الجامع لمسائل المدونةكتاب المديان
أهل الأثرالأرشيف العلمي

[الباب الأول]

في حبس المديان ومطالبته والرفق به والتشديد عليه

[الفصل 1 - في حبس المديان] قال مالك رحمه الله: والأمر الذي لا اختلاف فيه عندنا أن الحر إذا فلس لا يؤاجر.
قال ابن القاسم: ولا يستعمل.
قال مالك: لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة:280]. ولم يزد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- غرماء معاذ على أن خلع لهم ماله، ولم يأمر لهم ببيعه.
قال مالك: ولا يحبس في الدين حر ولا عبد إذا لم يتبين لدده، ولا اتهم أن يكون غيب ماله، ولكن يستبرأ أمره إلا أن يحبسه قدر تلومه في اختباره، وكشف حاله، أو يأخذ عليه حميلاً لذلك، فإن لم يجد له شيئاً، ولا غيب شيئاً لم يحبسه.
قال: ويحبس من اتهم أن يكون غيب ماله، ومثل من يقعد من التجار بأموال الناس، ويقول: ذهب مني ولا يعلم أهل موضعه أنه أجيح بحريق، أو سرقة، أو نحو ذلك فإنهم

الجزء: 17 - الصفحة: 614

يحبسون, إذا حبس لتهمة، أو لدد لم يكن لطول ذلك حد، ولكن يحبس أبداً حتى يقضى أو يتبين عُدمُه، فإن تبين أطلق، ثم ليس لرب الدين ملازمته، ولا منعه من التصرف، ولا أن يوكل به من يلازمه.
ورى ابن وهب أن أبا بكر وعمر رضي الله عنهما كانا يستحلفان المعسر الذي لا يعلم له مال أنه لا يجد قضاء في قرض أو عرض وأنه وجد ليقضين.
قال ابن المواز: قيل لمالك: في الذي يزعم أنه أجيح ويشهد له أناس أنه لا شيء عنده، قال: كيف يعرفون أنه لا شيء عنده؟ أرى أن يسجن، ولا يعجل سراحه.
قال غيره: وإذا أقيم على مديان فادعى الفقر لم يقبل منه وهو على الغنى؛ لأنه أخذ أعواض ما يطلب به، فلا تقبل دعواه، وكذلك لو قيم عليه بدين لم يأخذ منه عوضاً مثل الناس، فهم حتى يظهر خلافه، وإذا أراد أن يعطي حميلاً بوجهه حتى يثبت فقره فلا يسجن عند ابن القاسم.
وفي كتاب محمد بن سحنون فيمن طلب بحق فقال: أنا فقير.
وظاهره الملاء، وأقام بينة أنه فقير، ولم يزك أيأخذ به حميلاً أو يسجنه؟ قال: يسجن حتى تزكى بينته.
م/: قيل: إنما لم يقبل منه الحميل؛ لأنه إذا ذهب لم يحلف الحميل إذ لابد من يمينه أنه لا يجد قضاء.
م/ ويحتمل أنه إنما سجنه؛ لأنه ظاهر الملاء، وبينته التي لم تزك كلا شيء.

الجزء: 17 - الصفحة: 615

قال سحنون: فإن سأل أن يؤخر يوماً ونحوه، ويعطي حميلاً بالمال، قال: يؤخر، فإن لم يجد حميلاً بالمال سجن.
وقال غيره: وقد حبس النبي -صلى الله عليه وسلم- في التهمة، وحبس كثير من الصحابة من الصدر الأول.
[الفصل 2 - مدة حبس المديان] ولا حد لحبسه، وذلك موكول إلى اجتهاد الإمام على ما يظهر له من تهمة الغريم ولدده وظلمه.
وقال أبو حنيفة: يحبس شهرين أو ثلاثة.
ودليلنا: أن الغرض إنما هو اختبار حاله وتبين إعساره، فالعلم بذلك ربما كان في المدة اليسيرة، وربما كان في المدة الكثيرة، فوجب ألا يتعذر إلا بغلبة الظن.
واستدل بعض البغداديين على جواز حبر المديان بقوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَامَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾ [آل عمران:75]، فإن كان له ملازمته ومنعه من التصرف جاز حبسه، ولا خلاف بين فقهاء الأمصار في ذلك، وحبس المديان على ثلاثة أوجه: المحبوس على طريق الاختبار إذا لم يتهم أن يكون خبأ مالاً، والمحبوس لتهمة أو لدد فهذا يحبس حتى يقضى أو يظهر عدمه، والمحبوس إذا علم يقيناً أنه خبأ مالاً فهذا يحبس أبداً حتى يخرج ذلك المال.
ابن حبيب قال ابن الماجشون إذا حل الدين وطلب الغريم أن ينظره، ووعده بالقضاء، أخره الإمام قدر ما يرجو له، ولا يعجل عليه، وأما إذا تفالس ولم يوعد

الجزء: 17 - الصفحة: 616

بالقضاء، وجهل عدمه، حبس في الدريهمات اليسيرة قدر نصف الشهر، وفي الوسط من الدين شهرين، وفي الكثير منه أربعة أشهر.
[مسألة: في المدين يمنع من دخول امرأته إليه إلا أن يكون الدين لها وترغب في الدخول عليه] وقال سحنون فيمن سجن في دين لامرأته، أو غيرها، فليس له أن يدخل إليه امرأته؛ لأنه إنما سجن للضيق عليه فإذا لم يمنع لذته لم يضيق عليه، إلا أن تشاء امرأته الدخول عليه إذا سجن في دينها فذلك لها؛ لأنها لو شاءت لم تسجنه فيه.
مسألة: في المحبوس في الحقوق يمرض ويحتاج إلى خدمة أمته، وفي الزوجين يحبسان في الدين ويطلبان الاجتماع في مكان واحد] وقال ابن المواز: لا يمنع المحبوس في الحقوق ممن يسلم عليه أو يحدثه، وإن اشتد مرضه، واحتاج إلى أمة تباشر منه مالاً يباشر غيرها، وتطلع على عورته فلا بأس أن تجعل معه حيث يجوز ذلك، وإذا حبس الزوجان في دين فطلب الغريم أن يفرق بينهما، وطلب الزوجان أن يجتمعان، فذلك لهما، إن كان السجن خالياً، وإن كان فيه رجال غيرهما حبس معهم.
وأما المرأة فإنها تحبس مع النساء.
[الفصل 3 - لا يخرج المحبوس للقربات غير زيارة الأقرب من قرابته إذا اشتد مرضهم وخيف عليهم الموت] ولا يخرج المحبوس للجمعة ولا للعيد، واستحسن إذا اشتد مرض أبويه، أو ولده، أو أخته، ومن يقرب من قرابته، وخيف عليه الموت أن يخرج ويسلم عليه، ويؤخذ منه كفيل بوجهه، ولا يفعل ذلك في غيرهم من القرابات.

الجزء: 17 - الصفحة: 617

ابن عبد الحكم: ولا يخرج لحجة الإسلام، ولو أحرم بحجة أو عمرة وقيم عليه بالدين حبس، وبقي على إحرامه.
ولو ثبت عليه الدين يوم نزوله مكة، أو منى، أو عرفة استحسنت أن تؤخذ منه كفيل حتى يفرغ من الحج، ثم يحبس بعد النقر الأول، ولا يخرج ليغير على العدو، إلا أن يخاف عليه الأسر، أو القتل بموضعه، فإنه يخرج إلى غيره، فيخرج بحميل، فإذا عاد إليه عقله يرد.
ويحبس النساء على حدة والرجال على حدة.
[الفصل 4 - في حبس أحد الزوجين في دين الآخر والولد في دين أبويه] ومن المدونة قال مالك: ويحبس في الدين أحد الزوجين لصاحبه، والولد في دين الأبوين، ولا يحبسان في دينه.
وقد قال مالك: لا أرى أن يحلف الأب للابن في دعواه عليه، فاليمين أيسر من السجن.
قال: وإن لم أحبس الأبوين للولد فلا أظلم الولد لهما.
قال مطرف: ويأمرهما الإمام فيما يثبت عليهما أن يقضياه.
وقال ابن القاسم: إن ألح الابن في استحلاف الأبوين حلفا له، وهي جرحه على الابن.

