الجامع لمسائل المدونةصفحات 121-160

كفه أو بسائر أعضائه من فوق الثوب أو من تحته انتقضت طهارته.
قال الأبهري: وعلى هذا كان يعمل شيوخنا كلهم.
وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أن الوضوء لا ينتقض من مس الذكر، قالوا: وقد قال يحيى بن معين وابن حنبل: لم يصح حديث في مس الذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم، قالوا ولو صح لكان معارضًا لحديث طلق بن علي حين سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الوضوء من مس الذكر، فقال: هل هو إلا ضعة منك.
فوجب

أن يكون ما رويتموه محمولاً على الوضوء اللغوي، الذي هو غسل اليد فالجواب عن ذلك أن من أثبت / إيجاب الوضوء من مس الذكر أكثر عددًا، وأثبت نقلاً من ابن معين وابن حنبل، فقد رواه خمسة عشر نفسًا من الصحابة من بين رجل وامرأة، وغيرهم.
وقال به جماعة من الصحابة والتابعين، وأما حديث طلق ففي سنده ضعف، وقيل أيضاً: إنه منسوخ بحديث أبي هريرة؛ لأن أبا هريرة متأخر الإسلام، فهو ناسخ لما قبله.
وأما قولهم: يحمل ما رويتموه على الوضوء اللغوي، فقد روينا أنه عليه

السلام قال من مس ذكره فليتوضأ وضوءه للصلاة مع أن لنا أن نستعمل ما ذكروه من حديث طلق أنه إذا مسه لغير شهوة، ونستعمل ما رويناه إذا مسه لشهوة فيصح بذلك استعمال الأخبار، وبالله التوفيق.
وقال الشيخ أبو عمران: أن من قال: إنما يجب الوضوء من مس الذكر إذا مسه لشهوة يقول: إن الوضوء يجب فيه بالقرآن؛ لأنه يرجع إلى الملامسة، ومن قال سواء مسه ساهيًا أو عامدًا، فإنه يتوضأ يرى الوضوء فيه من السنة، وبالله التوفيق.
واختلف أصحب مالك في إعادة من صلى بعد مس ذكره، فقيل: لا إعادة عليه، وقيل: يعيد في الوقت.
وقال سحنون: يعيد فيما قرب، كاليوم

واليومين.
وقيل يعيد أبدًا، وقال ابن حبيب: يعيد الساهي في الوقت والمتعمد أبدًا.
فوجه قولهم لا إعادة عليه، أو يعيد في الوقت مراعاة لقوة الاختلاف فيه، ويحتمل أن يكون ذلك في السهو.
ووجه قولهم: يعيد أبدًا، فلعموم الحديث من مس الذكر الوضوء، ولم يفرق بين سهوه وعمده، فإذا وجب إعادة الوضوء، وجب إعادة الصلاة، وقد أعاد منه ابن عمر بعد الوقت، ويحتمل أن يكون ذلك في التعمد، وتوسط سحنون قولاً بين القولين.
ووجه قول ابن حبيب أنه لما كان الأغلب من مس الساهي أنه لغير شهوة، وأنه غير عابث به، والأغلب في المتعمد أنه قاصد للشهوة وواجد لها وجب عليه أن يعيد أبدًا، والأول في الوقت استحبابًا، والله أعلم.
ومن المدونة/ قال مالك: وإذا مست المرأة فرجها فلا وضوء عليها،

وروى علي بن زياد عن مالك أن عليها الوضوء، وأنكره سحنون.
وقيل: عليها الوضوء إذا ألطفت أو قبضت عليه، وقاله مالك.
-يريد بألطفت إذا أدخلت يدها بين الشفرين-، ولا شيء عليها في مسها لجوانبه، وقاله ابن حبيب.
فوجه قوله: أن لا وضوء عليها، فلقوله صلى الله عليه وسلم: من مس الذكر الوضوء يدل أن ما عداه بخلافه.
ووجه قوله: أن عليها الوضوء، فلقوله صلى الله عليه وسلم: من أفضى بيده إلى فرجه ليس بينهما حجاب فقد وجب عليه الوضوء، والفرج اسم عام للذكر، وفرج المرأة؛ ولأنه عضو يجد للمسه اللذة، كالذكر.
فأما إذا قبضت عليه أو ألطفت فهي واجدة اللذة لا محالة فيجب أن يكون عليها الوضوء في القولين، والله أعلم.

