الجامع لمسائل المدونةصفحات 275-314

كتاب السلم الثاني

صفحات 275-314

[قال] ابن المواز: وذلك أن كل واحد منهما يدعي على صاحبه وهذا قول مالك وأصحابه، وعليه مان مضى من علماء أهل المدينة.
م فإن قيل من أين قالوا يتحالفان ويتفاسخان وإنما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- في الحديث «استحلف البائعٍ» وفي آخره «القول قوله أو يترادان».
قيل لولا ما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- أو يترادان لزم المبتاع الثمن الذي حلف عليه البائع.
فلما قال ذلك دلت الأصول أن يمين البائع أوجبت على المبتاع ثمناً، فلا يكون له رد السلعة إلا بيمينه كاللعان أن يمين الزوج أوجبت على الزوجة حداً إلا أن يسقطه ما وجب عليها بيمينها.
وقد روي في حدي آخر «يتحالفان ويتفاسخان».
قال ابن القاسم: إلا أن يرضى المبتاع قبل الفسخ بالحكم أخذها بما قال البائع، فذلك له.
وقال سحنون: بل بتمام التحالف ينفسخ البيع كاللعان وقال ابن عبد الحكم: إذا تحالفا ثم أراد البائع أن يرزمها المشتري بما ادعى المشتري فذلك له.
م: وهذا على قول ابن القاسم.

قال أبو إسحاق: وكأن ابن القاسم أراد أن المشتري إنما حلف ليحقق صدقه فيما ادعى، ثم يقول بعد ذلك أنا أرضى أن آخذها بما قال البائع، وإذا فسخ البيع بعد إيمانهما، جاز للبائع أن يطأها إن كانت جارية مع أنه يقر إنها ملك للمشتري وأنه ظلمه في امتناعه من دفع ما ادعى عليه من الثمن؛ لأن الحديث قد أوجب رد البيع، ورد البيع يقتضي انتقاضه وبقاء السلعة ملكاً للبائع.
قال سحنون: قال شريح: إن حلفا يترادا وإن نكلا ترادا وإن حلف أحدهما ونكل الآخر ترك البيع على قول الحالف، وقاله ابن القاسم في كتاب محمد.
وقال ابن حبيب: إذا حلفا فسخ البيع وإن نكلا كان القول قول البائع وذكره عن مالك.
م فوجه قوله إذا نكلا ترادا، فلأنهما قد استويا في الحال، كما لو حلفا؛ لأنه ليس أحدهما أرجح من الآخر.

ووجه قول ابن حبيب أن القول قول البائع إذا نكلا، فلأن البائع أقوى سبباً؛ لأنه المبدأ باليمين والأصل في كل من كان القول قوله فنكل عن اليمين أن يحلف الآخر ويكون الأمر على ما ادعى، فإن نكل كل القول على ما ادعاه الأول.
م وهذا على رواية ابن القاسم في قيامها فأما على رواية ابن وهب الذي يرى القبض كالفوت فإذا قبضت فالقول قول المشتري ويحلف وحده ويأخذها بما ادعى، فإن نكل حلف البائع ولزم المبتاع الثمن الذي ادعاه البائع، فإن كل بقيت بيد المشتري.
ورأيت لعبد الوهاب أنهما إذا نكلا يدخله الاختلاف: قول أنهما يترادان، وقول أن القول قول المشتري لأنه المبدأ باليمين.
م: وقله يترادان غلط.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وكذلك إن قبضها المبتاع ولم تفت فإنهما يتحالفان ويتفاسخان، فأما إن قبضها وفاتت بيده بحوالة سوق أو نماء أو نقص أو بيع أو كتابة أو عتق أو هبة أو هلاك أو تقطيع في الثياب فالقول قول المبتاع مع يمينه فيما يشبه فإن أتى بما لا يشبه فالقول قول البائع فيما يشبه فإن أتى بما لا يشبه أيضاً كان له قيمتها.

وقال محمد بن أبي زمنين: إذا فاتت السلعة وأتيا بما لا يشبه وجب على المشتري قيمتها يوم اشتراها بعد أيمانهما، فإن نكل أحدهما وحلف الآخر فالقول قوله، أشبه أو لم يشبه، وكذلك روى أصبغ عن ابن القاسم عن مالك، وذكره ابن مزين.
قال ابن ابي زمنين: فإن نكلا جميعاً فينبغي على أصل قول ابن القاسم أن تكون على المشتري قيمة السلعة، وعلى [أصل] قول ابن حبيب أن يلزم البائع ما قاله المشتري.
قال ابن المواز: وإنما يراعى ما يشبه إذا فاتت السلعة بيد المبتاع، فأما إن كانت قائمة بيد المبتاع لم تفت فلا بد من التحالف والتفاسخ، وإن أتى أحدهما بما يشبه والآخر بما لا يشبه.
قال: وسواء كانت هذه السلعة حيواناً أو طعاماً يكال أو يوزن أو عرضاً وسواء نقد ثمنها أو لم ينقده، فإنهما يتحالفان ويتفاسخان إن لم تقبض، فإن قبضها المبتاع كان القول قوله.
يريد على قول مالك الأول.

م وقيل أنهما يتحالفان ويتفاسخان إذا أتيا جميعاً بما يشبه أو بما لا يشبه، وأما إذا أتى أحدهما بما يشبه والآخر بما لا يشبه فالقول قول من أتى بما يشبه، وقاله ابن الماجشون.
وقد تقدم لأشهب في كتاب محمد ما يؤيد هذا، قال: إذا اختلفا في السلم، فإن لم يعرف كذب واحد منهما -يريد ابتاعا بما يشبه- تحالفا وتفاسخا، اختلفا في الجنس أو في القلة والكثرة أو في الصفة والنوع واحد، وإن عرف كذب أحدهما صدق الآخر مع يمينه.
فهذا من قوله يدل أن كل موضع يتحالفان فيه ويتفاسخان يراعى فيه من أتى بما يشبه.
فصل [4 - اختلاف المتبايعين في الأجل] ومن المدونة: قال مالك: ومن أسلم في سلعة إلى أجل فادعى حلوله، وقال البائع لم يحل، فالقول قول البائع قيما يشبه -يريد مع يمينه-.
قال ابن القاسم: فإن لم يأت بما يشبه صدق المبتاع فيما يشبه، وقد قال مالك فيمن ابتاع سلعة وفاتت عنده وادعى أن الثمن إلى أجل كذا، وقال البائع إلى أجل دونه.
أن القول قول المبتاع، والبائع كمقر بأجل يدعي حلوله.
قال ابن القاسم: وهذا إذا أتى بما يشبه وإلا صدق البائع.

