[الباب الأول]
في قسمة التمر والحنطة والشعير والقطنية والزروع وبيع حنطة ودراهم بمثلها وما يجوز قسمه تحريا أم لا
[فصل 1 - حكم التفاضل في القسمة]
قال ابن القاسم: ولا يجوز في قسمة تمر الحائط على تفضيل أحد في الكيل
لرداءة حظه ولا التساوي في المقدار على أن تزيد في أخذ الجيد ثمنا لصاحبه
ولا يجوز بيع حنطة ودراهم بحنطة ودراهم مثلها.
ولو ورثا ثلاثين قفيز قمح وثلاثين درهما فاقتسما ذلك, فأخذ واحد الدراهم وعشرة
أقفيزة, وأخذ عشرين قفيزا, فإن كان القمح مختلفا سمراء ومحمولة أو نقيا
ومعلوثة, فلا خير فيه, وإن تساوا القمح والجودة والحسن, أو كان من صبرة
يتفق أعلاها وأسفلها فذلك جائز؛ لأن هذا لم يأت أحدهما بطعام وأتى الآخر بطعام
ودراهم فيكون فاسدا.
ولو اقتسما مائة قفيز قمح ومائة من شعير فأخذ هذا ستين قمحا وأربعين شعيرا, وأخذ الآخر ستين شعيرا وأربعين قمحا فذلك جائز.
وإن اقتسما حنطة وقطنية, فأخذ هذا الحنطة وهذا القطنية يدا بيد جاز, ولو كان هذا
القمح والقطنية زرعا قد بلغ وطاب للحصاد فلا خير فيه إلا أن يحصداه مكانهما.
قال ابن الحبيب: فإن وقع في حصاده تأخير, دخله بيع طعام بطعام غير يد بيد.
قال مالك: ولو كان الزرع كله صنفا واحدا, لم يجز أن يقتسماه زرعا حتى يحصداه
ويدرساه ويقتسماه كيلا.
وقد تقدم باب فيه من هذا المعنى.
[قال] محمد: وإذا كان بينهما صبرة قمح وصبرة شعير, والقمح أكثر بأمر بين, فأخذ
أحدهما القمح وأخذ الآخر الشعير لم يجز, وقاله ابن القاسم وأشهب في المجموعة.
[فصل 2 - حكم القسمة جزافا]
قال ابن القاسم في الكتابين: وإن ترك أحدهما نصيبه من صبة القمح واقتسما
صبرة الشعير جزافا, لم يجز ويجوز كيلا, وكأنه في الجزاف خاطره فيها بما ترك له من
القمح.
قال أشهب: وإن قال له: خذ الشعير ونصف أو ثلثي القمح جاز.
قال: والصبرة بينهما إن قال له: خذ ثلاثة أرباعها, أو خذ منها كذا وكذا واترك
باقيها, فإن كان مما لا يشك أنه أقل من حقه أو أكثر فجائز.
ومن كتاب ابن المواز: وكل ما يكال من طعام أو غيره فلا يقسم تحريا وبيعا, وإن كان لا يمكن فيه إلا الوزن, فيجوز قسمة تحريا وبيع بعضه ببعض تحريا, مثل اللحم والخبز
والحيتان.
قال عيسى عن ابن القاسم: وذلك في الشيء القليل.
وقال مثله ابن حبيب وذكر البيض في ذلك.
قال: والفرق بين ما لا يمكن فيه إلا الوزن وبين المكيل, أن الكيل لا يفقد ولو
بالأكف, وهذا فيما لا يجوز فيه التفاضل, وأما ما يجوز فيه التفاضل من الطعام والثمار,
أو من العروض مثل الحناء والقطن والمسك والزعفران والحديد والرصاص وغيره فلا باس
باقتسامه تحريا على التعديل أو التفضيل, ولا يجوز على الشك في تعديله.
وقال مطرف وابن الماجشون, وروياه عن مالك, وقاله أصبغ.
وبه أقول, وقاله أشهب في المجموعة في الحناء والمسك وغيره مما يجوز فيه التفاضل مما
يكال أو يوزن أنه يقسم بالتحري؛ لأن المتقى في ذلك في الطعام التفاضل.
وروى ابن المواز وابن عبدوس عن ابن القاسم: أنه لا يجوز قسم الحناء والكتم والتين
والمسك والكتان والنوى إلا كيلا فيما يكال أو وزنا فيما يوزن, إلا أن يقتسماه على
معرفة التفاضل البين فيجوز.
قال ابن عبدوس: وقول ابن القاسم أسعد بالأصل وهو أحب إلي.
[الباب الثاني]
في قسمة النقض وبيعه وكيف إن كان في عرصة معارة
[فصل 1 - في قسمة النقض وبيعه]
قال ابن القاسم: وإذا كان بين رجلين نقض دون القاعة جاز أن يقتسماه على
تراض, أو بالقيمة أو السهم, ويجبر من أباه منهما لمن أراده, فإن أراد هدم النقض
ورب العرصة غائب رفعا ذلك إلى الإمام, فإن رأى شراء ذلك للغائب بقيمة النقض
منقوصا فعل وإلا تركهم, ولزم الغائب ما فعل السلطان.
قيل: فمن أين يدفع الثمن عن الغائب؟ قال: هو أعلم بذلك.
وإن نقضا البناء دون الإمام فلا شيء عليهما ويقتسمان النقض.
[فصل 2 - في قسمة بناء بأرض معارة]
وإذا أذنت لرجل أن يبني في عرصتك ويسكن ولم توقت كم يسكن فذلك جائز, فإن
أردت إخراجه بعد ما بنى, فأما بقرب ذلك مما لا يشبه أن تعيره إلى مثل تلك المدة القريبة
فليس لك إخراجه إلا أن تعطيه من أنفق.
وقال في موضع آخر: قيمة ما أنفق وإلا تركته إلى مثل ما يرى الناس أنك أعرته
إلى مثله من الأمد, وإذا أردت إخراجه بعد ذلك الأمد فلك أن تعطيه قيمة البناء منقوضا
وإلا أمرته بقلعه, إلا أن يكون مما لا قيمة له ولا نفع فيه من جص ونحوه فلا شيء
للباني فيه.
وفي كتاب العارية تمام هذا.
