وكان يأمر بالقوس العربية ويكره الفارسية، وأمر بالعمة وعمم علياً بعمامة سوداء أسدل منها بين كتفيه، وبعثه في سرية.
قال: «ومن أعد عدة في سبيل الله كانت له في ميزانه كل غداة».
وكتل عمر -رضي الله عنه- إلى أهل حمس: "علموا أولادكم السباحة والرماية والفروسية والاختفاء بين الأغراض".
وقال: "اختفوا وتجردوا واخشوشنوا وتمعددوا واقطعوا الركب، وانزوا على الخيل نزوا، وارموا الأغراض، إياكم ولباس العجم، البسوا الأزر والأردية، والقوى السراويلات، واستقبلوا حر الشمس بوجوهكم فإنها سامات العرب، واطرحوا الخفاف والبسوا النعال".
قال أسلم مولى عمر: رأيت عمر يمسك بإذن فرسه ثم يمسك بإذن نفسه ثم ينزو عليه.
وقال النبي -صلى الله عليه وسلم- «كل لهو يلهو به المؤمن باطل إلا في ثلاث: تأديبه فرسه، ورميه عن كبد قوسه، وملاعبته امرأته فإنهن حق».
وقال: «من ترك الرمي بعد أن تعلمه فقد عصاني».
وروي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: «لهوان تحضرها الملائكة؛ الرمي واستباق الخيل».
وقال -صلى الله عليه وسلم-: «الخيل معقودة في نواصيها الخير إلى يوم القيامة».
وقال: «ارتبطوا فإن بطونها لكم كنز، وظهورها عز، وأصحابها معانون عليها».
ونهى عن جز نواصيها وأعرافها وأذنابها.
وقال: مثل الذي يرتبط فرساً كمثل الصائم نهاره القائم ليله الباسط بالصدقة كفه فلا يقبضها.
[والفضل في رباط الخيل والترغيب فيها والنفقة عليها كثير جداً].
وكره -صلى الله عليه وسلم- خصاء الخيل وشدد في ذلك ونهى عنه.
قال: في الخيل: «خضرها أصلبها، وكمتها ديباجها، وشقرها جيادها.
وبارك في الشقر ثلاثاً».
وروي أنه قال: «خير الخيل الحر وكان يكره منها الشكال»، وهو الذي برجله اليمنى بياض وبيده اليسرى بياض أو في يده اليمنى ورجله اليسرى.
وروي أنه قال: «خير الخيل الأدهم الأقرح الأرثم ثم المحجل ثلاثاً طلق اليمنى فإن لم يكن أدهم فكميت على هذا الشية».
ونهى عن إنزاء الحمر على الخيل.
ونهى عنه عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- وعمر بن العزيز.
وقال -عليه السلام-: «الخيل لرجل أجر، ولرجل ستر وعلى رجل وزر؛ فأما الذي هي له أجر: فرجل ربطها في سبيل الله فأطال لها في مرج أو روضة فما أصابت في طيلها ذلك في المرج أو الروضة كانت له حسنات ولو أنها قطعت طيلها ذلك فاستنت شرفاً أو شرفين كانت آثارها وأرواثها حسنات له ولو أنها مرت بنهر فشربت منه ولم يرد أن تسقى به كان ذلك له حسنات فهي له أجر، ورجل ربطها تغنياً وتعففاً ولم ينس حق الله في رقابها ولا ظهورها فهي لذلك ستر، ورجل ربطها فخراً ونواء لأهل الإسلام فهي على ذلك وزر».
فصل
وسابق النبي -صلى الله عليه وسلم- بين الخيل التي قد أضمرت من الخفياء وكان أمدها ثنية الوداع، وسابق بين الخيل التي لم تضمر من الثنية إلى مسجد بني زريق، وأن عبد الله بن عمر كان ممن سابق بها.
وكانت القصوى ناقة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لا تدفع في سباق إلا سبقت حتى سبقت يوماً فاكتأب الناس لذلك فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «إن الناس إذا رفعوا شيئاً وضعه الله».
وسابق عمر بين الخيل، وكتب به ولم يزل يراهن بين الخيل منذ زمن النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى الآن وهو جائز وإن جهل جري فرسه ومبلغ رمي الرامي إذا تناضلا بالسهام.
ومن كتاب ابن مزين وغيره: قال ابن المسيب: لا بأس برهان الخيل إذا كان فيها محلل، يتراهن الرجلان يخرج هذا سبقاً وهذا سبقاً ويدخل بينهما ثالث لا يخرج شيئاً فإن سبق المحلل أخذ وإن سبق لم يأخذ شيئاً.
قال محمد بن عبد الحكم: إذا سبق المحلل أخذ سبق الرجلين وإن لم يسبق هو وسبق أحد الرجلين أخذ السابق سبق صاحبه ولا شيء على المحلل، وهذا لا يقوله مالك، وإنما يجوز عنده أن يجعل الرجل سبقه خارجاً بكل حال كسبق الإمام فمن سبق فهو له.
م: يريد أن يتسابق رجلان ويخرج ثالث سبقاً ولا يجري معهم فمن سبق من الرجلين أخذ ذلك السبق.
قال مالك: ولا بأس أن يجري معهم الذي جعل السبق فإن سبق هو كان السبق للمصلي إن كانت خيلاً كثيرة وإن لم تكن غير فرسين فسبق واضع السبق فالسبق طعم لمن حضر.
وروي عنه: أنه أجاز أن يشرط واضع السبق إن سبق أحد أخذ السبق وإن سبق هو أخذ سبقه وكذلك الرمي نَضَلَ أو نُضِلَ.
