذلك، وقاله مالكٌ وأصحابه.

وقال القاضي عبد الوهاب: وإنما بدئ بالتعان الزوج لو رود النص بذلك وقد بدأ النبي صلى الله عليه وسلم هِلال بن أميَّة في اللعان، فإن نكل حَدَّ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَاتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾، وقوله صلى الله عليه وسلم هِلال بن أمية: "البينة، وإلاَّ حّد في ظهرك"، فغن التعن سقط عن الحد وانتقل إليها إلا أن تلتعن هي أيضاً، وإنما ذلك لأن التعانه جُعل بمنزلة إقامة البينة، فلما كانت البينة تُسقط الحد عنه فكذلك اللعان، ويدل على ذلك أيضاً قوله تعالى عقيب ذكر لعان الزوج: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾، وهي حجتنا على أبي حنيفة في قوله: لا حد عليها.

قال الشيخ: وذكر عن ابن القاسم بن الكاتب رحمه الله أنه قال: إن بدأت الزوجة باللعان فقال ابن القاسم: لا يعاد عليها اللعان بعد التعان الزوج، وقال أشهب: يعاد، قال: وهو أحسن، لأنها التعتت قبل أخذها بما يوجبه لعان الزوج من حدها أو التعانها، وقد قال الله سبحانه: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾، فموضوع لعانها إنما هو ليُدرأ به العذاب عنها، وقبل التعان الزوج هو المطالب بقذفها، إلا أن يلتعن فيسقط عن نفسه حد القذف، وتصير هي المطالبة بما أوجبه لعانه، فليس يمينها قبل لعانه مزيلاً ما يوجبه لعانه بعدها.
[فصل 4 - فيمن يجب عليه اللعان] ومن المدونة: قال مالك: واللعان يكون بين كل زوجين، كانا مملوكين أو أحدهما، أو محدودين، أو كتابية تحت مسلمٍ، إلا أن الكافارين لا لعان بينهما.
قال القاضي عبد الوهاب: وقال أبو حنيفة: لا يكون إلا بين زوجين يكونان - أو أحدهما - من أهل الشهادة، لأنه عنده شهادة، وعندنا يمين، وديلينا أنه بين كل زوجين: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ الآية،

فهذا عام، ولأن الضرورة إلى نفي النسب داعية إلى ذلك، وفائدة قولنا: إنه يمين، أنه يصح ممن تقبل شهادته وممن لا تقبل شهادته، ودليلنا قوله عليه الصلاة والسلام في حديث هلال بن أمية: "إن جاءت به على نعت كذا فهو لشَريك، فجاءءت به على النعت المكروه، فقال صلى الله عليه وسلم: «لولا الأيمان لكان لي ولها شأن»، ولأنه مخالف للشهادة بخول النساء فيه، ولا مدخل لهن في الشهادة على الزنا وتكرار لفظه، ولعن الملعتن نفسه إن كان ما يشهد به خلاف ما هو به، وجوازه من الفاسقين ومن ليس من أهل الشهادة، وكذلك الأعمى.

[فصل 5 - في ملاعنة الأمة والكتابية] ومن المدونة: قال مالك: وأما الأمة والكتابية / فلا يلاعن الزوج في قذفها بغير رؤيةٍ كان حراً أو عبداً، إذ لا يجد قاذفها ويلاعن فيهما إن أحب إذا نفى حملاً وادعى استبراءً، أو ادعى رؤيةً لم يمس بعدها لخوف الحمل، ولو شاء أن يلاعن في قذفها ليحق ذلك عليهما لم أمنعه من ذلك.
ومن غير المدونة: قال سحنون في حرٍ تحته أمةً فابتاعها ثم ظهر بها فأنكره أيلاعن؟ قال: إن وضعت لأقل من ستة أشهرٍ من يوم اشتراها وقد أصابها بعد الشراء فاللعان بينهما، لأنه زوج، وإن وضعته لستة أشهرٍ فأكثر من بعد الشراء أو الوطء لحق به، لأنه مما يشبه أن يكون من مسيس الملك، وإن لم يمسها بعد الشراء فإن وضعته لما يشبه أن يكون من مسيس الملك، وإن لم يمسها بعد الشراء فإن وضعته لما يشبه أن يكون من وطئه إن كان زوجاً وذلك لخمس سنين فأدنى فاللعان بينهما، والله أعلم.
[فصل 6 - في مكان اللعان] ومن المدونة: ويلتعن المسلم في المسجد عند الإمام في دبر الصلوات بمحضرٍ من الناس، وروى ابن وهب أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر الزوج والزوجة فحلفا بعد العصر عند المنبر.