وإذا بنى رجلان في عرصة رجل بإذنه فأقام بناها في العرصة قدر ما يعار إلى مثله,
فأراد ربها إخراج أحدهما, فإن قدر على قسمة البناء قسم وخير في المخرج, فأما
أعطاه قيمة نقضه, يريد: ملقى, أو أمره بقلعه, وإن لم ينقسم قيل للشريكين: لابد أن
يقلع هذا الذي قال له رب العرصة أقلع نقضك فاصطلحا, فإما أن تتقاويا أو تبيعا, فإن
باعا وبلغ ثمنا فللمقيم في العرصة أخذ ذلك بشفعته بما بلغ.
وفي كتاب الشفعة من هذا.
[الباب الثالث]
في قسمة الطريق والجدار والحمام والماجل] وأصل العيون والآبار وتفسير القسم بالقلد
[فصل 1 - في قسمة الطريق والجدار]
قال ابن القاسم: ولا يقسم الطريق إذا أبى ذلك أحدهم وكان في ذلك ضرر عند
مالك.
قال ابن القاسم: والجدار إذا كان بين شريكين فطلب أحدهما قسمته وأبى الآخر, فإن
لم يدخل في ذلك ضرر وكان ينقسم قسم بينهما, وإن كان فيه ضرر لم يقسم
قلت: فإن كان لكل واحد عليه جذوع؟
قال: إذا كانت جذوع هذا من ههنا, وجذوع من ههنا لم يستطع قسمته,
ولكن يتقاوياه بمنزلة ما لا ينقسم من العروض والحيوان.
[قال] ابن حبيب: وقال مطرف وابن الماجشون: ولا يقسم الجدار بين الشريكين إلا
عن تراض منهما كان في ذلك ضرر أو لم يكن.
[فصل 2 - في قسمة الحمام والماجل]
ومن المدونة قيل: فلم منع مالك من قسمة الطريق والحائط إذا كان في قسمته ضرر
عليها, وأجاز قسمة الحمام وفيه ضرر؟
قال: لأن الحمام عرصة, والطريق والحائط ليست لهما كبير عرصة فلا يقسما إلا بالتراضي, أو على غير ضرر.
وتأويل مالك قول الله تبارك وتعالى: ﴿مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا﴾ [النساء: 7] فرأى
أن يقسم الحمام والماجل والبيت والأرض القليلة والدكان الصغير في السوق إذا كان
أصل العرصة بينهم, وإن لم يقع لأحدهم ما ينتفع به.
قال مالك في المجموعة: وقد عمل ذلك بالمدينة حتى صار لبعضهم ما لا ينتفع به.
قال ابن القاسم: وأنا أرى أن كل ما لا ينقسم إلا بضرر ولا يكون فيما يقسم منه منتفع من دار أو أرض أو حمام فإنه لا يقسم, ويباع فيقسم ثمنه, لقوله
صلى الله عليه وسلم: «لا ضرر ولا ضرار», وكذلك الماجل إلا أن يصير لكل واحد
ماجل ينتفع به فيقسم.
قال ابن حبيب: قال مطرف عن مالك أنه تقسم الأرض وإن قلت ولم يقع
لأحدهم إلا مزود.
قال ابن حبيب: وقاله أبو حنيفة, وهذا شاذ, ولم يقل به من أصحاب مالك إلا ابن
كنانة, وباقي أصحابه المدنيين والمصريين على خلافه.
وقالوا معنى قول الله سبحانه: ﴿مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا﴾ [النساء: 7] يقدر له
حظه مما قل أو كثر, ثم يقسم على السنة وبقي الضرر, وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا ضرر ولا ضرار», فمن أعظم الضرر أن يقسم بينهم ما لا ينتفع به, ولكن يباع ويقسم ثمنه.
قال مطرف: وبهذا كان يقضي قضاة المدينة كلهم إلا هشام بن عبد اله المخزومي.
قال مطرف: والذي آخذ به إن كان بعضهم ينتفع بسهمه لسعته, ويضيق
على بعضهم لقلة سهمه فليقسم بينهم كما قال مالك, وإن كان لا ينتفع به واحد منهم
لقلة سهمه فيباع ويقسم الثمن.
وقال ابن الماجشون: سواء ضاق السهم عن جميعهم أو عن بعضهم, وإن كان أقلهم
حظا فإنه لا يقسم بينهم, وإن كان لأصغرهم حظا انتفاع في وجه من وجوه المنافع
وإن قل مما لا ضرر فيه فالقسم قائم.
فصل [3 - في قسمة العيون والآبار, وتفسير قسمة الماء بالقلد]
ومن المدونة قال ابن القاسم: ولا يقسم أصل العيون والآبار ولكن يقسم شربها
بالقلد, ولا يقسم مجرى الماء, وما علمت أن أحدا أجازه.
قال ابن حبيب: وتفسير قسمة الماء بالقلد إن تحاكموا فيه واجتمعوا على قسمته: أن
يأمر الإمام رجلين مأمونين عدلين أو يجتمع الورثة على الرضا بهما فيأخذان قدرا من
فخار أو شبهها فيتقبان في أسفلها بمنقب يمسكانه عندهما ثم يعلقانها ويجعلان تحتها
قصرية ويعدان الماء في جرار, ثم إذا انصدع صبا الماء في القدر فسال الماء من
الثقب, وكلما هم الماء أن يفرغ صبا حتى يكون سيل الماء من الثقب معتلا النهار
كله والليل كله إلى انصداع الفجر, ثم ينحيانها ويقتسمان ما اجتمع من الماء على
أقلهم سهما كيلا أو وزنا, ثم يجعلان لكل وارث قدرا يحمل سهمه من الماء ويثقبان
كل قدر منهما بالمنقب الذي ثقبا به القدر الأولى, فإذا أراد أحدهم أن يسقي علق
قدره بمائة وصرف الماء كله إلى أرضه فسقى ما سال الماء من قدره, ثم كذلك
بقيتهم, ثم إن تشحوا في التبدية أسهموا فيه.
م: قوله: ثم جعل لكل وارث قدر يحمل سهمه, فإنما يصح ذلك إذا تساوت
أنصباؤهم, وأما إذا اختلفت كان صاحب الكثير مغبونا؛ لأن القدر كلما كبرت ثقل فيها
الماء وقوي جريه من الثقب حتى يكون مثلي ما يجري من الصغيرة أو أكثر؛ لأن
أحدهم قد يكون له عشرة أسهم وللآخر سهم, فإذا أخذ هذا حقه من الماء فوضعه
في قدره خف جري الماء فأخذ أكثر من حظه.