الجزء: 17 - الصفحة: 618

قال ابن المواز: وذلك عقوق إذا استحلفه أو أخذ منه حداً.
ولا تجوز شهادته، ولو عذر بالجهالة، أو كان حقه حقاً.
ويحبس الأب إذا امتنع من نفقته على ولده الصغار؛ لأنه يضر بهم ويقتلهم، وبخلاف دين الود على أبويه.
قال ابن عبد الحكم: ويحبس الأب في دين على الابن إن كان له في يد الأب مال، وكذلك الوصي يحبس فيها فيما على اليتامى من دين إن كان لهم بيده مال ولم يدفعه.
[الفصل 5 - في حبس الجد في دين حفيده وبقية أقاربه في حبس النساء والعبيد والمكاتب] ومن المدونة: وبحبس له سواهما من الجدود ومن الأقارب، ويحبس في ذلك النساء والعبيد ومن فيه بقية رق، وهم في هذا الأحرار سواء، ويحبس النساء في القصاص والحدود، ويحبس السيد في دين مكاتبه.
يريد: ويحبس المكاتب في دين سيده.
قال: ولا يحبس مكاتب بعجز عن كتابته إذ ليست في ذمته، ولكن يتلوم له.
فصل [6 - في الترغيب في الرفق بالمديان وما روي من التشديد عليه] ابن حبيب: وجاء الترغيب في الرفق بالمديان.
فمنه قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «أحب الله عبداً سمحاً إذا قضى سمحاً إذا اقتضى»،

الجزء: 17 - الصفحة: 619

وقال: «وليأخذ حقه في عفاف واف أو غير واف»، وقال: «من سره أن يفرج الله كربه ويعطيه سؤله) وفي حديث آخر: «أن يظله الله في ظله فلينظر معسراً أو يخفف عنه».
وما روي من التشديد في الدين، مثل قوله عليه الصلاة والسلام في رجل استشهد: «إن صاحبكم محبوس دون الجنة لدين عليه»، وفي حديث آخر: «صلوا على صاحبكم، ولم يصل عليه».
قال أصبغ: هذه أحاديث منسوخة كانت قبل أن يفرض الله الصدقة ويقضي منها عن الغارمين، فلما فرضها الله تعالى وجعل منها قضاء الغارمين صار ذلك على السلطان، فإن يقضه كان إثمه عليه دون المعسر إلا من أدان في سرف أو فساد.
وقال أصبغ عن أبي العباس الزهري: إن الله وضع ذلك في الدنيا بقوله: ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ أفيأخذ به في الآخرة.
وروي أن معاذاً لما خلعه النبي -صلى الله عليه وسلم- من ماله لغرمائه وبقي لهم مال فقال يا رسول الله كيف بالتباعة؟ فقال عليه الصلاة والسلام: «لا

الجزء: 17 - الصفحة: 620

تباعة في الدنيا ولا في الآخرة» يعني: تباعة الإثم.
وروي: "أن من أدان ديناً ينوي قضاءه أداه الله، فإن لم ينو قضاءه أتلفه الله تعالى".
وفي حديث آخر: «إذا مات أخذ من حسناته»، «وإن كان ينوي قضاءه، فالله قادر على أن يرضي عنه غريمه».
وروي: «أن من أدان في حج، أو في غزو، أو كفن ميتاً لا كفن له، أو في صلة رحم، أو نفقة في العيال، أو في نكاح لخوف العنت فعلى الله سبحانه، وعلى ولاة المسلمين أن يقضوا عنه» وفي حديث آخر: «قضاه الله عنه يوم القيامة».
وبالله التوفيق.

الجزء: 17 - الصفحة: 621

[الباب الثاني]

في قضاء الورثة أو الوصي بعض الغرماء، وبيعهم التركة أو أكلها، ثم يطرأ دين بعد ذلك

[الفصل 1 - في قضاء الورثة أو الوصي بعض غرماء الميت] قال مالك رحمه الله: وإن هلك وعليه ديون للناس، وترك مالاً ليس فيه وفاء لديونه، فأخذه الوارث أو الوصي فقضاه بعض غرمائه، فإن لم يعلموا ببقية الغرماء، ولم يكن الميت موصوفاً بالدين فلا شيء عليهم، ويرجع الغرماء القادمون على الذين اقتضوا بما كان ينوبهم في المحاصة من المال، وإن علموا بدينه أو كان موصوفاً بالدين رجع الغرماء القادمون على الورثة، أو الوصي بحصاصهم، ويرجع الوصي أو الورثة بذلك على الغرماء الذين اقتضوا أولاً.
قال ابن القاسم في باب آخر: إذا قضى الورثة من حضر، وهم يعلمون بدين القادم، فإنه إن وجد الغرماء كلهم معدمين رجع على الورثة بما ينوبه من ذلك، ثم يرجع الورثة بما ودوا له على الغرماء الأولين.
م/: وهذا والأول سواء، وإنما أراد أنهم مخيرون بين أن يرجعوا على الورثة أو الوصي، وبين أن يرجعوا على الغرماء الأولين.

الجزء: 17 - الصفحة: 622

وقال بعض المتأخرين من أصحابنا: إنه اختلاف قول.
وليس ذلك بشيء.
[الفصل 2 - في الورثة يعزلون للدين أضعافه من الشركة ويبعيونه ليرثوا الباقي] م/: وعلى ما قال أشهب عن مالك: في الذين عزلوا للدين أضعافه، وباعوا ليرثوا، أن البيع باطل وينقض، وإن قضى الدين؛ لأن البيع على هذا الميراث لا يصح إلا بعد قضاء الدين، فصار بيعاً منهياً عنه، فأشبه بيع يوم الجمعة والتلقي وما أشبه ذلك فيجب فسخه؛ لمكان النهي عنه، ولا يجوز في ثمنه ولا في مثمونه، فإن لم يجد مع الورثة ثمناً كان للغرماء أخذ السلعة من أيدي المشترين، إلا أن يشاء المشترون أن يدفعوا قيمة ما في أيديهم، أو ثمنه، أو بعضه إن كان قائماً؛ لأن الغرماء لا حق لهم في الأعيان على ما قدمنا أولاً، فمتى دفع إليهم أثمانها أوقيمها لم تكن لهم حجة.
قال: وإن لم يعلم الورثة، ولا كان موصوفاً بالدين مضى البيع، وأتبع الورثة بالأثمان، ولا سبيل للغرماء على المشتري.
[الفصل 3 - في الغريم الطارئ يخير في الرجوع على الورثة أو على الغرماء الذين اقتضوا دينهم إذا كان دين الطارئ معروفاً أو كان الميت موصوفاً بالدين] م/: قيل: فإذا قضى الورثة من حضر، وهم يعلمون بدين الغائب، أو كان الميت موصوفاً بالدين فجعلت القادم مخيراً بين أن يرجع على الورثة، أو على الغرماء الذين اقتضوا، فرجع على الورثة، فأراد الورثة الرجوع على الذين اقتضوا، أو رجع عليهم الطارئ بما ينوبه، فوجد ما قبضوا قد هلك بأمر من الله، أن الطارئ يغرمهم قدر ما ينوبه، كمالو أوقف ذلك ليدفع للحاضرين، ولم يعلموا أن هناك غيرهم فضاع، وجاء آخرون، لرجع الطارئ على الذين أوقف لهم بما ينوبهم في الحصاص، وكأن الأولين قبضوه وأكلوه،

الجزء: 17 - الصفحة: 623

وهو قد ضاع قبل أن يقتضوه على قول من جعل ضمان ذلك ممن أوقف لهم.
وكذلك في كتاب محمد.
قال بعض فقهاء القرويين: والأشبه أن يجعل ضمان ما قبضوه منهم بمعنى أن يسقط ذلك في دينهم، إلا أنهم يغرمون ذلك للطارئين، بل يرجع الطارئون علىذمة الميت، وذلك كما لو هلك ذلك بيد الورثة؛ لأنهم لاى يغرمون شيئاً، وإنما يرجع الطارئون على ذمة الميت، وذلك كمن اشترى عبداً فمات بيده، ثم قام مستحق له فلا رجوع له على المشتري؛ لأنه ضمنه بالثمن الذي ودى فيه، ويرجع المستحق على الغاصب فيغرمه الأكثر من ثمنه، أو قيمته يوم الغصب، ولا يرجع المشتري على الغاصب، وكذلك الغرماء القابضون لا غرم عليهم، وإنما يحط ذلك من دينهم، كما لا غرم على المستحق، وإنما يحسب ذلك عليه مما دفع من ثمنه، وهذا هو القياس، والجاري على أصولهم.
وقال عبد الملك: إذا باع الورثة القضاء من حضر من الغرماء، وثم غرماء غيرهم قد علموا بهم، أن بيعهم ماض، والقضاء فاسد، ويرجع الطارئ ويحاصص القابض، ولا يحسب عليه ما بقي بيد الورثة؛ لفساد القضاء.
[مسألة: فيمن مات وترك ما يفي بديونه فقضى الوصي أو الورثة بعض غرمائه ثم تلف ما بقي] قال ابن القاسم: وإن مات وترك وفاء بديونه فقضى الوصي أو الورثة بعض غرمائه، ثم تلف ما بقي، فليس للباقين رجوع على من قبض من الغرماء بشيء، إذا كان فيما بقي