والمصلي: هو الثاني من السابق؛ سمي بذلك؛ لأن جحفلته على صلا السابق وهو أصل ذنبه، ويقال للعاشر: السكيت، ومن الثاني إلى العاشر لا يسمى إلا بتسمية العدد.
قال محمد: وكراهية مالك في المحلل إنما هو على قوله أنه يجب إخراج السبق بكل حال، وفي قياس قوله الآخر: أنه جائز وبه أخذ وهو قول ابن المسيب وابن شهاب.
قال ابن شهاب: ويكون المحلل ممن لا يأمنان أن يذهب بالسبقة، فإن أدخلا من يأمنان ألا يذهب بها فهو كالرهان بلا محلل فلا يجوز، ولا بأس أن يخرج أحدهما خمسة والآخر عشرة إن كان بينهما محلل في الخيل والإبل، ولا بأس بسباق الخيل مع الإبل، يجري الفرس مع الجمل، ولا بأس أن يجعلا سرادقاً من دخله الأول كان السابق، أو يخطان خطاً من جازه أولاً فهو السابق، وإذا تراهنوا على الخيل فسقط فارس أو ألقاه فرسه في الطريق أو زاع عنها حتى سبق، أو سقط الفرس فانكسر فإن كانوا خيلاً جماعة؛ فالرهان بين ما بقي من الخيل قائمة، وإن كانا فارسين فالذي رأيت أهل الخيل أن يعد الذي بلغ الغاية سابقاً وما لهذا وجه، وهذه علة لا توجب السبق عندي، ورأيتهم إذا سقط الفارس وجرى فرسه عارياً ثم وثب عليه آخر فأجراه إلى الغاية فإنهم يعدونه سابقاً، وقد احتج من رأى هذا: أن هذا يدعوهم إلى التحفظ فيما يستقبل؛ ويقولون: لو جاز هذا لطرح من خاف السبق نفسه عن فرسه وقال: سقطت، وفي هذا فساد
الرهان، وقد يحتج من لا يراه مسبوقاً أن هذه الأمور لا بد أن ينزل مثلها فلا يحسب مسبوقاً.
قال محمد: ولم أر بين الرماة اختلافاً أن السبق بالرمي يبدأ في رمي سهمه ثم يرميان سهماً بينهما حتى يفرغا من الرشق ثم يبدأ المسبوق كذلك في الرشق الثاني هكذا حتى يفرغ الرمي إلا أن يشترطوا غير ذلك، ولا بأس أن يناضله على أنه إن نضله أعتق عنه عبده، أو عتقه عن نفسه، أو على أن يعمل له عملاً معروفاً، أو على أن يتصدق بالسبق، أو يفي له الغرض، أو يشتري له حصراً يجلسون عليها، ولا بأس أن يتراهن حزب وحزب أو واحد واحد أو اثنان اثنان أو أكثر، ويدخلان بينهما محللاً، إن نضل المحلل أخذ من الحزبيين، وإن نضل أحد الحزبيين أخذ من الحزب الآخر، ولا بأس أن يخرج هذا ديناراً وهذا دينارين، أو هذا شاة وهذا بقرة، وبينهما محلل وقد طعن فيه طاعن في دينار ودينارين، وهو عندي جائز؛ لدخول المحلل بينهما، كما بدخوله جاز في دينار ودينار عنده، وفيما ذكرنا كفاية، وبالله التوفيق.
فصل
وهذا
باب في الأمور المحصنة من التغرير الداعية إلى الصبر والنصر
روي أن أبا بكر الصديق -رضي الله عنه- قال لخالد بن الوليد حين وجه إلى قتال أهل الردة احرص على الموت يوهب لك الحياة.
ووجه أبو مسلم قوماً إلى العدو فقال لهم: اشعروا قلوبكم الجرأة عليهم؛ فإنها سبب الظفر، وأكثر ذلك الضغائن؛ فإنها تخص على الإقدام، والزموا الطاعة فإنها حصن المحارب.