والذي أرى: أن يقسم الماء بقدر أقلهم سهما فيأخذ صاحب السهم قدرا, ويأخذ
الآخر عشر قدور, وهذا بين, وبالله التوفيق.
الباب الرابع]
[في كيفية قسمة الصنفين بين الرجلين وقسم مالا ينقسم
[فصل 1 - في قسمة صنفين مختلفينٍ]
ومن المدونة قلت: فإذا كانت نخلة وزيتونة بين رجلين، هل يقتسمانهما؟
قال: إن اعتدلنا في القسم وتراضيا بذلك قسمتهما بينهما، فيأخذ هذا واحدة وهذا واحدة، وإن كرها لم يجيرا، وإن لم يعتدلا في القسمة تقاوياهما أو باعاهما، مثل ما لا ينقسم من شجرة أو ثوب أو عبد وغيره.
م: قوله: تراضيا، يريد: تراضيا أن يستهما عليهما، فلذلك شرط الإعتدال.
قال سحنون: ترك ابن القاسم قوله: لا يجمع صنفان مختلفان في القسم بالسهم.
قال ابن القاسم: وقد قال مالك في الثوب والعبد بين النفر: أنه لا يقسم، ومن دعا منهم إلى البيع جير عليه من أباه، فإذا قامت السلعة على ثمن، قيل لمن أبي البيع: إن شئت فخذ أو بع مع صاحبك.
والنخلة كذلك، فإن باع فلا شفعة لصاحبه فيها.
[فصل 2 - في قسمة ما ينقسم إذا أبى أحدهمٍ]
قال مالك: وإذا دعا أحد الأشراك إلى قسم ما يتقسم من ربع أو حيوان أو رقيق أو عروض أو غيرها، وشركتهم بمورث أو شراء أو غيره جبر على القسم من أباه، فإن لم
ينقسم ذلك فمن دعا إلى البيع جبر عليه من أباه، ثم للآبي أخذ الجميع بما يعطي، إلا أن يشاء صاحبه بيع حصته مشاعة فلا أخذ للآخر إلا بمشيئته إلا أن يقوم بعد البيع بالشفعة فيما فيه الشفعة.
وقال مالك في ثوب بين رجلين طلب أحدهما قسمته وأبى الآخر.
فقال: لا يقسم، ويقال لهما: تقاوياه بينكما أو بيعا، فإذا استقر على ثمن فإن للذي كره البيع أن يأخذ وإلا بيع.
قال ابن الماجشون في الواضحة: وإذا دعى أحد الأشراك إلى مقاواة ما لا ينقسم لم يلزم ذلك شركاءه إلا أن يرضوا بذلك، وإن طلب أحدهم البيع جبر عليه من أباه.
ونحوه عن ابن القاسم في المجموعة.
وقال غيره: إن قال بعضهم: تتزايد عليه، وقال بعضهم: يقومه بيننا أهل المعرفة العدل، فمن دعا إلى المزايدة فذلك له.
قال بعض شيوخنا: إذا طلب أحدهم المزايدة والآخر البيع نودي على السلعة، فإذا بلغت ثمنا كان للذي طلب المزايدة أن يأخذها بذلك إلا أن يزيد عليه الآخر فيتزايدو فيها حتى يسلم أحدهما لصاحبه بالزيادة، فتلزم من سلمت إليه.
[الباب الخامس] في الدار يكون داخلها لقوم وخارجها لقوم آخرين أراد أهل الخارج تحويل الباب أو تضييقه أو أراد الداخلون فتح أبواب إلى الخارجة لأنصبائهم وفتح الباب في الدار المشتركة والحكم في الأجنحة والأفنية والقسم بالتراضي قال النبي (صلى الله عليه وسلم): "
لا ضرر ولا ضرار.
[فصل 1 - حكم تغيير باب دار داخلها لقوم وخارجها لآخرين]
قال ابن القاسم: وإذا كانت دار داخلها لقوم وخارجها لقوم، وللداخلين الممر في الخارجة، فأراد أهل خارجها تحويل بابها إلى موضع قريب من مكانه لا ضرر على الداخلين فيه فذلك لهم، وإن لم يكن يقرب موضعهم فللداخلين منعهم في ذلك.
قال سحنون في المجموعة: ليس هذا أصلهم وليس لهم تغيير باب الدار إلا برضا اهل الداخلة؛ لأن حديث محمد بن مسلمة لم يأخذ به مالك.
[فصل 2 - حكم فتح باب آخر لأهل الخارجة]
ومن المدونة قال: ولو أراد أهل الخارجة أن يصنعوا باب الدار فلأهل الداخلة منعهم من ذلك، ولو قسم أهل الداخلة فأراد أهل كل نصيب فتح باب لنصيبه إلى الخارجة، فللخارجين منعهم ألا يدخلوا إلا من الباب الأول.
قال ابن حبيب: كان الحائط الذي أرادوا أن يفتحوا فيه الأبواب لهم أو لصاحب الخارجة.
[فصل 3 - حكم فتح باب في الدار المشتركة]
قال ابن القاسم: وإذا كانت دار بين رجلين لأحدهما دار تلاصقها، فأراد أن يفتح في المشتركة بابا يدخل منه إلى داره، فللشريك منعه لشركته معه في موضع الفتح.
قال محمد: ولو فتح في حائط دار نفسه ليدخل منه في دار الشركة، لم أر به باسا وكان ذلك له.
ومن المدونة قال ابن القاسم: فإن أرادوا القسمة فقال: اجعلوا نصيبي إلى جنب داري حتى أفتح فيها بابا، لم يقبل وقسمة الدار بالقسمة، فحيث وقع سهمه أخذه، فإن وقع بجنب دار فتح فيها بابه إن شاء كما وصفنا، وإن وقع نصيبه في الموضع الآخر لم يكن له غيره.
وإن اقتسما هذه الدار فاشترى أحد النصيبين رجل يلاصق داره، ففتح إلى النصيب من داره بابا، ويجعل يمر من داره إلى طريق النصيب هو ومن اكترى منه أو
يسكن معه، فذلك له إن أراد ارتفاقا، ولا يمنع إلا أن يجعل ذلك فيه، كسكة نافذة لممر الناس يدخلوان من باب داره ويخرجون كالزقاق، فليس له ذلك.