قال مالك: وتلاعن النصرانية في كنيستها حيث تُعظم، وتحلف بالله وللزوج أن يحضر معها إن شاء أو يدع.
قال ابن القاسم: ولا تدخل هي معه المسجد لأنها تُمنع من المسجد.
قال ابن حبيب: قال مطرف: معنى قول مالكٍ في المسلم تحته النصرانية فينفي حملها: إنهما يتلاعنان - يعني إن طاعت، ولا تجبر لأنها لو أقرت بالزنا لم تحد، وكذلك إن قال: رأيتها تزني، فشاء اللعان خوفاً من ولدٍ فيلتعن، وترد عي في النكول في هذا إلى أهل ديتها، وقاله ابن عبد الحكم وأصبغ.
وقال ابن الكاتب: إنما جعل لها أن تلتعن إن شاءت لأن ذلك موجب لرفع عصمته عنها، ولنفي المعرَّة التي لزمتها بالتعانه، وقد يكون التعانه يوجب عليها في دينها حُكماً فكان لها أن تلتعن لرفعه.
[فصل 7 - في حكم الصغير والصغير في اللعان] ومن المدونة: قال: ولا لعان في قذف الصبي لامرأته الكبيرة، إذ لا حد عليه إذا قذف أو زنى، ولأنه لا يلحقه ولدَّ إن كان.
وإذا قذف الحر امرأته الحرة فقال: رأيتها تزني، وهي لا يحمل من كبرٍ أو صغرٍ، فإنه يلاعن إذا كانت الصغيرة قو جومعت وإن لم تبلغ المحيض، وكذلك في قذفهما إن كانتا حرتين مسلمتين ليزيل حد قذفه، وتلتعن الكبيرة ولا تلتعن الصغيرة إذ لا تحد إذا نكلت أو أقرت أو زنت، كما يلتعن المسلم زوجته الكافرة، ولا تحد الكافرة إن نكلت أو أقرت أو

زنت، وقد قال الله تعالى: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾، والصغيرة ممن لا عذاب عليها في إقرارها ولا في زناها.
قال سحنون في كتاب ابنه: وتبقي له زوجةً إذا لاعن أنه نفى عن نفسه الحد، ولا تلتعن هي، وكذلك لولا عن نصرانية وأبت هي أن تلتعن لبقيت له زوجة إلا أن تلتعن هب فتقع الفرقة بينهما، وكذلك في كتاب ابن المواز.
[فصل 8 - في لعان الأعمى والأخرس] ومن المدونة: ويلتعن الأعمي في الحمل بدعوى الاستبراء، وفي القذف لأنه من الأزواج فيحمل ما تحمل.
قال غيره: بعلمٍ يدله على المسيس لا برؤية.
قلت: فالأخرس هل يلاعن إذا قذف بالإشارة أو بالكتاب؟ قال: نعم، إن فَقِه ما يُقال له وما يقول.

فصل [9 - في ذكر الأحكام المترتبة على اللعان] قال مالك: وبتمام اللعان تقع الفرقة بين الزوجين وإن لم يفرق بينهما الإمام ثم لا تحل له أبداً، وإن أكذب نفسه بعد تمام اللعان لم تحل له أبداً ولكن يُحد ويُلحق به الولد.
قال مالك: وتلك السنة عندنا لا شك فيها.
قال القاضي عبد الوهاب: وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم للزوجين لما التعنا: «حسابكما على الله، أحدكما كاذب، لا سبيل لك عليها».
ومن المدونة: قال ابن القاسم: إلا أن يكذب نفسه وقد بقي من لعان الزوجة ولو مرةً واحدةً، فيُحد، وتبقى له زوجة، ولولا عن من نفي حملٍ ثم انقشَّ لم تحل له أبداً إذ لعلها أسقطته وكتمته.
قال القاضي عبد الوهاب: وينتفي النسب بالتعان الزوج وحده، ولا يفتقر إلى التعان المرأة، لأن التعانها إنما هو لإكذاب الزوج وإسقاط الحد عنها، ولا يجوز أن يُثبت الشيء بما ينفيه.

قال ابن القصَّار: وفُرقة المتلاعنين عندنا فسخ، وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة: هي طلة بائنةً، وعندنا وعند الشافعي هو تحريم مؤبد، وقال أبو حنيفة: إن أكذب نفسه جاز أن يتزوجها.
وفي كتاب ابن الجلابَّ: أن الملاعنة قبل البناء لا صداق لها، وهذا بناءً على أصلهم أنه فسخ، فلذلك لم يجعل لها نصف الصداق.
ولمالكٍ في الموطأ: أن لها نصف الصداق، وهو مذهب المدونة.
وقال ابن الجلَّاب فيمن اشترى زوجته قبل البناء: أن لها نصف الصداق، وهذا خلاف قول مالكٍ وأصحابه في المسألتين فاعلمه.
قال الشيخ: وذكر عن أبي عمران أنه قال في أهل الكتاب إذا تراضوا أن يحكم بينهم في اللعان يحكم الإسلام فلكنت المرأة عن اللعان: فعلى قول عيسى تُرجم، وعلى ما قال البغداديون لا تُرجم، لأن أنكحتهم فاسدة، وإنما يجب على من نكل منهم الحد كالمتلاعنين قبل البناء.

جارٍ التحميل