قال في كتاب تضمين الصناع: وإن لم تفت تحالفا وردت السلعة.
ولو قال البائع بعتها حالة، وقال المبتاع بل إلى شهر فإن لم تفت حلفا وردت، فإن فاتت فالقول قول البائع، والمبتاع مدع للأجل.
ومن رواية يحيى بن يحيى: وقال أيضاً إن فاتت بيد المبتاع باختلاف سوق أو غيره فالقول قوله.
وروى البن وهب فيها وفي الأولى أن المبتاع مصدق مع يمينه إن قبضها، وإن لم تفت اختلافهما في قلة الثمن وكثرته.
وقد قال مالك في كتاب الوكالات في قول البائع بعتها حالة وقال المبتاع إلى أجل وقد فاتت: إن ادعى المبتاع أجلاً يقرب لا يتهم فيه، صدق مع يمينه وإلا صدق البائع.
وكذلك قال في كتاب الرهن.
وقال فيه ابن القاسم لا يصدق المبتاع في الأجل ويؤخذ بما أقر به من المال حالاً إلا أن يقر بأكثر مما ادعاه البائع، فلا يكون للبائع إلا ما ادعى.

م والأصل في هذا وهو قول مالك أن القول قول الغارم في جميع هذه المسائل إذا أتى بما يشبه، فإنه أتى بما لا يشبه كان القول قول الآخر فيما يشبه إلا ما ذكرنا من اختلاف قول ابن القاسم في قول البائع بعتها حالة، والصواب قوله أن القول قول المشتري؛ لأنه جار على الأصل فاعرفه وابن عليه وبالله التوفيق.. فصل [5 - في اختلاف المتبايعين في دفع الثمن أو قبض المبيع] ومن المدونة: قال مالك: وإذا اختلفا في دفع الثمن في الربع والحيوان والرقيق والعروض وقد قبضه المبتاع وبان به، فالبائع مصدق مع يمينه إلا أن تقوم بينة إلا في مثل ما يبتاع الناس على النقد كالصرف، وما بيع في الأسواق من اللحم والفواكه والخضر والحنطة والزيت ونحوه -وقد انقلب به المبتاع- فالقول قوله أنه دفع الثمن مع يمينه واختلف فيه إن لم يفارقه.
قال ابن حبيب: أما الرقيق والدواب والربع والعقار فالبائع مصدق وإن تفرقا ما لم يطل، فإن مضى عام أو عامان فالقول قول المبتاع ويحلف، وليس يباع مثل هذا على التقاضي فأما البر وشبهة من التجارات مما يباع على التقاضي وعلى الآجال، فإن قام البائع على المبتاع ما لم يطل جداً فزعم أنه لم

يقبض الثمن حلف وصدق، وإن قام بعد طول مثل عشر سنين أو أقل منها مما لا يباع ذلك إلى مثله صدق المبتاع ويحلف، وقال ذلك مطرف وابن الماجشون عن مالك وقالا به.
وساوى ابن القاسم بين البر والربع وغيره ما عدا الزيت والحنطة ونحوه، وجعل القول قول البائع في ذلك كله وإن بعد عشرين سنة حتى يجاوز الوقت الذي يجوز البيع إليه.
وبالأول أقول.
وذكر ابن أبي زمنين فيما يباع على النقد مثل ما تقدم، ثم قال: وسواء عند ابن القاسم كان ذلك قليلاً أو كثيراً وأنكر ذلك يحيى بن عمر فيما كثر، وقال ذلك مثل السلع والقول فيه قول البائع.

م والأصل في ذلك كله أن يحمل على العرف في تلك السلعة فيقضى به.
ومن العتبية: قال ابن القاسم: وإذا طلب البائع الثمن فقال المشتري لم أقبض السلعة، وقال البائع قد قبضتها، فإن كان قد أشهد له بالثمن فليؤده ولا يصدق أنه لم يقبضها.
قال أصبغ: ويحلف له البائع إن كان بحرارة البيع والإشهاد، فأما أن يكف حتى يحل الأجل وشبهه فلا قول له ولا يمين له على البائع.
وقال ابن أبي ليلى على البائع البينة بدفع السلع، وخالفه سحنون وقال: إذا أشهد المبتاع على نفسه بالثمن، فلا يصدق أنه لم يقبض السلعة.
وقال محمد بن عبد الحكيم: إذا شهد شاهدان على رجل أن لفلان عليه مئة دينار من ثمن سلعة اشتراها منه لم أقبل ذلك، ولم ألزمه إياها حتى يقولا: إنه قبض السلعة، وكذلك لو قال: باعه سلعة بمئة دينار، لم يقبض بذلك عليه؛ لأنه ليس في شهادتهما ما يوجب أنه قبض السلعة.
قتل أبو إسحاق: والأشبه أنه إذا أشهد على نفسه بالثمن أن البائع مصدق في دفع السلعة إذ الغالب أن أحداً لا يشهد على نفسه بالثمن إلا وقد قبض العوض عنه.

ومن الواضحة: وإذا أشهد على البيع وقبض الثمن ثم قال البائع: أشهدت لك بقبضه ثقة مني بك، ولم توفني جميعه فاحلف، فقال المشتري: أوفيتكه ولا أحلف ولي بينه، فقال مالك وأصحابه: لا يمين عليه، وقال ابن حبيب: إلا أن يأتي بسبب يدل على ما ادعاه أو يتهم فيحلف.
وفي كتاب محمد: أنه يحلف، ولم يراع ذلك.
ومن المدونة قال: وإذا ادعى أحدهما في السلم أنه لم يضربا له أجلاً وأن رأس المال تأخر شهراً بشرط، وأكذبه الآخر، فالقول قول مدعي الحلال منهما مع يمينه؛ لأنه ادعى بيع الناس الجائز بينهم إلا أن تقوم بينة بخلاف ذلك.
وإن تناقضا السلم واختلفا في مبلغ رأس المال، فالقول قول الذي عليه السلم، لأنه غارم.