قال محمد: ذلك صواب ما لم يكن فتح من حائط الشركة، فلا يكون له ذلك إلا بإذن شريكه.
[فصل 4 - في قسمة الأفنية والأجنحة]
قال ابن القاسم: وإن اقتسما دارا على أن أخذ كل واحد طائفة، فإن من صارت الأجنحة في حظه فهي له ولا تعد من الفناء، وإن كانت في هذه الأفنية، أو هي تعد من الفناء ومن خزائن الدار لهم أجمعين المرتفق به.
[فصل 5 - حكم التفاضل في قسمة التراضيٍ]
قال ابن القاسم: ولا بأس بالتفاضل في قسمة التراضي، يأخذ هذا طائفة من الدار وهذا طائفة على أن يزيد أحدهما الآخر عرضا أو حيوانا بعينه نقدا أو موصوفا إلى أجل معلوم، أو عينا نقدا أو مؤجلا، ولا يجوز على دين موصوف إلا أن يضربا له أجلا يجوز من هذا ما يجوز في البيع ويفسد منه ما يفسد في البيع.
قال مالك: وإن اقتسما دارا بينهما فأخذ هذا طائفة وهذا طائفة على أن يتصدق أحدهما على صاحبه بصدقة معروفة أو هبة معروفة، فذلك جائز.
[الباب السادس]
في أرزاق القضاة والقسام وغيرهم
[فصل 1 - جواز أخذ القسام الرواتب على قسمتهم]
قال مالك: ولا بأس بأرزاق القضاة وكذلك العمال إذا عملوا على حق- وكل عامل للمسلمين على حق- وما بعث فيه الإمام من أمور الناس، فالرزق فيه من بيت المال.
وكره مالك لقسام القاضي أن يأخذوا على القسم أجرا.
قال في كتاب الجعل: ولم يكن خارجة بن زيد ومجاهد يأخذان لذلك أجرا.
قال: وإنما كره مالك ارتزاق القسام؛ لأنه إنما يفرض لهم من أموال اليتامى وسائر الناس، كما كره ارتزاق صاحب السوق من أموال الناس، ولو كانت ارزاق القسام من بيت المال، جاز ذلك.
قال ابن حبيب: فإذا أجرى له عطاؤه من بيت المال أو من الفئ لم يحل له أن يأخذ ممن يقسم بينهم شيئا؛ لأنه كالقاضي المرتزق، فإن لم يجر له رزق فلا بأس عليه أن يأخذ، ولو قسم احتسابا كان أفضل له.
[فصل 2 - فيمن استأجروا قاسما على من تكون أجرته]
ومن المدونة قال ابن القاسم: ولا بأس أن يستأجر أهل مورث أو مغنم قاسما برضاهم، وأجر القاسم على جميعهم ممن طلب القسم أو أباه، وكذلك أجر كاتب الوثيقة.
قال مالك في قوم أرادوا أخذ مال عند رجل فيستأجرون من يكتب بينهم كتابا يتوثق له ولهم، وأجره على الذي يوضع على يديه المال وعليهم.
م: إنما كان الأجر عليه وعليهم؛ لأنه براءة له ومفاصلة بينهم في ذلك المال، فإنه صار إلى كل واحد حقه ولأتباعه على صاحبه.
قال ابن حبيب: ويكون الأجر في ذلك على عددهم لا عدد أنصبائهم، وأرى الذي كان عليه المال كواحد منهم.
[فصل 3 - فيمن أعتق في مرض موته]
وقد تقدم في كتاب العبيد ذكر من أعتق في مرضه أنهم يعتقون أن حملهم الثلث، ويقرع بينهم إن لم يحملهم الثلث، فمن خرج سهمه أعتقته إن كان كفاف الثلث، وإن لم يحمله أعتقت منه ما حمل الثلث، وإن كان أقل أعتقته وأعدت السهم ليكمل الثلث في غيره.
وأما المديرون فإن دبرهم في كلمة، عتقت منهم محمل الثلث بالحصص، وإن دبر واحدا بعد واحد بدئ بالأول فالأول في الثلث، وإن حملهم الثلث عتقوا كلهم، وسواء في هذا كله كان المدير في صحة أو مرض.
[الباب السابع]
في قسمة الدار مذارعة، وقسمة البناء والساحة والإرتفاق بها ورفع الطريق وسعة باب الدار
[فصل 1 - في قسمة الدار مذارعة بالسهم]
قال ابن القاسم: وإذا اقتسما دارا مذارعة بالسهم، فإن كانت الدار كلها سواء جاز، وإن كان بعضها أجود من بعض، أو كانت كلها سواء وجعلا في ناحية أكثر من ناحية لم يجز، إلا أن يتراضوا بذلك من غير سهم فيجوز.
[فصل 2 - في قسمة الساحة والبناء معا]
ولا باس أن يقتسما البناء بالقيمة، والساحة بالذراع إذا تساوت الساحة في القيمة والذراع أو كانت تحمل القسم، وإن كانت متفاضلة لم يجز.
قال ابن القاسم: وإن أرادوا قسم البناء والساحة معا، فإن كان يصير لكل واحد من الساحة ما ينتفع به في مدخل ومخرج ومربط دابة وغيرها، قسمت الساحة مع البناء، وإن كان يصير منها تلك المنافع لبعضهم ويصير لأقلهم نصيبا من الساحة ما لا ينتفع به، أو ما لا ينتفع به إلا في دخوله وخروجه فقط، قسم البناء بينهم وتركت الساحة لانتفاعهم ولأقلهم نصيبا من النفع بالساحة ما للأكثر، سكن معهم أو لم يسكن ولهم منع من بيني في الساحة معهم.
[فصل 3 - في قسمة الدار وفيها بيوت وساحة وغرف وسطوح]
وإذا كانت دار بين قوم وفيها بيوت وساحة ولها غرف وسطوح بين يديها، فقسموا البناء على القيمة وأبقوا الساحة، فالسطح يقوم مع البناء، تقوم الغرفة بما بين يديها من المرفق، ولصاحب العلو أن يرتفق بساحة السفل كارتفاق صاحب السفل ولا مرفق لصاحب السفل في سطح الأعلى، إذ ليس من الأفنية، ويضيف القاسم قيمة خشب السطح والغرفة مع قيمة البيوت التى تحت ذلك، وما رث من خشب العلو الذي هو أرض الغرفة والسطح فإصلاحه على صاحب الأسفل وله وملكه كما عليه إصلاح ما هي ورث من جدار الأسفل.