وقال القاضي عبد الوهاب: في ما روي عن مالك لا وضوء على المرأة في مس فرجها، وما روي أنها تتوضأ، وما قيل: إذا ألطفت، هذا كله ليس باختلاف رواية فمن قال: لا وضوء عليها، فمعناه إذا كان لغير لذة، ومن رأى أن عليها الوضوء معناه إذا التذب به، وأن ذلك مبني على الرواية أن ذلك عليها إذا ألطفت، فهذه مفسرة لما أجمل من غيرها.
قال: ومن أصحابنا من يحمل ذلك على روايتين: إحداهما: الوجوب، والأخرى سقوطه، إلا أن تلطف، وهو نحو ما بينا أولاً.
ومن المدونة قال مالك: ومن مس ذكره في غسله من جنابته أعاد وضوءه إذا فرغ من غسله، إلا أن يكون قد أمر يديه على مواضع الوضوء منه في غسله، فيجزئه.
قال أبو محمد: يريد وينويه.
وقال أبو الحسن بن القابسي: لا يحتاج إلى نية.
م فوجه قول أبي محمد أنه لما كان الغسل من الجنابة يرفع حدث الجنابة

والوضوء، وأنه لو مس ذكره بعد تمام غسله لم ينتقض عليه إلا الوضوء، ولم يعد جنبا لارتفاع حكم الجنابة عن جميع جسده، فكذلك إذا غسل بعض أعضائه / فناب ذلك الغسل فيها عن الجنابة والوضوء، فإذا مس ذكره انتقض حكم الوضوء، وبقي حكم الغسل قائماً، كما كان ذلك في جميع الجسد؛ لأنه لو تمادى على بقية غسله ولم يعد غسل تلك الأعضاء لأجزأه غسله، ولم يكن عليه إلا الوضوء، فإذا أعاد لها الماء فإنما يعيده للوضوء خاصة، فلا يجزئه.
ووجه قول أبي الحسن إن حكم الجنابة باق على تلك الأعضاء، لا يرتفع إلا بتمام الغسل، ألا ترى أنه لو ترك لمعة من جسده متعمداً حتى جف غسله وطال ذلك لابتدأ الغسل من أوله، فإذا أعاد غسل تلك الأعضاء لم يحتج إلى نية، وأجزأته النية الأولى، إذا ليس عليه أن يجدد لكل عضو نية، وبالله التوفيق.
قال أبو عمران: في الذي مس ذكره في غسله أنه إذا مر بيديه

على مواضع الوضوء منه أن الغالب في إمرار يده بالماء؛ لما يقع / في نفسه أنه لم يعم تلك الأعضاء بالغسل فهو مستشعر إكمال الطهارة فيجزئه ذلك، وإن لم ينو به الوضوء.
والوضوء من مس الذكر في حال الغسل على ثلاثة أوجه: إن مسه قبل غسل شيء من أعضاء الوضوء فلا شيء عليه، ويجزئه الغسل، وإن مسه بعد فراغه من غسله فعليه الوضوء باتفاق، وإن مسه بعد غسل أعضاء الوضوء أو بعضها فهي مسألة الخلاف المتقدمة.
[فصل - 2 -] في الوضوء من النوم، وزوال العقل.
قال الرسول صلى الله عليه وسلم: ((العينان وكاء السه، فمن نام فليتوضأ))، وهذا نص منه عليه السلام في إيجاب الوضوء، وقال في حديث آخر: ((العينان وكاء السه، فإذا

نامت العينان استطلق الوكاء)).
قال أبو عبيد في غريب الحديث: والسه حلقة الدبر، والوكاء هو الخيط الذي يشد به فم القربة، فجعل اليقظة للعين مثل الوكاء للقربة، يقول: فإذا نامت العين استرخى ذلك الوكاء، فكان منه الحدث.
قال ابن القصار: وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: ((إنما الوضوء على من نام مضطجعًا، فإنه إذا اضطجع استرخت مفاصله))، وهذا تعليل منه صلى الله عليه وسلم، وقاله عمر بن

الخطاب رضي الله عنه، وأجمع عليه فقهاء الأمصار.
قال ابن حبيب: وذلك إذا استثقل المضطجع، وخالط النوم عقله.
م فينبغي على كل نائم استرخت مفاصله، واستثقل نومه الوضوء، وهذا هو الأصل.
وقد قال ابن أبي سلمه: من استثقل نوماً على أي حال كان فعليه الوضوء، وكذلك روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ((من استجمع نوماً، فعليه الوضوء)) وما روى ابن عباس ((أن / النبي صلى الله عليه وسلم دخل على خالته ميمونة، فنام حتى سمع غطيطه، ثم قام فصلى، ولم يتوضأ، قيل: يجوز أن يكون هذا إذا ثبت