الجزء: 17 - الصفحة: 624

وفاء لديونه، أي لدين الباقين.
يريد: إذا هلك ذلك بيد الورثة ببينة، أو كان مما لا يغاب عليه، وإلا فهم ضامنون.
[الفصل 4 - إذا باع الورثة مال الميت وقضوا دينه وفضلت فضلة بأيدهم ثم قدم غريم فإنه يتبع الورثة ولا يتبع الغرماء] قال ابن القاسم: وإذا باع الورثة مال الميت وقضوا ديونه، وفضلت فضلة بأيديهم، ثم قدم غريم فإنما يتبع الورثة، ولا يتبع الغرماء إن كان في الفضلة تمام دينه، وجد الورثة أملياء أو عدماء، ومن وجد منهم ملياً أخذ مما صار بيده ما بينه وبين تمام حقه، ثم يرجع هذا الوارث على بقية الورثة بما يجب له، وإن لم يكن فيما فضل كفاف دين القادم أتبع الورثة بمثل الفضلة، وأتبع الغرماء ببقية منابته في الحصاص أن لو حضر.
وتفسير ذلك: أن تكون التركة مئتين وخمسين، والدين ثلاث مئة، لثلاثة رجال، لكل منهم مئة، وأحدهم غائب لم يعلم به، فأخذ الحاضران مئتين، والورثة خمسين، ثم قدم الغائب فقد علمت أنه لو حضر لنابه في الحصاص ثلاثة وثمانون وثلث، فله خمسون منها في ذمة الورثة، وتبقى ثلاثة وثلاثون وثلث يرجع بها على الغريمين بينهما نصفين.
ولو ذهب ما بيد الورثة ببينة بأمر من الله عز وجل لرجع على الغريمين بثلاثة وثلاثين وثلث بينهما نصفين، كما ذكرنا، ثم إن طرأ للميت مال رجع الطارئ فيه يجمع ما بقي له، بالخمسين والسبعة عشر غير ثلث، ويرجع فيه كل واحد من الغريمين الأولين بسبعة عشر غير ثلث.
[الفصل 5 - فيمن فلس فوجد له مال قضي منه غرماءه، وأوقف الباقي فهلك في الإيقاف، أو سلم إلى المفلس فأتلفه، ثم طرأ غريم فعلى من يرجع؟] ووقع في كتاب ابن حبيب: فيمن فلس فوجد له ألف ومائة، فأخذ غرماؤه الألف، وأوقفت المئة، فهلكت في الإيقاف، فهي منه، أوسلمت إليه فأتلفها، ثم طرأ غريم له

الجزء: 17 - الصفحة: 625

مئتان، قال: إن تلفت في الإيقاف فهي من الطارئ، وإن أنفقها المفلس فهي في ذمته لا يرجع بشيء منها على الأولين.
وأما المئة الأخرى فيرجع بها عليهم في الوجهين على أن يحاصهم فيما قبضوا بجزء من أحد عشر.
م/: والصواب أن يحاصصهم بالمئتنين، كما لو كانت المئة الذاهبة حاضرة، فما وقع له على ذلك، وهو مئتان إلا سدس مئة، فيحسب عليه أنه قبض مئة، ويدفعون إليه خمسة أسداد مسة.
وعلى ما قال ابن حبيب: يدفعون له إحدى وتسعين إلا جزءاً من أحد عشر؛ لأنه لم يدخل المئة التي كانت أوقفت له بالحصاص، وذلك غلط.
وقال أصبغ: إنما يكون ما أوقف من الطارئين في الموت؛ لانقطاع ذمته، وأما من له ذمة قائمة فحق الطارئين في ذمته، ولا يحسب عليهم ما هلك، كما لو حضروا وأبوا القيام فهلك ما بيع لهم في الإيقاف لكان ضمالن ذلك ممن قام بتفليسه دون من أبى أن يقوم.
ومن المدونة قال ابن القاسم: ولو كانت التركة كفاف دينها فقضاهما لرجع

الجزء: 17 - الصفحة: 626

عليهما بحصاصه، وإن ألفاهما عديمين أتبع ذمتهما ولم يتبع من قضاهما من الورثة أو الوصي بشيء إن قضوهما ولم يعلموا بدينه.
قالا: ويحاصص من قضى له في دينه بشاهد ويمين من قضي له بشاهدين.
فصل [6 - في الورثة يبيعون التركة ويستهلكون ثمنها ثم تطرأ ديون على الميت] وإذا باع الورثة التركة فأكلوا ذلك واستهلكوه ثم طرأت ديون على الميت، فإن كان الميت يعرف بالدين فباعوا مبادرة لم يجز بيعهم، وللغرماء انتزاع عروضهم من يد من هي بيده، ويتبع المشتري الورثة بالثمن.
قال في كتاب محمد: إلا أن يشاء المشترون أن يدفعوا قيمة ما نمى أو نقص بأيديهم يوم قبضوه فذلك لهم ويرجعون على الورثة بالثمن.
قال في المدونة: وإن لم يعرف الميت بالدين، وباعوا على ما يبيع الناس أتبع الغرماء الورثة بالثمن، كان فيه وفاء أو لم يكن، ولا تباعة على من ذلك المال بيده.
م/: يريد ما لم يحابوا، وإن كانوا عدماء أتبعهم دون المشتري.
ومنغير المدونة قال مالك: فيمن هلك وترك ألف دينار، وعليه مئتان دينار، فباع الورثة بعض التركة لأنفسهم، وقالوا: فيما ترك أكثر من دينه.
فهلك ما

الجزء: 17 - الصفحة: 627

بقي، أن بيعهم لا يجوز؛ لعلهم، وأنهم إنما باعوا لأنفسهم.
[الفصل 7 - في الوصي يتجر بمال اليتامى ثم يطرأ غريم على الميت] ومن العتبية قال ابن القاسم: فيمن ترك بنين صغاراً وأوصى بهم رجلاً، وترك ثلاثمئة دينار، فتجر لهم فيها الوصي فصارت ستمئة، ثم طرأ علىلميت دين ألف دينار أن الستمئة تؤدي كلها في الدين؛ لأنه لو أنفق عليهم المال لم يضمنوه، ولو أن الورثة كبار لا يولى عليهم فنجروا في التركة وربحوا فليس عليهم إلا رأس المال، لهم النماء وعليهم النقصان.
[مسألة: في ضياع دين الغريم بعد عزله من التركة] ومن المدونة: وإذا عزل الورثة دين الغريم واقتسموا ما بقي ثم ضاع ما عزلوه لم يضمنه الغريم، ويرجع عليهم فيما قبضوه، ولو عزل القاضي، ثم قسم الباقي بين الورثة كان ضياع ذلك ممن أوقف له.
[الفصل 8 - في هلاك مال المفلس في إيقافه من قبل الإمام] ومن غير المدونة: وإذا أوقف الإمام مال مفلس ليقضيه غرماءه فهلك في مدة إيقافه، فروى أشهب عن مالك أن ذلك من المفلس، عيناً كان أو عرضاً.
وروى ابن القاسم عن مالك في العرض وشبهه أنه من المفلس، وأما العين فمن الغرماء، وبه قال ابن القاسم.
وروى ابن الماجشون عن مالك أن العين والعرض من الغرماء من حضر منهم أو غاب ومن علم أو لم يعلم العين بوزنه والعرض بقيمته، وشبهه بالثمن يهلك في

الجزء: 17 - الصفحة: 628

المواضعة فيكون ممن تكون له الأمة، وبه قال.
م/: فوجه قول ابن القاسم: أن العرض لما كان للمفلس نماؤه كان عليه تواؤه، وأما العين لما لم يكن فيه نماء كان من الغرماء.
ووجه قول أشهب: أن الجميع كان في ذمة المفلس، فلا يزول عنها حتى يصل إلى الغرماء، وابن الماجشون فقد وجه قوله.
والله الموفق للصواب.