وإذا سقط العلو على الأسفل فهدمه، جير رب الأسفل على أن يينيه أو يبيع لمن يبني، حتى يبني رب العلو علوه، فإن باعه ممن يينيه فامتنع من بنائه جبر المبتاع- أيضاً- على أن يبنيه أو يبيعه ممن يبنيه.
م: قيل: إنما ذلك إذا لم يكن له مال غير القاعه فلا يقدرعلى أكثر من بيعها عليه، وأما إذا كان له مال فليجبر على بنائها؛ لأنه حق لصاحب العلو، وفي تربصه إلى البيع ضرر عليه وقطع لمنافعه.
وقد قال سحنون: إنما جوز هذا البيع ضرورة لعدم البائع، ولو كان له مال لم يجز بيعه ممن يبنيه باشتراط، ولكن يجبر على بنائه على ما أحب أو كره.
وكذلك الجارية يأذن لها سيدها في الإحرام فتحرم ثم يطأها أن عليه أن يجحها، فإن فلس يبعت عليه ممن يجحها لضرورة الفلس.
ومن ذلك الأمة لها الولد الصغير يعتق السيد أحدهما، فلا يجوز له بيع الرقيق منهما إلا في فلس في ضرورة، فتباع في قول ابن القاسم، ويشترط على المبتاع ألا يفرق
بينهما.
[فصل 4 - حكم الارتفاق في الساحة]
ومن المدونة: وإن اقتسم قوم دارا وتركوا الساحة مرتفقا، فكل واحد منهم أولى بما بين يدي بابه من الساحة في الإرتفاق، وإن أراد بعضهم أن يطرح بين يدي باب غيره العلف والحطب لم يكن له ذلك إن كان في الدار سعة من ذلك، فإن احتاج إلى طرح ذلك في الساحة ووقع بعض ذلك على باب غيره طرحه، إلا أن يكون في ذلك ضرر على من يطرح على بابه فيمنع أن يضر به.
[فصل 5 - في الطريق يكون بينهم]
وإن اقتسموا البناء والساحة رفعوا الطريق ولا يعرض فيها أحد لصاحبه.
وإن اقتسما على أن يصرف كل واحد بابه من ناحية أخرى ولا يدعا طريقا بتراض جاز، ولا يرفع لهم طريق، وليصرف كل واحد طريقه حيث شاء إن كان له حيث يصرفه.
وإن اقتسموا البناء ثم قسموا الساحة ولم يذكروا رفع الطريق، فوقع باب الدار في حظ أحدهم ورضي بذلك صاحبه، فإن لم يشترطوا في أصل القسم أن طريق كل حصة ومدخلها فيها خاصة فإن الطريق بينهم على حالها، وملك باب الدار لمن وقع في حظه، ولباقيهم فيه الممر.
قال أبو محمد: وهذا على مذهب سحنون لا يجوز بالسهم إلا برفع الطريق بينهم.
قال أبن حبيب: إذا لم يذكروا الطريق عند القسم، أعدت القسم ثانية على ذكر ذلك ومعرفة مخرج كل سهم ما لم يشترطوا قطع الطريق.
وكذلك لو اقتسموا دارا بتراض بلا سهم أو بالسهم ومجرى مائها في ناحية، فصارت تلك الناحية في سهم واحد منهم، فكره مجرى مائها عليها ولم يذكروه عند القسم، فإن القسم ينتقض ثم يعاد على ذكر ذلك وبيانه.
[فصل 6 - في قسمة الساحة وهي واسعة]
ومن المدونة قال مالك: وإن اقتسموا الساحة وهي واسعة يقع لكل واحد ما يرتفق به إذا قسمت بينهم وليس لهم طريق ولا مخرج إلا من باب الدار فاختلفوا في سعة الطريق، فقال بعضهم: اجعلها ثلاثة أذرع، وقال بعضهم أكثر من ذلك، جعلت بقدر دخول الحمولة ودخولهم.
قيل لابن القاسم: ولا يترك لهم من الطريق قدر عرض باب الدار.
قال: لا أعرف هذا من قول مالك.
وإن اقتسما دارا، يريد: بتراض، فأخذ أحدهما دبر الدار وأعطى الآخر مقدمها على ألا طريق لصاحب المؤخر على الخارج، جاز ذلك على ما شرطا ورضيا إن كان له موضع يصرف إليه بابه وإلا لم يجز.
وكذلك إن اقتسموا دارا على أن أخذ أحدهما الغرف على أن لا طريق له في السفل، فعلى ما ذكرنا.
وإن اقتسما أرضا على ألا طريق لأحدهما على الآخر، وهو لا يجد طريقا إلا عليه لم يجز، وليس هذا من قسم المسلمين.
[الباب الثامن]
في قسم الرباع على أقل السهام وتشاح الورثة على أحد الطرفين
[فصل 1 - في قسمة الرباع على أقل السهام]
قال مالك: وكل ما قسم من ربع أو غيره فعلى قيمة عدل، ثم يضرب بالسهم فمن خرج له سهمه لزمه.
قال مالك: ووجه قسمة الربع بالسهم إذا اختلفت الأنصباء لواحد خمس ولآخر ربع ولآخر سدس، أن يقسم على أقلهم سهماً.
وكذلك من ترك زوجة وأما وأختاً، إلا أن من خرج له سهمه جمع له تمام باقي حصته ولا يفرق.
وإذا تشاحوا على أي الطرفين يضرب أسهم أيهم يبدأ، فما خرج عرفه، ثم أسهم للقسم، فمن خرج سهمه أعطاه من ذلك الطرف وضم له فيه سهمائه مجتمعة وإن كثرت لضرب الفريضة في الإنكسار، ثم يضرب أيضاً لسهام من بقي، فيضرب على أقلهم سهما، فإن تشاحوا - أيضا- على أي الطرفين يضرب، فعلى ما ذكرنا أولاً، فإذا بقي منهم اثنان فتشاحا على أي الطرفين، لم ينظر إلى قول واحد منهما وضرب القاسم على أي الطرفين شاء؛ لأنه إذا ضرب على أحد الطرفين فقد ضرب لهما جميعا.