وقالت الحكماء: على مقدار الصبر على المصائب تكون شجاعة النفس، واعلم أن عماد كل صناعة وثبات كل جماعة القيم العالم بالسياسة، المتحمل للرئاسة، فيجب أن يكون صاحب الجيش مطبوعاً في صناعته، شجاعاً في إقدامه، جباناً في تحرزه، صادقاً في نبته، مستيقظاً في حركته، ذكياً في بديهته رؤوفاً برعيته، فإذا اجتمع لمقدام الجيش ما ذكرناه تولد في فكره من أنواع الحيل ووجوه المكايد في حال يتصرف فيها من محاربة عدوه ما يكون مؤدياً إلى الظفر إن شاء الله فأقل هذه الصفات السياسة، [يريد: الرئاسة، يريد: لين في غير ضعف، وشدة في غير عنف، وحسن
السياسة تولد الرئاسة، قدم الخوف على الرجاء، احذر العجل تأمن الزلل، تقحم الحرب تشجع القلب، الهزيمة تحل العزيمة، الحيل أبلغ من العمل، الرأي السديد أجرأ من الأثر الشديد، أظهر خلاف عزمك مورياً عنه... أخف من جواسيس عدوك، شدة الصبر فاتحة النصر، توق مشاورة الجاهل، لا تشاور من تميل به رغبته أو رهبته، خل العدو حتى يزحف إليك، أو تصد الفرص حتى يقال أيضاً: التأخر بعد التمكن هزيمة، والتسرع في غير قوة تورث النكد، يسير النكث يكسر معظم العسكر، داو القلوب بما يقويها قدر زحفك وزحف العدو إليك، قدم أهل الظن، احذر العدو الباطن، احذر الإخلال بالمراكز، لا تجرنك ورطة سلمت منها على معاودة مثلها، احذر كيد الجواسيس، أطع الكبير يطعك الصغير، احذر كيد المستأمنة إليك، اعمل على أن كل من في عسكرك عين عليك، خالف الإعجاب تجد الصواب، ألطف الأمر قبل إرهان المكر، قدم أهل الشجاعة أمامك، لا تنس وضع الكمين عند اللقاء، احذر كمين عدوك، في هذه الحال لا ترض بأن تأخذ من عدوك مثل الذي تعطيه، قوة النفس في الحرب أبلغ من قوة البدن، كن في عسكرك مجهولاً عند لقاء العدو، لا تستصعب العدو فتقهر، لا تستهزئ بأوليائك فتهون على أعدائك، إن بخلت بالمال على أعوانك جدت به على أعدائك، لا تدع المقدمة المنكوبة تدخل العسكر إلا في ستر، لا تحارب بمن لا يخافك، لا تحارب بمن لا يرجوك، لا تحارب بمن لا يحتاج إليك، لا تبلغ في آثار المنهزمين، احذر التعرض للنهب إلا بعد الإبلاغ في النكاية، تفقد نفسك عند المواقعة، لا تهمل التعبئة عند المناوشة فإن فساد التعبئة من أعظم الخلل، بذل الأمان عند دفعك على العدو فرصة، احذر اختلاف أصحابك، استمل رؤساء
عدوك، لا تجعل النهر وراءك عند الزحف، إذا حاربت عدوك فعده كفئا، بالغ في الهزيمة ثم تعرض للغنيمة، ومن خفر ضمانه بطل أمانه، أخر الحرب ما استطعت فإن النفقة فيها من النفوس، فإن لم يكن منها بد فاجعلها آخر النهار وليعظهم، وقد يلتقي الجمعات والموت فيهما فيقتل من ولي ويسلم من حمل.
وروي أن عمر -رضي الله عنه- سأل عمرو بن معدي كرب عن الحرب فقال: الحرب مر المذاق فإذا كشفت عن ساق من وقف فيها عرف، ومن هرب منها تلف، وهي كما قال القائل:
الحرب أول ما تكون فتية... تسعى بزينتها لكل جهول
حتى إذا اشتعلت وشب ضرامها... عادت عجوزاً غير ذات خليل
شمطاء جزت رأسها وتنكرت... مكروهة للشم والتقبيل
وحكي أن الأحنف بن قيس نظر إلى سيف مع رجل فأخذه فهزه ثم قال لصاحبه: إن سيفك لجيد لولا قصر فيه، فقال الرجل: يطيل قصره خطوة، فقال: يا ابن أخي المشي إلى الصين أسهل من تلك الخطوة.
تم كتاب الجهاد الثاني من الجامع لابن يونس بحمد الله وعونه
وصلى الله على محمد وعلى آله وسلم].
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم وسليما
كتاب الأيمان والنذور
في النذور والأيمان بالحج والعمرة ونذر المشي في ذلك وفي غيره
وفي الاستثناء في المشي وغيره
قال الله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ فلزم بذلك كل ما عقد من أعمال البر في يمين أو غيرها.
وقال: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾.
وقال: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾.
وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه».
وأمر بطرح ما ليس بطاعة الله.
وأمر الذي نذر أن يمشي القهقري إلى الكعبة أن يمشي لوجهه.
واللذين نذرا أن يمشيا في قران أن يحلا قرانهما.
وقال -عليه السلام-: «لا تعمل المطي إلا إلى ثلاث مساجد -فذكر مسجده والمسجد الحرام ومسجد إيلياء-».
قال مالك -رحمه الله-: فمن أوجب على نفسه المشي إلى الكعبة في نذر أو يمين حنث بها فعليه الوفاء به، وقال ابن عمر وغيره.
قال ابن المواز: ولا كفارة في ذلك لقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «من نذر أن يطيع الله فيلطع» ولم يجعل فيه كفارة؛ والحج والعمرة من الطاعات، فمن قال: فيه كفارة فقد خالف ما أمره الرسول -صلى الله عليه وسلم- به.
ومن المدونة قال مالك -رحمه الله-: فمن قال: علي المشي إلى مكة أو إلى بيت الله أو قال: إن فعلت كذا فعلي المشي إلى مكة إلى بيت الله فحنث؛ لزم المشي إلى مكة إلى شاء في حجة أو عمرة، وإحرامه في ذلك من ميقاته لا من موضعه.
قال: وقوله: أنا أحج إلى بيت الله، أو فعلي حجة، أو لله علي حجة؛ سواء ويلزمه الحج.
ابن المواز: إن شاء راكباً أو ماشياً إذا لم يقل علي المشي.
ومن المدونة قال مالك: وإن أكثر من النذور بالمشي إلى مكة ما لا يبلغه عمره؛ فلا يجزيه إلا أن يمشي ما قدر عليه من الزمان، ويتقرب إلى الله بما استطاع من خير.
قال بعض فقهائنا: فإن عجز هذا فركب فلا يرجع ثانية لأجل ركوبه وعليه الهدي لذلك ورجوعه إنما يكون لباقي نذره فأعلمه.
[قال أبو إسحاق: وما لم يبلغه عمره أو عجزت عنه مقدرته ساقط عنه.
وقوله يتقرب إلى الله تعالى بما استطاع إليه من الخير ندب؛ لأن من أوجب على نفسه ما قدرة له عليه سقط عنه.