الجزء: 17 - الصفحة: 629

[الباب الثالث]

في قضاء المريض بعض غرمائه وإقراره بدين أو بقبضه أو يوصي بتأخيره وفي رهن المديان وفي قضائه وبيعه وإقرار بعض الورثة بدين وتأخير أحد الشريكين للغريم بحصته

[الفصل 1 - في قضاء المريض بعض غرمائه وإقراره بدين أو بقبضه] قال مالك رحمه الله: وإذا مرض رجل -قال أصبغ- مرضا مخوفا، وعليه دين فليس له أن يقضي بعض غرمائه دون بعض؛ لأن قضاءه الساعة على وجه التأليج، فإذا فعل لم يجز ذلك إذا كان الدين يستغرق ماله.
وقال غيره: المريض لم يحجر عليه في التجارة.
وهو كالصحيح في تجارته وفي إقراره بالدين لمن لا يتهم عليه.
م/: يريد: فكذلك قضاؤه جائز.
وقاله سحنون في كتاب ابنه.
وقال إسماعيل القاضي: لا يجوز قضاؤه إلا أن يكون عنده كفاف الدين فأكثر.
ومن المدونة قال مالك: ولا يجوز إقرار المريض لبعض الورثة بدين؛ لأنه كوصية

الجزء: 17 - الصفحة: 630

لوارث، وأما إن أقر لزوجته بدين أو مهر فإن لم يعرف منه إليها انقطاع وناحية، ولعل له ولداً من غيرها فذلك جائز، وإن عرف بانقطاع إليها ومودة فيها وقد كان بينه وبين ولده تفاقم، ولعل له منها ولداً صغيراً فلا يجوز إقراره.
قيل لابن القاسم: أفغيرها من الورثة بهذه المنزلة فيمن له منه انقطاع أو بعد؟ قال: لا.
وإنما رأى ذلك مالك في الزوجة؛ لأنه لا يتهم أحد إذا لم يكن له منها ولد، ولم يعرف بانقطاع مودة إليها أن يقر إليها بماله عن ولده.
قال مالك في غير المدونة: وكذلك الزوجة إذا أقرت يقبض الرهن من زوجها في مرضها لا يجوز، إلا أن يكون لها ولد من غيره، وكان بينها وبين زوجها تفاقم فيجوز.
قال في المدونة: وأما إن ورثة إخوته أو بنوه فلا يجوز إقراره لبعضهم.
م/: قال بعض أصحابنا: والفرق بين الزوجين وبين غيرهما من سائر الورثة أن الورثة في الظنة أقوى؛ لأن سببهم باق غير منقطع، وسبب الزوجين منقطع بالموت والطلاق، والله أعلم.
قال بعض فقهاء القرويين: لا فرق بين إقرار أحد الزوجين لصاحبه، ولا بين

الجزء: 17 - الصفحة: 631

إقراره لسائر الورثة.
[الفصل 2 - في إقرار الأب في مرضه لولده العاق على البار] قال: وقد ذكر الاختلاف في كتاب محمد في إقرار الأب في مرضه لولده العاق على البار، فأجازه مرة ولم يجزه أخرى، ولم يذكر خلافاً في إقراره لأحدهم إذا تساووا عنده في الدرجة، وذكر في شهادته لبعضهم على بعض إذا تساووا عنده اختلافاً، وكذلك ينبغي أن يكون في إقراره لبعضهم في مرضه مع تساويهم في الدرجة؛ إذ لا يتهم في هذا الإقرار.
وقد اختلف في إقراره لبعض العصبة إذ ترك بنات وعصبة فأجيز؛ لأن الذي يخرجه عن بعض العصبة مثله يخرج عن ابنته فلا يتهم، وقيل: لا يجوز.
والأشبه أن إقرار المريض إنما منع لإيثاره من يقر له، فإذا ظهر أنه لا تهمة عليه فيمن آثره على من بقي جاز إقراره.
م/: وهو ظاهر المدونة؛ لأنه قال: وأصل هذا قيام التهمة فيمن يقر له، فهي العمدة في ذلك.
قال: إلا أن يكون لمنيتهم عليه دليل على تصديق الميت في إقراره.
كما قال: في الأخت التي كانت اقتضته، وكولده الصغير الذي كان يعرف له ميراثاً ورثة فيقر له أبوه في مرضه أن هذه الدار، وهذه الدابة، أو هذا العبد كان اشتراه له بما ورثه، وأن له عندي من ماله كذا، فإن كان ما يذكر صدق لعلمنا بأصل ذلك.
ومن المدونة قال ابن القاسم: ولو ترك ابنته وعصبة يرثونه بقرابة أو ولاء فأقر لهم

الجزء: 17 - الصفحة: 632

بمال فذلك جائز، ولا يتهم أن يقر إلى العصبة دون الابنة، وأصل هذا قيام التهمة، فإذا لم يتهم بمن يقر إليه دون من يرث معه جاز إقراره، فهذا أصل ذلك.
ومن أقر في مرضه بدين لصديق ملاطف أو لزوجته، وعليه دين ببينة يغترق ماله فلا يقبل قوله، وإن لم يكن عليه دين جاز إقراره للصديق الملاطف إن ورثه ولده.
قال سحنون: وإن ورثه كلالة لم يجز إقراره له بثلث ولا غيره، وتجوز الوصية له في الثلث ورثه ولد أو كلالة.
قال ابن القاسم: ويجوز إقرار المريض يقبض الدين إلا من وارث، أو ممن يتهم بتأليج إليه، وكذلك لا يجوز إقرار الزوجة يقبض مهر مؤجل من زوجها في مرضها.
وإذا أوصى المريض بتأخير دين له على رجل قد حل، ولا يحمله الثلث، أو هو جميع ماله خير الورثة بين التأخير أو القطع له بثلث جميع التركة، كما لو أوصى له بمائة دينار يعمل بها سنة، ولا مال له غيرها فلم يجزه الورثة أنه يقطع له بثلثها.
وفي كتاب التفليس شيء من إقرار المريض.
فصل [3 - في رهن المديان وبيعه وشرائه] قال مالك: ورهن من أحاط الدين بماله جائز ما لم يفلس ويكون المرتهن أحق بالرهن من الغرماء.
وقد كان روي عن مالك خلاف هذا، وقاله عبد العزيز: إن الغرماء يدخلون معه،

الجزء: 17 - الصفحة: 633

وليس ذلك بشيء، والقول الذي سمعت أنا منه عليه جماعة الناس، وله أن يقضي بعض غرمائه دون بعض، سواء قام بقية غرمائه بإثر ذلك، أو تأخر قيامهم، إذا كان يبيع ويتاجر الناس، فبيعه وقضاؤه ورهنه جائز.
م/: لم يختلف قوله في بيعه وشرائه أنه جائز، وإنما اختلف قوله في رهنه في ابتداء بيع ابتاعه، وقضائه لدين تقرر في ذمته، والصواب أنه جائز لأنه ليس بمتعمد، والغرماء عاملوه على أنه يبيع ويشتري ويقضي.
ابن حبيب: قال ابن القاسم: وكذلك لو فطن المقتضي باستغراقه، وبادر الغرماء، فهو أحق ما لم يكن الغرماء قد تساووا كلهم في تفليسه، ولم يرفعوه ثم جاء بعضهم إليه فقضاه، فهذا يدخلون معه.
وقال أصبغ: لا يدخلون معه، وبه أقول.
قال ابن ميسر: إقراره ما دام قائم الوجه منبسط اليد في ماله جائز، واستحسن إذا قرب من تفليسه، وخاف قيام الغرماء فأقر لمن يتهم عليه من ولد أو والد، فأنا أبطل إقراره، واراه تأليجاً، وأما إقراره لأجنبي فجائز.
وفي كتاب التفليس شيء من هذا.