قال سحنون في كتاب ابنه: إذا سلم في طعام أو عرض ثم تقايلا واختلفا في رأس المال أن الإقالة منفسخة، ولا يتحالفان قال: وهو قول أصحابنا، قال: ومسألة المدونة تناقضا السلم، يريد بفساد.
قال أبو محمد: انظر مسألة ابن سحنون في البائع يقول بعتك بخمر ويقول المبتاع بل بدنانير، أنهما يتحالفان ويتفاسخان بخلاف أن يدعي أحدهما حلالاً والآخر حراماً.
م وحكي لنا عن بعض شيوخ أفريقية في دعوى أحدهما الحلال والآخر الحرام أنه قال: إن كان الفساد المدعى فيه فساداً في العقد كبيع يوم الجمعة أو بيع غرر، فالقول قول مدعي الصحة، وإن كان اختلافاً في الثمن أو فيما يؤدي إليه كالاختلاف في الأجل ونحوه؛ -لأنه يريع إلى الاختلاف في الثمن- فإنهما يتحالفان ويتفاسخان.
قال غيره: والذي يبدأها هاهنا مدعي الفساد باليمين، فإن حلف، نقضت البيع؛ لأني لو بدأت مدعي الحلال فحلف، لحلف مدعي الحرام

وفسخ البيع فصارت يمين مدعي الحلال لا تفيد شيئاً، وإن نكل مدعي الحرام أو لا حلف مدعي الحلال ويصح البيع.
م وهذا كله على قول من لا يراعي ما يشبه إذا كانت السلعة قائمة، وأما على قول من يراعي ما يشبه، فالقول قول مدعي الحلال، كان الاختلاف في الثمن أو في العقد؛ لأن مدعي الحلال ادعى ما يشبه من بيوع الناس الجارية بينهم وبالله التوفيق.
قال بعض أصحابنا: ونحا الشيخ أبو بكر بن عبد الرحمن إلى أنه إنما يكون القول قول مدعي الصحة إذا فاتت السلعة، وأما إذا كانت قائمة فيتحالفان ويتفاسخان.
وذهب إليه بعض حذاق أصحابه.
وذكر أن مسألة الكتاب إذا قال أحدهما شرطنا تأخير رأس مال السلم، وقال الآخر بل شرطنا النقد، إنما ذلك إذا حل الأجل، وأما إذا كان بقرب عقد السلم فإنهما يتحالفان ويتفاسخان.
قال: وقال بعض شيوخنا من القرويين: إذا ادعى أحدهما صحة والآخر فساداً أن القول قول مدعي الصحة فاتت السلعة أو لم تفت.
م وهذا على ما قلانه في مراعاة ما يشبه أم لا.
وفي كتاب محمد: إذا اختلفا في ذلك في اليمن أنهما يتحالفان ويتفاسخان.
وقاله بعض شيوخنا ولا يقال هاهنا القول قول مدعي الصحة؛ لأن اختلافهما في الثمن يوجب التحالف، فكيف إذا ادعى أحدهما مع ذلك فساداً، قال: وترتيب

تحالفهما في قيام السلعة أن يحلف مدعي الصحة، فإذا حلف قيل لمدعي الفساد، إن نكلت لزمك ما قال وإن حلفت فسخ البيع وإن نكل مدعي الصحة فلا معنى ليمين مدعي الفساد؛ لأنه سواء حلف أو نكل، البيع يفسخ.
ومن المدونة: ومن قال لرجل أسلمت إليك هذا الثوب في مئة إردب حنطة، وقال الآخر بل هذين الثوبين سواء في مئة إردب حنطة، وأقاما جميعاً البينة على ذلك، لزمه أخذ الثلاثة الأثواب في مئتي إردب حنطة لأنهما صفقتان.
م يريد وسواء كانا في مجلس أو مجلسين؛ لأن ل بينة أثبتت حكماً غير ما أثبتت صاحبتها ولا وق لمن نفى ما أثبت غيره، وفي كتاب ابن حبيب اختلاف في هذا الأصل ولو لم يقيما بينة لتحالفا وتفاسخا.
قال ابن القاسم ولو قال المسلم إليه: أسلمت إليّ الثوب الذي ذكرت مع هذا العبد فيما سميت، وأقاما البينة، فهذا سلم واحد إلا أني أقضي بالبينة الزائدة، فيأخذ الثوب والعبد وتلزمه المئة إردب كشاهد له على خمسين وآخر على مئة، فإن شاء حلف وأخذ المئة، يريد أو أخذ الخمسين بغير يمين ورد اليمين في الخمسين الباقية على المشهود عليه، فإن حلف برئ، وإن نكل غرمها.

م وقد اختلف القول في المدونة في مثل هذا النوع هل هو تهاتر أو يقضي بالزيادة، والصواب أن يقضي بالزيادة.
ومن المدونة: ولو قال أسلمت إليّ الثوب مع العبد في مئة إردب شعير، وكذلك قالت بينته.
قُضي بأعدل البينتين، فإن تكافأتا كانا كمن لا بينة لهما، فيتحالفان ويتفاسخان لاختلافهما في الجنس.
قال: وإن ادعى الذي له السلم أنه اشترط الوفاء بالفسطاط، وقال الآخر: بل بالإسكندرية، فالقول قول من ادعى موضع التبايع مع يمينه، فإن لم يدعياه فالقول قول البائع لأن المواضع كالآجال.
وإن تباعدت المواضع حتى لا يشبه قول واحد منهما تحالفا وتفاسخا وترادا.
وقال سحنون: القول قول البائع، وإن ادعى على المبتاع القضاء بحيث دفع الثمن.
م لأنه غارم.

[الباب الخامس]

في الوكالة في السلم والبيع والتعدي فيه

[الفصل 1 - في السلم والبيع والشراء عن الغير بإذنه وبغير إذنه] وقد قامت السنة بإجازة الوكالة، وأن من تعد على مال غيره فقد ضمنه، قال مالك: ومن أخذ لرجل سلماً بأمره لزمه.
قال: وإن شرط عليك المبتاع، أنه إن لم يرض الرجل فالسلم عليك، جاز.
قال: وكذلك إن