قال]: ومن قال: علي المشي إلى بيت الله إن كلمت فلاناً، فكلمه؛ فعليه المشي إلى مكة، وله أن يجعله في حجة أو عمرة، فإن جعله في عمرة؛ مشى حتى يسعى بين الصفا
والمروة، فإن ركب بعد سعيه وقبل أن يحلق فلا شيء عليه، وإن جعله في حجة مشى حتى يقضي طواف الإفاضة، فإذا قضاه فله أن يركب في رجوعه من مكة إلى منى وفي رمي الجمار بمنى.
ابن المواز: وقد قال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: آخر النسك الطواف بالبيت.
وقال ابن حبيب: إذا عجل طواف الإفاضة فلا يركب في رجوعه إلى منى ولا في رمي الجمار، وله أن يركب في حوائجه.
ومن المدونة قال مالك: وإن أخر طواف الإفاضة حتى يرجع من منى فلا يركب في رمي الجمار، وله أن يركب في حوائجه، كما له إذا وصل إلى المدينة أو المناهل ماشياً أن يركب في حوائجه، أو تذكر في طريقه وهو سائر حاجة نسيها فليرجع وراءها راكباً.
قال أبو محمد: وإنما يعني ابن القاسم بقوله في الأم: وأنا لا أرى به بأساً: يريد في حوائجه لا في الجمار.
ومن المدونة قال ابن القاسم: ولو مشى في حجه كله وركب في الإفاضة فقط لم يعد ثانية وأهدى؛ لأن مالكاً قال: إذا مرض في طريقه فركب الأميال أو البريد أو اليوم -ابن المواز قال مالك-: أو اليومين ومشى البقية لم يعد ثانية وأهدى.
ومن المدونة قال مالك: ولو مشى حتى يسعى بين الصفا والمروة ثم خرج إلى عرفات وشهد المناسك والإفاضة راكباً رجع قافلاً راكباً فركب ما مشى ومشى ما ركب.
م: لأنه ركب يوم التروية ويوم عرفة وأيام الرمي وفي الإفاضة وهذا كثير.
ولأن ركوبه وقع في مواضع أعمال الحج فهو أشد من مشى في الطريق اليوم واليومين فلذلك أوجب الرجوع عليه.
قال ابن المواز: قال مالك: ويهدي أحب إلي من غير إيجاب، ولم يره في الهدي مثل من عجز في الطريق.
م: يريد عجزاً يوجب عليه فيه العودة أم لا؟
قال ابن القاسم: لأن بعض الناس لم يوجب عليهم العودة في المشي إذا بلغ مكة وطاف ورأى أن مشيه قد تم وأرخص له في الركوب إلى عرفة فلذلك عندي لم يوجب عليه مالك الهدي.
قيل لابن المواز: فلم لم يقطع المشي إذا انتهى إلى البيت وهو إنما أوجب على نفسه المشي إلى البيت؟ قال: لأنه جعله في حج.
وقد قال الله تبارك وتعالى في البدن: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ وليس لها محل في الحج إلى بمنى.
[قال محمد: واجب لمن عليه المشي وهو صرورة أن يبدأ بفرضه إذا كان في أشهر الحج، ويمشي بعد قضاء حجة، وإن أراد التخفيف بدأ بالمشي في عمرة فإذا حل منها أحرم بحج فريضة.
وقال مالك: وإن كان في غير أشهر الحج فلا بأس أن يبدأ بنذره، وقد] قال عمر: آخر النسك الطواف بالبيت.
ومن المدونة قال مالك: ويمشي الحالف من حيث حلف إلى أن ينوي موضعاً يمشي منه فله نيته وإن لم يحرك بذلك لسانه.
قال ابن المواز: فلو حلف بمصر وحنث بالمدينة؛ فليرجع إلى مصر حتى يمشي منها، ومن حلف بالمشي إلى مكة وهو بمكة فحنث فليخرج حتى يمشي من الحل؛ فأنه لا يحرم أحد بعمرة ويحل منها في الحرم فإن جهل فأحرم من مكة فليخرج راكباً ثم يرجع من الحل ماشياً.
قال: وكذلك لو نوى أن يحرم ساعة فحنث؛ فلا بد أن يخرج وغن كان الإحرام قد لزمه.
وروي عن مالك هذا الحالف إن حالف في غير المسجد الحرام فليمش إلى البيت من موضع حلف فإن حلف في المسجد فهذا يخرج إلى الحل.
قال عبد الملك: وإذا حلف وهو في مسجد بلده أو في موضع منه فحنث؛ فليمش من تلك المدينة من حيث شاء منها ويجزئه.
قال ابن المواز: وإذا حنث بغير البلد الذي حلف فيه وهو ممن لا يقدر على المشي فليرجع إلى ذلك البلد ثم يمشي منها ما قدر ثم يركب ويهدي.
قال أصبغ: إن كان قريباً ليس عليه فيه كبير مشقة رجع وإلا مشى من حيث حنث وأهدى.
م: وسئل أبو بكر بن عبد الرحمن عمن حلف بالمشي إلى مكة وهو بصقلية فحنث هل يمشي من أقرب بر إليها من الإسكندرية لأن عادتهم في السير إلى الحج إنما هو منها؟
فقال: إنما عليه أن يمشي من الإسكندرية؛ لأنه الغالب من فعلهم إذا أرادوا الحج إنما ينزلون بالإسكندرية، وأما بر إفريقية فإنما يأتون إليه على باب التجارة.
وقال أبو عمران: بل يلزمه المشي من بر إفريقية؛ لأنه أقرب بر إليها.
م: وهذا أبين لأن عادات [الناس بذلك يمشون من بر إفريقية إلا أن تكون له نية فيحمل على نيته، أو لا تكون له نية فيحمل على عادات] الحالفين.