الجزء: 17 - الصفحة: 634

[الفصل 4 - في إقرار المديان بدين لمن يتهم عليه] ومن كتاب المديان قال مالك: ومن كان عليه دين لأجنبي ببينة يغترق ماله فلا يجوز إقراره بدين لصديق ملاطف، أو لزوجة، أو لغيرهما أو ورثته.
وقال مالك: فيمن عليه دين يغترق ماله فأقر لاخت له بدين فلا شيء لها، إلا أن تكون لها بينة على أصل الدين، أو تقيم بينة أنها كانت تقتضيه في حياته فذلك لها.
قال سحنون: يعني فيلزمه إقراره لها.
م/: وقيل: إن إقرار هذا البيان بدين لمن يتهم عليه جائز؛ إذ لا تهمه عليه في ذلك؛ لأن ما يبقى من الدين لبقية الغرماء إذا حاصهم هذا، وهو باق في ذمته، بخلاف المريض، ولما كان المريض ينقطع ذمته لم يجز قضاؤه لبعض غرمائه، ولا إقراره لمن يتهم عليه؛ لأنه يضر بذلك غيره، ومن أحاط الدين بماله إنما يضر بنفسه، والمأذون والشريك في إقرارهما لمن يتهمان عليه كالمريض، لأن ذلك يؤول إلى إضرار غيرهما.
[الفصل 5 - في إقرار بعض الورثة بدين على مورثهم] ومن المدونة قال مالك: وإن هلك رجل وترك ولدين ومئتي دينار فأقر أحدهما أن لفلان على أبيه مئة، وأنكر الآخر، فإن كان هذا المقر عدلاً حلف معه المقر له وأخذ المئة وإن أبى أن يحلف رجع على المقر بنصف المئة التي في يديه؛ لأنه إنما يلزمه إقراره في حصته دون حصة أخيه، وإن كان المقر سفيهاً لم تقبل شهادته في هذا، ولا يؤخذ من ماله

الجزء: 17 - الصفحة: 635

شيء.
أبو محمد: وقد قيل شهادة السفيه في غير تلف ماله جائزة إن كان عدلاً، وفي ذلك اختلاف.
م/: وعند أشهب يعطيه المقر جميع المئة التي بيده؛ إذ لا يصح له أن يرث شيئاً إلا بعد أن يؤدي الدين، وجعل ما أخذ أخوه كالجائحة على المال، وكذلك يقول: إذا أشهد أن أباها أعتق هذا العبد، وهو الثلث، وشهد أجنبيان أن أباهما أوصى بالثالث لفلان، والعبد يرغب في ولائه فسقطت شهادتهما فيه، وأخرج الثلث أن ذلك كجائحة طرأت على المال، ويعتق عليهما ثلث العبد.
قال ابن القاسم: وإن شهد رجلان من الورثة بذلك قضى بهما إن كانا عدلين.
[الفصل 6 - فيمن أقر أن لفلان عليه بضعة عشر درهماً واختلفا في مقدار البضع] ومن أقر أن لفلان عليه بضعة عشر درهماً -والبضع عند مالك ما بين ثلاثة إلى تسعة- قال: فإن اختلفا في البضع لم يقض له إلا بثلاثة -يريد: زائدة على العشرة- إلا أن يزيد المقر عليها.
م/: يريد: ويحلف المقر في زيادة ما ادعاه المقر له من البضع.
م/: وهذا هو الصواب إذا حققنا دعواهما، وإن شكا جميعاً كم ذلك؟ فقيل: لا

الجزء: 17 - الصفحة: 636

يلزم ذمة المقر إلا ثلاثة عشرة، وذلك أن ذمته بريئة، ولا تعمر بالشك.
وهو قول أشهب.
وقيل: يقسم الزايد على ثلاثة عشر إلى تسعة عشر بينهما نصفين، فيكون له على هذا الستة عشر؛ لأن كل شيء أشكل الأمر فيه فقد نوجب قسمه، كرجلين أيديهما على شيء، فيقسم بينهما إذا تنازعا فيه، فأما إذا شك أحدهما وتحقق الآخر، فالقول قول من تحقق، واختلف في يمينه.
فصل [7 - في أحد الشريكين يأخذ حصته من المدين، وفي أحد الورثة يصالح بحصته مدين وليه] وإذا كان لرجلين دين على رجل فأخره أحدهما بحصته لزمه ذلك، فإن أعدم الغريم وقد اقتضى الآخر حصته فلا رجوع لصاحبه عليه، فأما صلح أحدهما للغريم على شيء من حقه فقد جرى مستوعباً في كتاب الصلح، وإن ادعى ورثة على رجل بدين لوليهم، وكانت بينهما خلطة فصالح أحد الورثة في حصته في على إقرار، أو إنكار على عين، أو عرض، فلبقية الورثة الدخول معه فيه، وتمام هذا في الصلح والكفالة.
[الفصل 8 -] فيمن بعث بصلة لرجل فمات قبل وصولها قال ابن القاسم رحمه الله: ومن قال لرجل: لا شيء له عنده ادفع إلى فلان مائة درهم سلة مني لهن فمات الآمر قبل دفع المأمور إياها، فإن كان قد أشهد على ذلك فهي نافذة، وإن لم يشهد فهي رد.
وكذلك قال مالك فيمن بعث بهدية إلى رجل فمات الباعث قبل وصولها إلى الموهوب، أنه إن كان أشهد على ذلك حين بعث بها فهي للذي بعثت إليه، وكذلك من تصدق

الجزء: 17 - الصفحة: 637

على رجل بدين له على آخر، فإن كان أشهد له، ثم مات المعطي قبل أن يقبض فذلك الدين للمتصدق به عليه.
ومن ذلك أيضاً من ساق عن ناكح صدقاً فمات السائق قبل قبض الزوجة الصداق، أن ذلك الصداق لازم للميت، يؤخذ به من رأس ماله.
وقال غيره: إن مات الذي وصل الرجل بالصلة قبل قبض الموصول إياها حتى يصير بالقبض ديناً على الواصل فلا شيء للمعطي.
م/: قال بعض الفقهاء: وقول ابن القاسم أبين، وذلك أن الواصل لما التزم له المأمور، وأشهد الواصل أنه وصل بها فلاناً صار ذلك كدين له على من أسلفه، أحال به الموصول عليه، فصار ذلك أيضاً كدين للموصول على المسلف من حوالة أحيل بها عليه فلا يضر فيها موت من مات منهما.
أما الواهب؛ فلأنه انتقلت هبته منه على المسلف، فصار ذلك كقبض الهبة، فلا يضر موته، وأما المسلف؛ فلأنه قد أحيل، وليس بواهب، فلا يضر موته، ويؤخذ ذلك منه من تركته، وكما لو نهب إنساناً هبة فبعتها له برضاه من آخر قبل أن يقبضها، ثم مات الواهب لصحت الهبة؛ لتعلق حق المشتري بها، وهو غير محتاج إلى حيازة؛ لكونه مشترياً، وكذلك حمل الصداق من هذا المعنى؛ لأن الحامل لا يشك أنه واهب للزوج، إلا أن حق الحامل وإن مات، واختلف في حمله بعد عقده النكاح، فقيل: الموت يبطله، وكذا يجب في الحمالة إذا كانت بعد العقد فمات الحميل، والأولى ما قدمناه، وزدت زيادة فيه من لفظي والله الموفق للصواب.

الجزء: 17 - الصفحة: 638

[الباب الرابع]

في المأمور يدفع خلاف ما أمر به، وفيمن عجل ديناً عليه

[الفصل 1 - في المأمور يدفع خلاف ما أمر به] قال ابن القاسم: وإذا أمرت من لك عليه دراهم قد حلت يدفعها إلى من استقرضكها فأعطاه بها دنانير برضاه فذلك جائز، وليس لك منعه، واستحب لك اتباع الآخذ بدراهم.
والقول فيه عن مالك مختلف.
ولو قبض فيها عرضاً لم تتبعه إلا بدراهم؛ لأنك إنما أسلفته دراهم فباعها هو قبل قبضها بدنانير، أو عرض، وليس لك منعه.
وإن استقرضك دنانير فأمرت من لك عليه دنانير فأمرت من لك عليه دنانير أن يدفعها إليه، وله هو على المستقرض دراهم، فأراد هو مقاصته بها جاز إن حلا، وإن أمرت رجلاً يقضي عنك ألف درهم فدفع فيها دنانير، أو عرضا، أو طعاماً فإنما يتبعك بمثل ما أمرته به؛ لأنه سلف منه لك.
وقد ذكر فيه اختلاف عن مالك، وأنه لا يربح في السلف.
قال ابن القاسم في كتاب محمد: اختلف قول مالك فيه ثلاث مرات إذا أمره أن يدفع دنانير فدفع دراهم.
فقال مرة: يرجع بالدراهم.
وقال مرة: هو بالخيار إن شاء دفع دراهم وإن شاء دفع دنانير، ثم رجع عن ذلك كله، وقال: بل يرجع بالدنانير.
قال ابن القاسم وهو أحب إلى.
م/: وعلى قوله: لا يربح في السلف، إذا كان المدفوع عرضاً ينبغي أن يرجع المأمور على الآمر بالأقل من قيمة العرض، أو الدرهم التي أمره بها، قاله غير واحد من