كان خصوصًا له؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ((تنام عيناي ولا ينام قلبي))، ويحتمل أن يكون يغط، ولم يستثقل في نومه وهذا ممكن.
ومن المدونة قال مالك: ومن نام في سجوده فاستثقل نومًا، وطال ذلك فعليه الوضوء، وأما من نام نومًا خفيفًا الخطرة ونحوها لم ينتقض وضوءه، فكذلك من نام على دابته شيئًا خفيفًا، فإن طال ذلك فعليه الوضوء، ونومه قدر ما بين العشائين طويل، وهو بمنزلة القاعد.
قال: ومن نام محتبيًا في يوم جمعة وشبهه، فذلك خفيف، ولا وضوء عليه؛

لأنه لا يلبث، والجالس بلا احتباء أشد؛ لأنه يثبت، فعليه الوضوء إن كثر ذلك وطال.
وقال ابن وهب: وقال أبو هريرة: ليس على المحتبي النائم، ولا على القائم النائم وضوء، وقال ابن شهاب: السنة في من نام راكعًا أو ساجدًا فعليه الوضوء، يريد لأنه قد أمكن نفسه للحدث.
م وظاهر هذا خلاف لقول مالك؛ لأن الراكع لا يثبت إذا استثقل نومًا.
وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم ((نام ساجدًا فلم يتوضأ))، ومعناه عندنا أنه لم يستثقل في نومه، ولا استرخت مفاصله، وكذلك علله بعض البغدادين.
قال ابن القصار: ومما يدل على أن لا وضوء في الخطرة ونحوها ما روي أن الصحابة كانوا ينامون في انتظار العشاء الآخرة حتى / تخفق رؤوسهم، ثم

يصلون، ولا يتوضأون.
وهذا يبطل قول من قال: إن النوم حدث، قليله وكثيره سواء.
وما روي ابن وهب ((أن ربيعة سقطت من يده مروحة، وهو ناعس فتوضأ.
قيل: معناه: أنه لم يشعر بسقوطها فتخوف أن يكون طال ذلك به.
م وقيل النوم على ثلاثة أوجه: نوم لا وضوء فيه، كالخطرة ونحوها، ونوم / القائم وشبهه، ونوم يستحب منه الوضوء، وذلك إذا استثقل ونام فيه ولم يطل، ونوم يجب منه الوضوء وذلك إذا استثقل وطال.
وقد شرط الاستثقال والطول في الذي ينام في سجوده والذي ينام مضطجعًا أو جالسًا أولى بمراعاة ذلك، وهذا ظاهر كله.
م وما قدمناه أصوب؛ للإجماع عليه.

فصل - 3: [في وضوء من فقد عقله بإغماء أو جنون أو سكر].
قال مالك رحمه الله: ومن أغمي عليه فعليه الوضوء، والمجنون إذا فاق توضأ، ولا غسل عليه يريد إلا أن يجد بلة المني فليغتسل.
قال ابن القاسم سواء خنق قائماً أو قاعداً.
قال ابن حبيب: وهذا إذا أفاق بحدثان ذلك ولم يجد بلة المني، فأما لو أقام يومًا أو أيامًا فعليه الغسل.
م وهذا خلاف لقول مالك، وهو عند مالك على طهارته حتى تثبت نجاسته.
قال ابن القاسم: ومن ذهب عقله من لبن سكر منه، أو من نبيذ توضأ، وقد يتوضأ من هو أيسر شأنًا ممن ذكرنا، وهو الذي ينام ساجدًا أو مضطجعًا لقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا {الآية.
قال زيد بن أسلم: يعني: من النوم.