ابتعت لرجل سلعة بأمره من رجل يعرفه، فاشترط عليك البائع أن الرجل إن أقر له بالثمن وإلا فهو عليك نقداً أو إلى أجل فلا بأس بذلك.
وقال سحنون: لا يجوز ذلك، وقاله أشهب.
م وهو القياس؛ لأن البائع في حين البيع لم تتقرر له ذمة يطلبها.
ووجه قول مالك: كأنه حمل الوكيل على الصدق، وأن ذمة الآخر هي المبتوعة إلا أن يطرأ منه إنكار فيتبع الوكيل، فكأن الوكيل تكفل له بذلك إن أنكر الآمر، فهو كقول الرجل: بع من فلان سلعتك وأنا به كفيل، فالثمن متقرر في ذمة المبتاع إلا أن يطرأ عدم أو غيبة فتبع الكفيل، فطريان إنكار الآمر كطريان عدم المبتاع.
قال بعض القرويين: إنما ينبغي أن يجوز هذا إذا استوت الذمتان، وأما أن اختلفتا لم يجز.
قال: ووقع له في كتاب الاستحقاق في الذي أكرى داراً سنة ثم استحقها رجل بعد ستة أشهر، فأراد أن يجيز الكراء ويأخذ كراء بقية الشهور وقد كان نقد الكراء، أنه إن كان ثقة أو أتى بحميل فذلك له.
وقال في

المغصوب منه إذا جاز البيع في سلعته فلا خيار للمشتري في ذلك، فيحتمل أن تكون ذمة المستحق مثل ذمة البائع أو خيراً منها، فلذلك لم يجعل له خياراً.
وفي كتاب محمد: إذا باع من رجل سلعة ثم أقر بعد البيع أنها لغيره، فإن ثبت ذلك، فالمشتري بالخيار إن شاء أخذ على أن تكون عهدتها على صاحبها وإن شاء رد، إلا أن يكتب له هذه العهدة على صاحبها، قال: وهذه بخلاف من أراد شراء سلعة من رجل فقال له: إني حلفت أن لا أبيعها من فلان، فقال له: إنما أبتاعها لنفسي ثم ثبت أنه ابتاعها لفلان فقد حنثه في اليمين ولم يجعل له خياراً في نقض البيع.
والفرق بين ذلك أن هذا إنما باع بدراهم، والدراهم لا تستحق في أغلب العادة؛ فكأنه بخلاف السلع فافترقا.
م وقول ابن القاسم في مسألة الكتاب فيه ضعف وما قدمت له من التوجيه أبين في ذلك والله أعلم.

[فصل 2 - فيمن وكل من يشتري له جارية أو ثوباً أو نحوهما ولم يصف ذلك] ومن المدونة قال مالك: ومن أمر رجلاً يشتري له جارية أو ثوباً ولم يصف له ذلك، فإن اشترى له ما يصلح أن يكون من ثياب الآمر أو خدمة جاز ولزم الآمر، وإن ابتاع له ما لا يشبه أن يكون من خدمة ولا من ثيابه، فذلك لازم للمأمور ولا يلزم الآمر إلا أن يشاء، قال: ومن أبضع مع رجل أربعين ديناراً في شراء جارية ووصفها له فاشتراها له بأقل من الثمن أو بنصفه أو بزيادة دينار أو دينارين أو ما يشبه أن يزاد على الثمن لزمت الآمر إن كانت على الصفة وكانت مصيبتها منه إن ماتت قبل أن يقبضها، ويغرم الزيادة للمأمور في الوجهين؛ لأنها جاريته لا خيار له فيها.

قال أبو إسحاق: وإذا قال إني زدت الدينار والدينارين في السلعة التي أشتري على الأربعين ولم يعلم ذلك إلا من قوله، لحلف وكان له الرجوع بذلك على الآمر؛ لأنه كالمأذون له في ذلك، فأشبه ما لو قال له: اشتر لي سلعة من عندك وأسلفني ثمنها، فقال: اشتريتها وضاعت، يحلف وكان له الرجوع بذلك على الآمر وإن لم يظهر شراؤه.
وهذا أبين لظهور الشراء، إلا أن فيه إشكالاً؛ لأن الشراء هاهنا قد يكون بأربعين خاصة، فليس ظهور الشراء يحقق أنه أسلف، وأما ظهور الشراء فيما قال له أسلفني واشتر لي فيسقط عنه اليمين، ويرجع عليه بالثمن إلا أن يكون من أهل التهم فيحلف على الضياع الذي ادعاه.
قال: وإن كانت زيادة كثيرة لا يزاد مثلها على الثمن، خير الآمر في دفع تلك الزيادة وأخذ الجارية، فإن أبى لزمت المأمور وغرم للآخر ما أبضع معه، وإن هلكت قبل أن يختار الآمر فمصيبتها من الأمور، ويغرم للآمر ماله، وتمام هذا في كتاب الوكالات.
قال بعض القرويين: هذه المسألة على أربعة أوجه: أما أن يسمى له الثمن والصفة أو لا يسميها، أو يسمي له أحدهما، فأما إن لم يسم له ثمناً ولا صفة فما اشترى له مما يشبه من ثيابه أو خدمة لزمه، وإن سماها فاشترى بالثمن أو فوقه بيسير أو دونه بقليل أو كثير فإنه يلزمه، وإن وصف له ولم يسم الثمن فلا يبالي بما اشترى له من الثمن، وإن سمى الثمن خاصة ولم يصف فلا يبالي بما اشترى له كان مما يشبه

أو لا يشبه؛ لأنه قد أبان له قدر ذلك.
قال بعض أصحابنا: ينبغي أن لا يلزمه إلا إذا اشترى له ما يشبه، وإن سمى الثمن خاصة.
فصل [3 - فيمن وكل رجلاً ليسلم لك في طعام فأسلم إلى نفسه أو إلى من يتهم بالمحاباة معه] قال ابن القاسم: وإن دفعت إلى رجل مالاً وأمرته أن يسلمه لك في طعام، فأسلمه إلى نفسه، أو إلى ولده، أو ولد ولده، أو شريك له مفاوض، أو شركة عنان أو إلى زوجته أو أحد أبويه أو جده أو جدته أو مكاتبه أو مدبره أو أم ولده -يريد المأذون لهم في التجارة- أو عبده المأذون له في التجارة أو عبد ولده الصغار أو عبد أحد ممن ذكرنا أو إلى ذمي، فذلك كله جائز إن صح بغير محاباة ما خلا نفسه أو من يلي عليه من ولد أو يتيم أو سفيه وشبهه أو شريكه المفاوض، إذ كأنه أسلمه إلى نفسه.