قال محمد بن عبد الحكم: فإن كان لواحد النصف ولآخر الثلث ولآخر السدس جعل ذلك ستة أنصباء معتدلة، فإن اتفقوا على أي الطرفين يبدأ به أسهم بينهم منه، فإن خرج
صاحب السدس كان له سهم من الطرف الذي اتفقوا أن يبدأ به أو أخرجه السهم، ثم يسهم بين من بقي، فمن خرج سهمه من صاحب النصف أو صاحب الثلث أخذه وضم إليه بقيه سهمه وكان ما بقي لصاحبه، وكذلك لو خرج أولا صاحب النصف أخذ جميع سهمه في أحد الطرفين وأسهم بين صاحب السدس والثلث فإن خرج صاحب السدس اخذ سهمه في الوسط.
وقد قيل: إن صاحب السدس لا يكون إلا في أحد الطرفين.
قال: والأول أحب إلينا.
وقال محمد: إنما هذا إذا كانا نصيبين، مثل ابن وزوجة.
[فصل 2 - في تشاح الورثة على أحد الطرفين]
ومن المدونة: وإن ترك زوجة وابنا أو عصبة، لم يسهم للزوجة إلا على أحد الطرفين لا في الوسط، فأي الطرفين خرج لها أخذته، وكان الباقي للولد أو للعصبة، وكذلك إن كان الولد أو العصبة عددا، ولا يجمع حظ رجلين في القسم وإن أراد ذلك الباقون إلا في مثل هذا.
قال ابن حبيب: قال مطرف: يقسم الربع بين الورثة على أقلهم سهما وإن كثرت سهام الفريضة، فإن كانت الأرض مستوية قسمت بالقياس، وإن كانت مختلفة فبالقيمة، فإذا أستوت كتب أهل كل سهم اسم سهمهم في بطاقة، ثم أخرجت بطاقتان من جملتها بطاقة في هذا الطرف وبطاقة في هذا الطرف الآخر، فمن خرج سهمه في طرف ضم إليه ما بقي من حقه، ويصير أهل الثمن كالزوجات أهل سهم واحد والجدات
أهل سهم واحد، وأهل الثلث من الكلالة أو موصى لهم به أهل سهم واحد، ثم بعد هذا القسم يقسم أهل كل سهم ما صار لهم.
وقال ابن الماجشون وابن عبد الحكم وأصبغ وقالوا: هو قول جميع أصحابنا، وبالله
التوفيق.
تم كتاب القسم والحمد لله.
كتاب الفرائض الأول
[المقدمة]
بسم الله الرحمن الرحيم
صلى الله علي سيدنا محمد ومولانا وآله وسلم
قال الشيخ أبو بكر محمد بن عبد الله بن يونس التميمي الصقلي- رحمه الله:-
الحمدلله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، وصلى الله على سيدنا محمد خاتم النبين، وعلى آله الأخيار المتقين الطيبين.
أما بعد:-
يسرنا الله وإياك لطاعته وتوفيقه، هدانا لصالح طريقه.
فقد كنا شرطنا في كتاب الولاء والمواريث من الكتاب الجامع لمسائل المدونة أنا نضع كتابا مختصراً جامعا لأصول الفرائض، وتعريفها، واختلاف وجوهها، وتوجيه أقوا المختلفين، رغبة لما عند رب العالمين ولما حض عليه نبينا محمد عليه الصلاة والتسيم خاتم النبين على تعليمها، وأخير بسرعة اندارسها ونسيانها.
فقد روي عنه (صلى الله عليه وسلم) أنه قال: «تعلموا الفرائض فإنها من دينكم، وأول علم ينسى».
وروى عنه أنه قال: «تعلموا الفرائض وعلموها الناس فإني امرؤ مقبوض، وإن العلم سيقبض حتى يختلف الاثنان في الفريضة فلا يجدان من يفصل بينهما».
وقد حض على تعليمها جماعة من الصحابة والتابعين، فلا ينبغي لعالم جهلها ولا أن لا يتسع فيها.
[الباب الأول]
باب الأسباب التي يجب بها التوارث
[فصل 1 - أقسام المواريث]
المواريث تجري بين الناس على قسمين: أحدهما نسب، والآخر: سبب.
فالنسب على ثلاثة أقسام:-
فالأول: ذو السهام.
والثاني: العصبة.
والثالث: ذوو الأرحام.
فذو السهام ومن أهل النسب: البنات، والأمهات، والأخوات، والآباء في بعض الحالات.
والعصبات: البنون وبنوهم، والآباء وبنوهم، والأجداد للأب وبنوهم وهم الذين يحكم لهم بجميع المال، وبما فضل منه بعد قبض ذوي السهام، وقد أجمعت الأمة على توريثهم على منازل رتبوها، ووجوه بينوها.
وذوو الأرحام: هم قوم يدلون بالقرابات إلى ذوي السهام والعصبات، وقد اختلف في توريثهم.
ولم يورثهم مالك؛ إذ ليس لهم فرض بكتاب ولا سنة، وسنين من هم والاختلاف في توريثهم إن شاء الله.
والقسم الثاني: هو السبب ينقسم قسمين:-
فالأول منه: النكاح- الزوج والزوجة-.
والثاني: الولاء، وهو كل من أنعم عليه بالعتق يرثه من أعتقه إذا لم يكن له وارث بنسب، ولا عصبة يحوز جميع المال، وإن كان له وارث يرث بعض المال ورث المولى بقيته، وسيأتي شرح ذلك مبينا إن شاء الله.
[فصل 2 -] عدة من أجمع على توريثه من الرجال والنساء.
المجمع على توريثه من الرجال خمسة عشر رجلا، وهم:-
الابن وابن الابن وإن سفل، والأب، والجد أب الأب وإن علا، والأخ الشقيق، والأخ للأب، والأخ للأم، وابن الأخ الشقيق وإن بعد، وابن الأخ من الأب وإن بعد، والعم الشقيق، والعم للأب، وابن العم الشقيق وإن بعد وابن العم للأب وإن بعد، وعمومة الأب وبنوهم داخلون في العمومة، والزوج، ومولى النعمة.