[فصل - 4 -] في الوضوء من المذي، وسلس البول، وما يخرج من الدبر.
وأمر الرسول صلى الله عليه وسلم بالوضوء من المذي مع غسل الفرج، وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ((إني لأجده يتحدر مني مثل الخريزة فإذا وجد ذلك أحدكم فليغسل فرجه، وليتوضأ يعني غير المستنكح)).
وروى ابن وهب أن عمر بن الخطاب قال: ((إني لأجده في الصلاة على فخذي كخرز اللؤلؤ فما أنصرف حتى أقضي صلاتي)) /، يعني أنه

كان مستنكحًا في آخر عمره.
قال مالك رحمه الله: ومن خرج من ذكره بول، أو مذي المرة بعد المرة لإبردة، أو لعلة توضأ، إلا أن يستنكحه ذلك فيستحب له الوضوء لكل صلاة من غير إيجاب، كالمستحاضة، فإن شق عليه الوضوء لبرد أو نحوه لم يلزمه، وإن خرج ذلك من المستنكح في الصلاة فليكفه بخرقه، ويمضي على صلاته، وإن لم يكن مستنكحًا قطع.
قال بكر القاضي: سلس البول والمستحاضة على قسمين: فاللذان لا ينقطع ذلك عنهما على حال فلا وضوء عليهما إذ لا فائدة في أن يتوضئا، وهو يسيل، وإن كان ذلك ينقطع، ثم يعود من وقت إلى وقت فهذان اللذان يتوضآن خيفة أن يخالط ذلك شيء من المعتاد.

وروى البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت: جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إني امرأة استحاض فلا أطهر أفأدع الصلاة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا، إنما ذلك عرق، وليس بالحيض، فإذا أقبلت حيضتك فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم، ثم صلي))، قال: وقالت: قال: ((ثم توضئي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت))، ورواه مالك في الموطأ، وروي عن أم سلمه نحوه، وقال ابن المسيب: ((تغتسل من طهر إلى طهر، وتتوضأ لكل صلاة، فإن غلبها الدم استثفرت)).

وقال غير واحد من البغداديين: مذهب مالك في كل ما خرج من السبيلين على غير العادة مثل: سلس البول، والمذي، ودم الاستحاضة، ونحوه أن ذلك لا ينقض الطهارة، خلافًا لأبي حنيفة والشافعي؛ لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لو سال من قرنك إلى قدمك فلا وضوء عليك))؛ ولقوله صلى الله عليه وسلم في المستحاضة: ((تصلي، وإن قطر الدم على الحصير)).
فلو كان ذلك حدثًا يفسد الطهارة لوجب أن يفسد الصلاة، ولكن لما خرج على غير وجه العادة خرج عن حال

الصحة، ووجب أن لا ينقض الطهارة، قياسًا على دم الجرح / والدمل إذا مصلا.
وقال ابن المسيب وغيره في المدونة في الذي يستنكحه المذي يتوضأ، وينضح بالماء /، ثم يقول: هو الماء خيفة الوسوسة.
قال مالك: وإذا كثر عليه المذي، لطول عزبة أو تذكر لزمه الوضوء لكل صلاة.
قال ابن أبي زمنين: الذي عندي فيمن استنكحه المذي؛ لطول عزبة، أو لعلة، وكان يخرج منه على غير مقارنة شهوة، ولا تعرض للذة فلا ينتقض وضوءه، كذلك فسره عبد الملك.
وقال ابن الجلاب في الذي يكثر عليه المذي لطول عزبة: إن كان يستطيع

رفعها بتزويج أو تسري أنه يتوضأ لكل صلاة، وإذا أمذى صاحب السلس بقبلة، أو شهوة، أو بال بول العادة لزمه الوضوء.
قال القاضي عبد الوهاب في الذي يخرج منه المذي لإبردة المرة بعد المرة: إنما عليه / الوضوء استحبابًا، لا إيجابًا، وعلى هذا كان يحمل شيوخنا قول مالك، والظاهر من قول مالك وجوب الوضوء، وهو الصحيح؛ لأن علة سقوط الوضوء عن السلس لحوق المشقة بتكراره، وذلك معدوم في الخارج مرة بعد مرة.
فصل - 5 - [في الخارج غير المعتاد من الدبر أو القبل] قال ابن القاسم: ولا شيء على من خرج من دبره دود أو دم عند مالك.
قال ابن نافع عن مالك في المجموعة: وذلك إذا لم يخالطه أذى.
قال ابن القاسم: وكذلك الحصاة تخرج من الإحليل، إلا أن يخرج بإثرها

بول.
وقال محمد بن عبد الحكم: من خرج من دبره دود نقي، أو دم صاف فعليه الوضوء.
قال أبو محمد: وهذا خلاف لأصولنا في المعتادات.
قال ابن القاسم في المدونة: وإذا خرج من فرج المرأة دم فعليها الغسل عند مالك، إلا أن تكون مستحاضة فيستحب لها الوضوء.
قال علي عن مالك: وليس على الرجل غسل أنثييه من المذي إذا توضأ، إلا أن يخشى أن يكون أصابهما شيء، فإن لم يصبهما شيء فليس عليه إلا غسل ذكره عند مالك.
م يريد فإذا خشي غسل بخلاف الثياب والحصر يشك هل أصابها نجاسة أم لا، تلك تنضح؛ لأن النضح رخصة / وردت فيها، فلا يعدى بها بابها، وللضرورة التي تلحق في غسل الثياب، ولا ضرورة عليه في غسل بدنه.