الجزء: 17 - الصفحة: 639

شيوخنا.
قال ابن المواز: وأما في أقل من دينار لو أمرته أن يدفع عنك نصف دينار فدفع عنك دراهم فبها يرجع؛ لأن ذلك الأمر إنما يقع على الورق.
وقد روى ابن القاسم وابن وهب عن مالك أنه يخير أن يدفع ما دفع من الدراهم أو نصف دينار بصرف يوم يدفع إليه، يريد مالك: أنه يقضيه الأقل.
قال ابن القاسم: ثم رجع مالك ومن تبعه إلى ما ذكرناه، وأما لو دفع فيها طعاماً، أو عرضاً كان له على الأمر نصف دينار ما بلغ من ذلك، وكذلك لو دفع في ذلك ديناراً فصرفه الطالب فأخذ نصفه ورد نصفه إلى المأمور رجع المأمور بنصف ديناره بالغاً ما بلغ.
فصل [2 - فيمن سأل رجلاً أن يقضي عنه فلاناً ألف درهم فوعده بذلك ثم مات الآمر قبل القضاء] ومن المدونة: ومن سأل رجلاً يقضي عنه فلاناً ألف درهم فأنعم له بذلك فمات الآمر قبل القضاء.
قال أبو محمد: يريد: مات الآمر عديماً.
قال ابن القاسم: فإن كان الطالب رب الدين اقتعد من المأمور على وعد ورضيا بذلك، وانصرفا عليه لزمه الغرم، وهذه حمالة.
ومن أمر رجلاً يدفع لفلان ألف درهم قال: عني، أو لم يقل، ففعل، ثم قال الآمر: كانت لي ديناً على المأمور فأنكر المأمور، وقال: بل أسلفته إياها فإن القول قول المأمور.

الجزء: 17 - الصفحة: 640

فصل [3 - فيمن عجل قضاء دينه قبل أن يحل أجله] قال مالك: وإذا كان لك على رجل دين دنانير أو دراهم إلى أجل فعجلها لك قبل الأجل جبرت على أخذها كانت من بيع أو قرض، ولو كان دينك عرضاً أو طعاماً أو حيواناً مع قرض فعجله لك قبل الأجل جبرت على أخذه.
وإن كان ذلك من بيع لم يجبر على أخذه.
م/: قال ابن القاسم: إلا في الموت والفلس فإنه يجبر على أخذها؛ لأنها تصير كالحالة.
ابن المواز: قال مالك: ومن كان له على رجل حق فجاء ببعضه، فقال: لا أقبل إلا كله، فأرى أن يجبر على أخذ ما جاء به.
وقال ابن القاسم: إن كان الذي عليه الدين معسراً أجبر هذا على أخذ ما جاء به، وإن كان الغريم موسراً لم يجبر رب الحق على أخذ ما جاء به، وجبر الغريم على دفع الحق كله، والله الموفق.

الجزء: 17 - الصفحة: 641

[الباب الخامس]

فيمن ضمن عن ميت ديناً أو أداه عن حي بغير أمره، وفي الوكيل، أو الوصي يقر بقبض الدين، أو ينكر، أو يدفعه بغير بينة

[الفصل 1 - فيمن ضمن عن ميت ديناً أو أداه عن حي بغير أمره] قال ابن القاسم: ومن مات وعليه دين فتبرع رجل فضمن دينه فذلك لازم له، ولا رجوع له عن ذلك، فإن كان للميت مال رجع فيه بما ودى إن قال: إنما وديت لأرجع في ماله، وإن لم يكن له مال، والضامن بذلك عالم، فإنه لا يرجع في مال إن بان للميت؛ لأنه بمعنى الحسنة، ومن ضمن لرجل ماله على ميت ثم بدا له فقد لزمه؛ لأن المعروف كله إذا أشهد به الرجل على نفسه لزمه عند مالك، ومن ودى عن رجل ديناً عليه بغير أمره أو دفع عنه مهراً لزوجته جاز ذلك إن فعله رفقاً بالمطلوب.
وأما إن أراد الضرر بطلبه وإعناته أو أراد سجنه لعدمه؛ لعداوة بينه وبينه منع من ذلك، وكذلك إن اشتريت ديناً عليه تعنيتاً له لم يجز البيع، ورد إن علم بهذا.
[الفصل 2 - في شراء الدين بقصد ضرر الغريم] م/: واختلف شيوخنا من المتأخرين إن كان مشتري الدين قاصداً بشرائه ضرر الغريم، والبائع غير عالم يقصده، فقال بعضهم: يفسخ البيع مثل تواطئهما جميعاً، وشبهه بالسلف يقصد بسلفه النفع، والقابض للسلف لا علم عنده، وكبيع من تلزمه الجمعة ممن لا تلزمه.

الجزء: 17 - الصفحة: 642

وقال غيره: وإذا لم يعلم البائع بقصد المشتري الضرر لم يفسخ عليه صفقته، ويباع الدين على المشتري فيرتفع الضرر عن الذي عليه الدين.
م/: وهذا القول أبين، وإنما يفسد البيع بقصد البائع الضرر كما يفسد السلف بقصد المسلف النفع لنفسه، لا بقصد المستسلف، وأما بيع يوم الجمعة فإنما يفسد للوقت المنهي عنه، فأنت إن بعته في الوقت المنهي عنه فسد على المبتاع الذي تلزمه الجمعة، ودخل في المحذور، ولا يدخل ذلك في بيعك على المبتاع القاصد للضرر فافترقا، وظاهر الكتاب يدل على الأول.
فصل [3 - في الوكيل أوالوصي يقر يقبض الدين أو ينكر أو يدفعه بغير بينة] قال مالك: ومن وكل رجلاً يقبض ديناً له على رجل فقال: قبضته وضاع مني.
أو قال: برئ إلى من المال، وقال الرجل: دفعته إليه، لم يبرأ الدافع إلا أن يقيم بينة أنه دفعه إليه، أو يأتي الوكيل بالمال، إلا أن يكون الوكيل مفوضاً إليه، أو وصياً فهو مصدق، بخلاف وكيل مخصوص، فإن قال الوصي: قبضت من غرماء الميت ما عليهم لم يكن لليتامى إن بلغوا رشداً اتباعهم، وذلك يلزمهم، وكذلك إن قال: قبضته وضاع مني صدق وبرئ.
م/: لأنه هو المتولي لأمورهم، وسواء كان الميت ولي معاملتهم أو الوصي، وأما إن لم يقل هذا إلا بعد رشد اليتامى.
فذكر في كتاب محمد أنه يكون شاهداً لهم يحلفون مع شهادته.

الجزء: 17 - الصفحة: 643

وفي المدونة: في إقرار الشريك بعد موت شريكه أن هذا المتاع رهن عند فلان أنه شاهد مع أنه لو لم تجز شهادته غرم بسبب ضمانه عن شريكه.
ومن المدونة قال ابن هرمز: فإن ادعى الغرماء أنهم دفعوا المال إلى الوصي فأنكر ذلك الوصي حلف، فإن نكل ضمن.
م/: يريد: بعد رد اليمين على الغريم.
وأما مالك فضمنه بنكوله في اليسير، وتوقف في الكثير.
قال ابن القاسم: ورأيي على رأي ابن هرمز أنه يضمن في القليل والكثير.
وإنما توقف مالك في الكثير خوفاً من أن تبطل أموال اليتامى، وخوفاً من أن يضمن الوصي وهو أمين لهم، فقال: لا أدري، وإذا قضي الوصي غرماء الميت بغير بينة فأنكروا ضمن إن لم يأت بالبينة؛ لأنه قد فرط، والله الموفق.