قال سحنون: إلا أن يكون في غير المال الذي فاوضه فيه، قال: ويجوز إلى ابنه الصغير أو يتيمه، لأن العهدة في أموالهما.
قال يحيى بن عمر: ولا يجوز عندي إلى عبده أو مدبره وأم ولده أو من هو في ولايته من الأحرار.
م قال بعض شيوخنا: وإنما لم يجز أن يسلم ذلك إلى نفسه أو من يلي عليه وإن أحضر الثمن في وقت العقد؛ لأن العرف في هذا يقتضي أن من أمر أن يسلم في شيء أو يشتري ويبيع شيئاً إنما يقتضي أن يفعل ذلك مع غيره لا مع نفسه، وإذا فعل ذلك صار كالمتعدي الذي لم يؤذن له فيه.
وصار الثمن ديناً عليه في ذمته فرضاه بذلك فسخ دين في دين.
قال أبو إسحاق: لو لم يفطن لذلك حتى حل الأجل لجازم له أن يجيز ذلك ويأخذ الطعام إن شاء أو يأخذ رأس المال.

[فصل 4 - في توكيل النصراني واستئجاره وهل لسيده المسلم منعه من المحرمات] قال مالك: ولا يجوز لمسلم أن يستأجر نصرانياً إلا للخدمة فأما البيع أو شراء أو تقاض أو ليبضع معه فلا يجوز، فعلمهم بالربا واستحلالهم له.
قال بعض شيوخنا من القرويين: ولأنه في وكالته على الاقتضاء يتسلط على المسلمين.
قال: ولا يمنع المسلم عبده النصراني أن يأتي إلى الكنيسة ولا من شرب الخمر أو أكل الخنزير أو يبيعها أو يشتريها؛ لأن ذلك من دينهم.
قال بعض أصحابنا: يريد وذلك في الشيء اليسير الذي يبتاعه لقوته وإلا فهو يمنعه فيما يحل له تملكه من بيعه وشرائه، فكيف بالخمر والخنزير.
قال ابن القاسم: ولا يشارك المسلم ذمياً إلا أن يغيب على بيع أو شراء بحضرة المسلم، قال: ولا بأس أن يساقيه إذا كان الذمي لا يعصر خمراً، قال: ولا أحب لمسلم أن يدفع لذمي قراضاً لعمله بالربا ولا يأخذ منه قراضاً لئلا يذل نفسه -يريد وإن وقع لم يفسخ-.

قال: ومن وكل عبداً مأذوناً له في التجارة أو محجوراً عليه يسلم له في طعام، ففعل فذلك جائز.
فصل [5 - في الوكيل يوكل غيره] قال مالك: ومن وكل رجلاً يسلم له في طعام ففعل فوكل الوكيل غيره لم يجز.
يريد: لا يجوز للآمر أن يرضى بفعله، إذ بتعديه صار الثمن ديناً في ذمته ففسخه فيما لا يتعجله، فذلك فسخ الدين في الدين وقد نُهي عنه إلا أن يكون أجل السلم قد حل وقبض ما أسلم له فيه فلا بأس أن يأخذه منه؛ لأنه سلم من الدين في الدين ومن بيع الطعام قبل قبضه.
وقال سحنون: لا يجوز للآمر أن يرضى بفعل المأمور إلا أن يكون مثله لا يتولى السلم بنفسه، فيجوز للآمر أن يرضى بفعل المأمور.
م يريد لأنه فعل ما يجوز له فلم يتخلد في ذمته دين فيكون رضاه بفعله، ففسخ الدين في الدين.

قال بعض أصحابنا: ويعلم الآمر بذلك، وأما إن لم يعلم فيضمن هذا إلا أن يوكل الرجل الشريف الحال الذي يعلم الناس أنه يوكل غيره ولا يمكن أن يباشر ذلك بنفسه، فلا يصدق الآمر أنه ما علم بذلك؛ لأنه ادعى ما لا يخفى علمه عليه ولا عليه غيره في أغلب العادة، والله أعلم.
قال أبو إسحاق: انظر لو لم يعلم ذلك رب المال بأن مثله لا يلي هذه الأمور، لجهله بحاله، وكان الوكيل مشهوراً فإنه لا يتولى مثل هذا، فيقول الوكيل: ليس جهل من وكلني -مع اشتهار حالي- بالذي يوجب عليّ لا يضمن ولا يصدق الدافع أن ذلك خفي عليه من أمره، وأما غير المشهور فرضاه بالوكالة يدل على أنه هو المتولي حتى يعلم رب المال أنه لا يتولى.
وذكر ابن حبيب أن ابن القاسم روى عن مالك أنه إذا وكل الوكيل الأول غيره أن للآمر أن يجيز ذلك ويكون الطعام له أو يأخذ رأس ماله

من الوكيل الأول، قال: وأنكر ذلك أصبغ ومن لقيت من أصحاب مالك، وقالوا: إن أسلف المأمور الآخر إلى أهل الثقة، وتوثق وصنع ما ينبغي له، لزم ذلك الآمر ولا خيار له، وإن لم يكن على ذلك غرم الوكيل الأول الثمن للآمر، وبقي له الطعام ولم يكن للآمر الخيار في أخذه.
وبه أقول.
[فصل 6 - في الوكيل يُدفع له مال لسلم أو لشراء فيخالف ما أمر به] ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإن دفعت إليه دراهم ليسلمها في ثوب هروب فأسلمها في بساط شعر، أو ليشتري لك بها ثوباً فأسلمها في طعام أو في غير ما أمرته به أو زاد الثمن ما لا يزاد على مثله، فليس لك أن تجيز فعله وتطالب ما أسلم فيه من عرض أو طعام وتدفع إليه ما زاد، لأن الدراهم لما تعدى عليها المأمور وجبت عليه ديناً ففسخها فيما لا يتعجله وذلك دين بدين، ويدخل في أخذك للطعام الذي أسلم فيه مع ما ذكرنا بيعه قبل قبضه، لا شك فيه؛ لأن الطعام قد وجب للمأمور بتعديه، وليس له بيعه حتى يقبضه، وسلم المأمور لازم له، ليس له ولا لك فسخه، ولا شيء لك أنت على البائع وإنما لك أنت على المأمور ما دفعت إليه من الثمن.