وفي العتبية ما يدل أن البدن ينضح أيضاً، كالثوب، ونصه مالك.
قال ابن القاسم: في الحديث ((غسل ذكرك وأنثييك، وانضح)) وإن كان قد يعبر عن الغسل بالنضح فيتفق المعنى.
وقد قال ابن شعبان في من شك في نجاسة ثوبه أو جسده: أجزأه النضح.
قال أبو محمد: وما علمت خلافه.
وقال بعض القرويين: هذا خلاف، واحتج بما جاء في الحديث ((من انتبه من نومه فلا يدخل يده في وضوئه حتى يغسلها؛ لأنه لا يدري أين باتت يده))، فقد أمره بغسلها في حال الشك.

وذكر ابن حبيب في الحائض والجنب إذا غسلا ما رأيا من الأذى، ولم ينضحا ما لم يريا وصليا فلا إعادة عليهما، بخلاف من شك هل أصاب ثوبه نجاسة أم لا؟ هذا يعيد في الجهل والعمد الصلاة أبدًا، وفي السهو في الوقت، ونضح هؤلاء إنما هو لطيب النفس، ولينضحا لما يستقبلان.
وروى أبو زيد عن ابن القاسم في الجنب إذا لم ينضح ما يرى في الثوب الذي نام فيه أنه يعيد الصلاة في الوقت.
فصل - 6: [فيما يوجبه المذي].
قال مالك: المذي عندنا أشد من الودي؛ لأن الفرج يغسل من المذي، والودي بمنزلة البول.
وقال بعض البغداديين من أصحاب مالك: إن معنى غسل الذكر من المذي إنما هو مخرج الأذى.
م وليس الأمر كما قالوا.
وقد بين في المدونة من رواية علي من مالك ما يدل أن الذكر يغسل

كله، وهو ظاهر الحديث.
قال يحيى بن عمر: في من غسل من المذي مخرج الأذى فقط وصلى لم يعد ويغسل ذكره لما يستقبل.
قال أبو محمد: وينبغي أن يجزئ غسله بغير نية، كالنجاسة.
وقال غيره: من رأى غسل جميعه، فلا يجزئ إلا بنية؛ لأنها عبادة، ومن رأى غسل مخرج الأذى فقط فيجزئ بغير نية، كالنجاسة.
وقال أبو العباس الأبياني: لا يجزئ غسله إلا بنية، وإن لم ينوه أعاد أبدًا.
قال: ومن غسل مخرج الأذى منه فقط، وصلى / أعاد الصلاة أبدًا.

قال أبو محمد وغيره: وصفة المذي هو ماء أبيض رقيق يخرج عند اللذة بالإنعاظ عند الملاعبة أو التذكار، وهو في المرأة بلة تكون منها عند اللذة.
وأما الودي: فهو ماء أبيض خائر يخرج بإثر البول من إبردة أو حمام للرجل والمرأة يجب منه ما يجب من البول.
وأما المني: فهو الماء الدافق يخرج عند اللذة الكبرى بالجماع رائحته كرائحة الطلع، وماء المرأة رقيق أصفر يجب منه طهر جميع الجسد بنية.
فصل - 7 -: [في الباسور] ومن المدونة قال يحيى بن سعيد: ومن به باسور لا يزال يطلع منه فيرده بيده، فليس عليه إلا غسل يديه إلا أن يكثر ذلك عليه فلا أرى عليه غسلها، وكأن ذلك بلاء نزل به، يعدونه بمنزلة القرحة.