ويرث من النساء عشرة:-
البنت، وبنت الابن وإن سفلن، والأم، والجدة للأم، والجدة للأب، والأخت الشقيقة، والأخت للأب، والأخت للأم، والزوجة، ومولاة النعمة.
فمن هؤلاء المذكورين من يرث بكتاب الله عز وجل، ومنهم من يرث بسنة رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، ومنهم من يرث بإجماع الأمة.
وسنذكر ذلك في موضعه إن شاء الله عز وجل
[فصل 3 - عدة من لا يرث بحال]
وعدة من لا يرث بحال تسعة:-
العبد، والمدبر، والموصى بعتقه، والمعتق إلى أجل، والمرتد، والقاتل عمدا، والكافر للمسلم رجالا كانوا أو نساء، وأم الولد، والمطلق في المرض بتاتا لا يرث المطلقة، واختلف إن مات هو هل ترثه هي
واختلف في المكاتب، والمعتق بعضه، والقاتل خطأ، والمولود إذا لم يستهل صارخا، والأسير إذا خفي أمره، ومن أسلم على ميراث قبل قسمته، ومن يرث المرتد، ومن مات من أهل الذمة ولا وارث له، وميراث ذوي الأرحام، وأهل الملل.
وقيل: يرث المسلم الكتابي، ولا يرث الكتابي المسلم.
[الباب الثاني]
باب من يرث بكتاب الله تعالى
قال الشيخ أبو بكر رحمه الله: جملة ما نص الله عليه في كتابه ستة عشر فريضة، تجمعها ثلاث آيات من سورة النساء، للولد: ثلاثة، وللأبوين: ثلاث، وللزوج: اثنان، وللزوجة: اثنان، وللإخوة والأخوات من الأم: اثنان، وللإخوة والأخوات من الأب والأم: أربع.
[فصل 1 - في ميراث الولد]
قال الله تعالى في الولد: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾
وقال: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾
قال: ﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾
قال أبو بكر: فأجمعت الأمة أن من هلك من المسلمين الأحرار وترك أولادا ذكروا وإناثا أحرارا مسلمين، ولم يكن منهم قاتل للموروث: أن جميع ما خلف من تركته بعد إخراج أسباب مواراته إلى دخوله قبره، وبعد إخراج الدين إن
كان عليه دين، وبعد إخراج وصية أوصى بها أن تقسم بقية التركة بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين.
وإن كان معهم أحد من ذوي السهام ورث ذو السهام سهمه، وكان ما بقي مقسوما بين الولد للذكر مثل حظ الأنثيين، وإن كان الولد ذكرا أخذ جميع ما بقي، وإن كانوا ذكورا قسم ما بقي بينهم بالسواء، وإن كانت ابنة فلها النصف، وإن كانت ابنتان فأكثر فلهن الثلثان؛ إلا ما ذكر عن ابن عباس: أن اللابنتين النصف، وهو شاذ من القول، وسنأتي بالحجة عليه إن شاء الله.
وحكم بني الابن، وبنات الابن إذا لم يكن بنون ولا بنات حكم البنين والبنات سواء، وقد فسرناه.
وإن اجتمع ولد الصلب وولد الولد نظرت:
فإن كان في ولد الصلب ذكر سقط من دونه من ولد الولد ذكوراً كانوا أو إناثا، وإن كان ولد الصلب إناثا خاصة واحدة فأكثر فإنهن يأخذن فرضهن، وينظر في ولد الولد: فإن كان فيهم ذكر كان لهم ما بقي إن كانوا في طبقة واحدة، أو كان الإناث فوقه.
وإن لم يكن في ولد الولد ذكر وإنما كن إناثا خاصة فإنهن يسقطن؛ إلا أن تكون بنت الصلب واحدة فيكون لها النصف، ولبنات الابن إذا كن في طبقة السدس تكملة الثلثين.
وبيان هذه الجملة:-
أن يترك الهالك ابنا ذكرا، أو بني ابن وبنات أبن فالمال كله للابن، ولا يرث معه أحد من ولد الولد اجتمعوا أو تفرقوا.
فإن ترك بنتا، وابن ابن كان للبنت النصف، ولابن الابن ما بقي.
وإن كانوا جماعة كان ما بقي بينهم بالسواء.
وإن كانوا ذكورا وإناثا كان ما بقي بينهم للذكر مثل حظ الانثيين.
وإن ترك بنتا، وبنت ابن كان للبنت النصف، ولابنة الابن السدس تمام الثلثين، وما بقى للعصبة.
وإن كن بنات الابن جماعة لم يزدن على السدس تمام الثلثين شيئا، ويكون ما بقي للعصبة.
وإن ترك ابنتين وابنة ابن، أو بنات ابن كان اللابنتين الثلثان، وسقط بنات الابن إلا أن يكون معهن ذكر بإزائهن أو أسفل منهن، فيكون لهم ما بقي للذكر مثل حظ الانثيين.
وما ذهب جميع الصحابة إلا ابن مسعود فأنه جعل ما بقي لابن الابن خاصة
لاستكمال بنات الصلب الثلثين، وستأتي الحجة عليه إن شاء الله.
فصل [2 - في ميراث الأبوين]
وقال الله تعالى في الأبوين: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾
وقال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَه أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾.
وقال تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾.
وأجمعوا أن الموروث إذا خلف أبويه وولدا ذكرا، أو أبن أبن أن لكل واحد من الأبوين السدس، وما بقي فللابن أو لابن الابن.
وإن كان الولد بنتا، أو بنت أبن فللأبوين السدسان، وللبنت أو بنت الابن النصف، وما بقي الثُّلُث)
وإن لم يترك الميت إلا أبويه فللأم الثلث، وما بقي فللأب بقوله تعالى: {وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ {
فدل أن الباقي للأب.
وإن انفرد الأب بالميراث وحده، أو كان معه إخوة كان له جميع الميراث، ولا شيء للإخوة معه.
وإن انفردت الأم بالميراث كان لها الثلث، وإن كان معها أخ أو ابن أخ، أو
عم أو ابن عم كان ما بقي له، لأنه عصبة.
وإن كان مع الأم أخوان فصاعدا كان لها السدس وما بقي للإخوة.