ومن المدونة قال ابن وهب وقال يحيى بن سعيد: من نذر مشياً من بلد فليحرم من ميقاته الذي وقت له لا من موضع نذره.
قال ابن القاسم عن مالك: ومن قال إن كلمت فلاناً فأنا محرم بحجة أو بعمرة.؟
قال: أما الحجة فإن حنث قبل أشهر الحج لم يلزمه أن يحرم بها حتى تأتي أشهر الحج إلا أن ينوي أنه محرم من يوم حنث فيلزمه ذلك وإن كان في غير أشهر الحج.
وأما العمرة: فعليه أن يحرم بها وقت حنثه إلا أن لا يجد صحابه فليؤخر حتى يجد فيحرم حينئذ.
وقال سحنون: يحرم؛ وإن لم يجد صحابه أقام على إحرامه.
وحكي عن أبي محمد أنه قال: العمرة لا وقت لها؛ فلذلك وجب أن يحرم بها وقت حنثه، والحج له زمان وهي الأشهر؛ فمتى حنث قبلها لم ينبغ له أن يحرم بالحج حتى تدخل الأشهر، وهذا إذا كان يصل من بلده إلى مكة [في أشهر الحج، فأما إن كان لا يصل من بلده إلى مكة] حتى يخرج أشهر الحج؛ فإن هذا يلزمه الإحرام من وقت حنثه.
م: يريد: يلزمه الإحرام من وقت يصل فيه إلى مكة ويدرك الحج.
وحكي لنا عن أبي الحسن ابن القابسي أنه قال: بل يخرج من بلده غير محرم فأينما أدركته أشهر الحج أحرم.
م: وقول أبي محمد أولى، لأن معنى قوله: أنا محرم بحجة؛ أي إذا جاء وقت خروج الناس خرجت أنا محرماً، على ذلك يحمل قوله وعليه يدل لفظه.
وفي كتاب ابن المواز ما يؤيده.
قال فيه في موضع: يحرم في أشهر الحج.
وقال في موضع آخر: يحرم في أوان الحج؛ فهذا يدل على صحة تأويل أبي محمد، والله أعلم.
ومن المدونة قال مالك: وإحرامه في ذلك بحج أو بعمرة من موضعه لا من ميقاته إلا أن ينويه؛ فله نيته.
م: بخلاف من قال: علي المشي إلى مكة فهذا يحرم من ميقاته جعل مشيه في حج أو عمرة.
قال مالك: وإن قال: أنا محرم يوم أكلم فلاناً فإنه يوم يكلمه يحرم.
قال: وقوله: يوم أفعل كذا فأنا أحرم بحجة، كقوله فأنا محرم بحجة.
قال سحنون: قوله: فيأنا محرم؛ يوجب عليه الإحرام من حين حنث، وقوله: فأنا أحرم؛ لا يكون محرماً حتى يحرم ويقال له: أحرم.
وقال إبراهيم والشعبي: إن قال: إن فعل كذا فهو محرم بحجة؛ فليحرم إن شاء من عامه، أو متى ما تيسر عليه.
وإن قال: يوم إن أفعل؛ ففعل فهو يومئذ محرم.
فصل
قال مالك: ومن لزمه المشي إلى مكة فخرج ماشياً فعجز في مشيه فليركب فيما عجز فإذا استراح نزل، وعرف أماكن ركوبه من الأرض، ثم يعود ثانية فيمشى أماكن ركوبه، ولا يجزيه أن يمشي عدة أيام ركوبه، إذ قد يركب موضع ركوبه أولاً، وليس عليه في رجوعه ثانية، وإن كان قوياً أن يمشي الطريق كله ولكني يمشي ما ركب فقط ويريق دماً، وقاله ابن عمر وابن عباس، قال ابن عباس: وهديه بدنة.
قال ابن المواز: فإن مشي الطريق كله في عودته فلا هدي عليه؛ لأنه لم يعرف مشيه.
قال: وهذا إذا لم يكثر ركوبه، فأما من كثر ذلك منه فكان يمشي عقبة ويركب عقبة؛ فليرجع ويمشي الطريق كله ولا هدي عليه، قاله مالك.
قال مالك: وأما من ركب يوماً أو ليلة -قال في موضع آخر- أو يومين ومشي باقي ذلك؛ لم يرجع وليهد، فإن لم يجد صام عشرة أيام، [وليس كمن جعل فركب في المناسك؛ يرجع قابلاً حتى يمشي ما ركب ولا يلزمه هدي إلا أن يشاء، وقد تقدم هذا.
قال مالك: ومن وجب عليه مشي فمشى حتى بلغ المدينة فأقام بها شهراً ثم خرج ماشياً في عمرة حتى دخل مكة فطاف وسعى فقد فرغ من مشيه ولا شيء عليه.
م:] وإنما لزمه الهدي بخلاف من عجز في موضع المناسك؛ لأن هذا لم يوجب عليه العودة فجبر بعض مشيه بالهدي، والذي مشي في المناسك أوجب عليه العودة لمشيه في مواضع الحج، وخفف عليه في الهدي؛ لأن بعض الناس رأى: أن مشيه إذا بلغ مكة قد تم فلم يجمع عليه مالك مع العودة الهدي إيجاباً.
وقال ابن حبيب: من مشى في نذر لزمه فركب في بعض الطريق من غير ضرورة ولا ضعف يقتضي ذلك؛ فهذا يبتدأ في المشي بخلاف ذي العذر وجعله كمفطر في صوم متتابع، وحكاه عن بعض أصحاب مالك.