[فصل - 8] في الوضوء من الملامسة والقبلة قال الله تعالى: {أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً {، فالمراد به عند جماعة من الصحابة والتابعين: اللمس الذي هو دون الجماع؛ لأنه تعالى ذكر حكم الجنب في الآية، وحكمه الغسل، كحكم الجماع، فلو أراد باللمس الجماع لكان تكريرًا في اللفظ بمعنى واحد، فحمل الآية على كثرة الفوائد / أولى، مع أن الاسم الخاص باللماس هو ما دون الجماع، قال الله تعالى: {فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ {. وقال النبي صلى الله عليه وسلم للأسلمي الذي اعترف بالزنا: ((لعلك قبلت أو لمست))؟ فلو كان اللمس هو الجماع لم يكن في استفهامه فائدة؛ لأنه اعترف بالجماع.

وروى مالك رحمه الله في المدونة أن ابن عمر قال: من قبلة الرجل امرأته، أوجه إياها بيده الوضوء.
قال مالك: وإذا مست المرأة ذكر الرجل لشهوة فعليها الوضوء، وإن مسته لغير شهوة لمرض ونحوه فلا وضوء عليها، قال: وكذلك إذا مس أحد الزوجين صاحبه بيده للذة من فوق الثوب أو من تحته فعليه الوضوء أنعظ الرجل أم لا.
قال القاضي عبد الوهاب: واعتبرنا في ذلك اللذة، وجعلناها شرطًا في انتقاض الطهارة، وهو قول جماعة من التابعين، فإن عريت الملامسة / من اللذة، لم يجب الوضوء، خلافًا للشافعي.

دليلنا أنه صلى الله عليه وسلم كان يقبل ويلمس، ولا يتوضأ، فمحمله أنه كان بغير لذة، فأشبه مس الرجل الرجل.
م ولما كانت الملامسة للذة بيده من دواعي الوطء، وكان الوطء يوجب الطهارة الكبرى، وجب أن يكون ما دونه هو من دواعيه يوجب الطهارة الصغرى.
فأما ما كان لغير لذة، ولا قصد به اللذة فليس من دواعي الوطء، فوجب أن لا يوجب شيئًا، ويؤيد ذلك قوله تعالى: {أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ {، فقصده بالملامسة النساء الملتمس منهن اللذة، بدليل أن المراد

به اللمس للذة.
ومن العتبية قال علي عن مالك: وإذا مس الرجل زوجته بيده من فوق الثوب، فإن كان الثوب خفيفًا يصل في جسه إلى جسدها فعليه الوضوء، وإن كان ثوبًا كثيفًا لا يصل بجسه إياه إلى جسدها فلا شيء / عليه.
م يريد إذا لم يصل بالجس إلى رطوبة بدنها، فهو كالنظر بغير اللذة.
فصل - 9 -: [حكم الصلاة خلف من لا يرى الوضوء من القبلة أو مس الذكر] قال أشهب: من صلى خلف من لا يرى الوضوء من القبلة أعاد أبدًا، وإن صلى خلف من لا يرى الوضوء من مس الذكر لم يعد.
وقال سحنون: يعيدان جميعًا بحدثان ذلك.
قال بعض القرويين: والفرق بينهما عند أشهب أن الوضوء من الملامسة مقطوع بصحته من القرآن، والوضوء من مس الذكر إنما هو من أخبار

الآحاد، وقد ضاده حديث آخر فكان الوضوء منه استحبابًا.
فصل - 10 -: [في تقبيل أحد الزوجين لصاحبه] قال ابن القاسم: وإذا قبل الرجل امرأته على غير الفم، أو فعلت ذلك هي به فليتوضأ الفاعل، ولا وضوء على المفعول به ذلك، إلا أن يلتذ فليتوضأ أيضًا.
قال مالك في المجموعة: وأما إن قبلها على الفم مكرهة، أو طائعة فليتوضئا جميعاً، يريد؛ لأن الأغلب في ذلك الالتذاذ.
وقال عنه ابن نافع في من غلبته زوجته فقبلته - وهو كاره لا يجد لذة - فعليه الوضوء.
م يريد قبلته في فم أو غيره في هذا القول، وكذلك قال ابن حبيب عن أصبغ أن عليه الوضوء/، وإن أكره أو استغفل؛ لما جاء أن في القبلة الوضوء مجملاً بلا تفصيل.
ابن وهب: وقد قال ابن مسعود وعائشة رضي الله عنهم وابن المسيب

وغيرهم من قبلة الرجل امرأته الوضوء.
قال مالك في غير المدونة: ولا وضوء عليه في قبلته امرأته لوداع أو رحمة ونحوه، إلا أن يلتذ.
قال غيره: ومحمل ما روي ((أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبل نساءه، ولا يتوضأ، فمعناه ما كان لغير قصد اللذة.
قال مالك في العتبية: ولو مس شعرها للذة توضأ، وإن مسه لغير لذة فلا شيء عليه.