م يريد إلا أن يكون في البساط إن بيع بنقد فضل، فله بيعه وأخذ جميع الفضل؛ لأن كل مأذون له في حركة المال لا يجوز له أن يستبد بشيء من الفضل، والآمر مقدم عليه، هذا أصلهم وقاله غير واحد من أصحابنا.
وقال أشهب في غير المدونة في الدنانير يأمره فيها بشراء شيء فيسلم ذلك في عرض أو حيوان أو غيره، فإنه يؤخذ منه الدنانير الآن ويستأنى بالدين، فإذا قُبض بِيعَ، فإن كان فيه فضل أخذه وإن كان نقص فعلى المأمور، واستحسن ذلك يحيى بن عمر.
[فصل 7 - في الوكيل يؤمر بسلم أو بشراء ولم يدفع له مال فيخالف ما أمر به] ومن المدونة: قال ابن القاسم: ولو لم تدفع إليه ثمناً وأمرته أن يسلم لك من عنده في قمح أو جارية أو ثوب، فأسلم في غير ما أمرته به من طعام أو عرض أو فيما لا يشتري لمثلك من جارية أو ثوب، فلك أن تترك ذلك ولا يلزمك من الثمن بشيء، أو ترضى به وتدفع إليه الثمن؛ لأنه لم يجب لك عليه دين ففسخته، وكأنه ولاك ذلك ولا يجوز هاهنا أن يؤخرك بالثمن يوماً أو ساعة، وإن تراضيتما بذلك، لأنه لا يلزمك ما أسلم فيه إلا برضاك فكأنه يبيع مؤتنف لدين له وتولية، فتأخير الثمن فيه دين بدين.

م قال بعض أصحابنا: لم يذكر هاهنا حضور الذي عليه الطعام، والطعام لا تجوز فيه التولية إلا أن يكون الذي عليه الطعام حاضراً مقراً، فتحمل هذه المسألة على الأصل ويكون معناها والذي عليه الطعام حاضراً مقراً.
[فصل 8 - فيمن وكل يبيع سلعة بنقد فباعها نسيئة] قال مالك: وإن أمرته ببيع سلعة فأسلمها في عرض مؤجل أو باعها بدنانير مؤجلة لم يجز بيعه، فإن أدرك البيع فسخ، وإن لم يدرك بيع العرض بعين نقداً أو بيعت الدنانير بعرض نقداً ثم بيع العرض بعين نقداً، فإذا كان ذلك مثل القيمة أو التسمية إن سميت فأكثر كان ذلك لك، وما نقص من ذلك ضمنه المأمور.
ولو أسلمها في طعام أغرمته الآن التسمية أو القيمة إن لم تسم له ثمناً، ثم استئوني بالطعام، فإذا حل أجله استوفى ثم بيع، فكانت الزيادة لك والنقص عليه.
م قال بعض أصحابنا: وإنما يكون على المأمور أن يبيع من الطعام بمقدار القيمة أو التسمية التي لزمته، والزائد ليس عليه بيعه إلا أن يشاء؛ لأن باقي الطعام للآمر فاعلمه.

ومن كتاب أبي إسحاق التونسي رحمه الله: ولو أمره أن يبيع بعشرة أقفزة إلى أجل فباعها بعشرة نقداً فلا كلام لربها؛ لأن الدراهم لو عجلت له لم يكن له كلام، ولو أمره ببيعها بعشرة أقفزة نقداً لكان له فسخ البيع إن كانت قائمة أغو إغرامه القيمة إن كانت فائتة إذ لا يقدر من عليه الطعام أن يعجله فيقول إنما أردت أن يكون لي طعام في ذمته ولم أرد أن يكون نقداً.
ومن العتبية: قال عيسى عن ابن القاسم: وإن أمره أن يبيعها بعشرة نقداً فباعها بخمسة أن عليه تمام العشرة لإتمام القيمة، وإن باعها بخمسة عشر إلى أجل قال: يباع الدين بعرض نقداً، فذكر مثل ما في المدونة.
قال: ولو قال المأمور للآمر: أنا أعطيك عشرة نقداً وأقبضها من الخمسة عشر إذا حلت وتقبض أنت خمسة، فإن كانت الخمسة عشر لو بيعت بيعت بعشرة فأقل جاز ذلك إذا عجل العشرة.

م لأن الذي يصح للآمر لو بيعت الخمسة عشر حينئذ عشرة نقداً، فإذا دفعها المأمور إليه وزاده خمسة مؤجلة فقد أحسن ولا نفع له في ذلك، ولأن للمأمور شراءها إذا بيعت كالأجنبي، فلا يغرم إلا عشرة، فإذا دفع إليه العشرة الآن والخمسة الزائدة عند الأجل فقد أحسن.
قال ابن القاسم: وإن كانت الخمسة عشر تساوي أحد عشر أو اثني عشر لم يجز؛ لأنه كأنه فسخ دينارين في خمسة إلى أجل.
م يريد لأنه وجبت له الآن الإثنا عشر ثمن الخمسة عشر، فقبض منها عشرة وفسخ الاثنين في الخمسة التي يقبضها عند الأجل.
قال عيسى: وقال أشهب: لا يجوز ذلك إن سويت الخمسة عشرة أقل من عشرة؛ لأنه سلف جر منفعة.
م يريد وإن سويت عشرة سواء جاز، لأنه إذا سويت أقل من عشرة غرم المأمور تمام العشرة، فكأنه قال له: لا تبعها فتغرمني تمام العشرة وأنا أسلفك الآن عشرة وأقبضها من الخمسة عشر إذا حلت، ويكون لك الخمسة الباقية.
قال ابن المواز: قال مالك: ولو رضي الآمر أن يجيز فعله ويأخذ الخمسة عشر المؤجلة كلها لم يجز؛ لأن المأمور قد ضمن العشرة التي سمي له فدفع فيها

الخمسة عشر المؤجلة قيل: فإن رضي الآمر أن يأخذ من المأمور العشرة التي أمره بها نقداً ويسلم إليه الخمسة عشر قال: لا يجوز أيضاً لأنه باع الخمسة عشر ثمن سلعته التي هو أملك بها العشرة النقد التي قبض منه.
قال ابن المواز في كتاب آخر: وإن لم يسم له ثمناً فباعها بثمن مؤجل فري به الأمر، فإن كانت السلعة قائمة بيد المشتري لم تفت فرضاه جائز.
م يريد لأنه لما كان قادراً على ردها فكأنه هو اليوم باعها.
قال: وإن فاتت لم يجز.
م يريد وهذا إذا كانت قيمة السلعة أقل مما باعها به؛ لأنه قد وجبت له القيمة نقداً ففسخها في أكثر منها، وكذلك في العتبية من رواية يحيى بن يحيى عن ابن القاسم قال فيها: وإن كان باعها بمثل القيمة فأقل جاز أن يرضى به؛ لأنه مرفق منه بالمتعدي إذا فسخ ما وجب له عليه في مثله أو أقل.
قال: وإن باعها بأكثر من القيمة فرضي المعتدي أن تعجل له القيمة ويقبض ذلك لنفسه عند الأجل ويدفع ما زاد على القيمة إلى الآمر، أجبر الأمر على ذلك، ولم يكن من بيع الدين بالدين.
م وهذا خلاف ما تقدم في صدر المسألة من رواية عيسى عن ابن القاسم وأشهب في إذا سمى له ثمناً، لأنهما إنما راعوا فيه قيمة الخمسة عشر المؤجلة، هل ذلك أقل من التسمية أو أكثر؟ فعلى قياس هذا ينبغي أن ينظر كم قيمة الثمن