م: وهذا خلاف ظاهر المدونة ولا فرق على مذهب ظاهر المدونة بين من ركب لعذر أو لغير عذر.
وقد قال في كتاب محمد: من جهل فركب في المناسك فليرجع يمشي ما ركب، والجاهل عندنا كالعامد، وليس ذلك كصيام التتابع؛ لأنه لو لم يصل تتابع المشي ولكن كسر في كل منهل أياماً لا أجزأه ذلك المشي بإجماع.
قال ابن حبيب: ولا يرجع في ركوبه اليوم فأقل منه، ويرجع في أكثر منه.
ومن المدونة قال ابن القاسم قال مالك: وإذا عجز فركب ثم رجع ثانية فلم يتم مشيه في المرة الثانية لم يعد ثالثة وأهراق دماً.
قال ابن المواز: وهدي واحد يجزيه في ذلك كله.
ومن المدونة قال ابن القاسم قال مالك: ولو علم في الثانية أنه لا يقدر على تمام المشي قعد وأهدى؛ كانت حجة أو عمرة.
قال ابن حبيب: وهديه بدنة؛ فإن لم يجد فبقرة، فإن لم يجد فشاة، فإن لم يجد صام عشرة أيام متى شاء، ولو أهدى في هذا شاة وهو واجد لبدنه أجزأه.
ومن المدونة قال: ولو علم أول خروجه أنه لا يقدر أن يمشي كل الطريق في ترداده إلى مكة مرتين لضعفه أو بعده بلده، أو كان شيخاً زمناً [أو امرأة ضعيفة أو مريضاً أيس] من البرء فلا بد أن يخرج أول مرة ولو راكباً ويمشي ولو نصف ميل، ثم يركب ويهدي ولا شيء عليه بعد ذلك وإذا رجا المريض إفاقة يقدر بعدها على أن يمشي تربص للإفاقة إلا أن يعلم أنه غير قادر في إفاقته أن يمشي فهو بمنزلة الشيخ الكبير يمشي ما أطاق ثم يركب ويهدي.
قال ابن القاسم: والمشي على الرجال والنساء فيما ذكرنا سواء.
قال ابن المواز: قال مالك: ومن عليه مشي فأصاب طريقاً أخصر من طريق فليختصر.
قال مالك: ولمن حنث من الأندلس أن يركب البحار للحجاز؛ لأنه لابد له من ذلك.
ومن المدونة قال مالك: ومن جعل مشيه في عمرة فعجز وركب فله أن يجعل الثانية في حج أو عمرة.
قال فيه وفي كتاب ابن المواز: وكذلك لو جعل مشيه الأول في حج فعجز فله أن يجعل مشيه الثاني في عمرة.
قال فيه وفي المدونة: لا تبال وإن خالف المشي الأول.
قال أبو محمد: لعله يريد إذا لم يكن ركوبه أولاً في حجته في المناسك بمنى وعرفة والمزدلفة.
وأما لو كان ركوبه في هذه الأماكن في حجته الأولى كيف ينبغي أن يجعل الثانية في عمرة وهو لا يصل أن يمشي ما ركب، وقد ذكر عن سحنون أنه قال: ليس له أن يجعل المشي الثاني في عمرة؛ لأن عمل العمرة أقصر من عمل الحج يريد وإن كان مشيه في غير المناسك.
م: قال بعض فقهائنا: إن قيل: أليس من نوى شيئاً ودخل فيه يلزمه ما دخل فيه مثل إذا نذره فلم فرق بين ذلك في هذه المسألة؟
قال: قال بعض القرويين: إنما فرق بين ذلك لأنه إذا لم ينو حجاً ولا عمرة فجعل مشيه في حج وعمرة ورجع من أجل عجزه وركوبه فرجوعه إنما هو لوفاء النذر لا لأجل الحج والعمرة؛ فلذلك جاز أن يجعل الثاني خلاف الأول إذا كان ركوبه في غير المناسك،
وإذا نذر ذلك في حج أو عمرة فإنما رجوعه من أجل نذره فوجب أن لا يجعله خلاف الأول.
م: كأنه يقول: الأول نذر مشياً فرجع لوفائه، والثاني نذر حجاً مشياً فرجع لوفائه.
م: وإنما افترق ذلك لافتراق السؤال، وأما سؤاله: أليس من نوى شيئاً ودخل فيه مثل إذا نذره؛ فليس الأمر كما قال، وهذه المسألة تدل على خلافه؛ لأنه لو نوى مشياً في حج فله أن يجعله في عمرة، وقد قال ابن المواز: من أحرم بحجة الفريضة ونوى مشيها؛ لم يلزمه مشي إلا أن يوجب ذلك على نفسه بنذرٍ نذره.
م: وكذلك من أحرم لنافلة ونوى أن يصليها قائماً، فله أن يصلها جالساً، أو نوى أن يقرأ فيها سورة كذا؛ فله أن يقرأ فيها غيرها، وإنما يلزم من هذا كله ما نذره نذراً على نفسه.
ولأبي عمران الفاسي نحو ذلك.
وإنما افترقت المسألة الأولى لافتراق السؤال فأعلمه.
ومن المدونة قال مالك إلا أن يكون نذر المشي الأول في حج فلا يجعل الثاني في عمرة، أو نذر الأول في عمرة فلا يجعل الثاني في حج.
وقال ابن حبيب: إذا نذر المشي الأول في عمرة فلا يجعل الثاني في حجة؛ لأنه زاد ولم ير ذلك.
ابن القاسم: وأجازه غيره من أصحاب مالك.