قال سحنون: وأما إن لبسته ثوبه أو نزعت خفه فلا وضوء عليهما وإن التذا، وقد يلتذان بالكلام.
قال ابن القاسم في المريض الذي لا يجد للنساء نشاطة فأراد أن يجرب نفسه فمس ذراع زوجته فلم يجد لذة فعليه الوضوء؛ لأنه قد وجد اللذة بقلبه حين قصد ذلك.
قال أبو محمد بن أبي زيد لابن بكير: قول صح في اللذة بالقلب الوضوء، وما علمت / من قاله غيره، وقد تقدم القول في الوضوء بسؤر النصراني والحائض والجنب مع ما يشبهه.

باب - 8 -: في من شك في وضوئه أو نكسه أو فرقه ناسيًا أو عامدًا

فصل - 1 -: [في الشك في الوضوء] وقد أمر الرسول صلى الله عليه وسلم الشاك في صلاته أن يبني على يقينه، فكذلك الوضوء.
قال مالك رحمه الله في من شك في بعض وضوئه فلم يتيقن أنه غسله، فليغسل ما شك فيه، ولو أيقن بالوضوء ثم شك في الحدث، فلم يدر أحدث بعد الوضوء أم لا، فليعد وضوءه بمنزلة من شك فلم يدر أثلاثًا صلى أم أربعًا؟ فليلغ الشك، إلا أن يكون مستنكحًا فلا يلزمه إعادة شيء من وضوء ولا صلاة.
قال ابن القصار: واختلف أصحابه في غير المستنكح، فقال بعضهم: هو مستحب، وقال بعضهم: هو واجب، وبهذا أخذ الأبهري رحمه الله، وبه أقول.

قال ابن حبيب: وإذا خيل إليه أن ريحًا خرج منه فلا يتوضأ، إلا أن يوقن به، وكذلك إن دخله / شك بالحس /. م وروى البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الرجل يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة فقال: ((لا ينفتل أو لا ينصرف حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا)).
قال ابن حبيب: وأما إن شك هل بال أو أحدث أم لا؟ فهذا يعيد الوضوء.
فصل - 2 -: [في تنكيس الوضوء].
ومن المدونة قال مالك: ومن نكس وضوءه فغسل رجليه قبل يديه، ثم وجهه، ثم صلى أجزأته صلاته، ويعيد الوضوء أحب إلي، وما أدري ما وجوبه.
م يريد وجوب الترتيب، أي: ما أدري ما وجه قول من يرى أنه واجب إنكارًا لذلك، وقد قال علي وابن مسعود: ما نبالي بدأنا بأيماننا أو بأيسارنا،

وفي حديث آخر ((ما نبالي بأي الأعضاء بدأنا)).
وقال علي عن مالك: في من نكس وضوءه أنه يعيد الوضوء والصلاة، ثم قال: يعيد الوضوء فقط.
م أراه يريد نكسه عامدًا في قوله: يعيد الوضوء والصلاة.
وقال بكر القاضي وغيره: إنما يجزئه في تنكيس الوضوء إذا كان ذلك سهوًا، وإن تعمد ذلك فهو عابث، لا يجزئه، وصلاته إن صلى باطلة.
وقال ابن حبيب: قال مطرف وابن الماجشون: من نكس وضوءه وصلى أجزأته صلاته، ولم يعد في وقت ولا غيره، إن فعل ذلك سهوًا، وغن تعمد أو جهل ابتدأ الوضوء لما يستقبل كان من مسنونه أو مفروضه، وإن كان

سهواً فلا يصلحه إلا في مفروضه يؤخر ما قدم فيصير مرتباً، ويغسل ما يليه كان بحضرة الماء أو بعد إن طال.
وقال ابن القاسم: هذا إذا لم يطل، وأما إن طال أخر ما قدم ولم يعد ما يليه، وقد تقدم إيعاب الحجة في الترتيب.
فصل-3 -: [في سقوط الموالاة بالنسيان] ومن المدونة قال مالك رحمه الله: ومن توضأ فنسي مسح رأسه، وغسل رجليه، حتى جف وضوءه، وطال ذلك بنى على وضوئه، وإن ترك ذلك عامداً ابتدأ الوضوء.
قال: ومن توضأ فترك لمعة من بعض مواضع الوضوء، أو اغتسل من جنابة، أو امرأة من حيض فتركوا لمعة من أجسادهم، ولم يصبها الماء حتى صلوا، ومضى الوقت، فإن تركوها عمداً أعاد الذي توضأ وضوءه، وأعاد الذي/ اغتسل غسله، وأعادوا الصلاة، وإن تركوا ذلك سهواً غسلوا ذلك الموضع فقط، وأعادوا الصلاة، فإن لم يغسلوا ذلك الموضع حين ذكروا استأنف الغسل والوضوء.