المؤجل الذي باعها به، هل هو أكثر من قيمة السلعة أو أقل؟ والمسألتان سواء، يدخلهما القولان فيما إذا سمى له ثمناً أو لم يسمه فاعرفه.
[فصل 9 - فيمن وكل ببيع سلعة بعين فباعها بغير ما أمر به] ومن المدونة قال مالك: وإن باعها المأمور بغير العين من عرض أو غيره وانتقد، فأحب إليّ أن يضمن المأمور إلا أن يجيز الآمر فعله ويأخذ ما باع به.
فإن باعها من نفسه ووجدها في يديه لم تفت أخذها، وإن فاتت بنماء أو نقصان أو اختلاف أسواق كان مخيراً بين أن يأخذ منه ما أمره أن يبيعها به وبين أن يأخذ قيمتها إذا كان أمره أن يبيعها بالعين، وإن كان أمره أن يبيع بالعرض لم يكن له عليه إلا القيمة ولم يجبر، وإن ابتاعها لنفسه بمثل العرض كان ربها بالخيار إن شاء أخذ العرض وإن شاء أخذ قيمة السلعة.
وروى يحيى بن يحيى عن ابن القاسم أنه لا يكون الفوت هاهنا حوالة الأسواق ولا الصبغ ولا الخياطة إنما الفوت هاهنا ذهاب السلعة.

[ومن العتبية] قال في كتاب محمد: الآمر مخير في أن يجيز ذلك أو تباع له السلعة المأخوذة، فإن كان فيها زيادة أخذها، وإن نقصت عن القيمة غرم المأمور تمامها، وذلك إذا كانت سلعة الآمر لم تتغير بسعر ولا بدن.
وقال غير ابن القاسم في كتاب الوكالات من المدونة: فإن باعها بطعام ولم تفت فليس له تضمينه وليأخذ سلعته أو يجيز البيع، وإن فاتت فله إن شاء القيمة أو ما بيعت به.
م وهذا أجود، وإنما يصح ما ذكر ابن المواز من تضمين المأمور وإن كانت السلعة قائمة إذا لم يعلم أنها للآمر إلا بقول المأمور، فلم يكن له سبيل إلى نقض صفقة المشتري وضمن المأمور لإقراره بالتعدي، وأما إن علم بالبينة أنها للآمر لم يكن له سبيل إلى تضمين المأمور، وليس له إلا أن يجيز فعله أو يرد، وعلى هذا التأويل يتفق ما في كتاب محمد وما في كتاب الوكالات، فاعلم.
[فصل 10 - فيمن وكل ببيع سلعة إلى أجل فباعها بنقد أو بغير ما أمر به] ومن كان السلم قال مالك: ولو أمرته أن يبيع لك سلعة إلى أجل فباعها فنقد فعليه الأكثر مما باعها به أو القيمة لما تعدى، قال ابن القاسم: وسواء سميت له ثمناً أم لا.
قال في العتبية: إذا أمره أن يبيعها بعشرة إلى شهر فباعها بسلعة إلى شهر، فإن السلعة المؤخرة تباع بعين ثم للآمر الأكثر من ذلك أو من قيمة سلعته ما لم

تكن قيمة سلعته أكثر من العشرة التي أمره أن يبيع بها، فلا يكون له إلا عشرة لأنه قد رضي أن يبيع بعشرة إلى أجل، فإذا أعطيها نقداً لم يظلم.
م وهذا خلاف قوله في المدونة.
قال في العتبية: وإنما تباع السلعة إذا قال: لي فيها فضل، وإن قال لا أريد الفضل وأريد القيمة، كان ذلك له إلا أن تكون أكثر من عشرة، وقد قيل لا يلتفت إلى عدد ما سمي له من الثمن وإنما إلى قيمة سلعته.
م يريد أو ثمن ما باعها به، وهذا مثل ما في المدونة، ووجه ذلك: أن الآمر يقول جهلت قيمة سلعتي فسميت له ثمناً لئلا ينقص منه، فإذ قد تعدى علي، في أن أطالبه بالتعدي وألزمه قيمة سلعتي، وقد تقدم وجه القول الآخر أنه رضي أن يبيع بعشرة إلى شهر، فإذا أعطيتها نقداً لم يظلم ولو أمره أن يبيعها بعشرة نقداً فباعها بذلك وقيمتها أكثر، فلا كلام للآمر في ذلك؛ لأنه فعل ما أُذن له فيه، وهي في كتاب البضائع لابن المواز، وإنما الاختلاف إذا أمره أن يبيعها بعشرة إلى أجل فباعها بعشرة نقداً وقيمتها أكثر، لأن هذا تعدى أمره.

[فصل 11 - فيمن وكل بشراء سلعة فاشتراها بغير العين] ومن المدونة: قال مالك: ولو أمره بشراء سلعة فاشتراها بغير العين فلك ترك ما اشترى أو الرضا به وتدفع إليه مثل ما ودى، ولو اشترى لك أو باع بفلوس فهي كالعروض إلا أن تكون سلعة خفيفة الثمن إنما تباع بالفلوس وما أشبه ذلك، فالفلوس فيها بمنزلة العين.
م لأنه إنما اشتراها بالعرف من ثمنها فلم يتعد.
م قال هاهنا: إذا أمرته أن يشتري لك بعين فاشتراها بغيره، فلك ترك ما اشترى أو الرضا به، وتدفع إليه مثل ما ودى، وقال بعد هذا: إذا صالح عنك الكفيل الغريم عن مئة دينار بشيء يرجع فيه إلى القيمة جاز، ورجع عليك الكفيل بالأقل من الدين أو قيمة ما صالح به.
م فيحتمل أن يكون ذلك منه اختلاف قول، ويحتمل أن يكون الفرق أن الآمر إنما أمره أن يسلفه دنانير ويشتري له بها سلعة كذا، فأسلفه هذا عرضاً