ومن المدونة قال ابن القاسم: وليس له أن يجعل مشيه الأول ولا الثاني في فريضة عند مالك.
قال مالك: وإن جعل مشيه في عمرة فحل منها فله أن يحج الفريضة من مكة.
قال ابن القاسم: ويكون متمتعاً إن كانت عمرته في أشهر الحج ولو قرن، يريد بالعمرة المشي الذي عليه وبالحج فريضة، لم يجزه من الفرض وعليه دم القران.
قال ابن حبيب: ويجزيه ذلك عن مشيه الذي وجب عليه.
ومن المدونة قال ابن القاسم وقد قال مالك: فيمن نذر مشياً فحج ماشياً وهو صرورة ينوي بذلك نذره وفريضته؛ إنها تجزيه لنذره لا لفريضته وعليه قضاء الفريضة قابلاً.
ابن المواز: وهذا إذا لم ينو بنذره حين نذره حجاً ولا عمرة وأما إن كانت يمينه بحجة فحنث فمشى في حج نوى به فرضه ونذره فهذا لا يجزيه عن واحد منها؛ لأن هذا ممن لم يكن يجزيه أو يحرم عن نذره بعمرة.
ولو مشى عن نذره في حج ففاته الحج لم يجزه إذا حل منها بعمرة عن مشيه، ولا بد أن يستأنف الحج عن مشيه من قابل، فكذلك إذا أشرك بينهما لم يجزه عن واحدة منهما؛ لأن كل واحدة قد نقصت عما وجبت عليه حين جعل لكل واحدة نصف حجة، وإما إذا لم ينو لنذره حين نذره حجاً ولا عمرة فمشى لنذره حتى بلغ ميقاته فأحرم بحجة نوى بها نذره وفرضه فهذه التي قال فيها مالك: تجزيه لنذره.
ويقضي الفريضة؛ لأنه نقض الفريضة لما جعل بعضها لنذره ولا تجزي فريضة غير تامة لقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ وذلك يجزيه لنذره، وإن لم تكن حجة النذر تامة، كما قال مالك فيمن أحرم لنذره بحجة ففاته الحج أن ذلك يجزيه لنذره إذا طاف وسعى وحلق، وإن كان أحرم له بحجة فلم تتم فكذلك لا يضره في نذره معه من مشاركة فريضته التي ألزمناه فيها القضاء، ولم يختلف في قضاء الفريضة وحدها قول مالك وأصحابه إلا عبد الملك فإنه روى لنا عن مالك: أنه يعيدها جميعاً استحساناً، وقال أصبغ.
قال عبد الملك وقال المغيرة: تجزيه عن الفريضة ويعيد النذر وبه أقول.
قال ابن المواز: والصواب قول مالك.
وكان حجة عبد الملك فيه قياساً على من طاف بالصبي ينوي عن نفسه وعن الصبي؛ أنه يجزيه عن نفسه ولا يجزيه عن الصبي.
وقد روى ابن القاسم عن مالك: أنه يجزي عن الصبي ويعيد عن نفسه وهو الصواب؛ لأن الطواف عن الصبي تطوع لا يضره نقصه وعن الكبير واجب فلا بد من تمامه.
قال: ولو أن رجلاً حمل رجلاً فطاع به طوافاً واحداً عنه وعن الرجل؛ لم يجزه عن واحد منهما كان المحمول صحياً أو مريضاً.
قيل لابن المواز: فالاعتكاف لا يكون إلا بصوم كما لا يكون المشي إلا في حج أو عمرة وأنت تجيز الاعتكاف وغيره في رمضان من الصيام الواجب، فلم لا تجيز المشي الذي نذر في الحج الواجب؟
قال: لأن الاعتكاف الذي يعتكفه في صوم واجب لم ينذره كما نذر المشي؛ وإنما يلزمه بالنية والدخول فيه، ولو نذر اعتكافاً لم يجز له اعتكافه في رمضان، ولا في صيام واجب من ظهار أو قتل نفس؛ لأن من نذر اعتكافاً فقد نذر صيامه فلا يجوز أن يقضيه في صيام واجب ويبطلان جميعاً كمن نذر مشياً بحج أو بعمرة لم يجزه أن يشرك معه فريضة.
م: وذكر بعض أصحابنا: أن بعض الناس قال: إن قول ابن المواز: إذا نذر أن يمشي في حج بمشى ينوي فرضه ونذره، أنه لا يجزيه عن واحدة منها، خلاف قول ابن القاسم،
وما جرى في كتاب الحج الأول من المختلطة في مسألة العبد يحرم بالحج فيحلله سيده ثم يعتقه؛ فبحجة ينوي القضاء وحجة الفريضة؛ أنه يجزيه للقضاء لا للفريضة، يدل على هذا خلاف ما قال ابن المواز:
م: وليس الأمر كما قال؛ لأن العبد لم ينذر حجة الأول ماشياً كما نذر الحر وإنما أحرم بحجة تطوع فهو كمن نذر مشياً فمشاه في حج ينوي بذلك فرضه ونذره؛ فهذه تجزيه عن نذره لا لفرضه، ولو نذر العبد أن يمشي في حج فمشى في حج ثم حلله السيد منه ثم عتق فمشى في حج ينوي به القضاء والفريضة؛ لوجب ألا يجزيه عن واحد منهما على قول ابن القاسم، والحر والعبد في هذا سواء.
وأما سحنون وغيره فلا يلزم العبد في ذلك قضاء.
قال الشيخ: ويجب على قول سحنون هذا إذا حج العبد يعد عتقه ينوي بذلك القضاء والفريضة أنه يجزيه عن الفريضة؛ لأنه أشرك مع الفريضة ما لا يلزمه؛ كمن مشى عن غيره في فريضته؛ أن فريضته تجزيه.