م يريد وإن لم يجد الماء حين ذكره، وطال طلبه له ابتدأ جميع طهارته، وهو كمن عجز ماؤه في ابتداء طهارته.
ابن وهب: وقد جاء رجل إلى ابن المسيب فقال: إني اغتسلت من الجنابة ونسيت أن أغسل رأسي، قال: فأمر رجلا من أهل المجلس أن يقوم معه إلى المطهرة فيصب على رأسه دلواً من ماء.
ابن وهب: وقال ربيعة: لا يكون غسلاً حتى يتبع بعضه بعضاً، فأما من فرقه متخيراً لذلك فليس بغسل.
وقاله مالك والليث.
قال مالك: وإن نسي المضمضة والاستنشاق من غسل أو وضوء، ومسح جميع أذنيه في الوضوء وداخلهما/ في الجنابة، وهو الصماخ حتى صلى أعاد لما يستقبل، ولم يعد الصلاة.

قال ابن وهب: وقال ابن شهاب وعطاء بن أبي رباح وعبيد الله بن عمر: لا تعاد الصلاة إلا مما ذكر الله تعالى في كتابه.
ومن غير المدونة قال مالك: ومن ترك بعض فرض الوضوء ناسياً فذكر بحضرة الماء أتم ما نسي، وأعاد ما يليه، ولو نسي المضمضة والاستنشاق فعل ذلك/ ولم يعد ما يليه، بخلاف المفروض.
وقال ابن حبيب: إن ذكر بحضرة الوضوء أعاد ما نسي، وما يليه كان مسنوناً أو مفروضاً، وإن فرق وضوءه فما كان من مسنونه وما يمسح من مفروضه قضى ما نسي فقط، وإن كان مما يغسل من مفروضه وطال أعاد الوضوء ويعيد الصلاة في المفروض كله ما يغسل وما يمسح، ولا يعيد في المسنون.
وقال ابن أبي سلمة في غير الواضحة: يبتدئ الوضوء إن طال ذلك كان

مما يغسل أو يمسح.
قال حبيب بن الربيع: وما ذكر ابن حبيب/ عن مالك في تفريقه بين المغسول والممسوح فهو غلط ممن نقله عن مالك.
م وقد تقدمت الحجة في إيجاب التوالي مع الذكر، وقول مالك فيما ذكرنا الآن هو أولى وهو القياس، وكأن ابن أبي سلمة رأى أن التوالي فرض يبطله النسيان، كالصلاة.
وذهب محمد بن عبد الحكم: إلى أن تبعيضه في العمد والسهو سواء، لا يبطله على ما روي عن ابن عمر في تأخير المسح على الخفين.
قال ابن القاسم: ولم يأخذ مالك بما روي عن ابن عمر في هذا.
قال مالك في المدونة: ومن توضأ بعض وضوئه، ثم عجز ماؤه فقام لطلبه فإن قرب بنى، وإن تباعد وجف وضوءه ابتدأ الوضوء.
وإن ذكر في

صلاته أنه نسي مسح رأسه قطع ولم يجزئه مسحه بما في لحيته من بلل وليأتنف مسحه ويبتدئ الصلاة.
قال ابن القاسم: ولا يعيد غسل رجليه، إن كان وضوءه قد جف.
قال: وقال ابن الماجشون في الواضحة: إن قرب من الماء فلا يمسح به رأسه، وإن بعد فليمسح به رأسه، إن كان بللاً بيناً فيه فضل.
م فوجه قول مالك: أن ما بلل اللحية، كماء توضئ به مرة، فلا يمسح به رأسه، كما لا يتوضأ به.
ووجه قول ابن الماجشون: أنه وإن كان كماء توضئ به مرة، ما لم يصر مضافاً لوسخ في اللحية فلا بأس بالمسح به عند عدم الماء، ولئلا

جارٍ التحميل