فاشترى له به ما أمره به فإن رضي بالسلعة دفع إليه ما ودى عنه أو أسلم إليه ما اشترى والكفيل لم يأمره أن يسلفه ويقضي عنه، وإنما هو تطوع، واشترى له ما عليه من الدين بسلعته ليأخذ هو ذلك الدين، فقد صار بائعاً لسلعته لا مسلفاً لها، فإذا أعطى قيمتها لم يظلم وإذا أعطاه الغريم ما عليه لم يظلمه ولو كان إنما سأله الغريم أن يقضي عنه الدين، فدفع فيه هو عرضاً لأشهب مسألة الآمر، ويكون الغريم على الكفيل مخيراً، إما دفع إليه مثل ما ودى عنه من العرض؛ لأنه أسلفه إياه أو أدى عنه ما عليه من الدين الذي أمره أن يقضيه عنه، ويدخله من الاختلاف الذي دخل إذا أدى عنه ما يقضى بمثله والله أعلم.
وقد قيل إن معنى قوله في مسألة الآمر إذا رضي ما اشترى له أن يدفع إليه مثل ما ودى يعني إن كان المدفوع مكيلاً أو موزوناً، وإن كان عرضاً دفع إليه قيمته كالحميل يصالح عن الغريم بعرض وكمن ابتاع شقصاً بعرض أن للشفيع أن يأخذه بقيمة العرض لا بمثله، وكل محتمل والله أعلم.

[فصل 12 - فيمن دفع له دنانير ليسلمها في طعام فلم يسلمها حتى صرفها دراهم] ومن المدونة: قال: وإذا دفعت إليه دنانير يسلمها لك في طعام أو غيره فلم يسلمها حتى صرفها بدراهم، فإن كان هو الشأن في تلك السلعة؛ لأنه يسلم الثلث دينار درهم ونصف ونحوه، أو كان ذلك نظراً لأن الدراهم فيما تسلم فيه أفضل، فذلك جائز، وإلا كان متعدياً وضمن الدنانير ولزمه الطعام، ولا يجوز أن تتراضيا على أن يكون الطعام لك إلا أن يكون قد قبضه الوكيل، فأنت مخير في أخذه أو أخذ دنانيرك منه.
[فصل 13 - فيمن وكل ببيع سلعة بعشرة وقال الآمر بل باثني عشر] قال مالك: وإذا باع الوكيل السلعة بعشرة، وقال بذلك أمرني ربها أو فوض فيها إلي، وقال الآمر: بل أمرتك باثني عشر، فإن لم تفت حلف الآمر من شاء وأخذها.
قال ابن المواز: فإن نكل فله عشرة بغير يمين، وقال ابن ميسر إذا نكر حلف المأمور ومضى البيع بعشرة.
م يريد فإن نكل غرم دينارين تمام الاثنى عشر التي قال الآمر.

ومن المدونة: قال مالك: وإن فاتت حلف المأمور وبرئ لأنه مدعى عليه الضمان.
م يريد فإن نكل حلف الآمر وغرم له المأمور دينارين فإن نكل فلا شيء له.
م وفواتها في هذا ذهاب عينها؛ لأن الآمر بيمينه يستحقها فلا يفيتها عتق ولا كتابة ولا هبة ولا صدقة كالاستحقاق.
[فصل 14 - في قبض ما أسلف فيه الوكيل بغير حضرته] قال مالك: ولك قبض ما أسلم لك فيه وكيلك بغير حضرته ويبرأ دافعه إليك إن كانت لك بينة أنه أسلمه لك، وإن لم تكن لك بينة أنه أسلمه لك فالمأمور أولى بقبضه منك.
م حكي عن الشيخ أبي الحسن بن القابسي أنه قال: ولو أقر الذي عليه الطعام بأن المأمور أقر عنده أن الطعام المسلم فيه لفلان الآمر ولا بينة له بذلك فلا يجبر المقر أن يدفع الطعام للمقر له ولا يكون شاهداً لأن في شهادته منفعة لنفسه؛ لأنه يجب أن يفرغ ذمته، قال: وقد رأى بعض أصحابنا أنه يؤمر بالدفع إلى المقر له، فإن جاء المأمور فصدقه برئ وإلا غرم له ثانية.

م قال بعض أصحابنا عن بعض شيوخه القرويين: إن الذي قال الشيخ أو الحسن نحوه في كتاب ابن سحنون عن أبيه قال: إن من عليه الحق لا يكون شاهداً.
م قال بعض أصحابنا: قال بعض شيوخنا القرويين: شهادته في هذا جائزة إذا كان عدلاً ويحلف المقر له معه ويستحق ولا تهمه له في ذلك، لأنه إذا كان الأجل قد حل لو شاء أن يدفع الطعام للسلطان لكان ذلك له، فلا يتهم لما كان له دفعه وزواله عن ذمته بخلاف شهادته في مال الغائب لبقاء ذلك في يديه فاعلم ذلك، والله أعلم.

[الباب السادس]

في الرهن في السلف والمقاصة فيه إن تلف

[الفصل 1 - إذا كان السلف في عرض وأخذ عليه رهناً فهلك] ودل الكتاب على إباحة الرهان بقوله تعالى ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: 283]. قال ابن القاسم: وإن أسلمت إلى رجل في عرض، وأخذت به رهناً، فهلك بيدك بل محل الأجل وهو مما لا يغاب عليه فضمانه من الراهن لقوله عليه السلام «الرهن من الراهن له غنمه وعليه غرمه»

فكل ما له غنم أي غلة فهو من الراهن وهذا في الغالب فيما لا يغال بعليه.
قال ابن القاسم: وإن كان مما يغاب عليه فهو منك إذا ادعيت هلاكه بغير بينة.
م: قياساً على العارية، قال الرسول -صلى الله عليه وسلم- «العارية مؤداة».
قال ابن القاسم: والسلم إلى أجله في الوجهين.
قال فإن أردت أن تقاص الراهن من سلمك بالذي صار له عليك من قيمة الرهن جاز ذلك ما لم يكن الرهن دنانيراً أو دراهم فلا خير فيه إلا أن يكون المال غير الذهب والورق.

جارٍ التحميل