الجزء: 17 - الصفحة: 644

[الباب السادس]

في أحكام المولى عليه والسفيه وما يستوجب به الرشد أو الحجر

[الفصل 1 - متى يخرج المولى عليه والمحجور عليه من الولاية والحجر؟] قال الله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء:6] فشرط الرشد مع البلوغ.
قال مالك: فلا يخرج المولى عليه باب أو وصي من الولاية وإن حاضت الجارية، وتزوجت، واحتلم الغلام، أو خضب بالحناء فلا يدفع إليه ماله إلا برشد الحال.
وقاله ابن العباس.
قال بعض البغداديين: ولا يزول الحجر عن الصغيرة حتى تبلغ وتتزوج ويدخل بها زوجها، وتكون مصلحة لمالها.
وقال أبو حنيفة والشافعي: إن الحجر ينفك عنها بمجرد البلوغ وإيناس الرشد من غير حاجة إلى زوج.
والدليل لقول مالك: أن من شأن الأبكار الاستتار، وقلة التصرف، والبيع والشراء؛ لأن ذلك يؤدي إلى أن لا يرغب فيهن الأزواج، وإذا لم تخبر الرجال والمعاملات لم تعرف إصلاح المال ووجوه الغبن فكان الحجر عليها مستصحباً حتى إذا دخل بها الزوج، وعرفت الرجال والمعاملات، وعرف ضبطها للمال زال الحجر عنها.
وهذا الفرق بينها وبين

الجزء: 17 - الصفحة: 645

الغلام.
[الفصل 2 - حكم أفعال من ليس له ولي ولا وصي ولم يتقدم عليه حجر] م/: قال غيره: وأما من مات أبوه ولم يوص به لأحد، ولا جعله القاضي في ولاء فبلغ، وحاضت الجارية فباعا واشتريا، أو وهبا، فاختلف في ذلك.
فذهب ابن القاسم إلى أن أفعاله لا تجوز إلا بعد ثبات رشده، ولا فرق عنده بين من تقدم عليه حجر أم لا؛ لأن العلة الموجبة لرد أفعاله كونه غير ناظر لنفسه، ومتلفاً لماله، فمتى وجدت وجب رد أفعاله، كالصغير والمجنون.
وقال أكثر أصحاب مالك: إن لم يتقدم عليه حجر فأفعاله جائزة حتى يحجر عليه.
[الفصل 3 - في حكم أفعال المولى عليه] ومن المدونة قال مالك: ولا يجوز للمولى عليه بيع، ولا عتق، ولا هبة، ولا صدقة، ولا يلزمه ذلك بعد بلوغه ورشده إلا أن يجيزه الآن، واستحب له إمضاؤه، ولا أجبره عليه.
وأما ما ليس له فيه إلا المتعة ففعله فيه جائز، فيجوز طلاقه زوجته، وعتقه أم ولده.
وأما النكاح فلا، إلا بإذن وليه، وما وهب له من مال فإنه يدخل في الحجر، وكذلك إن تجر فربح.
ولا يجوز شراؤه أيضاً إلا ما لا بد له منه في عيشه، مثل الدرهم يبتاع به خبزاً، أو لحماً، أو بقلا، أو نحو ذلك فإنه جائز أن يشتري ذلك لنفسه؛ لأنه يسير، وهو يدفع إليه نفقته فيشتري بها ما يصلح له.
قال: وللرجل منع أم الولد من التجارة في مالها، كما له انتزاعه.
وليس له منع زوجته من التجارة، وله منعها من الخروج.

الجزء: 17 - الصفحة: 646

قال مالك: وإذا عقل الصبي التجارة فأذن له أبوه أو وصيه أن يتجر لم يجز ذلك الإذن؛ لأنه مولى عليه.
قال: ولو دفع الوصي إلى المولى عليه بعد الحلم بعض المال ليختبره به فلحقه فيه دين لم يلزمه الدين فيما دفع إليه، ولا فيما أبقى بيده، ولا في ذمته؛ لأنه لم يخرج من الولاية بذلك.
قال ابن القاسم: وهو بخلاف العبد يأذن له سيده في التجارة؛ لأن العبد لم يمنع لسفه منه، وإنما منع من البيع والنكاح وغيره؛ لأن ملكه بيد غيره، فإذا أذن له جاز.
والصبي والسفيه ليس ملكه بيد أحد، فليس الإذن له مزيلاً للسفه.
وقال غيره في اليتيم المختبر بالمال: يلحقه ما أدان فيه خاصة.
م/: فوجه قول مالك: أن هذا الإذن لم يخرجه من الولاية، إنما هو لاختبار حاله، فهو كالمولى عليه يعامل.
قال أبو الحسن بن القابسي: وإنما ينبغي أن يبايع فيه بالنقد، فمن بايعه بغير النقد فهو الذي لا يكونه له في المال الذي في يد المولى عليه شيء، إلا أن يكون في يديه أكثر مما دفع إليه وليه، فيكون حق الذي داينه في الزائد إذا كان الزائد في معاملته إياه.
م/: ووجه قول غيره: إن إذن وليه له في هذه التجارة يقتضي تعلق دين من يداينه عليه فيها؛ لأنه على ذلك داينه، وهو مطلق اليد فيها كالرشد.
قال ابن القاسم: ولو دفع أجنبي إلى محجور عليه من يتيم أو عبد مالاً ليتجرا فيه

الجزء: 17 - الصفحة: 647

فما لحقهما من دين كان في ذلك المال خاصة، بخلاف دفع الموصي، ولا يلزم ذمتها، ولا ذمة الدافع شيء.
قال في الوصايا الثاني: إذا أمر الولي الصبي أن يتجر جاز، فإن خرج في تجارة من موضع إلى موضع فأذن الولي لم يكن به بأس.
[الفصل 4 - في الوصي يدفع للصبي مالاً يختبره به] قال أبو محمد: وللوصي أن يدفع للصبي مالاً يختبره به، ولا يضمن الوصي ما نقص منه.
قال ابن حبيب: وإذا دفع الوصي مالا ليتيمه ليستخبره به، ثم أنكر ذلك اليتيم، فالوصي مصدق فيما دفع إليه، ويضم ذلك إلى ما أنفق عليه إذا علم أن اليتيم كان يتجر.
قال ابن المواز: لم يختلف أصحاب مالك في الصغير إذا بلغ أنه لا يدفع إليه ماله حتى يؤنس منه الرشد.
ولا يصلح قول أهل العراق: أنه لا يحكم له بمال حتى يبلغ حمساً وعشرين سنة، ويجوز عندهم قبل ذلك بيعه وشراؤه وعتقه، وهذا خلاف ما دل عليه القرآن.
[الفصل 5 - في الحجر على السفيه الكبير لا أب له ولا وصي] قال: واختلف في الكبير السفيه لا أب له ولا وصي، هل يحجر عليه أم لا؟ فقال أشهب: لا أرى ذلك إلا في البين أمره في تبذير ماله، ومن لا يحكم إمساكه.
وقال ابن القاسم: يحجر على من لو كان له وصي لم يقض له بأخذ ماله ممن لم يتبين رشده.
ويترع القضاي ماله ويجعل من يلي عليه، وكذلك من دفع إليه وصية ماله ثم

الجزء: 17 - الصفحة: 648

ظهر منه غير الرشد أن له أن يحجر عليه ثانية.
قال عبد الوهاب: وقال أبو حنيفة: لا يحجر عليه إن كان كبيراً ولو كان مبذراً لماله.
والدليل لمالك رحمه الله: أن الحجر على الكبير المبذر لماله مروي عن عثمان، وعلي، والزبير، وابنه، وعائشة رضوان الله عن الجميع، ولا مخالف لهم.
ولأن كل من في منعه من ماله إصلاح له، وفي تركه معه إتلافه وخوف الفقر عليه أن الحجر واجب عليه، وأصله الصغير؛ ولأن البلوغ لا يمنع الحجر مع تبذير المال وإضاعته أصله إذا بلغ مبذراً.
وقد شرط الله تعالى مع البلوغ الرشد وهذا بالغ غير رشيد.
م/: ووجه قول أشهب: أنه قد انتقل إلى حال الرشد بالبلوغ وإيناس الرشد منه فلا ينتقل عن هذا إلا بظهور السفه البين عليه.
محمد: وقال أشهب: لا ينظر إلى سفيه في دينهع إذا كان لا يخدع في ماله.
قال ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون: في المولى عليه يؤنس منه بعد البلوغ حسن النظر في ماله إلا أنه يشرب الخمر وغيره من المسكر، فلا يحكم له بأخذ ماله إلا بالرشد في الحال وفي المال.
قالا: ولا يرد لشرب الخمر في الولاية بعد أن خرج منها.