وقد قال ابن المواز قال مالك: وأما من مشى عن غيره وجعلها حجة عن نفسه وهو صرورة أجزأ عنه حجة الفريضة ولم يضره ما مشى عن غيره؛ إلا يجوز أن يمشي أحد عن أحد.
قال ابن المواز: ومن أحرم بحجة الفريضة ونوى مشيها؛ لم يلزمه المشي إلا أن يوجب ذلك على نفسه بنذر نذره.
م: يلزم على هذا أن من أحرم لنافلة ونوى أن يصليها قائماً أنه لا يلزمه وله أن يصليها جالساً وكذلك لو نوى أن يقرأ فيها أو في الفريضة سورة كذا؛ أن ذلك لا يلزمه وله أن يقرأ غيرها إلا أن ينذر ذلك كله فيلزمه، وكذلك من نوى أن يقرأ سورة فبدأ فيها فله أن لا يتمها، وكذلك من نوى جوار مسجد مثل جوار مكة لا يلزمه ولا اليوم الأول وإن دخل فيه بخلاف الاعتكاف والصلاة التي لا تتبعض.
قال ابن المواز: قال: فإن أوجب مشياً فعجز فركب فعليه أن يرجع حتى يمشي ما ركب في حجة أو عمرة وقاله عبد الملك.
قال ابن المواز: وإن حلف بالمشي ولم ينو حجاً ولا عمرة فحنث؛ فخرج من بلده لحنثه خاصة ماشياً فلما بلغ الميقات أحرم بالحج عن فرضه خاصة فأتمه ماشياً؛ فإنه يجزيه لفرضه، ويرجع فيمشي لنذره من ميقاته الذي أحرم منه؛ كما لو بدا له فرجع من هناك إلى مصره أو غيره؛ فإنه يرجع راكباً ثم يمشي من الميقات الذي كان بلغ مشيه إليه.
قال ابن المواز: وأحب لمن عليه المشي وهو صرورة: أن يبدأ بفرضه إذا كان في أشهر الحج ويمشي بعد قضاء حجه فإن أراد التخفيف بدأ بالمشي في العمرة فإذا حل منها أحرم بحج فريضته، وقاله مالك.
محمد: وإن كان في غير أشهر الحج فلا بأس أن يبدأ بنذره.
ومن المدونة قال مالك: ومن حلف بالمشي فحنث فمشى في حج ففاته الحج؛ أجزأه ما مشى وجعلها عمرة، ومشى حتى يسعى بين الصفا والمروة ويقضي الحج قابلاً راكباً ويهدي لفوات الحج.
قال مالك في كتاب محمد وغيره: فإذا حج قابلاً فليس عليه أن يمشي من مكة إلى منى لأن مشيه قد صار في عمرة فقد قضاه.
محمد: وقال ابن القاسم: يمشي المناسك في قضائه قابلاً، وقال سحنون.
قال الشيخ: قال شيخنا القاضي أو الحسن: قول مالك أولى؛ لأنه لما فاته الحج رجع إلى عمل العمرة فكأنه فيها مشى، وإنما أوجب عليه الحج قابلاً؛ لأنه دخل فيه ففاته.
وقد قال ابن القاسم: فيمن تعدى ميقاته وقد أحرم بحجة وفاته الحج؛ فلا دم عليه لتعدي الميقات لأنه عمله صار إلى عمرة.
م: أسقط الشيخ بعض احتجاج ابن القاسم وهو قوله: وإنما يقضي الحج قابلاً.
م: وكأن ابن القاسم إنما أسقط عنه الدم للوجهين، وظهر لي أن قول ابن القاسم وسحنون في مسألة النذور أصح؛ لأنه لما جعل مشيه في حج لزمه تمامه في حج كما جعل على نفسه، فلا فرق بينه وبين من جعل مشيه في حج فركب في المناسك فقد قال فيه: يحج قابلاً راكباً، ثم يخرج من مكة ماشياً حتى يقضي مناسكه ويفيض فهذه أمثلة.
ولأنه لما جعل مشيه في حج ففاته لزمه قضاؤه فلما وجب عليه قضاؤه [لزمه المشي فيما بقي عليه، كمن نذر اعتكاف رمضان فمرضه فوجب عليه قضاؤه فلما وجب عليه قضاؤه] وجب عليه اعتكافه، بخلاف ما لو نذر اعتكاف شعبان فمرضه؛ هذا لا يجب عليه قضاؤه فلا يلزمه اعتكافه؛ فالمشي بمنزلة الاعتكاف وهذا بيّن.
قال يحيى بن عمر عن ابن القاسم: في الرجل يجب عليه المشي فيمشي في حجة فيفسدها بالوطء بعرفة؛ فإنه يتم حجة ويقضي، ويعيد المشي من الميقات، ويركب ما قبله؛ لأن المشي الذي وقع له فيه الوطء يجزيه، ولا يعيده، وعليه هدي للفساد، وهدي لتبعيض المشي.
فصل
ومن المدونة قال مالك: ومن قال: علي المشي إلى بيت الله تعالى حافياً راجلاً فلينتعل، وإن أهدى فحسن، وإن لم يهد فلا شيء عليه، وهو خفيف.
ابن وهب: وقد رأى النبي -صلى الله عليه وسلم- امرأة تمشي حافية ناشرة شعرها فاستتر منها بيده وقال: «ما شأنها؟» فقالوا: إنها نذرت أن تحج حافية ناشرة شعرها فقال -عليه السلام-: «فلتختمر ولتنتعل ولتمش».