وهذا قول جميع الصحابة إلا ابن عباس فإنه قال: لها مع الأخوين الثلث، ومع الثلاثة فأكثر السدس، وستأتي الحجة عليه إن شاء الله تعالى.
وإن كان مع الأبوين أخ أو إخوة فميراث الأم كما وصفنا إذا انفردت مع عدم الإخوة، ويكون ما بقي للأب ولا شيء للإخوة معه.
وهذا قول الجماعة إلا رواية شاذة عن ابن عباس فإنه قال: إذا ترك أبويه وثلاثة إخوة فأكثر فإن للأب الثلثين، وللأم السدس، والسدس الباقي الذي حجبها عنه الإخوة هو للإخوة، والمشهور عن ابن عباس مثل قول الجماعة، والقول الآخر غلط عنه لأنه لا يورث الإخوة مع الجد أب الأب، لأنه يراه كالأب فكيف يورثهم مع الأب، ويعد هذا تمام الحجة في ذلك.
فصل [3 - في ميراث الزوجين]
وقال تعالى في الزوجين: (ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد فإن كان لهن ولد فلكم الربع).
وقال تعالى: ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ﴾.
واجمعوا أن المرأة إذا هلكت وتركت زوجها ولم تترك ولدها منه ولا من غيره ولا ولد ابن ذكرا ولا أنثى فإن للزوج النصف، وما بقي للعصبة.
وإن تركت ولدا منه أو من غيره أو ولد ابن حجبه عن النصف إلى الربع، وكذلك إذا كان ولدها هذا من زنى زنته فإنه يحجب الزوج؛ لأن الولد للفراش ويرثها، ويحجب زوجها، وكذلك إن كان هذا الولد من عبد كان تزوجها ثم فارقها، أو مات عنها ثم تزوجت هذا بعده؛ لأن ولدها من العبد حر بحريتها فهو يرثها ويحجب زوجها، فيكون له ما بقي بعد ربع الزوج.
وإذا هلك الرجل وترك زوجته ولم يترك لها ولدا منها ولا من غيرها، ولا ولد ابن ذكرا ولا أنثى كان لها الربع.
وإن ترك ولدا منها أو من غيرها ابنا أو ابن ابن، أو بنتا أو ابنة ابن فإنها لها الثمن، وسواء كان ولده من حرة تزوجها أو من أمة له أولدها فإنه يحجب زوجته عن الربع إلى الثمن، ويرث ما بقي إن كان ذكرا، وإن كانت بنتا أو بنت ابن ورثت النصف وما بقي للعصبة.
وحكم الزوجتين والثلاث والأربع كحكم الواحدة، الربع بينهن إذا لم يكن له ولد، والثمن إن كان له ولد، ولا يجوز أن يجتمع في ملك رجل في وقت واحد أكثر من أربع زوجات.
فصل [4 - في ميراث الإخوة للأم]
وقال تعالى في الإخوة للأم: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾.
وقال: ﴿فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾.
فمعنى قوله تعالى: ﴿أَوِ امْرَأَةٌ﴾ يقول: أو امرأة تورث أيضا كلالة.
والكلالة: اسم اشتق من كلل الرحم وبعده، وذلك إذا بعد ما بين الوارث والموروث ولم يكن في الورثة والد ولا ولد، وقيل: إذا لم يكن في الورثة ولد.
وقد اختلف الناس -أيضاً- فيمن يستحق هذا الاسم: الميت أو الورثة.
فقيل: هو الميت إذا لم يترك والدا ولا ولدا.
وقيل: هم الورثة الذين ليس فيهم والد ولا ولد.
وقيل: بل هي اسم الفريضة التي لا يرث فيها والد ولا ولد، فتسمى تلك الفريضة: كلالة.
وقوله تعالى: ﴿وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ﴾ أجمع الناس انه إنما أراد الإخوة للأم، وكان سعد بن أبي وقاص يقرأ: وله أخ أو أخت من أم.
فأجمعوا أن الهالك إذا ترك أخاه لأمه كان له السدس، فغن ترك أخوين لأن كان لكل واحد منهما السدس، وإن ترك ثلاثة أو أربعة فما فوق كان بينهم الثلث بالسواء لا يزادوا عليه شيئا، حظ الذكر والأنثى فيه سواء.
ولو ترك أختا كان لها السدس، ولو ترك أختين فأكثر كان بينهن الثلث بالسواء، وكذلك لو كانوا ذكورا وإناثا فالثلث بينهم بالسواء.
ويحجبهم عن الميراث ستة:-
الابن، وابن الابن وإن سفل، والبنت، وبنت الابن وإن سفلت، والأب، والجد أب الأب وإن علا.
فصل [5 - في ميراث الأخوة للأب]
وقال تعالى في الأخوة للأب: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنْ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ﴾.
وقال: ﴿فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ﴾.
وقال: ﴿وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.
ومعنى قوله: ﴿أَنْ تَضِلُّوا﴾ يقول: لئلا تضلوا في قسمة المواريث وغيرها.
فأجمع الناس أن الله تعالى إنما أراد بهذه الآية: الإخوة للأب.
فإذا هلك هالك وترك أخا شقيقا فإن له جميع ماله، وإن ترك أخوين شقيقين فأكثر كان المال بينهم بالسواء، وإن ترك أختا شقيقة كان لها النصف وما بقي للعصبة، وإن ترك أختين كان لهما الثلثان وما بقي للعصبة، وكذلك لو ترك أخوات أكثر من ذلك لم يزدن على الثلثين شيئا كالبنات.
وإن ترك أخا وأختا كان المال بينهما للذكر مثل حظ الأنثيين، وكذلك لو كانوا أكثر من ذلك فالمال بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين، حكم الإخوة والأخوات كحكم البنات والبنين في جميع الوجوه إذا انفردوا، فإذا كانوا ذكورا خاصة قسمت المال على عددهم، وإن كانوا ذكورا وإناثاً أعطيت لكل ذكر سهمين، ولكل أنثى سهما، فما اجتمع من العدة قسمت المال عليه.
مثاله: لو قيل لك ترك عشرة أخوة، وعشر أخوات، الجميع شقائق!
فتجعل للذكور عشرين سهما، وللإناث عشرة أسهم، فجميع ذلك ثلاثون سهما، فيقسم المال على ثلاثين، لكل أخ سهمان، ولكل أنثى سهم، وكذلك فيما قل