الجزء: 17 - الصفحة: 649

وقول ابن كنانة وغيره من المدنيين لا يرشد حتى يكون رشيداً في ماله وحاله.
وقال ابن القاسم وأصبغ: إذا كان يحسن النظر في ماله خرج من الولاية، وإن شرب الخمر.
وبقول المدنيين أقول.
وقد قاله الحسن البصري.
وهو قول الشافعي.
م/: والصواب ما قاله ابن القاسم.
والدليل على ذلك: أن الحجر إنما هو لإضاعة المال وتبذيره ولخوف الفقر على صاحبه، وفسقه لا يقدح في تبذير ماله إذا كان مصلحاً لماله، ألا ترى أنه يستدام الحجر على الكبير إذا كان مبذراً لماله كما يستدام ذلك على الصغير.
وقد اتفقا أن الفسق لو طرأ على الكبير لم يحجر عليه بسببه، فكذلك إذا بلغ وهو موجود فيه، والله أعلم.
وقال أصبغ: ولا يخرج المولى عليه من الولاية ولا البكر المعنسة إلا بشهادة عدلين بحسن نظرهما في المال، ويكون مع ذلك أمراً فاشياً، وإلا لم تنفع شهادتهما في قبض أموالهما، ولكن يحكم لهما في إنفاذ ما أعتقا أو باعا وقبضا فيه.
قال أصبغ في السفيه المولى عليه، أو الصغير، أو البكر: يبيبع أحدهم الجارية فتحمل من مشتريها أو من زوج زوجها إياه المشتري وهي في ملكه، أو يكون حيواناً فتناتج فلترد تلك الدواب ونتاجها والأمة إن كان ولدها من زوج رد معها، وإن كان من المشتري فعليه الأكثر من قيمتها من يوم ابتاعها أو اليوم، ويسقط الثمن الأول عن المولى عليه إلا أن يكون قائماً، أو دخل في مصلحة لابد منها.
وأما العتق فيرد.
قال ابن كنانة: وما أقر به المولى عليه من دين عند موته فهو في ثلثه مبدأ.

الجزء: 17 - الصفحة: 650

واستحسنه أصبغ: ما لم يكثر جداً وإن وسعه الثلث.
قال ابن الماجشون: ومن باع من مولى عليه، وأخذ حميلاً بالثمن فرد ذلك السلطان وأسقط الثمن عن المولى عليه، فإن جهل البائع والحميل حاله لزمته الحمالة؛ لأنه أدخل البائع فيما لو شاء كشفه، وإن دخل في ذلك والبائع يعلم سقط الحمالة عن الحميل، علم أو لم يعلم.
م/: لأن البائع هو الذي أتلف مال نفسه.
ولو قال قائل: لا تسقط الحمالة عن الحميل إذا علم بولائه، وإن علم البائع لكان صواباً؛ لأن الحميل قد أدخل البائع في إتلاف ماله، فكأنه قال له بايعه بما طرأ عليك منه فأنا ضامن له؛ ولأن معروف صنعه معه فوجب أن يلزمه.
والله أعلم.
ومن العتبية قال عيسى: ولو أقرضت المولى عليه مالاً، أو أسلمته إليه في سلعة فاشترى بها أمة فأحبلها فهي له أم ولد، وليس لك أخذها من مالك، وترد إليه أنت السلعة إن قبضتها.
وإذا ابتاع السفيه.
-م/: يريد غير المولى عليه- أمة فأولدها فالترد الأمة على بائعها، ويرد هو الثمن، ولا شيء له من قيمة الولد، وولد السفيه حر.
فصل [6 - أفعال السفيه قبل الولاية عليه] ومن العتبية قال عيسى: في السفيه يبيع قبل أن يولى عليه فبيعه جائز، حتى يولى عليه، وقاله جميع أصحاب مالك إلا ابن القاسم.
قال: بيعه وقضاؤه لا يجوز؛ لأنه لم يزل في ولاية منذ كان؛ لأن السلطان ولي من لا ولي له، فهو في ولايته حتى يولي عليه ولياً يقوم بأمره.

الجزء: 17 - الصفحة: 651

وقال عنه سحنون: بيعه مفسوخ وإن طال الزمان فيه إن كان مشهوراً بالسفه، ولا شيء للمشتري من الثمن كالمولى عليه، وإن لم يعرف بخير ولا بشر، ولا بتبذير إلا أنه يشرب الخمر، وربما أحسن النظر في ماله ففعله هذا جائز إذا لم يول عليه.
وقال سحنون: أفعال السفيه جائزة حتى يحجر عليه.
م/: وقول ابن القاسم: في الكبير البين السفه أحسن، وحجته أقطع من أنه لم يزل في ولاية السلطان.
وقد قال ابن حبيب ومطرف وابن الماجشون: إنه إن كان قد بلغ سفيهاً فأفعاله مردودة؛ لأنه لم يزل في ولاية السلطان، وليس ترك السلطان ما يلزمه من التولية عليه يخرجه من ولايته.
قالا: وأما من خرج من الولاية بالبلوغ وإيناس الرشد وحسن النظر في أمره، وتمادى حتى باع وخالط، ثم حدث به حال سفه، فباع فيها أيضاً وخالط، ثم رفع أمره فهذا بيعه كله نافذ إلا أن يكون بيع سفه، وخديعة، يبيع ما يسوى ألف دينار بمئة فهذا يرد بيعه، ولا يتبع بالثمن إن أفسده، وإن كان بيعاً متقارباً وفيه غبن متقارب فهذا نافذ.
م/: وهذا ينحو إلى قول ابن القاسم ويؤيده إن شاء الله.
فصل [7 - أفعال المولى عليه والبكر والصغير يطلع عليها الولي بعد موتهم] قال ابن حبيب: سألت مطرفاً وابن الماجشون عن البكر، أو الصغير، أو المولى عليه يبيع أحدهم، أو يهب، أو يعتق فلا يطلع على ذلك وليه إلا بعد موته أيرد ذلك من فعله كما يرد لو كان حياً؟ فقالا نعم، لم يزل ذلك مردوداً منذ فعله فموته لا يجيزه، وذلك

الجزء: 17 - الصفحة: 652

فصول الكتاب · 78 فصل
فصول الجامع لمسائل المدونة
المقدمةالمقدمةكتاب الصلاة الأولكتاب الصلاة الثانيكتاب الجنائز من الجامعكتاب الصوم من الجامعكتاب الاعتكافكتاب الزكاة الأولكتاب الزكاة الثاني من الجامعكتاب الحج الأول من الجامعكتاب الحج الثاني من الجامعكتاب الحج الثالث من الجامعكتاب الصيد من الجامعكتاب الذبائح من الجامعكتاب الضحايا من الجامعكتاب العتق الأول من الجامعكتاب المكاتب الأولكتاب السلم الأولكتاب السلم الثانيكتاب السلم الثالثكتاب الصرفكتاب الرهنكتاب بيوع الآجالكتاب البيوع الفاسدةكتاب بيع الخياركتاب المرابحةكتاب اشتراء الغائبكتاب الوكالاتكتاب التجارة إلى أرض الحربكتاب جامع لأبواب متفرقةكتاب العراياكتاب العيوب والتدليسكتاب الصلحكتاب الجوائحكتاب الجعل والإجارةكتاب المساقاةكتاب القراضكتاب الأقضيةكتاب كراء الرواحل والدوابكتاب كراء الدور والأرضينكتاب الشركةكتاب الشهادة الأولىكتاب الشهادة الثانيكتاب الرجوع عن الشهاداتكتاب المديانكتاب الرجوع عن الشهاداتكتاب التفليسكتاب الحمالةكتاب المأذون له في التجارةكتاب اللقطةكتاب الضوالكتاب الإباقكتاب حريم الآبار وإحياء المواتكتاب الغصبكتاب الوديعةكتاب العاريةكتاب العدةكتاب الاستحقاقكتاب الحبسكتاب الصدقةكتاب الهبة والهباتكتاب الهباتكتاب الوصايا الأولكتاب الوصايا الثانيكتابً الوصايا الثالثكتاب الشفعة الأولىكتاب الشفعة الثانيكتاب القسم الأولكتاب القسم الثانيكتاب الفرائض الثانيكتابكتاب المحاربين والمرتدينكتاب القذفكتاب الأشربةكتاب الجراحكتاب الجناياتكتاب الدِّياتكتاب الجامع
جارٍ التحميل